تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

النقد كأداة للبناء: تقارير الفصل العنصري عن فلسطين

طارق بقعوني
8 دقيقة قراءة
النقد كأداة للبناء: تقارير الفصل العنصري عن فلسطين
كما أن اليهود كانوا ضحية النازيين، فإن الفلسطينيين أصبحوا يهودًا، أي ضحايا، لكن هذه المرة لليهود ذاتهم

يجب أن أبدأ بما يعتبره معظم الفلسطينيين حقائق لا تقبل الجدل. الصهيونية هي حركة استعمارية استيطانية تهدف، في أحسن الأحوال، إلى ازالتنا. وفي أسوأ الأحوال، إلى القضاء علينا نهائيًا. إنها أيديولوجية عنصرية ترجع أصولها إلى الإيمان بالتفوق اليهودي في فلسطين

فلسطين كلها فلسطينية. إنها وحدة إقليمية واحدة غير قابلة للتجزئة، على الرغم من المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية التي تم زرعها وفرضها على الساحل الفلسطيني. ينحاز الشمال العالمي، بقيادة الولايات المتحدة ودول أوروبا، إلى إسرائيل، ويسارع في شيطنة الفلسطينيين الذين يؤكدون هذه الحقائق. وترتب على ذلك أن عمدت وسائل الإعلام الغربية إلى تقليص تمثيل وتجاهل والسخرية إلى حد كبير من الأصوات الفلسطينية لصالح المُحللين الإسرائيليين أو الغربيين الذين يُمنحون مصداقية أكبر من التجربة الحياتية الفلسطينية في صياغة سرديات عن الأحداث ووصف الحقائق على الأرض. وأخيرًا، فإن القانون الدولي والنظام القانوني الدولي يتشكلان من قِبل الأقوياء، وهذا القانون المنافق في تطبيقه، قد خذلنا إلى حد كبير. مع ذلك، يستمر معظم الفلسطينيين في التمسك به كأداة من أدوات تحررنا المستقبلي

هذه حقائق راسخة. وفي هذا السياق، في 2021، بدأت المنظمات الإسرائيلية والدولية في نشر تقارير تتهم إسرائيل بجريمة الفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني. وبعد عقود من العمل الدؤوب من قِبل الفلسطينيين لاتهام إسرائيل بممارسة الفصل العنصري، بدأ التيار السائد أخيرًا في اللحاق بالركب.

في يناير 2021، أصدرت منظمة حقوق الإنسان الرائدة في إسرائيل «بتسيلم» تقريرًا لا لبس فيه بعنوان «نظام السيادة اليهودية من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط: هذا فصل عنصري». بعد ثلاثة أشهر، توصلت المنظمة الدولية الرائدة في مجال حقوق الإنسان، «هيومن رايتس ووتش»، إلى نفس النتيجة عندما أصدرت تقريرًا شاملًا، تضمن تحليلًا قانونيًا مكثفًا، خلُص إلى أن السلطات الإسرائيلية ترتكب جرائم ضد الإنسانية، في شكل فصل عنصري واضطهاد للشعب الفلسطيني. بعد عام، في يناير 2022، أصدرت منظمة العفو الدولية، وهي منظمة عضوية تضم أكثر من عشرة ملايين عضو في جميع أنحاء العالم، تقريرًا بعنوان «الفصل العنصري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين: نظام هيمنة وحشي وجريمة ضد الإنسانية».

حظيت هذه التقارير باهتمام أكبر من جهود استمرت عقدين من الزمن من جانب الفلسطينيين المدافعين عن هذه القضية، وذلك نظرًا للعنصرية الكامنة التي تشكل نظامنا العالمي، والتي تتجلى حاليًا بشكل كامل في التقارير عن الغزو الروسي لأوكرانيا مقارنة بتغطية التدخلات العسكرية الغربية السابقة والجارية في بعض دول الجنوب العالمي. في الواقع، هذه حقيقة مُخيبة للآمال، وتذكير مؤلم بالتسلسل الهرمي للسرديات على مستوى العالم -أي سردية تُعتبر جديرة بالاهتمام وأي سردية يتم تجاهلها- وهو نفاق تمسك به العديد من الفلسطينيين. ومع ذلك فهي ليست مفاجأة. لو لم يتم تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم ​​على المسرح العالمي، لما كنا نكافح من أجل البقاء حتى الآن. في النهاية، هذا المحو هو بالضبط الواقع الذي نعمل على تغييره.

ليس من المُستغرب أيضًا أن تقدم هذه المنظمات تقارير غير كاملة، وقاصرة بدرجات متفاوتة عما كان الفلسطينيون يدافعون عنه منذ فترة طويلة. تقرير «بتسيلم»، على سبيل المثال، لا يذكر اللاجئين الفلسطينيين، بينما يشير تقرير «هيومن رايتس ووتش» إلى أن الفصل العنصري الإسرائيلي ظهر بعد تجاوز «عقبة» خلال سنوات إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، وليس في 1948، أي منذ لحظة إنشاء دولة إسرائيل. وبالمقارنة، فإن تقرير منظمة العفو الدولية يرجع بتحليله إلى 1948 ويدعو إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين كعنصر حاسم في تفكيك نظام [الفصل العنصري] الإسرائيلي. ومع ذلك، فهي تُحجم كمنظمة لحقوق الإنسان عن اتخاذ موقف بشأن تقرير المصير الفلسطيني وحقه في السيادة على أرضه، والتي تعتبرها قرارات سياسية.

انتقد العديد من الباحثين والمحللين الفلسطينيين هذه التقارير، وشرحوا هذه الرؤى على المنصات الفلسطينية. نقطة الخلاف الرئيسية هي أنه عند استخدام إطار القانون الدولي وحقوق الإنسان، فإن التقارير تقلل من الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، ونيته في الهيمنة العرقية. وفقًا لهذا التأطير الليبرالي للفصل العنصري، فإن الحل المطروح على النضال الفلسطيني هو الاكتفاء بالتحول الديمقراطي والمساواة بين جميع المواطنين داخل النظام المذكور، بدلًا من إنهاء نظام الفصل العنصري أو تفكيكه بالكامل. بعبارات مبسطة، سيكون هذا هو الفرق بين النموذج الاستيطاني الاستعماري الأمريكي في تحقيق المساواة بين السكان الأصليين والأميركيين الأفارقة تحت مظلة سيادة العِرق أبيض البشرة، في مقابل نموذج جنوب إفريقيا، والذي يُعتبر كفاحًا مستمرًا لتفكيك نظام الفصل العنصري. هذا الشهر، أعاد المقرر الخاص للأمم المتحدة مايكل لينك الفصل العنصري الإسرائيلي صراحةً إلى الاستعمار الاستيطاني، وإن كان هذا التحليل يقتصر على ما يجرى في الضفة الغربية وحدها بدلًا من فلسطين كاملة، من النهر إلى البحر.

إن الإصرار الفلسطيني على وضع الاستعمار الاستيطاني والهيمنة العرقية كأساس لفهم الفصل العنصري، هو إصرار مُبرر وحاسم ودقيق تاريخيًا. في النهاية، لا يمكن فصل «الفصل العنصري» عن الاستعمار الاستيطاني. لا توجد حالة من الفصل العنصري غير متجذرة في الاستعمار الاستيطاني. حتى لو كانت هذه المنظمات، بقصد أو دون قصد، تضع صبغة ليبرالية على تهمة الفصل العنصري، أو أن منتقصي حقوقنا يستخدمونها لتعني شيئًا معينًا فقط؛ فلا يمكننا أن نصمت على حقيقة أن الفصل العنصري هو استعمار استيطاني، وفي حالة فلسطين، الفصل العنصري هو الصهيونية. الجهود المبذولة للتقليل من الطبيعة الاستعمارية لهذا النظام مضللة، وغير دقيقة، وتشكل إغفالًا صارخًا وغير مقبول؛ إنها مسألة حياة أو موت. تظهر هذه التقارير، مرة أخرى، القيود المفروضة على منظمات حقوق الإنسان وأطر القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بالشعوب المُستعمَرة.

ومع ذلك، فهذه أيضًا حقائق راسخة؛ لقد تعلمنا كفلسطينيين أن القانون الدولي ليس وسيلة لتحريرنا. إنه مجرد أداة في صراع يتكشف في ساحات أخرى؛ ساحات سياسية واقتصادية وعسكرية. لا يمكن أن نتوقع أن يأتي تحريرنا على جناح التقارير التي تكتبها المنظمات الإسرائيلية أو الدولية. مثل هذا التوقع لا يقوم إلا على السذاجة والفهم السيئ لكيفية عمل القوة والسياسة.

في رد الفعل إزاء هذه التقارير، نحن محقون في إعادة تأسيس، بل إعادة تكرار وتأكيد السردية الفلسطينية، والتعبير -مرارًا وتكرارًا- عن خطوطنا الحمراء كشعب. نحن محقون في المطالبة بالمزيد من حلفائنا. هذا عنصر مركزي في إعادة التأكيد على هويتنا الجماعية، كما أن هذا النقد ضروري في البناء ومواصلة الدفع من أجل إعطاء الأولوية لسردية فلسطينية موحدة. هذا النوع من التصحيحات ضروري بشكل خاص بالنظر إلى تاريخنا، حيث نشأ جيل كامل في ظل خطاب مُضلِل يركز على التقسيم وإقامة الدولة الفلسطينية، وليس على إنهاء الاستعمار. في هذا الصدد، تُعتبر هذه الانتقادات حاسمة في التمييز بين أمرين مهمين: الأول هو أن الحرية للفلسطينيين تعني التحرر من الهيمنة، وبعبارة أخرى السيادة وحق تقرير المصير، وليس الاندماج في نظام الفصل العنصري كمواطنين إسرائيليين. الثاني هو إعادة التأكيد على أن الشعب الفلسطيني يتكوّن من جموع الفلسطينيين. هذه الانتقادات ضرورية خارج فلسطين لمساعدتنا كفلسطينيين، ولمساعدة حلفائنا على مستوى العالم، في معرفة ما قد يبدو عليه إنهاء الاستعمار في القرن الـ21 في الممارسة العملية.

ومع ذلك، يجب ألا ينتهي عملنا عند هذا الحد، ويجب ألا تلقي هذه الانتقادات بظلالها على التطور الحاسم الذي يحمله نشر وتعميم تهمة الفصل العنصري. إذا أدركنا أن هذه التقارير مجرد أدوات، وليست مواقع لانطلاق عملية التحرير، وإذا اعترفنا بأن قدرة الإعلام الإسرائيلي والدولي على تشويه الحقائق لها وزن أكبر من الأصوات الفلسطينية، عندها نصل إلى لحظة مشبعة بالإمكانات السياسية. مع اقتراب المنظمات الإسرائيلية والدولية الرائدة من السردية الفلسطينية، هناك نقطة تحول في طور التكوين، يجب أن نشجعها ونستفيد منها ونبني عليها. تتمتع هذه التقارير بالقدرة على تحويل السردية حول فلسطين، في الخيال السائد، من مجرد صراع بين طرفين متحاربين وعملية سلام مُتعثرة، إلى فصل عنصري. مثل هذا التحول في صيغة السردية ضروري، ويُعد شرطًا مُسبقًا لتحررنا في المستقبل. تتكشف ساحة المعركة في الوقت الحالي، ويجب ألا نتورط في تقويض هذه التقارير، وبالتالي تمنعنا الأشجار من رؤية الغابة كاملة.

بناءً على ذلك، علينا أن نتمسك كفلسطينيين بهذه التقارير، والبدء في صُنع تأثير كرة الثلج، إذ ينبغي أن ندفع هذه التهمة إلى الأمام، ونطرحها في كل قناة إعلامية، وفي كل محادثة حول فلسطين، وفي كل لقاء مع صانعي السياسات، وفي كل حملة ضد الشركات والداعمين الحكوميين لإسرائيل. يجب أن يصبح ارتباط إسرائيل بالفصل العنصري أمرًا بديهيًا لأي متابع للأحداث، سواء كان مُهتمًا أو غير مهتم بالنضال من أجل تحقيق العدالة في فلسطين. بغض النظر عن مدى اعتقادنا بنواقص هذه التقارير، علينا الاستفادة منها، وتبنيها، وإعادة تشكيلها لتعمل لصالحنا، بينما نحن ننتقدها. ونظرًا لأن قبول المجتمع الدولي بوجود سياسة الفصل العنصري كحقيقة واقعة يتطلب قول ذلك عبر كيان دولي أو إسرائيلي، فإن ممارستنا التي تعمل على استدعاء والاستفادة من هذه التقارير قد تكون مفعمة بالسخط. لكن، وبنفس القدر، قد تصبح مصدرًا للإلهام والتحفيز بأننا نجحنا أخيرًا في تغيير المشهد الإعلامي لصالحنا، بعد سنوات من جهودنا الدؤوبة. هل قادنا تاريخنا، على أي حال، إلى توقع أي شيء غير العنصرية، خاصة من العالم الغربي؟ هذه هي لعبة السياسة القذرة التي يجب أن نلعبها من أجل دفع نضالنا إلى الأمام وتأمين حريتنا. يجب أن نستخدم هذه التقارير للضغط على هذه المنظمات وغيرها، وأن نعمل معها لتقريبها من سرديتنا. عند القيام بذلك، علينا توسيع مجال حركتنا، لتشمل الحلفاء الذين ربما ليسوا في المكان الذي نريدهم أن يكونوا فيه، لكنهم مع ذلك يتحركون في الاتجاه الصحيح.

يجب أن يحدث كل هذا دون المساس بالخطوط الحمراء، فقد كان هذا هو خطأ مَن سبقونا. لقد أدى انخراطهم السياسي والدبلوماسي إلى المساومة على الثوابت الفلسطينية، وقبول التقسيم، الذي يشكل حجر الأساس للفصل العنصري، باسم المشاركة السياسية. يجب ألا يتكرر هذا الخطأ. لا ينبغي أن تنطوي ممارسة السياسة على تقديم تنازلات جوهرية، وإلا خسرنا المعركة قبل أن تبدأ. هنا يصبح النقد ضروريًا إذا استُخدم بهدف بناء الحركة، وتأمين القوة، والبناء بدلًا من الهدم. يجب أن يسأل النُقاد: كيف يمكننا الاستفادة من هذه التقارير واستخدامها لصالحنا، رغم عدم اكتمالها؟ من المفارقات أننا نستطيع تسليط الضوء على أوجه القصور في هذه التقارير، ونستطيع الاستفادة -في الوقت نفسه- من نقاط قوتها لتعزيز سرديتنا. مثل هذه الممارسة من الاشتباك النقدي هي أمر بالغ الأهمية لبناء حركة متطورة سياسيًا وفكريًا، ويجب أن تكون مكونًا أساسيًا لسياستنا، خصوصًا وأن قيادتنا السياسية عاجزة عن الحركة وتقبل المساومة على الثوابت

تسمح لنا مثل هذه الممارسات باستعادة قدرتنا على الفعل، حتى نتمكن كفلسطينيين من تحديد خطوط معركتنا. وبهذا، لن تصبح ممارسة السياسة تنازلًا، بل مصدر قوة، لأننا نستفيد من الأدوات المُتاحة لصالحنا. طالما أننا، نحن الفلسطينيون، نفهم ماهية نضالنا من أجل التحرير -تفكيك النظام الاستيطاني الصهيوني وتحقيق تقرير المصير في فلسطين- إذن يجب أن يكون هذا هو الضوء الذي نسترشد به. طالما أن القيم التي تدفع حركتنا -الحرية والعدالة والمساواة- هي في طليعة انخراطنا السياسي، فلن نخطئ، حتى لو استخدمنا الأدوات القاصرة لمنظمات حقوق الإنسان والقانون الدولي

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).