تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الاستيطان في ظل الصهيونية الدينية والسياسية

أحمد عبد المنعم
12 دقيقة قراءة
الاستيطان في ظل الصهيونية الدينية والسياسية
مستوطنة سديروت المقامة على أراضي بلدة النجد الفلسطينية في خمسينيات القرن الماضي تصوير: Wikimedia

أثناء زيارة معتادة لأحد معارض الكتب المخفضة، صادفتُ كتابًا غير تقليدي عن الاستيطان في إسرائيل بعنوان «The Settlers and the Struggle over the Meaning of Zionism»، أو «المستوطنون والصراع حول معنى الصهيونية» للكاتب الإسرائيلي جادي تأوب، غير التقليدي في الكتاب هو كونه باللغة الإنجليزية، وكون كاتبه إسرائيلي، ورغم عدم إلمامي بالكثير من التفاصيل عن الاستيطان، فضلًا عن توقف معلوماتي عن الصراع العربي الإسرائيلي عند المعلومات العامة، قررت شراء الكتاب والبدء في رحلة للتعرف على الاستيطان، إليكم تفاصيل الرحلة.

ينقسم الاستيطان لمرحلتين، الأولى قبل 1948 وإعلان دولة إسرائيل. الاستيطان هنا كان أمرًا حيويًا وضروريًا لإنشاء الدولة، الركيزة الأساسية، ومن دونها لا دولة. ثم تأتي مرحلة جديدة، استيطان ما بعد الدولة، والذي وقع بعد حرب 1967، عندما احتلت إسرائيل عدة دول وكان أمامها خياران، إما أن تُخضع المناطق الواقعة تحت يدها لاحتلال تقليدي أو السعي لضم تلك الأراضي لدولتها والاستيطان بشكل مختلف جذريًا عن ما قبل إعلان الدولة.

يقول يسرائيل هاريل مؤسس مجلة «نيكودا» الموجهة للمستوطنين إن هناك تفسيرين للصهيونية، أنها تحرير الشعب أو العودة للأرض، إذا كان تفسيرها هو الأول فعليها ألا تحتل أراضٍ جديدة، وتنسحب من كل ما حصلت عليه في 67، وإذا كانت العودة للأرض فستنتهي لاستعباد الناس لأنها لن تستوعب الشعب الفلسطيني الكبير داخلها.

واجه الاستيطان في رحلته الثانية -تحديدًا- أن يكون جزءًا من الدولة نفسها، وليس مصارعًا لها. لإنشاء دولة، يجب أن تخضع للقانون، والقانون الدولي يمنع الاستيطان، ومحاولة إنشاء دولة ذات سيادة على أراضيها، لا يتوافق أيضًا مع الاستيطان الذي يترك نقاط استيطانية ضمن أراضٍ واقعة تحت الاحتلال لا تتوفر فيها المقومات الإدارية التي تجعلها جزءًا من الدولة، وعليه فإن الدولة ستحتاج لفرض نوع جديد من السيطرة البوليسية لتأمين المستوطنات، هذا الصراع بدأ يتشكل قبل إعلان الدولة، وكان جزءًا أساسيًا من الصراع بين الصهيونية السياسية (الدولة) والصهيونية الدينية (الاستيطان).

تحرير الشعب (الصهيونية السياسية)

نشأت فكرة تحرير الشعب اليهودي من قصص خروجهم من مصر وهروبهم من الاستعباد، كما ذُكرت في التوراة والعديد من الكتب الدينية، لكن في العصر الحديث وخاصة مع ظهور فكرة إنشاء وطن لليهود، كان تحرير الشعب اليهودي مقصود به الهروب من معاداة السامية حول العالم والعيش في بلد ديمقراطية تسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية والعيش بهوية يهودية في العلن.

بدأت فكرة تحرير الشعب اليهودي تتحول لإنشاء وطن مع تيودور هرتزل، الذي لم يكن يؤمن كثيرًا بالعودة لأرض فلسطين، بل اهتم بالأساس بتكوين تجمع لليهود بحكم ذاتي في أي مكان في العالم، بدأت الأفكار حتى بشكل بدائي بتكوين مجتمعات زراعية يستقل فيها اليهود بشكل أولى ليتمكنوا من العيش خارج إطار الدولة. عرضت الكثير من الأفكار إنشاء وطن لليهود في أوغندا، الأرجنتين، القرم، مدغشقر ضمن عدة دول وأماكن.

لكن كل هذه الاقتراحات لم يتمكن هرتزل من صنع زخم حقيقي أو من دفع اليهود للعمل على إنشاء دولة تحتضنهم، كان الأمر سياسيًا أكثر منه دينيًا، كانت دولة هرتزل علمانية، ديمقراطية، تسعى للاستقلال في أبسط صورة ممكنة، تسعى لتستفيد من التكنولوجيا والتطور الإنساني، ما لم يكن أبدًا ليلقى رواجًا شعبيًا كبيرًا لدى اليهود، حتى ظهر المفهوم الثاني.

العودة للأرض (الصهيونية الدينية)

ينطوي مفهوم العودة للأرض على حق اليهود التاريخي في العيش على أراضي أجدادهم التي ذُكرت في الكتب الدينية، تلك الأرض هي أرض فلسطين، العيش في صهيون، دولة إسرائيل بالتعبير التوراتي. عندما تطور مفهوم وطن اليهود من دولة علمانية ديمقراطية مبنية على حق تحرير الشعب، لدولة لليهود تمكنهم من العودة، أصبحت الفكرة براقة بشكل كبير لدى العديد من اليهود، ورغم وفاة هرتزل قبل هذا التحور الكامل إلا أن الأمر بدا منطقيًا، أن تبدأ الفكرة بالتحرر وتنتهي بحق العودة.

واجه تحرير الشعب اليهودي وحق العودة لأرض الأجداد مشكلة صغيرة في وجود مواطنين يعيشون على تلك الأرض، الفلسطينيين، لكن وجودهم لم يتحول لمشكلة كبيرة، اعتبر المؤسسون الأوائل لإسرائيل أن غياب الحركات القومية داخل فلسطين لن يشكل أزمة كبيرة، وسيقبل الشعب الفلسطيني أن يعيش في دولة إسرائيلية ديمقراطية، لكن كيف تكون الدولة ديمقراطية دون أغلبية يهودية، هنا ظهر الصراع الأول بين الصهيونية السياسية (وطن ديمقراطي لليهود) والصهيونية الدينية (وطن لليهود على أرضهم)

الصهيونية كخطيئة

يدعو اليهود في صلاواتهم منذ ألفي عام أن يعيدهم الرب لأرضهم بعد الشتات، وكان من المفترض أن تظهر حركة العودة لأرض الوطن التاريخية من قلب الحركات الدينية وليس من قلب الحركات السياسية، لكن الصهيونية لم تكن حركة سياسية علمانية مضادة للدين، كانت حركة علمانية من قلب الدين أو بمفهوم ديني، لكن ذلك لم يمنع اليمين اليهودي من رفض الفكرة، بل اعتبارها خطيئة كبرى، لماذا؟

إذا كان الرب هو من شتت اليهود فهو وحده الذي يملك أن يعيدهم، وأي محاولة للتدخل من الإنسان لتغير واقع فرضه الرب فهو كفر بما أنزله، هكذا يبني اليهود اليمنيين نظريتهم عن خطيئة الصهيونية، ولذلك هناك ملايين من اليهود ممن يعتبرون وجود إسرائيل في حد ذاته خطيئة دينية كبرى.

عندما خرج اليهود إلى الشتات كان عليهم ألا يفعلوا ثلاثة أشياء، لا يستعجلون نهاية الدنيا (بمعنى عودة المسيح) لا يبنوا الحائط (لا يعودوا لإسرائيل لإعادة بناء الهيكل) ولا يحاربوا الأمم الأخرى، كانت الصهيونية هي الخطايا الثلاث مجتمعة.

لكن، هذا الحال لن يستمر بعد ظهور الحاخام والمفكر الديني اليهودي، أبراهام إسحاق كوك، الذي سيجمع لأول مرة علمانية الصهيونية مع الأفكار الدينية لليمين اليهودي، ويصنع ظهير ديني صلب لدولة إسرائيل.

 كانت فكرة كوك بسيطة، ليست الصهيونية فعلًا بشريًا بالأساس لاعتبارها خطيئة، هي مجرد وعاء للإرادة الإلهية في عودة اليهود، فكيف تتحقق إرادة الرب إلا من خلال شكل مادي؟ ورغم أن الرواد الأوائل لفكرة الصهيونية ليسوا متدينين بالشكل التقليدي، إلا أنهم مجرد وسيلة لتنفيذ إرادة الرب. لم يقتنع الكثيرون بفكرة كوك، لكن نظريته منحت الصهيونية دلالة دينية كانت في أمس الحاجة إليها في المراحل المبكرة من نشأتها.

إرادة الرب الحزبية

بعد وفاة كوك عام 1936، جاء الدور على ابنه، زافي كوك، ليطور نظريات والده لتتحول من مجرد مبادئ ثيولوجية إلى حزب سياسي. تحولت إرادة الرب المتمثلة في المستوطنين العلمانيين إلى تعاليم واضحة، ظهرت أولًا في مدارس دينية تسعى لتعليم الصهاينة «مهراز هراف» وهو الأمر الذي كان مقتصرًا بالأساس على الألترا أرثوذوكس، لكنه لم يعد كذلك. وفي العام 1956 سيظهر من رحم هذه التعاليم الحزب الديني القومي، أو اختصارًا «مفدال» 

قبل شهر من حرب 1967 كان الحاخام الصهيوني، زافي يهوذا، يُلقي كلمة حماسية في ذكرى تأسيس إسرائيل، يسألهم عن أرض صهيون الكاملة، لماذا لا نعيش في شكيم (مدينة نابلس)، أين نحن من هبرون (مدينة الخليل) بعدها بشهر واحد احتلت إسرائيل نابلس والخليل، اعتبر تلامذة رافي أن خطابه لم يكن نابعًا منه، بل كان كلمات الرب ألقاها عليه.

كان لانتصار إسرائيل في حرب 67 دورًا في تحول كلمات كوك الابن من مجرد نظريات دينية إلى واقع على الأرض، الآن لا يبدو أن الصهاينة يستعجلون نهاية الدنيا، بل نهاية الدنيا هي التي تستعجل الصهاينة، كانت نتيجة الحرب وسرعتها أمرًا أشبه بمعجزة إلهية من كونها حرب على الأرض انتصر فيها صاحب التجهيزات الأفضل، دشنت 67 حركة جديدة كليًا عن استيطان ما قبل إعلان الدولة، استيطان في كل الأراضي التي احتلتها إسرائيل.

ارتفع الاستيطان من منزلة العمل الأرضي إلى الإرادة الإلهية، الآن الرب يدعوكم لقطف زهور انتصاركم الذي ألهمكم إياه، هكذا دعا الحاخامات اليهود المناصرون للصهيونية، هكذا بدأت أعمال استيطانية في كل المناطق التي احتلتها إسرائيل حتى وإن كانت الصهيونية السياسية ما زالت تجد مشاكل كبيرة مع الاستيطان.

غلبت زهوة الانتصار العسكري أي تفكير مستقبلي، حتى أن قادة علمانيين مثل موشي دايان أعلن أن الرب أعاد اليهود لأرضهم المقدسة ولن يتركوها أبدًا، وخلال أيام قليلة سيجد الصهاينة السياسيين أن المستوطنات ستعرقل كل مخططاتهم.

 التوسع في الاستيطان

في وجود ليفي أشكول، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وحتى وفاته في عام 1969 ووصول جولدا مائير، اندفع حزب العمال اليساري للمرة الأول بكل قوة للدفع بالاستيطان نحو التحول لأمر واقع، كانت هناك رهانات عدة، الأولى لدى صقور الحزب بضرورة فرض أمر واقع بعد اجتماع الدول العربية في الخرطوم ورفضها لأي مباحثات سلام أو الاعتراف بوجود إسرائيل ذاته، أما حمائم الحزب فاعتبروا أن الاستيطان لن يطول وسيكون من السهل التخلص منه والعودة لحدود 48 حال اعتراف العرب بوجودهم والدخول في مفاوضات للسلام. سيجد الفريقان أن الاستيطان أكبر من تصوراتهم.

توسعت الحركات الاستيطانية لتشمل الضفة الغربية، غزة، الجولان، وسيناء. عاشت الصهيونية السياسية مع الصهيونية الدينية في تناغم كبير، ظن السياسيون أنهم يستخدمون المتدينين لتحقيق مكاسب على المدى البعيد، ومن ثم التضحية بهم في الوقت المناسب، وظن المتدينون أن السياسيون مجرد أدوات وفرها لهم الرب وسيربحوا هم في النهاية. 

كما جاء الانتصار بشكل مفاجئ جاءت الهزيمة كذلك، وقعت حرب 1973، التناغم الذي تحقق للمرة الأولى بعد أكثر من ألفي عام بين المتدين والجنود، العلماني والتوراتي، القوة والعدل، الرب والحكومة، الهالاخاه والأوامر العسكرية، انتهى فجأة كما بدأ فجأة. 

حتى لو لم تكن نتيجة الحرب حاسمة عسكريًا، فقد كانت حاسمة سياسيًا، انهزمت إسرائيل وعليها الآن أن تعيد ترتيب أولويتها. لديها الآن آلاف المستوطنين، وعليها خوض غمار التفاوض مع مصر والتخلي عن الاستيطان، سيتعرف المستوطنون للمرة الأولى على الوجه الآخر للصهيونية السياسية. 

«كتلة المؤمنين»

في 7 فبراير 1974 اجتمع تلامذة زافي كوك وقرروا إنشاء جمعية جديدة للاستيطان تحت مسمى «جاش إمونيوم» أو «كتلة المؤمنين» تغريب جديد للقضية بعزل كل من يرفض الاستيطان خارج الفرقة المؤمنة، نجحت الكتلة في فرض الاستيطان في الضفة الغربية بعد سبع محاولات وستة إخلاءات، على أنقاض محطة سكة حديد عثمانية قديمة استوطنت 25 أسرة صهيونية في منطقة نابلس.

كان أمام إسحاق رابين، رئيس الوزراء الجديد، أن يجد مساحة للتفاوض مع الكتلة الجديدة، فبعد قرار الأمم المتحدة في 1975 باعتبار الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، لم يكن يفيده أبدًا أن يظهر الجيش الإسرائيلي وهو يقود مجموعة من المتدينين بالزي والشكل اليهودي التقليديين خارج المستوطنات، فتم التفاوض لتبقى الأسر الـ25 داخل المعسكر القديم، لكن الاستيطان لن يتوقف في علاقته برابين عند تلك النقطة أبدًا.

تحول الاستيطان لحركة سياسية دينية تحاول فرض واقعها على الأرض، الآن على الدولة أن تجد وسيلة للتفاوض معهم. 

اليسار العلماني واليمين الديني

استفاد الليكود (الحزب اليميني في إسرائيل) من تصاعد الخلاف بين حزب العمال اليساري وحركات الاستيطان، ما كفل له تقاسم السلطة مع العمال للمرة الأولى، حتى إن مناحم بيجن، رئيس الوزراء، ألقى خطاب تنصيبه من داخل مستوطنة شمال الضفة الغربية، والتي ساهم في إنشائها «كتلة المؤمنين» عام 1975.

أصبح اليسار الإسرائيلي ضد الاستيطان، وعاد المستوطنون لأحضان اليمين رغم علمانيته. خلال عشر سنوات من حكم العمال، منذ 1967، استوطن 6 آلاف صهيوني في 20 مستوطنة، وخلال عشر سنوات من حكم الليكود استوطن أكثر من 60 ألف صهيوني، في الأعوام الأربعة لرئاسة بيجن للحكومة، بُنيت 35 مستوطنة جديدة.

كانت لغة الليكود هي لغة المستوطنين، تَمثل الليكود كظلٍ لكلمة الرب وإرادته على الأرض، كان الاستيطان في أفضل مرحلة، لم يكن لينغص ذلك أي شيء، حتى اكتشفوا أن السياسية يمكن أن تقلب أقرب حليف لك ليكون ضدك.

 عام 1979، توصل بيجن لاتفاق سلام مع مصر، وعليه تم فك كل المستوطنات الإسرائيلية في سيناء، والموافقة على حكم ذاتي للفلسطينيين، والتوقف عن بناء المستوطنات لثلاثة أشهر على الأقل، وقع الخبر كالصاعقة على رأس المستوطنين، ما تزال مشاهد صراخهم وبكائهم موجودة على الإنترنت وهم يرحلون من سيناء، لكنهم بدأوا مرحلة جديدة من الاستيطان، مرحلة فرض الأمر الواقع. 

قضية آلون موريه

بعد توقيع اتفاقية السلام مع مصر ووقف الأعمال الاستيطانية لثلاثة أشهر، كان على المستوطنين أن يفرضوا أمرًا واقعًا على الدولة العلمانية، أعلنت مجموعة استيطانية أنها ستبدأ في إنشاء مستوطنة آلون موريه، لم يكن يشغلها أن الأراضي التي حددتها يمتلكها فلسطينيون، كان أمرًا ثانويًا، فقد دأب الاستيطان على نزع الأراضي الفلسطينية من خلال المحاكم العسكرية الاستثنائية التي تفصل في القضايا بناء على طلب من الجيش الإسرائيلي الذي يقدم دومًا نفس الحجة، الضرورة العسكرية. 

لكن، قضية آلون موريه شكلت حادثة وقعت للمرة الأولى، تقدم المستوطنون أنفسهم بقضيتهم أمام المحكمة، طالبوا ببناء مستوطناتهم على الأراضي الفلسطينية وطالبوا بنزعها، رفضت المحكمة العليا، خاصة مع وجود أكثر من رأي عسكري من ضمنهم العسكري الإسرائيلي الشهير، بار ليف، الذي قال في شهادته أن الأراضي لن تكون ضرورة عسكرية بل ستشكل عبئًا إضافيًا على الجيش حال وقوع حرب لوجودها وسط مناطق عربية شديدة الكثافة.

مرة أخرى، وقع الخبر كالصدمة على رأس المستوطنين، لكن ليس أكثر دلالة على عقليتهم من خطاب مناحم فيلكس، المستوطن الإسرائيلي الذي طلب الحديث إلى المحكمة للدفاع عن قضيته. قبل تلك الحادثة لم تكن المحكمة تسمح للمستوطنين بالحديث، لم يكونوا بالأساس جزءًا من القضية، كان الجيش يتولى القيام بدور الواجهة، يقدم هو الطلب وينزع الأرض ويوطن. في تلك الحادثة وبسبب مسارها القضائي غير المعتاد، كان على فيلكس أن يعرفنا على وجهه النظر الاستيطانية بكل وضوح أمام المحكمة.

قال فيلكس إن مسألة الأهمية العسكرية لأرض المستوطنة «لا تضيف أو تحذف من واقع الأمر» لأن تلك الأراضي «واقعة في قلب الأراضي التي وعد بها آباؤنا الأوائل» تلك الأراضي «في قلب إسرائيل التاريخية» لا منطق في البحث عن سبب عسكري لتنزعها، فالسبب حسب فيلكس ديني بحت، واضح جدًا، تلك الأراضي جزء من الدولة التاريخية الموعودة.

لم تصدم كلمات فيلكس السياسيين الإسرائيليين، فهم يعرفون طريقة تفكير المستوطنين، ربما صدمت الكثير من الإسرائيلين العاديين من فرط سذاجة الحجج، لكنها كانت حقيقة ما يراه المستوطنين، أن الدين يسبق الدولة، لكن المحكمة لم تلق بالًا لكلمات فيلكس، وللمرة الأولى ترفض المحكمة نزع أرض فلسطينية لصالح الاستيطان.

رسخت تلك الحادثة واقعًا جديدًا، استوعبه الاستيطان تباعًا، ربما لم يستكمل الكتاب الحديث عن الاستيطان بعد مرحلة مفاوضات أوسلو، والذي أصبح أكثر تركيزًا على الضفة الغربية والقدس، تحول الاستيطان من مفهوم ديني بحت تتوجه سذاجة فيلكس، إلى مشروع أكثر تسارعًا وسياسية، اكتمل بوضوح بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة على يد آرييل شارون.

كان الانسحاب الآحادي أمرًا لا يتوافق مع التطرف الذي شكل كل تاريخ شارون السياسي والحربي، لكن في حقيقته كان في قلب مسألة التطرف، فعلى الرغم مما يبدو تخليًا عن الاستيطان في غزة، كان الهدف الأساسي من الانسحاب الأحادي أن تتركز عمليات الاستيطان في الأراضي القريبة من إسرائيل، أن تتصل بالدولة، ألا تتحول لجزر منعزلة، بل استيطان محدد يسعى للعمل على زيادة الأراضي داخل الدولة وخارجها.

تحول الاستيطان إلى قسمين، تهويد الأراضي الداخلية (الأراضي ذات الجالية العربية الكبيرة أو ما يعرف بـ فلسطينيي الداخل أو عرب 48) وإضافة مستوطنات جديدة للضفة الغربية المحتلة. جرى العمل في الشقين على قدم وساق، لم تتوقف أبدًا تلك الخطط، خاصة مع تزعم اليمين الإسرائيلي المشهد السياسي لسنوات طويلة بقيادة نتنياهو في كثير من الأحيان.

 كانت مسألة نزع الأراضي من داخل حي الشيخ جراح نقطة متصلة لا منقطعة من العمل الإسرائيلي على تهويد واستيطان الأراضي، داخليًا وخارجيًا، تحولت العلاقة بين المستوطنين والدولة من خطرٍ على الدولة في ظل الحكومات اليسارية إلى جزءٍ من خطة الدولة في ظل الحكومات اليمينية، وطالما كان الاستيطان قادرًا على إضافة ولو مقعد برلماني واحد للحزب المترشح، فإن الدولة الإسرائيلية تبدو غافلة عن حلم إنشاء دولة ديمقراطية أو على الأقل دولة بالمفهوم الحديث لصالح دولة احتلال، لا تمارس الاحتلال فقط، بل أيضًا الاستيطان المتعارض مع القانون الدولي، سعيًا، لا لإنشاء دولة إسرائيل التاريخية كما يظن المستوطنون، بل سعيًا لمكاسب سياسية تجعلها قادرة على الاستمرار. 

يبقى السؤال: هل يُنهي الاستيطان تلك الدولة، أم تُنهي الدولة الاستيطان، أم يعلقان في نقطة توازن حساسة، أي حدث كفيل أن يقلبها؟

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
مارينا كالكولي

تفاهة التطبيع (1-3)

«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).