بارانويا الأخ الكبير
سؤالي يتجه إلى السادة أصحاب القرار والنفوذ في نظام الحكم، وهو باختصار: لماذا تتمادون في ظلم الناس وفي الممارسات القمعية الممنهجة على الرغم من تصاعد الغضب الشعبي وتوالي شواهده العلنية من قرارات الجمعية العمومية لنقابة الأطباء إلى تظاهرات أهالي الدرب الأحمر؟
دعكم من خرافة "القمع لضمان الأمن وتثبيت دعائم نظام الحكم وحماية مؤسسات الدولة"، فأنتم تدركون بكل تأكيد أن فاعلية القمع بهدف الناس، وحملهم على الامتثال لقراراتكم، أو العزوف والانسحاب من الشأن العام أو الصمت، تتهاوى بسرعة بالغة. ولا شك لدي في كونكم على بينة من أن تماديكم في جرائم سلب حرية الناس، سجنا أو حبسا أو منعا من السفر، كما فعلتم مؤخرا مع الحقوقيين الصديقين جمال عيد وحسام بهجت، وأن انتهاك حقوقهم وكرامتهم الإنسانية وتخوينهم جماعيا حين يحتجون على الظلم، وأن الترويج لنظريات المؤامرة العبثية، تفسر شعبيا كدليل دامغ على خوفكم أنتم، وعلى انقلاب جمهورية الخوف التي حاولتم فرضها قسرا علينا، إلى جمهورية خوف خائفة وضعيفة لا أمن بها ولا مؤسسات دولة متماسكة.
إذن، لماذا؟ لماذا تقامرون بالتمادي في القمع، وتبريراتكم الزائفة من "تعقب الخونة والمتآمرين" إلى "مجرد تجاوزات فردية لبعض عناصر الشرطة" ما عادت تقنع غير أقلية محدودة العدد؟ لماذا تقامرون بالتمادي في القمع، وقطاعات شعبية واسعة يعلو أنينها بسبب الظلم الذي لم يترك مواطنا إلا واقترب منه أو من محيطه الأسري والمهني؟ لماذا تقامرون بالتمادي في القمع، والبلاد تعاني من حالة استقطاب مجتمعي غير مسبوق وفضاؤها العام يصرعه الجنون والعبث، وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية تستدعي توافقا شعبيا واسعا حول "الإجراءات المؤلمة" "الضرورية"، كل ذلك والسجون وأماكن الاحتجاز يقبع وراء أسوارها الآلاف وما يترى من قرارات حكومية تخصص أراضي لبناء سجون جديدة يكشف بعض جوانب الهاوية التي انزلقنا إليها؟ لماذا تقامرون بالتمادي في القمع، والدعم الإقليمي والدولي لنظامكم يتراجع وها هي النظرة العالمية إليكم (خاصة بعد مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني) تنجرف إلى تطابق كارثي مع النظرة إلى كوريا الشمالية وميانمار (بورما) قبل انتخاباتها الديمقراطية الأخيرة؟
أنتم، إما لن تجيبوا على السؤال أو ستطلقون، للتشويه والتشويش، مكارثيي السلطان بأنواعهم من مروجي نظريات المؤامرة العبثية إلى محترفي "توجيه النقد بالأمر المباشر" لامتصاص الغضب الشعبي. أما أنا، فلن أترككم اليوم دون تقديم احتمالات محددة للإجابة على أسباب تماديكم في القمع.
الاحتمال الأول هو أن صراعات النفوذ بينكم وبين مؤسساتكم وأجهزتكم وعناصر النخب الاقتصادية والمالية المتحالفة معكم تدفعكم إلى التمادي في قمع الناس، إما لإظهار قوة كل طرف (بعد أن اختُرلت معاني القوة في إخضاع المواطن والسيطرة على المجتمع، وضاع مضمون القوة المرتبط بالعدل) أو لتأجيل حسم الصراع وتحديد هوية "الفائزين والخاسرين" في المقامرة على السلطة في مصر.
الاحتمال الثاني هو أن "بارانويا خوف الأخ الكبير" تلاحقكم وتتطور من "الاشتباه" في كل مواطن وفي كل حركة وكل جمعية ومنظمة مدنية ونقابة، إلى الخوف منهم جميعا والخوف على السلطة التي قد تزول دون سابق إنذار، وحين يخاف "الأخ الكبير" يتسع نطاق قمعه، وتتصاعد معدلات عنفه وينقلب الادعاء الزائف باحتكار الوطنية إلى توظيف زائف لوطنية شوفينية بغية الانتقام الجماعي من "غير الممتثلين” -ودوائر هؤلاء أكبر من دوائر المعارضين.
الاحتمال الثالث هو أن بعضكم من أصحاب السلطة والقرار والنفوذ ينظرون بالفعل إلى القمع باعتباره "ممارسة مرحلية ومؤقتة"، تهدف لـ"تثبيت دعائم نظام الحكم" من خلال إسكات غير الممتثلين والضغط المستمر على المعارضين. و"القمع أو الاستبداد المؤقت" هذان يفترضان توقف المظالم والانتهاكات ما أن تنتهي مرحلة "تثبيت الدعائم"، بل وقد يُتصور أن ثمة انفتاحا على صون الحقوق والحريات في أعقابها. المسكوت عنه هنا هو أن القمع لا يأتي أبدا باستقرار الحكم، مثلما يستحيل انفتاح "الأخ الكبير" طوعا على صون الحقوق والحريات، بل تنتزع هذه منه بالمقاومة السلمية وطلب التغيير.
يحزنني الثمن الباهظ الذي يدفعه الوطن لتماديكم في القمع، تؤلمني الهاوية التي تُسقط بها جمهورية خوفكم الخائفة مؤسسات وأجهزة الدولة، تقلقني بارانويا الأخ الكبير التي تحاصر المواطن وتشوه المجتمع.
آراء أخرى
ارفعوا أيديكم عن الحركة الحقوقية
«في الشهور القليلة الماضية هُوجمت مجموعة من مؤسسات المجتمع المدني العاملة في مجال الثقافة والفنون، بالتزامن مع إجراءات من الأجهزة الأمنية لتفتيش شقق وسط القاهرة، فيما…»
«أكسجين» والموت.. الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة
«كيف يقضي عشرات ومئات المحبوسين في مصر أيامهم دون زيارة ذويهم كل هذه السنوات؟»
المعونة الأمريكية وحقوق الإنسان وأفق الإصلاح السياسي
«الرهان على نتائج الضغوط الأمريكية لإصلاح الأوضاع السياسية في مصر هو رهان خاسر»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد