بالخلاص يا مهند
هذا المقال ضمن ملف «عزيزي مهنّد أبو غوش»، لقراءة الملف كاملًا يمكن الضغط هُنا.
بذكر كنت لسّا واصلة من طريق 6 ساعات سفر بشتوية 2019، على جلسة حوارية كنت ضيفة فيها مع ناس تانيين. مع بداية الجلسة حسيت بتوتر وخنقة بالمكان اللي ما بعرف فيه أي شخص، من أسئلة انسألت ألف مرة من قبل عن سوريا والسوريين وأوضاعهم والطلعة من البلد وبعضها عديم الحساسية بشكل فج، مع البرد وإرهاق السفر تصاعدت الحالة حتى وصلت للحظة كان واضح أني ممكن افقد السيطرة على انفعالاتي وتنفجر بلحظة قدام الناس. كان الحل بوقتها أني استرجع بذاكرتي مقاطع من كتابات ساخرة لمهند كنت قاريتها قبل بيوم، نجحت الخطة، أكتر بشوي من اللازم، لأنو بعدي كان في شاعر من البلقان عم يحكي عن مأساتو بس كنت وصلت لمرحلة عم ببتسم بشكل هستيري أثناء حديثه، بدون ما اقدر ركز بأي كلمة عم يقولها.
كنت بتابع مهنّد ومدونته «واحد افتراضي» من سنة 2017، كان أول شي قريتو بذكر هو نص مسخرة على أسطورة المقاتلين اللي بيضطروا يدخلوا ببيوت مدنيين أهلها مو فيها، وبيتركو ورقة اعتذارية لأهل البيت. بس المقاتلين تبع مهنّد تمادوا شوي وصاروا يكتبوا تعليقات على الصور العائلية المعلقة بالبيت وينصحوا العيلة بتغيير تسريحة شعر ابنن الصغير.
كان هاد النص فرصة لقلّب بباقي النصوص واتعرف على تدوينات مهنّد اللي شدتني فيها خفة دم وحساسية وموهبة فظيعة، على الاختلافات الكبيرة بين مواضيع ولغة النصوص، ما بين السخرية العميقة المأساوية والغضب واللهو ولمحات مفاجئة من الرقة الي بيبين أحيانًا كأنو مستحي فيها، كان في مشترك، هو إحساس طفولي بيشبه صورة الولد برواية «السفينة البيضاء» لجنكيز أيتماتوف، هربان من المدرسة ورامي عنو شنتّه وحذائه ليسبح بالنهر ويخطط ليوم يروح فيه بدون رجعة على المكان اللي ناقم عليه، يقطعه كلو ليوصل عند مصب النهر عالبحر، محل رسو السفينة اللي بتمثّل الخلاص من بؤس العالم. بس نزعة الهروب بهاي الكتابات ظاهرية فقط، وهاي السخرية مانها عدمية بالمطلق، كنت بشوف أديش بالغ الجدية بمواقفه وحساسيته العالية للعدالة، هاي الحساسية المتخباية ورا صورة الولد الأزعر، اللي بتاكل من روحو، والسيف الصقيل يأكل غمده. كان يلفتني كيف ما بيشغل حاله بعبء تزويق طريقة تعبيره أو ينكر انشغاله بالقضية بشكل واضح ومباشر، بكتاباته رسوماته اللي فيها شعارات وفدائية ملثمين وصور شهداء ومعتقلين، كنت استغرب يمكن طريقة التعبير هاي من شخص قادر إذا بدو يعبّر بطريقة أكثر خفة وأقل مباشرة، بس هاي كانت طريقته ممكن بتوثيق صلته ومكانه بلحظة «الآن وهُنا»، اللي حدّة وقائعها ما فيها مكان لرفاهية الخفة والهاجس الفني ونقاشات من هالنوع. خبر اعتقاله هلأ مع الأخبار الشحيحة عن مجريات المحاكمة، مو بس مزعج لأنو مهنّد محبوس بحجج تافهة، سيرة الاعتقال ومقدماتو كلها فيها عامل منبّه لدرجة مزعجة من حالة الخدر واليأس القاسي، اللامبالي، اللي تلبست ناس كتار من اللي هشّمتهم خسائر العشر سنين الماضيات، اللي انطفى فيون آخر نفس حماس وإيمان بأي شي. بتمنى بظرف أفضل، نسبيًا، بوقت مهنّد يكون حر، نكتبلو نصوص غير هاي، نصوص تتواصل معه بحرية ولهو اكتر، مما عم يسمحلنا ظرف اعتقاله الكئيب هاد.
بالخلاص يا مهنّد.
آراء أخرى
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
«تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد»
خريف حزب الله
«يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد