تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

«الجمعية العمومية» تحاصر الاحتلال الإسرائيلي

عبد الغني سيد
22 دقيقة قراءة
«الجمعية العمومية» تحاصر الاحتلال الإسرائيلي

بأغلبية ساحقة، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 سبتمبر الماضي قرارًا تاريخيًا بشأن التزامات إسرائيل والغير، أي المجتمع الدولي بأكمله، تجاه إنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وهي الأراضي المشار إليها عادةً بمصطلحات «القدس الشرقية» و«الضفة الغربية» و«قطاع غزة». 

تكمن أهمية القرار في أمرين؛ أولهما مجيئه تبعًا وتنفيذًا لرأي استشاري تاريخي أصدرته محكمة العدل الدولية في 19 يوليو من العام الجاري، اعتبرت المحكمة بموجبه الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة عام 1967 مخلًا بالقانون الدولي، وثانيهما يكمن في أن قرار الجمعية العامة يؤسس إطارًا دوليًا عمليًا لإنهاء الوجود الإسرائيلي بأراضي فلسطين المحتلة في 1967. من ناحية، يحتوي هذا الإطار على التزامات على عاتق الجانب الإسرائيلي، أهمها إنهاء الاحتلال خلال 12 شهرًا، وهو ما لن تُقدم إسرائيل على احترامه كما هو متوقع. أما من ناحية أخرى، الأهم هو أن الالتزامات الواجب تنفيذها تقع من الآن فصاعدا على عاتق «جميع الدول»، لا إسرائيل وحدها فحسب، أي أن كل دولة عضوة في الأمم المتحدة ملزمة من الآن باتخاذ أفعال أو الامتناع عن إتيان أفعال بعينها، وذلك وصولًا إلى إنهاء أوضاع الاحتلال منذ عام 1967.

وتأسس هذا الإطار في شكل قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة، إذ صوتت 124 دولة لصالحه، وامتنعت 43 دولة عن التصويت، فيما صوت ضد القرار ممثلو 14 دولة فقط، وهي: الولايات المتحدة وإسرائيل، وحكومتا اليمين الفاشي في الأرجنتين والمجر (الأولى بقيادة الرأسمالي الفوضوي، خافيير ميلَي والأخيرة بقيادة تاماس سوليوك وهو ابن سياسي نازي شارك في الهولوكوست)، وباراجواي وجمهورية التشيك، بالإضافة إلى ثمان دول صغيرة، ثلاث منها خاضعة في أمورها الخارجية للإرادة الأمريكية بشكل رسمي بموجب اتفاقات شبه استعمارية (Free Association Compacts)، وخمس دول أخرى تصوت لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل بغض النظر عن الموضوع وهي: بابا نيو غينيا وتونجا وتوڤالو ومالاوي وناورو.

الاحتلال غير مشروع «في حد ذاته» 

في ديسمبر 2022، تبنت الجمعية العامة قرارًا قدمت بموجبه طلبًا لمحكمة العدل الدولية بإصدار فتوى بشأن الوضع القانوني للاحتلال الإسرائيلي في ضوء ممارسات أبرزها التهجير ومصادرة الأراضي والاستيطان والفصل العنصري. في طلبها هذا، سعت الجمعية العامة إلى تأسيس وضع قانوني جديد يعتبر «مجرد» الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 «في حد ذاته» مخالفًا للقانون الدولي. هنا تكمن أهمية الإطار الذي نتحدث عنه، حيث إن ما طلبته الجمعية العامة هو أن تبدي المحكمة رأيها في منظومة الاحتلال ككل، لا مجرد ممارسة من ممارسات الاحتلال (كالاستيطان أو الهدم العقابي للمنازل أو نظام الفصل العنصري أو غير ذلك). 

فطوال العقود الماضية، صدرت مواقف وقرارات عديدة تتحدث عن انطواء بعض ممارسات قوات الاحتلال على مخالفات للقانون الدولي، وذلك من جانب منظمات حقوقية ليبرالية، ودول (حتى الولايات المتحدة منها)، وأعلى الهيئات الأممية (كقرارات مجلس الأمن، وآخرها صادر عام 2016 بشأن غياب قانونية الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية)، وهيئات قضائية منها المحكمتين الدولتين الدائمتين، العدل والجنائية، بل والقضاء الإسرائيلي ذاته. لكن من زاوية، تعد كل هذه التحركات قاصرة للغاية، بما في ذلك دعوى الإبادة الجماعية المنظورة أمام محكمة العدل وجميع تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية منذ 2015. ففي هذه الأمثلة، يتحدث القانونيون والدبلوماسيون والمؤسسات الحقوقية عن ممارسات تُرتكب «أثناء» الاحتلال أو «في سياقه» باعتبارها غير مشروعة، لكن لا وجود في هذا الخطاب لأي حديث عن مشروعية أو انعدام مشروعية الاحتلال في «حد ذاته»، أي مجرد الوجود الإسرائيلي نفسه.

يتعرض الرأي الاستشاري للمحكمة الصادر في 19 يوليو من العام الجاري وقرار الجمعية العامة الصادر في 18 سبتمبر لمسألة عادة ما لا يتم التعرُّض لها في الخطاب القانوني والديبلوماسي والإعلامي في التاريخ الحديث. فعندما نتحدث عن فتوى المحكمة وقرار الجمعية العامة، لا نتحدث عن إدانة ثمة جريمة أو ممارسة أو سياسة للجيش الإسرائيلي، بل نتحدث عن الاحتلال في حد ذاته، في نفسه وكله، أي كل ثانية فيه وكل عنف يمارس في سياقه، باعتباره غير مشروع في نظر القانون الدولي. 

قد يبدو الفرق بين إدانة ممارسات «تتم في سياق الاحتلال» وإدانة الاحتلال «في ذاته» فرقًا بسيطًا، ولكنه خطير من الناحيتين النظرية والعملية.

استخدام القوة بين الحق والكيف

يفرًّق القانون الدولي بين مسائل «الحق في الذهاب إلى الحرب» من ناحية، ومسائل «كيفية» (أي طريقة أو سبل ووسائل) ممارسة العنف في الحرب من ناحية أخرى. فيتناول موضوع «الحق في استخدام القوة»، أي الحق في شن حرب أو إقامة نظام احتلال، نظام قانوني خاص، تتعلق قواعده بمبادئ مثل احترام «سيادة الدولة» و«وحدة أراضيها» ومبادئ «عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة بالقوة» و«الامتناع عن ضم أراض أو تغيير الحدود بالقوة». والقاعدة هي أن أي استخدام للقوة ضد دولة وأي احتلال هو مخالف للقانون الدولي ويشكل «عملًا من أعمال العدوان»، ويترتب عليه مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، والاستثناء على هذه القاعدة يأتي في حالة وجود مبرر يتعلَّق بحق الدولة في ممارسة الدفاع المشروع عن النفس طبقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

بينما يحكم نظام قانوني آخر «سبل ووسائل استخدام القوة»، (باللاتينية jus in bello)، ويشار إليه بأسماء ثلاثة تعني نفس الشيء وهي «قانون الحرب» و«قانون النزاعات المسلحة» و«القانون الإنساني». تقول السردية الرائجة إن هذا القانون يسعى الى «تحقيق توازن بين الضرورة العسكرية والاعتبارات الإنسانية»، وتندرج تحته قواعد سير الأعمال العدائية وحماية المدنيين وقانون الاحتلال. يتعلق قانون الحرب مثلًا بضرورة التفرقة بين المدنيين والأهداف العسكرية، وتوجيه الضربات ضد الأهداف العسكرية فقط، وتوفير المعونة الإنسانية للسكان المدنيين، والامتناع عمومًا عن أي عمل عسكري لا تبرره اعتبارات «الضرورة العسكرية».. إلخ، وتنطبق جميع قواعد قانون الحرب بغض النظر عن كون الحرب نفسها مشروعة أو غير مشروعة، إذ لا يتعامل قانون الحرب مع الحرب باعتبارها مشروعة أو غير مشروعة «في ذاتها». لا يكترث قانون الحرب من الأساس بسؤال مشروعية الحرب أو الاحتلال، بل يتعامل مع تلك الأمور باعتبارها مجرد أحداث، والأهم هو أنه بمجرد حدوثها، تكون قواعده، أي قواعد سير الأعمال العدائية، واجبة التطبيق فورًا.

وينطبق الأمر ذاته على مسألة الاحتلال، وهو فرع يندرج تحت قانون الحرب. فإن كان قانون الحرب عمومًا «يسعى لتحقيق توازن ما بين الاعتبارات الإنسانية والضرورة العسكرية»، فإن فرع قانون الإحتلال خصوصًا يسعى إلى تحقيق توازن ما بين الاعتبارات الإنسانية واحتياجات سكان الإقليم المحتل من ناحية، والاعتبارات العسكرية والأمنية لسلطة الاحتلال من الناحية الأخرى. وتمامًا كتعامله مع حدث «الحرب»، لا يحكم قانون الاحتلال على مسألة مشروعية أو انعدام مشروعية «الاحتلال بذاته»، بل يشمل فقط مسائل كيفية استخدام القوة في الإقليم المحتل (من حيث القتل والإصابة والاحتجاز) وكيفية إدارة الإقليم المحتل سياسيًا واقتصاديًا وكيفية التشريع وغير ذلك. 

لعدم اتساع المجال، سأترك لمقال لاحق الحديث عن الأسباب السياسية -القانونية- التاريخية للتفرقة بين مسائل «الحق» في استخدام القوة ومسائل «كيفية» استخدامها، وما يترتب على هذه التفرقة وتطبيقاتها العملية من أمور جسيمة على أرض الواقع، ليس في حالة الشعب الفلسطيني فحسب، بل فيما يخص شعوب الجنوب العالمي بأسره. سأكتفي هنا بالإشارة إلى أن التعاطي القضائي أو حتى الحقوقي أو الدبلوماسي مع مسائل «كيفية» استخدام القوة (أي قانون الحرب)، وإدانتهم أفعال ارتكبت «أثناء» الهجوم العسكري، إنما هو أبسط كثيرًا من التعرُّض لمسائل الحق في استخدام القوة، والتي قد تؤدي إلى إدانة الهجوم العسكري كله، بأكمله. يقوم الخطاب السياسي والقانوني الحديث على أساس نظري، أو «زعم نظري» بالأحرى، تخضع بمقتضاه مسائل «الحق في الذهاب إلى الحرب» لحسابات معقدة منها اعتبارات «سياسية»، وبالتالي لا نتحدث عنها كثيرًا ويجوز تأجيلها (لزمن إما يطول أو لا يتوقف أبدًا)، بينما تخضع مسائل «سلوك الجيوش أثناء الحرب» لقوانين واضحة، يجوز تطبيقها بطريقة تقنية، شبه أوتوماتيكية، وبالتالي يجوز إصدار أحكام موضوعية، بل «علمية»، بشأن ما إذا كان طرف متحارب قد أخل، في حادث أو ممارسة بعينها، بالقوانين الحاكمة لكيفية ووسائل استخدام القوة. 

المنطق، على سبيل المثال، هو: إن الحكم على مسألة ما إذا كان للولايات المتحدة وبريطانيا «حق» في مهاجمة العراق في 2003 مثلًا يعد أمرًا معقدًا، إذ يخضع لضرورة الاستقصاء وفحص الأدلة بشأن وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق، وكذلك بشأن نوايا العراق حال امتلاكه تلك الأسلحة، كما يخضع لآراء بشأن ما إذا كان النظام العراقي بممارساته وأيدولوجيته يهدد السلم العالمي، وغير ذلك، وتحتاج مناقشة تلك الأمور بعض من الوقت. لذلك، وبغض النظر عن ما إذا كان للقوات الأمريكية والبريطانية «حق في استخدام القوة»، فإن قانون الحرب واجب التطبيق فورًا، وبالتالي على تلك القوات ممارسة القتل والدمار والتهجير وفق ضوابط وبشكل إنساني، أما مسألة «مشروعية الحرب نفسها» تلك، فهي مسألة منفصلة ومعقدة ومسيسة، فقد يتأخر البت فيها.

ومن الآثار العملية المترتبة على هذه التفرقة هو تعطيل صدور مواقف في الدوائر القانونية والمنصات القضائية بشأن الحملات العسكرية للدول «بأكملها» (كالاحتلال الإسرائيلي أو حرب القوات السعودية-الإماراتية على اليمن أو القوات الأمريكية-البريطانية في العراق مثلا). كذلك، على سبيل المثال، تعمل منظمات حقوق الإنسان وفق إطار يقر بتخصصها في قوانين الحرب والقانون الإنساني، دون غيرها. لم تتحدث تلك المنظمات عن الغزو الأمريكي-البريطاني للعراق أو السعودي-الإماراتي لليمن، مثلا، باعتبارهما «في ذاتهما» شرور مطلقة، لما يمثلانه من جرائم أو أفعال عدوان، بل اكتفت التقارير بالحديث عن جريمة هنا، وممارسة هناك.. إلخ. وكذلك أيضًا، لا نستطيع التحرك قضائيًا ضد دولة أو شركة لأنها تتعامل تجاريًا أو سياسيًا مع جيش أو شركة تشارك في احتلال أو حملة عسكرية على أحد الشعوب، إذ لا يعد مجرد التعاون بذاته مشاركة في فعل غير مشروع، بل يتطلب ذلك ربط كل تعاون على حدة بجريمة محددة في سياق الحرب/الاحتلال، وهو ما يستحيل إثباته في معظم الأحوال. 

لعبت هذه التفرقة دورًا هامًا في امتناع الدوائر القانونية والدبلوماسية عن الحديث بشأن عدة جرائم جسيمة على مدى عقود، ومنها على سبيل المثال مسألة حصار غزة منذ 2007. للحكم على «الحصار» باعتباره «في ذاته» غير مشروع، علينا التوصل أولًا إلى تقدير بأنه ليس لإسرائيل اعتبارات أمنية مشروعة تعطيها الحق في حماية نفسها من السلطات والجماعات الفلسطينية في غزة، وهي أمور يعدها الخطاب الدبلوماسي والقانوني الدولي «معقدة، بعضها يخضع لاعتبارات سياسية». فحتى يحين وقت التعامل مع تلك الأمور «الصعبة والمعقدة»، دعونا نطبق قانون الحرب، لجعل الحصار «أكثر إنسانية». قد تبدو نكتة (سخيفة بلا شك)، ولكن في الواقع (المرير) هكذا هي بديهات وأسس الخطاب القانوني والسياسي بشأن الحرب والتعاطي مع «الحصار» كأحد أساليبها: فلنضمن دخول احتياجات السكان الأساسية ونتأكد من عدم تحول الحصار إلى «جريمة التجويع»، ولنؤجل أي حديث آخر إلى أجل غير مسمى. هنا تلعب هذه التفرقة أثرًا مباشرًا يمنح الدولة مرتكبة الجريمة نفسها «بعضا من الوقت».

وتلعب ذات التفرقة أدوارًا غير مباشرة، إذ تؤثر على التزامات غير المتعاون مع الدولة المجرمة. على سبيل المثال، مكَّنت تلك التفرقة ألمانيا من الدفاع عن تصديرها السلاح لإسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، بمنطق أنا لا ألمانيا ولا غيرها يعلم ما إذا كان السلاح مستخدم في ارتكاب جرائم، وهو ذات الأساس لدفاع شركة كاترپيلر لمعدات الهدم/البناء عن شراكتها طويلة الأمد في جرائم إبادة الفلسطينيين، إذ أن الشركة «لا تستطيع أن تراقب كيف ستستخدم معداتها» المصدَّرة إلى دولة الاحتلال.

إذن تساهم تلك التفرقة في توفير «المزيد من الوقت، ثم المزيد من الوقت» للطرف القوي، ضمن ما تساهم فيه من أمور أخرى؛ فبدلًا من اتخاذ أي موقف، علينا الانتظار والتأني حتى نستطيع تكوين وجهة نظر بشأن «كل» الأعمال العسكرية في غزة و«كل» صادرات ألمانيا من السلاح لإسرائيل و«كل» شراكة «كاتربيلر»-إسرائيل.. إلخ. لكن الاحتلال استمر على مدى نصف قرن، فكم من الوقت نحتاج؟ ففي الحالة العراقية مثلًا، تسربت وثائق وتشكَّل رأي عام في الدوائر القانونية والدبلوماسية بعد الحرب بسنوات، فعرفنا من خلالها بأن قرار الذهاب إلى الحرب كان في ذاته فعلًا غير مشروع دوليًا، بغضَّ النظر عن الجرائم الأخرى والمتعلَّقة بكيفية ممارسة العنف (كسبل ووسائل الإغارة على بغداد وإدارة سجن أبو غريب.. إلخ). 

السياسة والقانون في مواجهة العدالة

إذا كانت المسألة تتعلق بالوقت، فكيف طال الزمن للبت في ما إذا كان لإسرائيل حق في استخدام القوة ضد الفلسطينيين؟ ربما لإسرائيل الحق هذا؟ الحقيقة هي أن مؤسسات القانون الدولي لم تتح لها فرصة الإجابة على هذا السؤال، تحديدًا بسبب إصرار إسرائيل والقوى الغربية العظمى على تحييد القانون الدولي تمامًا طالما تعلًّق الأمر بفلسطين، فتحصنت إسرائيل لما يزيد على نصف قرن ضد أي محاولة للتعاطي مع سؤال «مشروعية الاحتلال بذاته».

تزعم إسرائيل منذ 1967 بقانونية حربها ضد الأردن وسوريا وفلسطين ومصر، باعتبارها حرب دفاع عن النفس «وقائية» (‘preemptive self-defense’) إذ «استبقت» فيها إسرائيل هجومًا عربيًا مستقبليًا، وبناءً على ذلك فإن احتلال أقاليم في كل من هذه الدول من ضروريات الحفاظ على أمنها القومي ومبرر في إطار حقها في الدفاع عن نفسها. باختبار زعم إسرائيل من الناحية القانونية، نجد أن ميثاق الأمم المتحدة يقر في المادة 51 حق الدول في استخدام القوة للدفاع عن نفس لصد هجوم عسكري واقع عليها، لكن فكرة استخدام القوة ضد دولة لـ«الوقاية» من هجوم عسكري مستقبلي، فإن أساسها القانوني، في أفضل التقديرات، ضعيف. أما من حيث الأساس الواقعي لزعم إسرائيل فهو منعدم؛ إذ تكشف الوثائق المفصح عنها (في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا) كذب جميع ادعاءات إسرائيل بأن حربها كانت دفاعًا عن النفس، وذلك كما يوثق أحد أهم أساتذة القانون الدولي في العالم، چون كويجلي، ويذكر: «علمت القوى العظمى الأربعة بأن الدول العربية لم تكن في حالة للهجوم (...) وحاولت جاهدة إثناء إسرائيل عن الهجوم». إذن فحتى لو قبل العالم بأسره مفهوم «الدفاع الوقائي» كأساس مشروع لاستخدام القوة، وهو أمر بعيد كل البعد عن الواقع، فإن إسرائيل لا تزال تفتقد ما يدعم قبول حربها في 1967 ضمن إطار «الحرب الوقائية» هذا. إذن فإننا نقف أمام أساس قانوني ضعيف لاستخدام القوة ضد دول عربية في 1967 من الأساس، فلا بد أن الأمر ذاته ينطبق على إقامة احتلال استمر لما يزيد على نصف قرن، أو كما يطلق عليه كويجلي «استيلاء دائم» على الأرض (الفصل 19 من كتاب «حرب الأيام الستة والدفاع الإسرائيلي عن النفس»).

برغم ضعف الأساس القانوني للوجود الإسرائيلي في الأراضي السورية والفلسطينية والمصرية  الواردة في اتفاقات هدنة 1949 (وهي الجولان السوري، والضفة والقدس وغزة في فلسطين، وسيناء المصرية ويتبقى منها في حوزة إسرائيل أم الرشراش)، إلا أن ثمة تعقيدات قانونية وسياسية قد حالت دون صدور أي تحركات عملية، سواء قرارات قضائية أو حتى مواقف دبلوماسية، في هذا الشأن حول عدم مشروعية الاحتلال على مدى عقود. من ناحية، إن المحكمة المختصة بنظر المسألة كمسألة عدم قانونية الاحتلال تلك هي محكمة العدل الدولية، ولكن يُشترط لممارسة الاختصاص بشأن أي «نزاع بين طرفين» طبقًا للنظام الأساسي للمحكمة (مادة 40) موافقة الطرفين بـ«موجب اتفاق خاص»، وهو ما لن تقبل إسرائيل به بالطبع، ولا يجوز إجبار أي دولة على المثول أمام محكمة العدل الدولية، إلا في حالات استثنائية للغاية (كما أوضحت من قبل).

ومن الناحية الأخرى، تسبب غياب الإرادة السياسية من جانب القوى الغربية، أو بالأحرى تورط بعضهم في الاحتلال، في عدم صدور مواقف دبلوماسية تحاصر الاحتلال وتعتبره في ذاته غير مشروع، إذ اعتدنا طوال العقود الماضية صدور تصريحات شبه أوتوماتيكية من الدبلوماسيين الغربيين تمتنع عن الحديث عن «إنهاء الاحتلال» بل تتحدث عن «حل للأزمة» في إطار «تسوية سياسية» يجب التوصل إليها وذلك «عن طريق اتفاق ينتجه التفاوض بين الطرفين». إذن قررت «قلة من الدول» تطلق على نفسها دون مبرر اسم «المجتمع الدولي» (وهي بشكل أساسي الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وأستراليا وكندا) تحييد القانون الدولي، أي أن لا مكان للقانون والحقوق ومثل هذه الأمور، طالما تعلَّق الأمر بحقوق الفلسطينيين في سيادتهم على أرضهم ومائهم وحيواتهم. بذلك تحصنت إسرائيل ضد العدالة لعقود، تارة بحماية سياسية يوفرها سياسيو غرب، وتارة بحماية إجرائية توفرها ثغرات قانونية، مصدر بعضها كامن في وضعية إسرائيل الاستثنائية كدولة استعمار استيطاني أوروبية في عالم «ما بعد الاستعمار» لتاريخ قيامها شيء من الخصوصية، ومصدر بعضها الآخر كامن في عمق النظام القانون الدولي الحديث والفلسفة التي يقوم عليها، وتحديدًا من حيث انحيازه للدولة ذات السيادة على حساب الشعوب.

القانون في مواجهة السياسة

في ديسمبر 2022، اتخذت الجمعية العامة المبادرة لكسر بعض من حصون إسرائيل التي تحول دون تطبيق القانون الدولي على مشروعها. فمن الناحية الإجرائية، لم تأت إحالة ملف الاحتلال الإسرائيلي لمحكمة العدل الدولية في إطار «دعوى قضائية» بين طرفين (وما يتطلبه ذلك من استيفاء شروط إجرائية أكثرها استحالة قبول الطرف الإسرائيلي المثول أمام المحكمة)، بل بتوظيف الحق الثابت للجمعية العامة، بالإضافة إلى مجلس الأمن، في «أن تطلب إلى محكمة العدل الدولية إفتاءها في أية مسألة قانونية»، طبقًا للمادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة و المادة 65 من النظام الأساسي المحكمة.

أما من ناحية موضوع طلب الجمعية العامة، فلم يتطرًّق لأسئلة من تلك التي يقول الخطاب الدبلوماسي الغربي والخطاب القانوني الدولي باعتبارها ذات «طابع سياسي»، مثل مسائل «حق إسرائيل في استخدام القوة وإقامة احتلال» وإذا كان لذلك ما يبرره من «دفاع عن النفس» و«حماية سلامتها الإقليمية وسيادتها» وما إلى آخره. إذ طرحت الجمعية العامة أسئلة تتعلَّق بالأثر القانوني لممارسات إسرائيلية ممنهجة وطويلة الأمد ومستمرة ولا تبررها الضرورة العسكرية ولا ضرورات أمن سلطة الاحتلال، مثل الاستيطان وضم القدس وبناء الجدار العازل وتهجير الفلسطينيين، وبالتالي تخل بقانون الحرب (وفرعه أي قانون الاحتلال). كما طرحت أسئلة تتعلق بالأثر القانوني لممارسات تخل بالتزامات إسرائيل باعتبارها «سلطة احتلال» مسؤولة عن رفاه سكان الإقليم المحتل وأمنهم، طبقًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان (إذ يمتد نطاق تطبيق قانون حقوق الإنسان في حالة الاحتلال ليشمل مسؤولية سلطة الاحتلال عن الوفاء بحقوق إنسان سكان الإقليم المحتل)، ومن الممارسات المخلة بقانون حقوق الإنسان تلك، مثلًا، إقامة نظام فصل عنصري. إذًا، لقد أخلت إسرائيل بصفة ممنهجة وطويلة الأمد ومستمرة بحقوق سلطة وسكان الإقليم المحتل، طبقًا لقوانين الدولية للحرب والاحتلال وحقوق الإنسان، وهي أمور يكون الفصل فيهما أكثر «بعدًا عن السياسية» ومتاح بـ«التطبيق الموضوعي» للقواعد القانونية.

ثم ما إذا اتفقت المحكمة على إخلال تلك الممارسات بالقوانين المشار إليها، فما أثر استدامة وطول أمد هذه الممارسات؟ بل وما الوضع في ضوء «الطبيعة الدائمة» لبعض الممارسات، إذ صممت ممارسات (كالاستيطان والضم والتشريع) «في طبيعتها» لتبقى إلى الأبد؟ ألا ينتفي أي «حق» لإسرائيل في استخدام القوة وإقامة احتلال، وألا تنتفي جميع حجج «الدفاع عن النفس» و«اعتبارات الأمن» الإسرائيلية، في ضوء «كيفية» استخدام إسرائيل القوة وإدارة الاحتلال؟ ألا يؤدي مجموع تلك الجرائم ونطاقها الزمني والطبيعة الدائمة لبعضها إلى «تحول نوعي» في طبيعة «إقامة الاحتلال» في ذاته إلى نظام آخر؛ ليس مجرد احتلال، ولكن أفعال تخل بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي العام وقانون «الحق في استخدام القوة» منها «العدوان» و«ضم الأرض بالقوة» و«التعدي على السيادة الإقليمية» لفلسطين و«حق تقرير المصير» للشعب الفلسطيني؟ لو كان الوضع كذلك، أيجعل هذا مجرد الوجود الإسرائيلي «في ذاته» فعلًا غير مشروع دوليًا؟ طبقًا لهذا المنطق، صاغت الجمعية العامة أسئلتها للمحكمة.  

فكما أشرت، لا يجرم قانون الحرب الاحتلال في ذاته، بل أنه لا يجرم «ضم الإقليم المحتل» في ذاته من الأساس (بالانجليزية annexation، أي فرض دولة الاحتلال سيادتها على الإقليم المحتل بشكل دائم)، إذ ينص فقط على ضرورة ضمان حقوق مواطني الإقليم المحتل في هذه الحالة. لكن هناك نقطة يتقاطع فيها نظاما الحق في استخدام القوة وكيفية استخدام القوة، وهي نقطة «استمرارية» الاحتلال. يعد الاحتلال في نظر القانون الدولي «نظامًا مؤقتًا بطبيعته»؛ فبرغم إمكانية تبرير الاحتلال في نظر القانون الدولي (مثلًا إذا ما تعرضت دولة لهجوم عسكري، فاضطُّرت لاحتلال إقليم من أراضي الجيش المهاجم لفرض شروط تضمن استقلالها وأمنها)، إلا أن اكتساب الاحتلال صفة «الدوام» يعني أننا صرنا أمام ضم للإقليم المحتل، أي تعد على سيادة دولة ووحدة إقليمها بالقوة، أي تغيير للحدود الدولية بالقوة، وهي كلها أفعال غير مشروعة في قانون الحق في استخدام القوة.

تعاملت الجمعية العامة في طلبها للمحكمة مع الاحتلال كواقع مادي موجود، وتمارَس خلاله وفي سياقه ممارسات عديدة تُخِل بالقانون الدولي للحرب والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن هذه الممارسات ما استمر لمدة طويلة أو حتى قُنِّنَ وضُمَّ في تشريعات سارية إلى أجل غير مسمى. وحيث لا تبدو لتلك الممارسات الخطيرة حد زمني ما قد ينتهي في الأفق، هكذا طرحت الجمعية العامة تساؤلها للمحكمة، فهل يتحوَّل التكييف القانوني للسيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة في عام 1967 من كونه «احتلال مؤقت بطبيعته» من الأساس، ليصير محاولة لضم أراضي وتغيير حدود بالقوة؟ هكذا جاء السؤال الأول للجمعية العامة في طلبها المقدم للمحكمة. ثم إذا كنا بصدد احتلال غير مشروع «في ذاته»، فما هو الأثر المترتب على هذا «في مواجهة الكافة»، أي ما هي التزامات المجتمع الدولي بأسره، من دول وهيئات الأمم المتحدة، تجاه إنهاء وضع مخل بالقانون الدولي كهذا؟

هنا انتقلت الجمعية العامة من الحديث عن الممارسات الإسرائيلية باعتبارها مجرد مخالفات في حق الشعب الفلسطيني وحده، إلى الحديث عن تلك الممارسات باعتبارها مخالفات جسيمة تهدد النظام الدولي بأسره. إذ تعد القواعد التي خالفتها إسرائيل من «القواعد القطعية» jus cogens للقانون الدولي، ويترتب على الإخلال بها «التزامات ذات حجية في مواجهة الكافة» (باللاتينية erga omnes). هكذا استتبعت الجمعية العامة سؤالها الأول، ليتحول الطلب من مجرد وسيلة تهدف إلى تأسيس معرفة نظرية بانعدام مشروعية الاحتلال، إلى وسيلة تمهد الطريق إلى تأسيس إطار عملي تلتزم جميع الدول بالمشاركة فيه لمحاصرة الاحتلال وإنهائه.

وقفت معظم دول الغرب بين معارض وممتنع عن التصويت أمام قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2022 بطلب إفتاء محكمة العدل، وذلك باستثناء لوكسمبورج وسلوفينيا والبرتغال وبلجيكا وأيرلندا. برغم هذا، مُرِّرَ القرار ووصل الطلب إلى محكمة العدل، لتبدأ مرحلة جديدة من التحديات قادتها دول غربية.

وهنا أستخدم صيغة «الغرب» بحذر. فهناك دول غربية أيَّدت إحالة الملف لمحكمة العدل على طول الخط (أي صوتت لصالح قرار الجمعية العامة بطلب رأي المحكمة ثم تدخل رسميًا أمام المحكمة لتأكيد دعمها لممارسة المحكمة اختصاصها) وتدخلت أمام المحكمة لتؤكد دعمها للمحكمة، وذلك مثل لوكسمبورج؛ وأخرى صوتت دعمًا للجمعية العامة ولم تتدخل أمام المحكمة مثل بلجيكا (ولها تاريخ طويل من المواقف التقدمية في مسائل القانون الدولي والحرب بحكم وضعها الجغرافي-السياسي الضعيف في أوروبا). وهناك مواقف أكثر تعقيدًا، فدول مثل فرنسا وسويسرا وليشتنشتاين امتنعت عن التصويت أمام الجمعية العامة، ثم تدخلت أمام محكمة العدل لتوضيح مواقف بعينها منها الالتزام بـ«حل الدولتين»، ثم أيدت نظر المحكمة في المسألة وفكرة الاحتكام إلى القانون الدولي من حيث المبدًأ. ولكن أداء دول أخرى قد ارتقى إلى ما يمكن وصفه بالهرج، وينقسما بشكل أساسي لمعسكرين، أحدهما معسكر الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وحلفائهم، والآخر معسكر حكومات فاشية مثل إيطاليا والمجر.

ومن الاعتراضات على مجرد نظر المحكمة في المسألة، ما تقدمت به تلك الدول من دفع بتعلق الأمر بنزاع بين طرفين يتطلَّب موافقتهما، وهو ما لا يتوافر. وقد رفضت المحكمة تلك الحجة، إذ رأت أن طلب الجمعية العامة إنما يتعلَّق بـ«مسألة قانونية» تخص المجتمع الدولي بأسره ويترتب عليها التزامات «في مواجهة الكافة». وضمن تلك الطلبات أيضًا كان طلب ضرورة رفض النظر في المسألة بحجة أنها ذات «طبيعة سياسية» ويجب تركها «للتفاوض بين طرفيها». والافتراض هنا أن كل ما هو فلسطيني هو «ذي طبيعة سياسية»، أي خاضع للتلاعب والأهواء، ولا يجوز إصدار رأي قانوني «صارم وموضوعي» بشأنه، حتى ولو تعلَّق الأمر بجرائم ترتكب في حقهم طبقًا لقوانين الحرب حقوق الإنسان، وهي قوانين تقول هذه الدول دائمًا بجواز إصدار أحكام موضوعية في شأنها، بل يقوم النظام اليبرالي الحديث نفسه على هذا الزعم.

وهنا أيضًا ينبغي التفرقة بين دول امتنعت عن التصويت في الجمعية العامة لصالح إحالة الطلب للمحكمة، لكنها لم تسعَ إلى صد المحكمة، ولم تقل بانعدام الصلة بين حقوق الشعب الفلسطيني والقانون الدولي، وذلك كفرنسا، وقد قالت، صوابًا، إن «للمسألة طبيعة قانونية لا يمكن إنكارها، وذلك بغض النظر عما يترتب عليها من أمور سياسية». لكن إصرار المعسكرين المشار إليهما على انقطاع الصلة بين القانوني وكل ما هو فلسطيني باعتباره «ذي طبيعة سياسية» قد انعكس، على سبيل المثال، في دفع إيطاليا بأن رأي المحكمة «قد يؤثر سلبًا على مدى مرونة الأطراف» في الوصول إلى اتفاق سياسي من خلال التفاوض، وفي ذكر الولايات المتحدة كلمة «التفاوض» 78 مرة في تدخلها المكون من 17 صفحة، فيما ذكرتها كندا تسع مرات في تدخل من خمس صفحات فقط، وكأن «رأيا استشاري» ذي طبيعة قانونية تامة، وهو في نهاية الأمر ليس سوى حبر على ورق، جدير بإثارة القلق وتدمير الإطار التفاوضي، ولكن ممارسات مادية عنيفة كالاستيطان والإبادة منعدمة الأثر المادي (بما يأتي معهما من جرافات تهدم وسقالات تبني وطائرات تقصف وجنود ومدرعات على حواجز منصوبة).

كما دفعت هذه الدول بدفوع أخرى جميعها تهدف بوضوح إلى تحقيق أكبر قدر ممكن لتعطيل سير القانون الدولي. لكن المحكمة لم تستجب لحجج منها ضرورة رفض طلب الجمعية لأن الأمر يمس بمهمة من المفترض أن تترك بشكل أساسي لمجلس الأمن (فقرات 41-43 من الرأي الاستشاري)، أو لأن رأي المحكمة لا يساعد الجمعية العامة في أداء عملها (فقرات 46-47)، أو لأن المحكمة تفتقر إلى المعلومات الكافية للبت في الأمر، وقد يتطلب تقصي الحقائق فترة طويلة من الزمن (فقرات 44-47).

وفي موضوع طلب الجمعية العامة، أشارت المحكمة إلى إخلال ممارسات عديدة بقوانين الحرب والاحتلال وحقوق الإنسان. فالاستيطان وفرض السيادة الفعلية ينطويان على جرائم طبقًا لقانون الحرب، وأبرزها النقل القسري لمواطني الإقليم المحتل، ونقل مواطني دولة الاحتلال إلى الإقليم المحتل، وتوسيع نطاق القانون دولة الاحتلال ليشمل الإقليم المحتل، واستغلال الموارد الطبيعية للإقليم المحتل ومصادرة أراضيه، بما يتنافى مع التزاماتها كسلطة احتلال. وكذلك فإن طريقة إدارة الاحتلال قد أقامت نظامًا مخلًا بحظر «الفصل العنصري والأبارتايد» في قانون حقوق الإنسان الدولي.

وفي ضوء تلك الممارسات واستمراريتها على مدى زمني طويل وإلى أجل غير مسمى، توصلَّت المحكمة إلى أن سياسات إسرائيل ترقى إلى مخالفة حظر الاستيلاء على الأرض بالقوة (وهو أمر خاضع للنظام القانوني الحاكم لـ«الحق في استخدام القوة» والإخلال بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. في ضوء هذا، توصلت المحكمة إلى أن استمرار إسرائيل في إساءة استخدام مركزها كسلطة احتلال يجعل الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة في ذاته غير قانوني. كما رأت أن الأراضي المحتلة في 1967 تشكل وحدة إقليمية يجب الحفاظ عليها لتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في «تقرير مصيره»، ولذلك فإن مصادرة بعض الأراضي والاستيطان والضم إنما يخل بالوحدة الإقليمية للأراضي المفترض أن يمارس عليها الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير، وبناءً على ذلك فإن صفة عدم المشروعية إنما تصف الوجود الإسرائيلي كله وفي «كافة» الأراضي المحتلة في 1967. (فقرات 259-264 من الرأي الاستشاري).

بذلك، استطاعت الجمعية العامة أن تتصدى لمسألة الاحتلال الإسرائيلي لا بإصدار قرار يشبه القرارات المعتادة، ولكن بإصدار قرار تقف خلفه أعلى سلطة قانونية في العالم، محكمة العدل الدولية، وتقول فيه بالتزامات في مسألة لا تخص طرفيها فحسب بل تخص المجتمع الدولي بأسره. بهذا حاز قرار الجمعية الصادر في 18 سبتمبر صفة قانونية رفيعة؛ فهو ليس مجرد تعبير عن إرادة الأغلبية العظمى من حكومات العالم كقرارات الجمعية العامة المعتادة في الشأن الفلسطيني، بل هو تنفيذ لرأي محكمة العدل الدولية. ولا تترتب على قرار الجمعية العامة الأخير التزامات بإنهاء الاحتلال على عاتق إسرائيل فحسب، بل على عاتق جميع الدول.

ففي قرارها الأخير، تلتزم إسرائيل بإنهاء الاحتلال خلال 12 شهرًا، بما في ذلك وقف البناء الاستيطاني وإخلاء جميع المستوطنين، وتنفيذ خطة شاملة لإخلاء المستوطنات وإعادة الأرض والملكيات والموارد الطبيعية للفلسطينيين، وإلغاء القوانين التي تميز ضد الفلسطينيين. لكن المهم أيضًا، بل الأهم، هو أن الجمعية العامة طالبت جميع الدول بتنفيذ التزاماتها الناشئة عن الرأي الاستشاري للمحكمة، ومن هذا عدم الاعتراف السياسي بالوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وضمان عدم مشاركتهم في استمرار الوضع الحالي، بما في ذلك اتخاذ اللازم لمنع الأفراد والشركات الخاضعة لاختصاصها من القيام بأنشطة تخدم الاحتلال، وعدم استيراد بضائع المستوطنات الإسرائيلية، ووقف تصدير الأسلحة والمعدات المستخدمة في الأراضي المحتلة، وإصدار أوامر تجميد الأرصدة في حق الأفراد والكيانات المتورطة في استمرار الوجود الإسرائيلي غير القانوني في الأراضي المحتلة.

في المجمل إذن، يمكن القول إن أهم نتيجة عملية مترتبة على إعلان عدم مشروعية الاحتلال «في حد ذاته»، لا بعض الممارسات التي تتم في سياقه فحسب، هي أنه، من الآن فصاعدا، يمكننا اتخاذ إجراءات ضد أي دولة أو شركة أو فرد يثبت تعاونهم مع أي من الكيانات المتصلة بالاحتلال. ففي السابق كان الاحتلال قائمًا كحقيقة مادية لا يقول فيها القانون رأيًا (لا سلبًا ولا إيجابًا)، ولا يمكن اعتبار أي تعاون مع أحد كياناته إشكاليًا من الناحية القانونية أو الأخلاقية، بل من الضروري ربط كل مسألة على حدة بجريمة تُرتكب «أثناء أو في سياق الاحتلال». أما الآن وقد صار الاحتلال «كله» غير مشروع، فإن أي تعاون اقتصادي أو تجاري أو سياسي مع أحد الكيانات المتصلة بالاحتلال في ذاته يكفي للتحرك قضائيًا أو إداريًا أو حتى سياسيًا وإعلاميًا. وسنرى النتائج العملية المترتبة على هذا في الفترة القادمة، من مواجهات لدول وكيانات خاصة سيكون أكثرها جدية أمام هيئات قضائية محلية ودولية، ولو أن تحركات من هذا النوع قد بدأت بالفعل من الآن.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).