تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الكيتش الذي ليس كيتشًا

نائل الطوخي
3 دقيقة قراءة
الكيتش الذي ليس كيتشًا

هذا المقال ضمن ملف «عزيزي مهنّد أبو غوش»، لقراءة الملف كاملًا يمكن الضغط هُنا.

جرى أول تواصل بيني وبين مهنّد منذ قبل الثورة بسنوات معدودة. كان متزوجًا جديدًا، ونشر وقتها صورة لبيت الزوجية، رأيتها فأعجبتني فوضعت له لايكًا دون أن أعرف مَن هو، فعقّب عليّ بالقول إنه لم يكن يظنني من محبي الكيتش.

كانت الصورة رقيقة، فَرْش على هيئة بجع فوق السرير، أما مهنّد فشخص رقيق ينفر من رقته.

وقتها، بحثت قليلًا لأدرك أن هذا نفسه هو «واحد افتراضي» المدون الفلسطيني الذي طالما فُتنت بتدويناته.

على مدار سنوات طويلة، راودني كثيرًا الحلم بالسفر لفلسطين، وكان أول بيت يخطر على بالي للإقامة به هناك في حيفا هو بيت مهنّد أبو غوش وعُريب عوض، زوجته آنذاك؛ أحب اثنين إلى قلبي هناك، حتى وإن لم أرهما قط في حياتي.

ورغم علمي بمعارضته الجذرية لسفر المصريين هناك، فلم أخجل من مصارحته برغبتي هذه. كنتُ أعرف أني مهما قلت له، حتى لو اختلف الكلام مع ما يؤمن به ويناضل لأجله، وحتى لو تناقض معه، فسيفهمني على الأقل.

هذا لأن «نضاله» ليس مجرد شعارات طنانة، وليست سخريته من الجميع محاولة لادعاء الفشاخة، وإنما يأتي هذا من إيمان صادق لديه بما يقوله، وبطرافة عنيفة لا تعرف المهادنة.

وطالما وُجد الصدق، فهو قادر على سماع غيره، بهذا المنطق أحببتُ كثيرًا الكلام معه، حتى عن الأمور الخلافية بيننا. أحببتُ أن أنكشه وينكشني، وأنا أعرف أني لن أفقده أبدًا.

وللأمانة، كان يعصّبني أحيانًا أيضًا، ولكن في كل الأحوال، كان صدقه هذا يصعّب عليّ، وعلى أي من متابعيه، أن يرى فيما يكتبه «كيتشًا»، وحتى لو كان كيتشًا، يقول لسان حاله، فهو يصدّقه، وبالتالي، وفوريًا، يفقد الكيتش كيتشيته ويتحوّل لطاقة محرقة.

المقاومة هي مفهومه الأثير، أينما وُجد المرء فعليه المقاومة. طيلة العشر سنوات الماضية، ظل معرضًا لكل أنواع السخرية والتشكيك في ضرورة مقاومة إسرائيل، ومُعرضًا من على الناحية الأخرى للتشكيك في الانتفاضات العربية و«الربيع العبري»، وظل يسمع ويتجادل ويتعارك رافضًا الانضمام لأي من الجوقتين. لم يفهم قط، في ما خُيّل لي، لماذا يتعيّن على المرء أن يكون إما هذا أو ذاك. يسلّط سهام غضبه على إسرائيل وأبو مازن وبشار الأسد بلا تمييز، بمرارة شديدة، وبإحباط طفل موقن أن العالم ليصبح مكانًا أفضل من غيرهم.

الآن يُحاكَم مهند أبو غوش، مع شيرين الأعرج، بتهمة «التواصل مع عميل أجنبي»، وقد يكون مقصودًا بهذا الاتصال بفلسطينيين آخرين، قرّرت إسرائيل أنهم «أجانب» بالنسبة لفلسطينيي الداخل، وكان هذا أبعد شيء عما يراه هو، كما أبعد شيء عن الواقع بكل ما فيه من إنترنت وتواصل اجتماعي نتنفّسه كالهواء.

أصلًا، ورغم سكناه في حيفا، أي في ما يُعرف تقنيًا بـ«إسرائيل»، فهو دائم التأكيد على أن أي حل لموضوع فلسطين مرفوض طالما لم يُشرَك فيه فلسطينيو المخيمات، هو ببساطة يعيش في «إسرائيل» كأنه ابن المخيم، ولا يمنعه شيء من أن يظل ابن المخيم، وهذا لأنه يعي، في ما أتصور، أن أي قصة عن فلسطين هي غالبًا قصة عن المخيم.

في النهاية، أهدي مهنّد أغنية كيتشية كذلك، بكلمات كيتشية، وأحب أن أقول له إنه فقط يخطر على بالي كلما سمعتُها.

عن الكاتب

نائل الطوخي

نائل الطوخي هو روائي ومترجم عن العبرية. آخر أعماله رواية "نساء الكرنتينا" الصادرة عام 2013، وينتظر قريبا صدور ترجمته لرواية "تشحلة وحزقيل" للكاتب الإسرائيلي ألموج بيهار.

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

خريف حزب الله

«يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).