الإجهاض حول العالم: انتصارات نسوية وهزائم تشريعية في عام
جاءت 2022 بأخبار عن أهم الانتصارات المتعلقة بتقنين الحق في الإجهاض في الكثير من بلاد الجنوب العالمي، ولكنها حملت أيضًا الكثير من الانتكاسات في بلدان أخرى. بدأت بالانتصار غير المسبوق لكولومبيا في فبراير مع حكم الدستورية العليا بإلغاء تجريم الإجهاض.
وفي يوم المرأة العالمي، أصدرت منظمة الصحة العالمية تحديثًا للدليل الشامل للإجهاض من زاوية صحية ورعائية وقانونية وحقوقية. يجمع الدليل أفضل الممارسات الرعائية والصحية ويُدلي بقصور بعض التشريعات القانونية مثل تلك التي تحتم على النساء الحصول على إذن الشريك/الزوج للحصول على إجهاض. أوضح الدليل أيضًا ما يُسهم به بعض القوانين التي تتيح الإجهاض في تمكين النساء من الوصول لخدمات هن في حاجة إليها. تؤكد منظمة الصحة العالمية من خلال الدليل الشامل ضرورة توفير وتأمين خدمات الإجهاض الآمن كون الإجهاض ممارسة شائعة بغض النظر عن موقف القانون منها، بحسب دراسة قامت بها المنظمة بالتعاون مع معهد جوتماخر (Guttmacher). تتناول الدراسة معدلات الإجهاض في الفترة من 2015 حتى 2019، حيثُ تشير النماذج الإحصائية إلى أن 68% من حالات الحمل غير المرغوب فيه تنتهي بالإجهاض حتى في البلدان التي تُجرمه. ومن الضروري قراءة هذه النسبة في سياق خدمي ورعائي فضلًا عن التركيز على المواقف السياسية من الإجهاض.
سنعرض، من خلال هذا المقال، بعض الانتصارات والهزائم القانونية خلال 2022 حول العالم، لتكون لنا مرجعًا للتنظيم النسوي المرتبط بالإجهاض في مصر. مع تسليط الضوء على بعض التكتيكات والأدوات الفعالة في تحقيق مكاسب حول ضمان الحق في الإجهاض الآمن، منها التقاضي الإستراتيجي.
كولومبيا
في 21 فبراير، انتزعت الشبكة النسوية «كاوسا خوستا» (Causa Justa)، والتي تضم أكثر من 90 منظمة محلية وإقليمية ودولية وتقريبًا 140 ناشطة نسوية، حكمًا تاريخيًا من الدستورية العليا بإلغاء تجريم الإجهاض حتى 24 أسبوع حمل، بعد رحلة مثابرة من التقاضي الاستراتيجي لانتزاع هذا الحق منذ 2006. فقبل ذلك العام، كان الإجهاض مُجرمًا في كل الحالات في كولومبيا. وفي 2006، نجحت الشبكة في انتزاع حكم بتقنين جزئي للإجهاض والذي شمل: الاغتصاب وتشوه الأجنة والحفاظ على حياة وصحة الحامل. واستمر تكاتف مجموعة من المنظمات والمجموعات النسوية من خلال «كوسا خوستا» لإثبات عدم فاعلية تحديد الحالات التي يُمكن الحصول فيها على إجهاض قانوني. ودللت المجموعات والمنظمات النسوية على محدودية تطبيق شروط الإجهاض القانوني من خلال تركيزهن على أوضاع النساء الأكثر هشاشة مثل المعنفات على أسس عنصرية وريفية والمُفقرات. ومن خلال البحث أشرن إلى تأثير الوصم المجتمعي المرتبط بالإجهاض على وصول النساء إلى الخدمة. بالإضافة لذلك، وفرت هذه المجموعات والمنظمات بيانات تثبت تعنت مقدمي الرعاية الطبية وامتناع الكثير منهم عن تقديم الخدمة خوفًا من وقوعهم تحت طائلة القانون. بدأت «كوسا خوستا»، في سبتمبر 2020، نزاعها القضائي بجمع الأدلة عن معاناة النساء المهاجرات إلى كولومبيا من فنزويلا تحديدًا، وعدم تمكنهن من الوصول إلى خدمات الإجهاض الآمن، في حين أن عدم توفر وسائل منع الحمل في بلادهن يشكل سببًا رئيسيًا لهجرتهن.
يسرت توليفة من الأدوات التي استخدمتها منظمات «كاوسا خوستا» انتزاع هذا الحكم التاريخي في كولومبيا وأمريكا اللاتينية والعالم. وقد كان إصدار البيانات الدقيقة وإنتاج الأبحاث واتساق الرسائل التي تبثها منظمات الشبكة للمجتمع من ضمن هذه الأدوات. وكان تنوع التمثيل الجغرافي إحدى أهم مكونات هذه التوليفة، فلم تكن الحملة مركزية إلى حد كبير. بالإضافة لذلك، شكّل التقاضي الاستراتيجي أهم ملمح من ملامح النضال الكولومبي، فمُرِرَت من خلاله تجارب النساء ومعاناتهن بهدف تشكيل الرأي العام حول الإجهاض والتأثير فيه. ساهمت منظمة «طاولة من أجل صحة وحياة النساء» (La Mesa por la Vida y la Salud de las Mujeres) بشكل محوري ورئيسي في تكوين شبكة «كاوسا خوستا»، انطلاقًا من ضعف الأسس القانونية التي جُرم على أساسها الإجهاض بالتركيز على ملامح التمييز بين النساء التي يكرسها تحديد حالات الإجهاض القانوني، ونقل السجال والحجج التي يُدفع بها من اليسار واليمين إلى نقطة أبعد من «هل أنت مع أم ضد الإجهاض؟». منذ تأسيسهن في 1998 بهدف إلغاء تجريم الإجهاض في كولومبيا، ركزت قيادات منظمة «طاولة من أجل صحة وحياة النساء» عملهن بدأب على عدة محاور هي:
1) متابعة أوضاع إتاحة وصول النساء للخدمات وتوثيق العوائق التي تواجهنها، خصوصًا بالنسبة للنساء الفقيرات في المناطق الريفية.
2) المشاركة في بناء قدرات مقدمي الرعاية الصحية والسلطات القانونية وتعزيز شبكات حقوق النساء.
3) تصميم وتمرير استراتيجيات التواصل وإنشاء وحدة مناصرة بالكونجرس الكولومبي للدفع بأجندة تقدمية.
4) شجعن وساهمن في زيادة معرفة الخبراء من خلال تدريبات قانونية متعلقة بالإجهاض.
كان فهم النسويات، اللاتي حركن القضية أمام المحكمة العليا، لقصور مقاربة الحريات الفردية واضحًا في تركيزهن على الفوارق الطبقية بين النساء. يتجلى ذلك في وعي أجيال من النسويات بأن هوامش الحرية التي يوفرها المال للنساء الأغنى في ظل تجريم كامل للإجهاض، أو ما ييسره الموقع الفعلي لنساء الحضر من قدرة على الوصول للمعلومات أو الحصول على خدمة مقارنةً بالنساء في الريف، في ظل تقنين جزئي للإجهاض الآمن من بعد 2006، لا تزال تنقصه العدالة والحرية الجسدية والإنجابية.

فرنسا
بعد سجالات حامية، عدل التصويت البرلماني المدة المسموح بها للحصول على الإجهاض من 12 إلى 14 أسبوع حمل. واعتُمدت حجة الدفع بالتعديل بشكل أساسي على اضطرار النساء للسفر إلى بلاد أوروبية أخرى، مثل إسبانيا وإنجلترا وهولندا، بعد تخطيهن للمدة المسموح بها قانونًا للحصول على الإجهاض في فرنسا. من الجدير بالذكر، أن مشروع التعديل القانوني صاغته نائبة برلمانية كانت تتبع حزب «الجمهورية إلى الإمام» بقيادة الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون. ورغم اعتراض ماكرون على تمديد مدة السماح، تقدم حزبه بالتعديلات في البرلمان ودفع بها حتى أُقرّ قبل فض دورة انعقاد البرلمان قبيل الانتخابات الرئاسية في أبريل 2022. نقرأ هذا التعديل في إطار إتاحة فرنسا لموانع الحمل لكل النساء مجانًا حتى سن الخامسة والعشرين في 2021، من أجل كبح معدلات الحمل غير المرغوب فيه. واختتمت 2022، بإعلان توسيع خدمات الصحة الجنسية والإنجابية بتوفير الواقي الخارجي/الذكري مجانًا في الصيدليات لمَن هم بين 18و25 عامًا بداية من 2023.
جواتيمالا
في جواتيمالا الإجهاض مُجرم بالفعل، إلا في حالة كان الحمل خطرًا على حياة الحامل. ولكن في 8 مارس، في الكونجرس الجواتيمالي، غلبت الأصوات المؤيدة لتغليظ عقوبة الإجهاض سواء القصدي أو العفوي، ففي القانون الجديد، قد تصل عقوبة النساء اللاتي أجرين إجهاضًا أو اللاتي يسعين للحصول على إجهاض حتى عشر سنوات سجن. تم ذلك من خلال تصويت أغلبية الكونجرس لصالح مشروع القانون المُقترح منذ 2018 بعنوان «حماية الحياة والأسرة». يدفع هذا المشروع أيضًا بالتحريض على أفراد الميم-عين من خلال إلغاء عقوبة مَن يتعرض لهم. كما يمنع المشروع زواج مثليي الجنس وتداول المواد التعليمية عن التعددية الجنسية في المدارس.
قوبل تصويت الكونجرس بالكثير من الاعتراضات المجتمعية، خصوصًا عندما دعا الكونجرس إلى إعادة تسمية يوم المرأة العالمي (8 مارس) إلى «يوم الاحتفال بالأسرة والحياة». انتهى الأمر بركن مشروع القانون بعد أن تحدى صحته الدستورية والأممية العديد من المسؤولين ومنظمات المجتمع المدني، ومنها المنظمة المناهضة لحقوق الإنسان والإجهاض «لا فاميليا إمبورتا»، ورفض الرئيس التصديق على القانون. من الجدير بالذكر أن المجموعات اليمينية المناهضة للإجهاض في أمريكا الوسطى تطلق على جواتيمالا «عاصمة الحياة».
بولندا
في مارس، تجمعت نسويات من كافة أنحاء العالم للمطالبة بإسقاط التهم الموجهة للناشطة النسوية البولندية جاستينا المهددة بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة المساعدة على الإجهاض، وهو التهديد الذي يُعد سابقة قضائية في بولندا.
تعود أحداث القضية إلى بداية الجائحة، عندما تواصلت امرأة تُدعى أنيا مع فريق «إجهاض بلا حدود» الذي تعمل به جاستينا، للحصول على حبوب الإجهاض. حين علمت جاستينا من أنيا بتعرضها لعنف وتهديد من زوجها بالإبلاغ عنها إذا سافرت لألمانيا للحصول على إجهاض، أرسلت جاستينا الحبوب لها. ثم علم زوج أنيا بالمخطط لتتبعه مراسلات زوجته، وأبلغ الشرطة عنهما. تعد المواد العقابية الخاصة بالإجهاض في بولندا، والتي تعاقب مقدمي الخدمة وليس طالبيها، من أكثر القوانين غلاظة في أوروبا. فحتى 2020 كان الإجهاض مُباحًا في حالات بعينها: إذا كان الحمل نتيجة لجريمة، أو إذا كان استمرار الحمل يمثل خطرًا على صحة الحامل، أو في حالة إصابة الجنين بتشوهات. وعُدِل القانون لتحذف التشوهات الجنينية من الحالات المُصرح بها للإجهاض.

على الناحية الأخرى وفي تراجع ملحوظ، صرحت وزارة الصحة في يونيو الماضي، بإجراء جديد معروف إعلاميًا بـ«سجل الحمل» (pregnancy register) يُلزم مقدمي الرعاية الطبية بتسجيل بيانات كل امرأة حامل. تدعي الحكومة البولندية إتباع هذا الإجراء الجديد امتثالًا لمعايير الاتحاد الأوروبي المتعلقة بتقديم الرعاية الصحية بمهنية تمكن مقدمي الخدمة من تقديم أفضل رعاية. بينما صرحت المعارضة البولندية بشأن عواقب إنشاء هذا السجل والذي من المفترض أن يصبح أداة لمراقبة النساء الحاصلات على إجهاض.
كينيا
أصدرت المحكمة العليا حكمًا هامًا يُسقط كل الاعتقالات والأحكام المرتبطة بالإجهاض غير القانوني بكينيا في مارس الماضي. يستمد الحكم أهميته من حماية طالبي الخدمة ومقدميها في منطوق المحكمة العليا، حيثُ أشار إلى الإجهاض كحق أساسي تتضمنه القيم الدستورية المتعلقة بالكرامة والاستقلالية الذاتية والمساواة والكرامة الجسدية. وأَضافت المحكمة أن عرقلة وصول النساء إلى خدمات الإجهاض بتجريمه في قانون العقوبات يمثل تحديًا لحقوق النساء الإنجابية في ظل غياب إطار تشريعي. وتعود أحداث القضية التي أتت بالحكم التاريخي إلى مراهقة اسمها باك تعرضت إلى مضاعفات أثناء حملها فقدت على إثرها الجنين، ولجأت لعيادة طبية وقدم لها طبيب الرعاية المطلوبة، ولكن أثناء تلقيها الخدمة، داهمت الشرطة مقر الرعاية واحتجزت الطبيب لمدة أسبوع، بينما احتُجزت باك لأكثر من شهر، حتى أمّنت مبلغ الكفالة. كلفت المحكمة المطلعة على القضية البرلمان بتصميم سياسة عامة ومُقترح قانوني للتعامل مع تقديم خدمات الإجهاض ورعاية ما بعد الإجهاض المُجرمة منذ الستينيات في قانون العقوبات، ليتواءم مع القيم الدستورية التي كفلت الحق في الرعاية الصحية منذ 2010.
تشيلي
في مارس، تحت زعامة يسارية منعشة بقيادة الرئيس، جابريل بوريك، وبعد عقود من الانتهاكات ومن عسكرة الحكم والدستور في الثمانينيات تحت حكم بينوشيه، وفي ظل الأجواء الاحتفالية بعملية كتابة الدستور التي بدأت في 2019، أضاف المجلس التأسيسي، متماشيًا مع التوجهات السياسية للقيادة الحالية، «الحقوق الإنجابية»، ومن ضمنها «إنهاء الحمل»، لمسودة الوثيقة الدستورية.
ضغطت النساء والنسويات من أجل إقرار الحقوق الإنجابية كحقوق دستورية، خصوصًا عندما رُفض مقترح قانوني سابق يطالب بتقنين الإجهاض، وتوسيع محدودية الحالات المسموح فيها بالإجهاض، مثل: الاغتصاب والحفاظ على صحة الحامل وحمل جنين غير مكتمل. عند طرحها للاستفتاء الشعبي في سبتمبر، قوبلت مسودة الدستور برفض طاغ، وأرجعه البعض للحملة التضليلية المُصاحبة للاستعداد للتصويت، والتي أذاعت أن ما سيؤول إليه الدستور هو إلغاء الملكية الخاصة والسماح بالإجهاض في الشهر التاسع من الحمل. في نهاية الأمر، ساهمت هذه الحملة المضللة، الرافضة للإجهاض، في رفض مسودة دستور كانت ستكفل حقوق السكن والتعليم والهواء النقي والمياه والطعام والصرف الصحي والاتصال بالانترنت والمعاش، والدعم القانوني المجاني، والرعاية منذ الميلاد وحتى الممات.
إسبانيا
تقدمت الحكومة الإسبانية في مايو بمشروع قانون الصحة الجنسية والإنجابية ليوسع من نطاق الحقوق الجنسية والإنجابية للنساء والمراهقات. وقبل نهاية العام بأيام، وافق عليه البرلمان ليسهّل الوصول لخدمات الإجهاض مجانًا عبر المستشفيات العامة حتى الأسبوع الرابع عشر من الحمل، وإجازة الإجهاض حتى الأسبوع الثاني والعشرين للضرورة الطبية، ويعفي مَن هن في سن السادسة عشر من الحصول على موافقة ولي الأمر للحصول على الإجهاض، ويلغي فترة الانتظار الاجبارية ذات الثلاثة أيام المفروضة على مَن يطلبن الاجهاض منذ أن قُنن في 2010. ويوفر من ثلاثة إلى خمسة أيام إجازة شهريًا للراحة وقت الحيض، كما ألغى القانون الضريبة المُضافة على منتجات الدورة الشهرية، وتبنى إتاحتها مجانًا في المدارس والسجون ومراكز الرعاية الطبية.
على الناحية الأخرى، حكمت الدستورية العليا في أكتوبر الماضي، برفع الحجب عن منصة: Women on Web والتي توفر معلومات حول الإجهاض والحمل حول العالم بمختلف اللغات، بعد أن حجبته إسبانيا في 2020. جاء منطوق الحكم على أسس حماية الحق في المعرفة والمعلومات وحرية التعبير، ومهّد الطريق لإجراء جديد يستلزم الحصول على موافقة قضائية من أجل حجب المعلومات أونلاين.
الاتحاد الأوروبي
اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة للتصدي للتكتلات المناهضة للحق في الاجهاض في أوروبا والتي تعتمد في حملاتها على التحرش بمطالبي ومقدمي الخدمة. في مايو، اعتمدت الجمعية البرلمانية التابعة لمجلس أوروبا بإجماع ممثلي 46 دولة أوروبية قرار وصف عرقلة الوصول لخدمات الإجهاض بالـ«تعذيب والمعاملة غير الآدمية». طالب القرار قيادات الدول الأوروبية بتجريم كل الأفعال التي قد تحول بين الأفراد وحصولهم على الإجهاض أينما كان قانونيًا أو التي تعيقهن عن الوصول إلى معلومات دقيقة عنه. وركزت مواده على حماية مراكز الرعاية المقدمة لخدمات الإجهاض. بالإضافة إلى مواجهة التضليل العمدي حول الإجهاض بتقديم معلومات دقيقة وعلمية عنه عبر الحملات والتعليم الجنسي الشامل.
هولندا
في شهر يونيو الماضي، وافق أعضاء مجلس الشيوخ الهولندي على إلغاء فترة الانتظار الإجبارية (مدتها خمسة أيام) المفروضة على مَن يردن الحصول على إجهاض. هناك إجماع بين التكتلات النسوية حول إشكالية إقرار فترة انتظار للحصول على الإجهاض بشكل عام، لما انكشف عن كيفية استخدامها من جانب مناهضي الحق في الإجهاض، لإغراق طالبي الخدمة في الإحساس بالذنب على أسس غير علمية ودقيقة. فقد عُرف فرض خطوة إجراء جلسة سونار، على سبيل المثال، ليستغل الداعون لفرض هذا الإجراء الفرصة من أجل وهم النساء بأنهن يشاركن في جُرم إنهاء حياة كتلة من الأنسجة والخلايا: جنين.
الولايات المتحدة الأمريكية
في يونيو الماضي، وفي تراجع مؤسف للحريات الإنجابية في الولايات المتحدة الأمريكية، ألغت المحكمة الأمريكية العليا رسميًا قرار «رو ضد وايد» بعد أن تم العمل به لمدة نصف قرن تقريبًا. محا ذلك الحق القانوني في الإجهاض بحجة أنه ليس حقًا دستوريًا. ورغم مفاجأة القرار، فإنه كان متوقعًا بعد تسريب «مسودة رأي» كتبها القاضي المحافظ، صامويل أليتو، قبل شهر من قرار المحكمة العليا، في المسودة شرح أليتو حُجته للدفع بإبطال الإجهاض بعد الأسبوع الخامس عشر من الحمل، بأن الدستور الأمريكي لا يكفل الحق في الخصوصية. وكان قرار «رو ضد وايد» قد ارتكز على تفسير الحق في الحرية، المذكور في المادة الرابعة عشر من الدستور الأمريكي، باعتباره ينطوي على الحق في خصوصية الأفراد، مما يكفل للأفراد أخذ قرارات شخصية، مثل الإجهاض، دون تدخل الدولة.
بالنسبة لقرار «رو ضد وايد» فهو حكم محكمة صدر في 1973 يسمح بالإجهاض حتى الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. جاء في تغطية «بوليتيكو» (Politico) لتسريب مسودة أليتو دعم أربعة قضاة محافظين آخرين لحججه، مما يعني أن خمسة من أصل تسعة قضاة في المحكمة العليا قد دعموا إبطال «رو ضد وايد». أعطى الإبطال من خلال قرار المحكمة في قضية «دوبس ضد منظمة صحة النساء جاكسون» مطلق الحرية لكل ولاية أمريكية لتحدد قانونية الإجهاض ووضعه بداخلها.

الهند
رمت الهند بالحالة الاجتماعية للنساء -متزوجة أو عازبة- بعرض الحائط كمحدد للحصول على خدمات الإجهاض من خلال حكم الدستورية العليا الذي صدر في يوليو الماضي، والتي أكدت حق كل النساء في الوصول لخدمات إجهاض قانونية وآمنة حتى الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل في حالات كونه نتيجة لاغتصاب، والإعاقة، وفي حالات حمل المراهقات تحت السن.
على صعيد آخر، لم يعدل هذا القرار من إلزام الحصول على الموافقة الطبية من أجل الحصول على الإجهاض. ويُعتبر هذا الحكم وما يفرضه من تعديلات على تقديم خدمات الإجهاض، اعترافًا بواقع نشاط النساء الجنسي بغض النظر عن حالتهن الاجتماعية. بدأت رحلة التقاضي مع امرأة عازبة حملت من علاقة رضائية، لكنها لم تتمكن من الحصول على الإجهاض بسبب حالتها الاجتماعية ورفض شريكها الزواج منها، ولجأت للمحكمة في شهر يوليو وأسعفها التعديل اللغوي لقانون الإجهاض الذي استبدل صياغة «الشريك» بدلًا من «الزوج» في قانون الإجهاض في 2021، فهو ما فتح الباب لأخذ النساء العازبات في الاعتبار عند تقديم خدمات الصحة الإنجابية.
المملكة المتحدة
أصابت الجائحة جوانب كثيرة من حياتنا، إلا أن بعض الإجراءات الوقائية عززت وصول النساء والمراهقات للخدمات الصحية عبر الهاتف والإنترنت. هكذا كان الوضع في المملكة المتحدة؛ حيث سهّلت الحكومة الحصول على حبوب الإجهاض عبر الهاتف، وحضور جلسة استشارية مع متخصص عبر الإنترنت ضمن حزمة إجراءات التصدي لكورونا في مارس 2020. قبل الوباء، كان على أي فرد يريد الحصول على الإجهاض التوجه لحضور جلسة سونار قبل الحصول على الحبوب المحُفزة للإجهاض. وفي 2022، أعلنت وزيرة الصحة عقد استشارة مجتمعية لتقرير مصير خدمات الإجهاض عن بُعد، رفضت الأصوات استمرار الخدمات بنسبة 70%، وتبيّن فيما بعد أن أغلبهم قد دفعته حملات ومجموعات دينية ومناهضة للحق في الإجهاض (المُسماة بـ «pro-life» أي الحق في الحياة). جاء الاستفتاء على استمرار خدمات الإجهاض عن بُعد ضمن مشروع قانون أكبر عن خدمات الصحة الوطنية، وبعد شد وجذب وتعديلات أضافها مجلس اللوردات البريطاني على مسودة مشروع القانون، والتي أبقت على خدمات الإجهاض عن بُعد، أقرّت أغلبية الأصوات استمرار الخدمة خارج إطار الإجراءات الطارئة في أغسطس 2022.
المجر
وافق وزير الداخلية المجري على اعتماد قانون يُلزم النساء المقبلات على خدمات الإجهاض بإجراء جلسة سونار والاستماع إلى «دقة قلب الجنين» حتى يتسنى لهن الإجهاض. بموجب هذا القانون، الذي بدأ العمل به في شهر سبتمبر الماضي، يلتزم الأطباء بتقديم دليل على تعامل الحامل مع المؤشرات الحيوية للجنين عبر جلسة سونار إجبارية. رحب أعضاء البرلمان المحافظين بهذا القرار، الذي «يٍسمح للجنين بالتواصل مع الحامل لدقائق قبل الاجهاض». يأتي هذا القرار في سياق مسموح فيه بالإجهاض حتى الأسبوع الثاني عشر من الحمل منذ الخمسينيات. وفي بعض الحالات يُسمح بإجرائه حتى الأسبوع الرابع والعشرين. تقرأ الكثير من التكتلات النسوية ومجموعات حقوق الإنسان هذا القانون آخذة في الاعتبار تزايد الحشد اليميني المناهض لحقوق الإنسان في المجر بقيادة رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، وهو واحد من أبرز دراويش قيم الأسرة التقليدية، الذي أُقر في عهده الدعم والتساهيل الضريبية للأسر المنجبة لأكثر من طفل.
تايلند
أعلنت الجريدة الرسمية إجازة الإجهاض حتى الأسبوع العشرين من الحمل في سبتمبر ليبدأ العمل به في الشهر اللاحق. وتسمح التعديلات القانونية بالحصول على إجهاض بين الأسبوع الثاني عشر والعشرين بعد الحصول على المشورة الطبية، عملًا بإرشادات وزارة الصحة العامة.
قُنن الإجهاض للمرة الأولى بتايلند في فبراير 2021، وذلك بإدراج تعديلات على قانون العقوبات، ليسمح بالإجهاض حتى الأسبوع الثاني عشر فقط (دون مشورة طبية). ثم عُدّل مرة أخرى ليوسع الإطار الزمني للمدة المسموح فيها بإنهاء الحمل لغاية الأسبوع العشرين، بعد المشورة الطبية، في 2022. وتعود الأحداث إلى مواجهة المحكمة الدستورية العليا الحكومة بتعديل القوانين الجارية المُجرمة للإجهاض لتتماشى مع القيم الدستورية التايلاندية، فيما يتعلق بالمساواة بين الرجال والنساء، والحق في الحرية والحياة. أباحت الجولة الأولى من التعديلات الإجهاض في حالات تأثير استمرار الحمل على صحة الحامل الجسدية والنفسية، وفي حال كان الجنين أكثر عرضة للتشوهات والأمراض، وفي حال كان الحمل نتيجة لاغتصاب. وأخيرًا، في حالات حمل المراهقات دون الخامسة عشر.
قدمنا في هذه الجولة المقتضبة جزءًا من سياقات تقنين وتجريم الإجهاض حول العالم، مختزلين سنوات من المثابرة والتنظيم النسوي في عدة سطور، لندعوا لتأمل أوضاع الإجهاض في مصر، ليس لحصر المعركة في أروقة المحاكم ومذكرات دفوع قانونية، ولكن للنظر للقانون، ليس كهدف في حد ذاته، ولكن كأداة استراتيجية ندفع بها لتحقيق مطالبنا، ويستمر العمل حوله، ومن بعده. هذا المنطلق يجعل من جمع البيانات والدليل العلمي أدوات فعّالة لبناء حجج ذات صلة بمجتمعنا وقابلة للنقاش خارج أطر الحقوق الفردية. كما تمكننا من تحديد الأهداف الجماعية على المديين القريب والبعيد لضمان اتساق الخطاب ووضوح الرؤية.
ففي سياقنا المصري تحديدًا، وفي ظل التضييق السياسي، يصعب الاتصال بين النسويات وفهم طبيعة التحديات الطبقية والجغرافية والمكانية والثقافية المتعلقة بالإجهاض، وفي كثير من الأحيان تنحسر التعددية، ويسيطر التحليل المركزي، النابع من القاهرة، وما يصحبه من تعميم على باقي المناطق. وبالرغم من ذلك، فإن تكوين فهم شامل ليس مستحيلًا، فليكن فهم السياق خارج المركز أولوية، والاستقلال القضائي ضمن اهتماماتنا، وقراءته في سياقه الخدمي والرعائي والاقتصادي مفتاحيًا بالنسبة لنا.
لتكن «الموجة الخضراء» في أمريكا اللاتينية من حشد وتنظيم نسوي مرجعًا لنا. وليكن ما قدمته كولومبيا والمكسيك والأرجنتين في السنوات الأخيرة من طولة بال، ومن استراتيجيات وتكتيكات يصيغها الهامش، مصدرًا لإلهامنا.
آراء أخرى
النساء وإعادة الإنتاج في زمن العولمة
«الهجرة الجماعية للنساء أظهرت انهيار منظومة العمل الإنجابي في العالم الثالث والدول الاشتراكية سابقا»
الأمومة: إرثٌ من الأشباح
«الحراك النسوي الحالي في مصر، لا يستغل الإمكانية الكامنة في اشتباكه مع الأمومة»
للمجهولية وجوه كثيرة
«رغم الدور الذي تلعبه المجهولية في مقاومة النزعة الفردية، فإنها ليست ضامنًا للعمل الجماعي أيضًا»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد