المعونة الأمريكية وحقوق الإنسان وأفق الإصلاح السياسي
لم يكن قرار الإدارة الأمريكية الأخير بالإفراج عن جزء من الشريحة المعلقة من المعونة العسكرية لمصر سوى ترجمة للتحسن الذي طرأ على العلاقات المصرية الأمريكية، بعد أن شهدت توترًا في الشهور الأولى من عهد الرئيس جو بايدن، والذي أدرك بعد جولة الصراع الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين أن لمصر دورًا محوريًا في هذا الملف المتأزم.
الحديث عن ربط المعونة التي تحصل عليها مصر من الولايات المتحدة منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، بملفات الإصلاح السياسي والديمقراطية وحقوق الإنسان ليس جديدًا. فمنذ 20 عامًا أصبحت المعونة ورقة ضغط، تستخدمها الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع الحكومات المصرية بمجرد أن تحاول الأخيرة الخروج من الفلك الأمريكي إلى فضاءات أخرى.
خلال العقدين الماضيين، تراجعت قيمة المعونة التي تحصل عليها مصر من الولايات المتحدة والتي بدأت بـ2.1 مليار دولار، منها 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية و815 مليون دولار مساعدات اقتصادية، لينتهي بها الحال لتصبح 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية ونحو 100 مليون دولار فقط مساعدات اقتصادية. ويرى البعض أن استمرار وانتظام تلك المعونة هي شهادة اعتماد لمصر أمام المؤسسات الدولية، فبصرف النظر عن قيمتها، فهي دليل عن رضا واشنطن عن القاهرة وسياساتها.
إدارة بادين تعرضت خلال الشهور الأخيرة لانتقادات من منظمات حقوقية ومشرعين ووسائل إعلام إثر غضها الطرف عن «انتهاكات النظام المصري لحقوق الإنسان»، فقررت حجب 130 مليون دولار لحين اتخاذ القاهرة «خطوات محددة تتعلق بملف حقوق الإنسان»، ووافقت على صرف 170 مليون دولار من شريحة الـ300 مليون دولار التي قرر الكونجرس تعليقها في ديسمبر الماضي.
خلال فترة ترشحه للرئاسة الأمريكية، وجه المرشح الديمقراطي جو بايدن انتقادات حادة إلى النظام المصري، وتعهد حينها أنه لن يمنح «شيكات على بياض» لحليف ترامب، في إشارة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلا أن هذا الموقف لم يتم ترجمته فعليا بعد وصوله للسلطة، إلا في حدود تجميد الاتصالات المباشرة بين الرئيسين المصري والأمريكي لنحو أربعة أشهر.
فبراير الماضي، مررت الإدارة الأمريكية صفقة صواريخ من طراز «رام» بالإضافة إلى معدات عسكرية أخرى ذات صلة لمصر بقيمة 197 مليون دولار، ووصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، هذه الصفقة بأنها «عملية إحلال روتيني للصواريخ البحرية».
وأشار إلى أن الصفقة تخدم المصالح الأمريكية والعالمية من خلال «تعزيز قدرة البحرية المصرية على الدفاع عن المناطق الساحلية المصرية والمناطق القريبة من قناة السويس»، مستدركًا: «هذا لا يمنعنا بأي شكل من الاستمرار في تركيزنا على الديمقراطية وحقوق الإنسان».
وفي أبريل الماضي، ومع اشتعال جولة جديدة من المعارك بين قوات المقاومة الفلسطينية في غزة وقوات الاحتلال الإسرائيلي، بدأت مصر تحركات وجهود مع كل الأطراف لاحتواء الأزمة، انتهت بنجاحها مع أطراف إقليمية ودولية في فرض هدنة على طرفي الصراع، وهو ما اعتبره البعض استعادة لدور مصر وثقلها في الإقليم.
بعد نجاح القاهرة في الوصول إلى الهدنة بين حركات المقاومة وتل أبيب، اتصل الرئيس الأمريكي بنظيره المصري مرتين، وأعرب عن «امتنانه الصادق» للسيسي وفريق الوساطة الخاص به للعب «مثل هذا الدور الحاسم». وعبَّر السيسي عن سعادته بتلقي اتصال بايدن وشكره على دوره «في إنجاح مبادرة وقف إطلاق النار المصرية»، وأكد عمق وقوة العلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، متمنيًا المزيد من التعاون.
كان الكونجرس الأمريكي قد قرر في نهاية ديسمبر الماضي، تعليق نحو 300 مليون دولار من المعونة العسكرية الأمريكية السنوية المقررة لمصر على «تحسن حالة حقوق الإنسان وإخلاء سبيل سجناء سياسيين وحقوقيين».
ونص القرار على تجميد المبلغ المشار إليه لحين رفع وزير الخارجية الأمريكي قبل نهاية 2021 تقريرًا يُطلع فيه المشرعين على التقدم المحقق في مصر في مجال إطلاق سراح السجناء، وتعزيز مبدأ سيادة القانون ودعم المؤسسات الديمقراطية وحماية حقوق المرأة، وحماية الأقليات الدينية.
ويقضي القانون الأمريكي أن يقوم وزير الخارجية بإصدار شهادة بأن القاهرة قامت بـ«خطوات فعالة ودائمة لتنظيف سجلها قبل الإفراج عن الأموال المجمدة»، لكن وزير الخارجية، أنتوني بلينكن مارس امتيازاته باستثناء 170 مليون دولار من هذه الشروط.
وتعد خطوة بلينكن مخالفة لسياسة أسلافه المتمثلة في تجاوز رقابة الكونجرس على المساعدات العسكرية لمصر، وقال مسؤولون في إدارة بايدن لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية إن هذه هي المرة الأولى التي يرفض فيها وزير الخارجية إصدار تنازل رسمي للأمن القومي لتقديم المساعدات.
تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الأخير عن حقوق الإنسان في مصر تحدث عن قائمة طويلة من الانتهاكات في ملف الحقوق والحريات، وفق ما نقلته وكالة بلومبرج الأمريكية للأنباء.
وقال مسؤول في الخارجية الأمريكية إن أبرز الشروط التي وضعتها إدارة بايدن للإفراج عن باقي المعونة، يتعلق بإنهاء القضية 173 الخاصة بمحاكمة نشطاء منظمات المجتمع المدني وإسقاط الاتهامات عنهم، وإخلاء سبيل 16 شخصًا حددتهم الولايات المتحدة في اجتماعات مع مسؤولين بالحكومة المصرية في يونيو الماضي.
وأكدت الخارجية الأمريكية أنها لن تتغاضى عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، «نحن مستمرون في مناقشة مخاوفنا الجدية بشأن حقوق الإنسان في مصر»، وفق بيان صادر عن الخارجية الأمريكية بعد تصاعد الانتقادات ضدها، وأضاف البيان أن بلينكين «سيفرج عن الـ 130 مليون دولار إذا عالجت الحكومة المصرية بشكل حازم أوضاعًا محددة تتعلق بحقوق الإنسان».
لكن، في الوقت نفسه أكدت الخارجية الأمريكية أن مصر شريك مهم للولايات المتحدة، لا سيما في ما يتعلق بالأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والتجارة، وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية في إفادة قبل أيام: «زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت التاريخية لمصر في 13 سبتمبر هي مجرد مثال واحد على دور مصر المهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي»، مضيفًا: «مع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة قلقة من استمرار ورود تقارير عن انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان المبينة بالتفصيل في تقاريرنا السنوية».
قبل أيام من حجب جزء من المعونة العسكرية، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي «الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان» التي تهدف إلى معالجة أزمات ملف الحقوق والحريات.
وتستهدف الاستراتيجية، حسب بيان الرئاسة، «تطوير سياسات وتوجهات الدولة في التعامل مع الملفات ذات الصلة لتعزيز احترام جميع الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية». ووصف السيسي إطلاق الاستراتيجية بـ«اللحظة المضيئة في تاريخ مصر المعاصر»، معتبرًا أنها «خطوة جادة على سبيل النهوض بحقوق الإنسان في مصر».
الرئيس السيسي قال في مداخلة للتليفزيون المصري بعد أيام من إطلاق استراتيجية حقوق الإنسان إن على المصريين أن يطمئنوا إلى عدم وجود انتهاك حقوق الإنسان في بلادهم، معلنًا في الوقت ذاته أن سيتم افتتاح أكبر مجمع سجون في مصر خلال أسابيع ليكون سجنًا على الطريقة الأمريكية، «المسجون في المجمع هيقضي عقوبته بشكل آدمي وإنساني... حركة وإعاشة ورعاية صحية ورعاية إنسانية وثقافية وإصلاحية».
اعتقد البعض أن بوصول بايدن إلى الرئاسة، ستعيد واشنطن النظر في علاقاتها مع مصر، وذهب البعض الآخر إلى أن الإدارة الأمريكية الجديدة من الممكن أن تضحي بمصالحها المتشعبة مع القاهرة انتصارًا لـ«القيم والمبادئ» الأمريكية المنحازة لحقوق الإنسان والحريات العامة، لا يدرك هؤلاء أن المصالح هي اللغة التي تعتمدها كل الإدارات الأمريكية بغض النظر عن اختلافاتها السياسية.
الإصلاح السياسي واحترام الحقوق والحريات لا يمكن رهنه بضغوط الخارج، فهذا الخارج دائمًا، وعلى رأسه الولايات المتحدة، محكوم بلعبة المصالح، وحتى لو حاول بعض الساسة الأمريكان دفع العلاقات المصرية الأمريكية إلى مساحة الجمود، تنتهي تلك المحاولات سريعًا، نظرًا لتشابك المصالح والعلاقات بين الطرفين، بالإضافة إلى وجود أطراف أمريكية فاعلة تعمل على تفكيك أي أزمات في العلاقات إيمانًا منها بأن مصر حليف مهم للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
تشارلز دن، الدبلوماسي الأمريكي السابق، الذي عمل لفترة في مصر، يرى أن مصالح بلاده عابرة لأي أزمات تتعلق بانتهاك السلطات المصرية لحقوق الإنسان، وقال دن في تصريحات لمجلة فورين بوليسي منذ أيام: «دور القاهرة في التوسط في اتفاقيات السلام في الشرق الأوسط، وتعاونها في مكافحة الإرهاب، ومنحها أفضلية للسفن الحربية وحاملات الطائرات العسكرية الأمريكية التي تعبر قناة السويس، لطالما تفوق على أي قلق بشأن الطبيعة الاستبدادية للحكومة المصرية وانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان».
الرهان على نتائج الضغوط الأمريكية لإصلاح الأوضاع السياسية في مصر هو رهان خاسر، فإذ لم يكن هناك إيمان حقيقي لدى السلطة بأن احترام التنوع السياسي والديني والاجتماعي، وضمان وصيانة حقوق كل المواطنين، هو أساس بناء الدولة المستقرة، وإذا لم يتحول هذا الإيمان إلى خطوات وممارسات ديمقراطية ملموسة بدلًا من الترويج لاستراتيجيات ونصوص، وإن لم يناضل المصريون بكل السبل السلمية للحصول على حقوقهم السياسية التي كفلها الدستور، فلا أفق في تحقيق أي إصلاح.
آراء أخرى
انتفاضة القدس 2021: تأملات استراتيجية
«ست ملاحظات حول الانتفاضة الفلسطينية الأحدث»
الحقوق والحريات في مصر.. «بيدي لا بيد بايدن»
«على السلطة المصرية أن تبادر باتخاذ خطوات جادة بتحسين أوضاع ملف حقوق الإنسان قبل أن يُفرض عليها ذلك»
في «مديح» ماما أمريكا!
«تتلهف الأنظمة العربية صعود المنظومة الثانية، لتفلت من رقابة مؤسسات الحضارة الأولى»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد