القرصان المصري يعلن نهاية “عصر العبيد السعداء”
1
تهب الرياح الثلجية لصقيع يناير على الساحات المدججة بالمصفحات والجنود، فتكنس معها الكذب والتضليل والخداع، لكن دروس الميدان غير قابلة للنسيان، ولا للتزوير.
قبل أيام من حلول الذكرى الخامسة لثورة يناير، احتفلت هوليوود بفكرتها، عبر منح جائزة أفضل مسلسل في 2015 للمصري سام إسماعيل، مؤلف ومنتج "مستر روبوت".
وعلى الموقع العربي لجوائز جولدن جلوبز، الذي تديره جمعية مراسلي هوليود، ورد أن المسلسل مستوحى من الثورة المصرية، وأن "معاناة البطل إليوت من العزلة والغضب ليست أمراً غريباً على شباب اليوم، الذين يحاولون أن يعيشوا في مجتمع مربك، يرفضون الخضوع لقوانينه، وبالتالي يثورون ضد القوى التي تسيطر عليه".
في الربيع العربي اتجه غضب الشعوب ضد الحكام، أما في أمريكا فيصب الشباب غضبه عادة على الشركات العملاقة التي تتمتع بنفوذ يفوق البيت الابيض والكونجرس، وهي تفرض سلطتها على المؤسسات الحكومية من خلال شراء دعم السياسيين، لتتحكم في قرارات سياسية تخدم مصالحها، على حساب الانسان البسيط.
البطل قرر أن "ينتقم للإنسان البسيط الذي لا حول له ولا قوة في النظام الاقتصادي المعاصر، أمام شركات ضخمة تستغله وتنهب أمواله من دون أن يعرف"، كما يضيف الموقع.
وحكام العرب مثل شركات أمريكا، ينهبون أعمارنا، وفرصتنا في الحياة، لكننا بعد يناير أصبحنا نعرف.
2
كاتب المسلسل سام إسماعيل قال في حوار مباشر مع زوار أحد المواقع إنه استوحى فكرة المسلسل من ثلاثة مصادر: الصورة النمطية للقراصنة في الدراما الأمريكية، وأحداث الربيع العربي، خاصة في مصر، ثم الانهيار المالي العالمي عام 2008.
سام مصري مولود في نيوجيرسي، مثل بطله رامي مالك، المولود في لوس أنجلوس لأبوين مصريين مسيحيين. وكانت أحداث يناير 2011 في ضمير سام وهو يتابع العاصفة، كما قال في حوار صحفي، فقرر أن يكتب فيلما مستوحى من أحداث الربيع، ثم تحول الفيلم إلى مسلسل.
3
صاحب الفكرة الأصلية لثورة يناير هو المواطن المصري الأسطوري، الذي احتل ميدان التحرير بلا زعيم يقوده، وقرر ألا يغادره إلا بعد رحيل السلطة الطاغية.
في المسلسل يفكر شخص مسلح بالوعي وبمهارات القرصنة في أنه قادر على إسقاط أنظمة سياسية واقتصادية، وكيانات عملاقة تسرق الناس.
الشخص المرشح لهدم امبراطورية الظلم ليس بطلا بالمفهوم الهرقلي أو البونابرتي، ولا زعيما على خطى غاندي، بل مبرمج كمبيوتر شاب، بقامة قصيرة نحيلة، عاش طفولة قاسية مع أم متسلطة، وأصبح كائنا غير اجتماعي، يتسم بالعزلة والصمت والكلام المرتبك.
إليوت سيغير العالم عبر إسقاط الشركات الكبرى، "شركات الشر" كما يسميها، وعن طريق اختراق شبكات الحماية الإليكترونية، فلكل كيان نقطة ضعف، مهما كانت عبقريته وطغيانه.
سيمحو قوائم الديون المزمنة التي تمتص دماء الفقراء، وتحولهم إلى عبيد، كما بدا جلياً في أزمة 2008.
سيحرر العبيد عن طريق القرصنة الإليكترونية.
لكل شخص أو شركة أو نظام سياسي منطقة رخوة، تسمح بدخول الفيروسات الشريرة والحميدة، وتلك هي السانحة العبقرية التي اكتشفها ميدان التحرير، في لحظة خارقة، عشناها هنا قبل خمس سنوات، ثم التفت إليها صناع هذا العمل الفني الجميل.
4
زار سام إسماعيل مصر بعد اندلاع ثورة 25 يناير مباشرة، "ألهمتني تلك التجربة، وجعلت بطلي إليوت يتحلى بالروح الثورية التي رأيتها في أقاربي. إنهم شباب يفهمون التكنولوجيا، ويستخدمونها في توجيه الغضب وتحسين الحياة. إنه أمر جميل ومبهر، وقد اخترت عالم التكنولوجيا، لأنها وسيلة الشباب لتحقيق التغيير".
ضحايا القرصان الثائر إليوت هم مجرمون بالطبيعة، لأنهم هم من يحولون الحياة في المجتمع الحديث إلى جحيم. مجرمون صغار يعيشون على الكذب والخيانة. مجرمون كبار يحولون الشعوب إلى قطعان من عبيد "السيستم"، روبوتات منتجة ومستهلكة ومطيعة. عبيد سعداء، يتعلمون الطاعة يومياً من المدارس ودور العبادة والإعلام.
يقول الشعار على ملصق المسلسل: ديمقراطيتنا تعرضت للقرصنة.
5
لا يتواصل إليوت مع محيطه، بل يوجه رسائله من العقل الباطن إلى المشاهد مباشرة.
عندما سألته الطبيبة النفسية عن سبب غضبه، ظل صامتاً، لكننا سمعنا صوته يخاطبنا بوضوح، محاولا الإجابة: "ربما لأننا نرى ستيف جوبز عظيماً، رغم علمنا أنه ربح الملايين من انحناء ظهور الأطفال في تجميع أجهزة أبل. ربما الشعور بأن جميع أبطالنا مزيفون، وأن العالم بأجمعه مجرد خدعة كبيرة. تواصلنا المزيف عبر المواقع الاجتماعية يمنحنا شعوراً واهماً بالحميمية. نحن نريد أن نكون مخدرين، لأن عدم التصنع مؤلم، ونحن جبناء. اللعنة على المجتمع".
يرى إليوت، ومعه جماعة القراصنة السريين، أن الوقت قد حان أمام الشباب المعزول المظلوم ليغضب ويثور، وأن يكف عن لعب دور الروبوت المدرب على أداء أشياء لا يفهمها، تلقي بالمزيد من الأموال في خزائن الأغنياء، ولا يبقى للفقراء إلا الحلم بالجنة ونعيمها.
6
في مصر هناك على الأقل شركتان للشر، إحداهما آلة القمع باسم الدولة، والثانية مصنع للكراهية باسم الدين والطائفية. تتبادل الشركتان اللكمات على أجسادنا منذ يوليو 1952، كأنهما خصمان، لكن أحدا لم يعد يصدق غير حقيقة واحدة: الشركتان تتفقان على نهب الناس، وتختلفان على الغنيمة.
قبل أيام وقع مثقفون بياناً بعنوان أنا شاركت في ثورة يناير، جاء فيه أن ثورة ميدان التحرير "كانت الحدث الأعظم والأكرم في تاريخنا الشخصي والعام، ولن نكتفي بفضح ممارسات هذا النظام، وسنظل نعمل بصبر وثبات في النقابة والجامعة والمصنع والشارع لاستعادة مساحات للحركة، وتحقيق أهداف هذه الثورة في العدالة والكرامة والحرية".
هكذا تعيد الثورة صياغة نفسها، كما تصنع أشجار التين سكرها في هدوء التلال.
آراء أخرى
«لا نريد أن تعرفونا أو تعترفوا بنا»: رسائل غاضبة وحالمة من Gen Z
«جيل لم يعِش الحلم السابق، لكنه يسأل عن المستقبل بعينٍ جديدة»
احتجاجات جيل زد.. انتفاضة الشباب وتحديات الواقع
«تحركات جيل زد أشعلت انتفاضات شعبية في 9 دول خلال العام الجاري»
نقد النقد الذاتي
«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد