عن العيش والعمل والتحرك بين بيروت ودمشق بأسماء ليست لنا
كان اسمي «لينا المصري»، وكنت أكرهه. رغم أنني اخترته بنفسي في البداية لأنه يحمل اسم لينا، إحدى المحررات اللواتي ساعدنني، إلا أنني لم أدرك أنه، مهما كان الاسم، سأعجز عن تقبّله في النهاية.
في أواخر عام 2022، دخلتُ أول مرة مكتب موقع «ميغافون» في بيروت. أحببت تفاصيله. اسمع تعليق أحدهم في الخلفية: «روحي شوفي شو مغلطين، بدهن يدمروا المؤسسة!» أعجبت بطريقة التعامل مع الأخبار، وكيف أن دورة الخبر كانت أشبه بتمرين نكرّره جميعا، بحماس أو ملل، بفرح أو توجّس مختلف.
بدأت فترة التدريب في «ميغافون» التي امتدت لثلاثة أشهر، ومعها تغير موقعي كمشاهدة عن بُعد إلى أن أصبحت جزءًا من الفريق الذي يصنع الخبر. أحببت القدرة على النقد، والحرص على أخذ مسافة لرؤية القضايا من زوايا مختلفة، والعمل باستقلالية. كنت أتنفس من جديد، قدرتي على تغطية الشأن العام السوري في منصة تتماشى سياستها التحريرية مع توجهي كصحفية سورية؛ الموقف الحاسم ضد نظام الأسد ودعم قضايا اللاجئين السوريين في لبنان.
في بداية عملي، اجتمعتُ مع الفريق الذي يعمل على حماية الأمن الرقمي للعاملين. وبعد الحديث، ومعرفة أنني ما زلت أزور دمشق أحيانًا، طُلب مني اختيار اسم مستعار للعمل. لم أفكر كثيرًا، ظننته قرارًا عابرًا لن يستحق الاهتمام. عملي كان يتركز على التصميم، وتحرير الفيديوهات، والجانب الفني للمواد الإخبارية، وهو جهد جماعي لا يرتبط باسم فرد واحد. لكن الأمور لم تكن بهذه البساطة.
تسلّمت بريدًا إلكترونيًا باسم «لينا»، وكذلك حسابي على تطبيق «سلاك»، حيث ننظم العمل، بالاسم نفسه. كان الاسم يقفز أمامي على الشاشة طوال اليوم، اسمٌ ليس اسمي. لم يمضِ أسبوعان حتى قررتُ تغييره فقط على «سلاك»؛ ظننتُ أن لا أحد سينتبه. لكن بعد دقائق، تحدث معي المدير التنفيذي للمؤسسة، جان قصير. جلسنا سويًا، وسألني إن كان بإمكاني استعادة «لينا». تناقشنا؛ أنا من منطلق «ما رح يصير شي»، وهو من منطلق أن النظام السوري هو الرعب المطلق، وأن فريق الأمن الرقمي نصح بذلك.
كان جان حين يتحدث عن نظام الأسد ينقل خوفًا مختلفًا، خوف اللبنانيين الذين شاركونا معنى الحياة في ظله. اختبرت عائلات كثيرة في لبنان، ومنها عائلة قصير نفسه، كيف يتغير شكل الحياة تحت الوصاية الأسدية إلى شبكة محكمة من الخوف والمراقبة. المخابرات السورية في لبنان لم تفرض سيطرتها العسكرية فقط، بل كانت تعيد تشكيل حدود المسموح والممنوع داخل البيوت والحوارات اليومية. اغتيال سمير قصير تخطى كونه مجرد تصفية لمعارض، بل كان رسالة بأن الكلمة نفسها فعلٌ يستوجب العقاب، وأن من يجرؤ على السلطة يدفع الثمن أمام باب منزله.
لكن قصير لم يشاركنا معنى العيش في دمشق خلال السنوات الأخيرة، حيث خلقنا مجتمعًا مصغرًا نعيش فيه سويًا، نتشارك الكثير من المبادئ، والانتظار والملل، والهواجس، والخوف. كنا نجاور الوحش في عيشنا، ومع أنه لم يتوقف عن التغلغل بكل أذرعه، إلا أننا تعلمنا، وبأصعب الطرق وأعقدها في بعض الأحيان، أن نهرب.
يُقال إن من بقوا ساهموا في دقّ الأسافين في نعشه، لكنني لا أرى في الأمر شجاعة، أو هي شجاعة بقدر ما استطاع كلٌّ منا أن يبلغها، أو محاولة نجاة تلو الأخرى. لكننا كنا هنا، بجواره، ما جعلنا معتادين على الوحش، فقللنا من شأنه، فهو لن يأكلنا إن لم يعرف ماذا نفعل. وأظن أن هذا اختلاف جوهريٌّ بين من كان خارج هذا الثقب، ومن كان بداخله، ولم يُجبر يوميًا على أن يطوي لسانه في طبقات ويعض عليه مرة بعد الأخرى.
المسافة بين بيروت والشام حوالي ساعتين بالسيارة، ومع الحواجز، تمتد إلى ثلاث ساعات أو أكثر. لكنّ الدقائق الخمس التي أقضيها على الحدود السورية أمام الموظف ليضع الختم على جواز سفري كانت الأطول، حيث يرجف جسدي رجفات قاسية، أحاول اخفائها، وتتكثف دقات قلبي فيما أراقبه يدقّ الاسم حرفًا حرفًا على الكمبيوتر بإصبع واحد، ينظر إليّ ثم إلى شاشته، ويكرر ذلك.
في هذه اللحظات، لا يهم أنك «شيّكت اسمك»، أي أنك دفعت رشوة لأحدهم ليفحص لك بياناتك على أجهزة الدولة قبل قدومك للتأكد من عدم وجود أمر اعتقال ضدك. ما يهم هو أن تصدّق أنهم لم يعتقلوك، لم يتعرّفوا عليك، لم يدركوا كم تكرههم، لم يكتشفوا طبيعة عملك، ولم يعرفوا ماذا تفعل ضدهم. كان ذلك انتصارًا بسيطًا، يتوغّل داخلك، يختلط بالخوف من أن تكون قد نسيت على هاتفك صورة تجمعك بأحد أصدقائك المعروفين بمعارضتهم، أو إيميلًا يتضمّن مادة كتبت فيها ما تفكّر به حقًا تجاههم.
كانت بيروت نافذتنا المفتوحة على احتمال آخر للحياة، رغم ما حملته لنا من عنصرية. كنا نعرف أن في أزقتها أصدقائنا، وأن بيوتهم ستظل مشرعة لنا كلما احتجنا أن نلتقط أنفاسنا بعيدًا عن بطش بشار اللامنتهي. هناك، حيث تغيب السلطة إلا عن حدودها الهشة، بدا كل شيء على النقيض من سطوة المخابرات السورية. كنت أمرّ بجانب جندي لبناني دون أن يرتجف قلبي كعادته، دون أن أشعر أن عيون الأمن تلاحقني من كل زاوية. بتناقضاتها كانت أقرب علينا من مدننا المغلقة، وحريتها تلمس يدك وتدفعك إلى الأمام، حتى لو عاد وأدركك التعب لاحقًا. بيروت مجنونة لا تستقر على حال، تهبك الحياة بقدر ما تنتزعها منك، لكنها رغم كل شيء، تترك أبوابها مواربة لمن يجرؤ على العودة.
أعدتُ الاسم، وأيقنتُ أنني سأقضي معه وقتًا طويلًا، لذا كان عليّ أن أعتاده بطريقة أو بأخرى. لكن المشكلة لم تكن في الاسم فقط، بل في جذور ممتدة داخلي، في طبقاتٍ من التخفي والإخفاء، في ملاحقة الكلمات التي قيلت ولم تُقل، في كل المنشورات التي حُذفت، والآراء التي كُتمت. هي تجربة السوري مع الخوف، السوري الذي تعلّم أن الأفضل دائمًا أن يختبئ، أن يبتعد عن الطريق، أن يقلل كلامه.
كل مرة وضع أحدهم لي «تاغ»، كنت أقول في داخلي: اسمي رهام. أنا رهام. كان الأمر مضحكًا أحياناً، فالقصة لا تبدو بهذا التعقيد، خاصة أن علاقات الصداقة والزمالة في المكتب كانت تسهّل الأمور. فالصديق يراك، يسمعك، يعرفك. لكن رغم ذلك، لم يتغير شيء. وبلغت ذروته حين كنت أعمل على مواد معينة ولا أستطيع مشاركتها على صفحتي، فأكتفي بإرسالها في رسائل خاصة لأصدقائي، أخبرهم أنني ساهمت فيها، حينها سيضطرون للرد والتفاعل معي.
بشكل أقل تعقيدًا، هذا النص كتب لأقول فيه إنني عملت مع «ميغافون» خلال العامين الماضيين وأشتاقها، كما أشتاق بيروت، لكنني لا أحنّ للأسماء المستعارة، على أمل ألّا أحتاجها مجددًا، وأن تصبح هويتنا السورية أقل قسوة علينا مما مضى.
ما زلت أتدرب على قول: أنا رهام مرشد، صحافية من سوريا.
آراء أخرى
بين السلطوية والانهيار.. جدل التنمية والحرية
«لا تتعامل مع الدول الخليجية وكأنها النموذج المنشود لكل مواطن عربي»
قطع الطريق على «25 يناير»
«على السلطة أن تطرح أجندتها للإصلاح على الناس قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى الاعتذار لهم بعد فوات الآوان»
وزارة الحقيقة وجوبلز في «الأعلى للإعلام»
«لا يزال «الأعلى للإعلام» في مصر وشركائه، يستندون في التعامل مع ملف الإعلام على نظرية عفى عليها الزمن»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد