تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

العقدة الروسية المزدوجة

عبد العظيم حماد
6 دقيقة قراءة
العقدة الروسية المزدوجة
دبابات روسية من طراز BMP-3 خلال تدريب بالمنطقة العسكرية الجنوبية، ميدان كاداموفسكي، منطقة روستوف الروسية، 27 يناير 2022 تصوير: رويترز

ذكّرني مؤتمر ميونيخ لسياسات الأمن الدولي، الذي كان منعقدًا في أثناء كتابتي لهذا المقال، بمشهد يُلخص، أو يجسد الثقافة السياسية والرواسب السيكولوجية في أوروبا بشطريها الغربي والشرقي نحو جيرانهم الروس، ويفسر في الوقت نفسه الثقافة والسيكولوجية الروسية نحو أوروبا، وعموم ما نسميه حاليًا بالغرب٠

حدث هذا المشهد في اليوم الثاني لدورة المؤتمر عام 2002، وقد حضرتُ كل الدورات طوال فترة عملي في ألمانيا، إذ دأب المنظمون على تخصيص اليوم الأول للمتحدثين الألمان بوصفهم المضيفين، ثم يعقبهم الضيوف الأمريكيون من الوزراء أو نوابهم وأعضاء الكونجرس والخبراء. ويبدأ اليوم الثاني بالمتحدث الروسي، وكان ممثل روسيا في تلك الدورة هو سيرجي إيفانوف، وزير الدفاع. وبينما كانت قاعة فندق شتاينبرجر هوف التي تنعقد فيها الجلسات مكتظة بالحضور في اليوم الأول، كانت شبه فارغة في أثناء حديث إيفانوف، بل وكان الحضور القليلون منشغلين أغلب الوقت في أحاديث جانبية، وبينما كان تقديم رئيس الجلسات للمتحدثين الألمان والأمريكيين حميمًا ومسهبًا، كان تقديمه للمتحدث الروسي فاترًا ومقتضبًا.

قبل أن أشرح كيف جسّد هذا المشهد العقدة الروسية في أوروبا والعقدة الأوروبية في روسيا، من المهم أن أشرح أهمية مؤتمر ميونيخ لسياسات الأمن الدولي (الحواري غير الرسمي) في السياسة الدولية والعلاقات الروسية الغربية. وهي الأهمية النابعة من سبب وتوقيت تأسيس المؤتمر. فقد تأسس بعد عامين فقط من إقامة سور برلين الفاصل بين شرقها الشيوعي وغربها الرأسمالي، في أعقاب محاولة فاشلة لفرض حصار سوفيتي جديد على برلين الغربية مماثل لحصار عام 1948، وهو ما أشعل أخطر أزمة دولية قبل أزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا، وأدى إلى انقطاع تام في الاتصالات الدبلوماسية بين الشرق والغرب. ولمّا كانت كل الأطراف لا تريد تصاعد الأزمات إلى حد الحرب العالمية، ولمّا كان الألمان يدركون أن بلادهم بشطريها الغربي والشرقي هي الجبهة الرئيسية والوحيدة تقريبًا في تلك اللحظة للصراع الأمريكي السوفيتي، فقد فكروا في طريقة تُبقي باب التواصل والحوار بين كتلتي الأطلنطي ووارسو مفتوحًا حين تنقطع الاتصالات الرسمية، ولو من خلال محفل غير رسمي. وهكذا ولدت فكرة هذا المؤتمر، واطرد نجاحها دون انقطاع، حتى في أحلك الأزمات. وذلك لأن كلًا من موسكو وواشنطن رأت فيه صيغة تضمن استمرار التواصل، و تحفظ هيبة كل منهما لحظة الأزمة المحتدمة، دون أن يبدو أن أي طرف قدم تنازلًا بطلب التفاوض.

نعود إلى مشهد 2002، الذي أبدا فيه حضور مؤتمر ميونيخ عدم اكتراث، بل عدم احترام، واضح لوجود وزير دفاع روسيا على المنصة. ليس فقط مقارنة بالمتحدثين الألمان والأمريكيين، ولكن أيضًا بالمقارنة بالمتحدثين البريطانيين والفرنسيين، ولا أدري حتى الآن ما إذا كان ذلك سلوكًا مقصودًا، أم تصرفًا لا واعيًا. إلا أنه في الحالتين تعبير عن عقدة الأوروبيين من روسيا، فهم لا يحبونها، بسبب ثقلها الاستراتيجي المخيم فوق القارة، والذي لا يمكن تجاهله أو الاطمئنان إليه، وهم لا يحترمونها بسبب ما يرونه من تخلفها حضاريًا، وتراثها الاستبدادي الشمولي المتأصل، فضلًا عن اختلافها عرقيًا ومذهبيًا عن الآريين الأوروبيين. ولكنهم في ذات الوقت يرهبونها لدرجة الرعب بسبب ذلك الثقل الاستراتيجي المؤلف من كتلة سكانية تعادل كل سكان دول أوروبا الكبيرة مجتمعة، وبسبب العمق الممتد حتى المحيط الهادئ، وبسبب شتاء هزم وسيهزم كل من فكر أو يفكر في غزوها، هذا  غير الميل التاريخي إلى التفوق العسكري على كل الجيران، فضلًا عن الموارد الطبيعية غير المحدودة، كموارد الطاقة التي يحتاجها الأوروبيون احتياجًا مسيسًا. لذا فكما أشرنا توا فإنهم يدركون أن روسيا أهم وأخطر من أن يتجاهلوها أو يقاطعوها أو يعزلوها، وهي حالة يمكن أن تشبه زواج العقل في أحسن ظروف العلاقات بين الجانبين، وزواج الإكراه في أسوأ ظروف تلك العلاقات.

هذان التشبيهان يسريان أيضًا على شعور الروس نحو أوروبا. وعلى إدراكهم لحتمية العلاقات معها. ولكن المفارقة في الحالة الروسية هي أن الروس يشعرون بالتفوق الاستراتيجي من الزاوية العسكرية على الأوروبيين، ويدركون كل أسباب هذا التفوق ويعتزون بها. لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بشيء من النقص جرّاء تمني ومحاولة الاندماج في أوروبا ثقافيًا وسياسيًا منذ بطرس الأكبر، مع الاعتزاز بما يسمى الآن بالقيم الأوراسية المتشككة دائمًا في الديمقراطية الغربية. كما أنهم مستاؤون من عدم احترام أوروبا والغرب عمومًا لبلادهم، ويتوقون إلى هذا الاحترام، وهم أيضًا يدركون تخلفهم الصناعي مقارنة بالغرب، باستثناء الصناعات العسكرية.

ويبقى المكون الأهم في شعور الروس بعدم احترام الأوروبيين لهم هو استمرار العقيدة الاستراتيجية الغربية المتمثلة في حصر روسيا في إقليمها البري. بمعنى منعها من الوصول إلى المياه الدافئة، ومن ثم من النفوذ الكوكبي، كما ظل الحال منذ ظهور روسيا كدولة كبرى زاحفة نحو الجنوب على حساب الدولة العثمانية، في عهد كاترين الكبرى ومن خَلفها من القياصرة. أما المكون الأكثر حداثة لهذه العقدة فهو مسلسل الإهانات الذي بلغ حد الإذلال لروسيا في السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والأوروبيين حتى مجيء فلاديمير بوتين رئيسًا، إذ تطورت سياسة حصار روسيا بغرض عزلها عن البحار الجنوبية الدافئة، إلى محاصرتها بريًا في أوروبا بعزلها استراتيجيًا عن أوروبا الشرقية كليةً.

لعل هذه الخلفية تفسر لنا بعض الآراء المهمة التي ظهرت على استحياء في ألمانيا بالذات حول الأزمة الراهنة بشأن أوكرانيا، وذلك في ضوء أن الألمان تاريخيًا -ومنذ فريدريك الأكبر- هم الأكثر احتكاكًا بالروس وتفهمًا لهم، فقد قال القائد البحري الألماني، آخيم شونباخ، في بداية الأزمة إن ما يحتاجه بوتين هو الاحترام، وهو يستحقه. وكما نعلم فقد استقال أو أُقيل شونباخ بسبب هذا التصريح، لكن ذلك لم يمنع المستشار الألماني الأسبق، جيرهارد شرودر، من أن يكتب أن المناورات والحشود العسكرية الروسية حول أوكرانيا هي رد بوتين على مناورات حلف الأطلنطي في دول البلطيق وبولندا والبحر الأسود، في إشارة إلى رفضه لمزيد من عدم احترام الغرب للروس. بل إن شرودر وجه لومًا إلى وزيرة خارجية بلاده لأنها بدأت جهودها الدبلوماسية في الأزمة الحالية بزيارة كييف قبل موسكو، ولأنها ذهبت إلى موسكو عبر كييف، ما اعتبره المستشار السابق إشارة عدم احترام غير لائقة لروسيا، وإن تكن صغيرة مقارنة بمناورات الأطلنطي على الحدود الروسية.

من باب الموضوعية، لا بد أن نعترف بأن معظم شعوب أوروبا الشرقية والبلقان لديها عقدة كراهية وخوف من روسيا تزيد أضعافًا مضاعفة عن هذه العقدة لدى شعوب أوروبا الغربية، وهذه هي البيئة الخصبة لتوسع حلف الأطلنطي شرقًا. وهنا أتذكر وأذكر أن ضيفًا تشيكيًا على دورة مؤتمر ميونيخ لسياسات الأمن الدولي، التي بدأ هذا المقال بالإشارة إليها، قال لي: «نحن نشعر أننا بخير طالما أن أمريكا بخير وتقف إلى جانبنا».

الآن نلقي نظرة على الأزمة المحتدمة حاليًا حول أوكرانيا، ومع التسليم بأن الموقف الراهن قد يتغير عسكريًا أو دبلوماسيًا حين يُنشر هذا المقال، فالذي لا شك فيه أن من حق وواجب بوتين من الناحية الاستراتيجية منع انضمام أوكرانيا إلى الأطلنطي، ووقف محاولات حصار بلاده في البر الأوروبي، ورفض نشر أسلحة استراتيجية قرب أراضيه، وترسيخ مبدأ عدم قابلية روسيا للإذلال مرة أخرى، وإلى الأبد. لكن في المقابل ليس من المعقول أن يقدم أي رئيس أمريكي تعهدًا مكتوبًا بإغلاق باب الأطلنطي أمام من تحددهم روسيا، فهذه إهانة أو إذلال معكوس لا يتفق لا مع المنطق ولا مع موازين القوى الدولية الشاملة. بل إن النتيجة الوحيدة الملموسة حتى اللحظة هي أن حلف الأطلنطي استعاد روحه التي كاد يزهقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وقد يكون هذا مكسبًا كافيًا للأمريكيين، يُسّهل عليهم إبداء تفهم لحاجة بوتين إلى الاحترام المستحق، وبما أن الموقف قابل للتغير في كل لحظة فلندع ما ستأتي به الأيام لوقته.

عن الكاتب

عبد العظيم حماد

عبد العظيم حماد هو كاتب صحفي، رئيس تحرير الأهرام والشروق سابقا. حاصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة القاهرة عام ١٩٧٢. ويعمل بالصحافة منذ عام ١٩٧٤.عمل مديرًا لتحرير الطبعة العربية للأهرام، ومراسل الأهرام في ألمانيا ووسط أوروبا (٢٠٠٠ - ٢٠٠٥) ​له كتب و أبحاث…

آراء أخرى

رأي
مارينا كالكولي

تفاهة التطبيع (1-3)

«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).