تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الإثارة الثورية والاستراتيجية الثورية

عمر الشافعي
4 دقيقة قراءة

للصحفي والناقد الأمريكي الساخر هنري لويس مينكين عبارة شهيرة يقول فيها "الثورة هي جنس السياسة"، وهي مقولة سليمة بمعنيين على الأقل.

فالثورات أولاً  تنجب الأمم، وإذا تأملنا أغلب الدول -الأمم في عالم اليوم لوجدنا جذورها تعود إلى ثورات أو إلى حقب ثورية، فالثورات إذاً، كالجنس ولاّدة. لكن الثورات أيضاً كالجنس مثيرة حيث تخرج بالمجتمعات عن المـألوف وتجعل المستحيل ممكناً والحلم واقعياً، وتنطوي على خليط من الحماس والدراما والمشاعر الجياشة والدسائس والأفكار والأبطال والأشرار وذهنية الأزمات، وهي كلها عناصر مثيرة تخرج بالحياة السياسية عن رتابتها المألوفة.

ولكن حينما تطول الحالات الثورية، ونحن في العالم العربي بلا شك إزاء سيرورة ثورية طويلة الأمد، فإن هذه الإثارة ما تلبث أن تكون أثقل من أن يتحملها الناس، ومن ثم تنتشر بالضرورة نزعات طلب الهدوء والاستقرار بأي ثمن، وهي نزعات تدعم المصالح الراسخة، التي كانت الثورة أصلاً  تهديداً لها، استغلالها من أجل محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

وأحد العوامل التي تُيسِّر لها هذه المهمة أن تكون الحالة الثورية أصلاً  قد عجزت في أوج عنفوانها عن تغيير النظام الذي قامت ضده، لأسباب من بينها هيمنة قوة سياسية محافظة، بل رجعية، على المعارضة السابقة لاندلاع الثورة، وهذا هو حال الأصولية الإسلامية عندنا، على نحو يمنع الحركة الثورية من إنجاز تغيير ثوري. عندئذٍ، ينتشر بين الناس بدرجات متفاوتة شعور بعبثية البحث عن التغيير وتصبح الأرض مهيأة لأي قوة تبشر بالهدوء والاستقرار.

ومن هنا خطورة الحالة التي اتسمت بها الموجة الثورية العربية منذ ثلاث سنوات، ألا وهي الانفصام بين الثورة كحركة والثورة كتغيير. فبينما اتسمت ثوراتنا بمشاركة هائلة من ملايين البشر في أشكال تراوحت بين المظاهرات الحاشدة والاعتصامات المطولة والإضرابات العمالية والعنف الثوري بمختلف أشكاله ودرجاته، من الاشتباك مع قوات القمع في الشارع إلى إضرام النيران في المباني التي ترمز إلى السلطة المكروهة وصولاً إلى العنف المسلح، فإنها قد عجزت حتى الآن، في المجمل، عن إنجاز تغيير حقيقي في البنية السياسية العميقة للنظم التي قامت ضدها. وحتى في الحالات التي شهدت فيها هذه البنية اهتزازاً شديداً أو حتى تغييراً كبيراً، فإن البنية الاجتماعية الأعمق بقيت بمنأى عن أي تهديد حقيقي.

وهذا العجز عن تغيير الواقع جعل الثورة تبدو في أعين الكثيرين عبثية. فهي بالنسبة لهم حركة عارمة بلا طائل، جعجعة بلا طحن. في ظل وضع كهذا، تصبح الحالة الثورية بحق على مفترق طرق. فإما أن يمتد ضعف "الثورة كتغيير" إلى "الثورة كحركة" إيذاناً بانتهاء الحالة الثورية مهزومة، أو أن يمتد عنفوان "الثورة كحركة" إلى "الثورة كتغيير"، فتبرهن الثورة عملياً لقطاع واسع من الجماهير على جدواها.

والتغيير المقصود هنا ليس بالضرورة أن يكون جذرياً وكلياً في ضربة واحدة، بل يمكن أن يأخذ شكل انتصارات جزئية هنا وهناك يكون مغزاها الرئيسي هو رفع ثقة الناس في قدرتها على انتزاع التغيير، الأمر الذي يزيد بدوره من قدرتهم على انتزاع تغيرات أكبر كما يشحذ وعيهم السياسي تمهيداً لمزيد من الجذرية في المطالب ومزيد من رفع سقف التوقعات.

لكن انتزاع التغيير، سواء كان جذرياً شاملاً  أو محدوداً وجزئياً، يقتضي من الثوار رؤية واضحة لموازين القوى الراهنة، ولهدف العملية الثورية النهائي، وما يمكن ويجب انتزاعه الآن وهنا ضمن منظور أطول لمدى وكيفية ذلك، أي أن الأمر يقتضي باختصار استراتيجية ثورية تتفرع عنها تكتيكات تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات. وغياب هذه الاستراتيجية هو مقتل الثورات العربية حالياً.

وحينما يبدأ الثوار في طرح كلام جاد في مجال الاستراتيجية الثورية، فإن الفكر السياسي يُشحذ على نحو ينقل إليه الإثارة التي تتسم بها العملية الثورية ذاتها. ومن ثم نشهد ما تعرفه الثورات الكلاسيكية من فضول رهيب لدى الجماهير للمعرفة والفكر. وعملية تلبية هذا الفضول ذاتها هي وجه عظيم من أوجه ارتقاء الجماهير بوجدانها وتغيير الناس لأنفسهم بينما يغيرون عالمهم.

ومع هذا الارتقاء الوجداني، تشتعل جذوة الإثارة الثورية مرة أخرى بحيث تصبح حالة الثورة نشوة كبرى لا تعيشها الجماهير فقط بل تتنسم هواءها العليل وتجعل منه إكسيراً تقاوم به ما تعانيه من اغتراب. وفي خضم ذلك تكون موازين القوى قد تغيرت لصالح معسكر الثورة، الأمر الذي يؤدي إلى انتزاع مكاسب ملموسة تزيد من ثقة الجماهير في أنفسها فتزيد حالة النشوة والإثارة الثورية، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من الانتصارات، وهلم جراً. وعندئذٍ تصبح هناك فرصة لأن تتحول الحالة الثورية إلى ثورة ناجحة تغير وجه التاريخ.

أما في ظل غياب أو تهميش الاستراتيجية الثورية كمجال جوهري، فإن اليأس من إمكانية التغيير سرعان ما يزحف قاتلاً  معه أي فضول للمعرفة وأي ارتقاء بوجدان الناس. وهذا هو أحد أكبر المخاطر المحدقة بالعملية الثورية في مصر والمنطقة.

 
عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

نقد النقد الذاتي

«النقد الذاتي هو رؤية نقدية يقدمها فرد أو تنظيم لمسار سياسي أفضى إلى أوضاع عكس ما وعد به هذا المسار»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).