تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الأرض المنفيّة: الضفّة الغربيّة في فكر مناحيم بيجين

يورجن جونسهاوجن
28 دقيقة قراءة
الأرض المنفيّة: الضفّة الغربيّة في فكر مناحيم بيجين

مقدّمة

عندما صاغ رئيس الوزراء الإسرائيليّ الأسبق ومؤسّس حزب الليكود، مناحيم بيجين، ادّعاء إسرائيل بحقّها في الضفّة الغربيّة، لم يلجأ للحجّة الاستيطانيّة الكلاسيكيّة الّتي تعتمدُ على اعتبار الأرض «أرضًا فارغة» (Terra Nullius)، والّتي تعني خلوّ الأرض من السكّان أو اعتبارها غير مُطالب بها. بدلًا من ذلك، كان ادّعاؤه الأيديولوجيّ يستندُ إلى أنّ الأرض كانت «أرضًا منفيّة» (Terra Morata)، أي أرض في حالة من «السُبات الزمنيّ الخارجيّ» –إذا استعرنا المصطلح من باختين- تجلّى ذلك في إصراره على استخدام الاسم التوراتيّ «يهودا والسامرة» في الإشارة إلى الضفّة الغربيّة. وعليه، لم يعنِ الادّعاء الصهيونيّ افتقار الأرض إلى السيادة، بل أنّ الأرض قد استُعِيدَتْ سيادتها. إذن، كان بناء الاحتلال الصهيونيّ للأرض بوصفه استئنافًا للتاريخ، في حين وُضِعَ الفلسطينيّين خارج الزمن، في نفيٍ لأحقيّتهم التاريخيّة والمعاصرة في الأرض.

 يُحلّل هذا المقال كيف تجلّت رؤية بيجين من خلال البحث في مقترح الحكم الذاتيّ للفلسطينيّين، الّذي أعلنه عام 1977، وكان من شأن هذا المقترح -إذا تم تنفيذه- أن يؤجّل أيّ ادّعاء فلسطينيّ بالسيادة على الأرض إلى أجل غير مسمّى، مع ضمان عدم حصول الفلسطينيّين على أيّ استقلال وطنيّ. في جوهره، كان مقترح الحكم الذاتيّ الفلسطينيّ مجرّد خدعة. بالنسبة لبيجين، كانت الضفّة الغربيّة (وقطاع غزّة) أراضٍ يهوديّة أبديّة، ولم يكن الفلسطينيّون أكثر من مجرّد مُقيمين على الأرض. وعلى العكس من المستوطنين الإسرائيليّين، لم يُعتبَروا أبناءَ الأرض. 

يشكّل الرابط التاريخيّ بين الشعب والأرض، الأساس الّذي تقوم عليه كلّ من القوميّتين الفلسطينيّة والصهيونيّة. تكمن مأساة الصراع في حقيقة أنّ الأرض الّتي ترتبط بها هاتانِ القوميّتانِ هي نفسها، وإن كانت تحمل أسماء مختلفة: بالنسبة للفلسطينيّين، الأرض هي فلسطين، بينما هي «أرضُ إسرائيل» بالنسبة للصهاينة. ليس ثمّة تداخلًا في التسلسل الزمنيّ التاريخيّ الّذي تظهرُ فيه كلتا الأرضان والّذي يُبرّر أحقّيّة كلّ من الشعبانِ بالأرض. بعبارات عامّة، بالنسبة للصهاينة، الزمنُ هو التاريخ اليهوديّ القديم والحاضر الإسرائيليّ، في حين أنّ الزمن الأكثر أهمّيّة بالنسبة للفلسطينيّين هو الزمن العربيّ والعثمانيّ، الّذي امتدّ لقرونٍ تفصلُ بين هاتين اللحظتين في التاريخ. 

بعد التطهير العرقيّ لفلسطين والّذي جرى خلال حرب 1947-1949 (Morris 2004, Pappe 2007)، لم يعد ثمّة صراع قوميّ على الأرض داخل حدود «دولة إسرائيل»[1]. لكن، وبعد حرب عام 1967، والاحتلال الإسرائيليّ للضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، تكثّفت حدّة الصراع الأيديولوجيّ حول الأحقّيّة بالأرض بعد أن أصبح كلا الشعبين يسكنان الأرض نفسها. في خطابه الأوّل أمام الكنيست بعد الحرب، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيليّ ليفي أشكول قائلًا: «لقد تحقّقت النبوءة: ’وثمّة مكافأة للعمل، فقد عاد الأبناء إلى حدود أرضهم‘»[2]. لكن كان للأرض أبناء وبنات آخرون، فقد كان يعيش في الأراضي المحتلّة حوالي مليون فلسطينيّ (Perlman 2011-12). اشتدّ الصراع القوميّ في سبعينات القرن الماضي، وذلك نتيجة صعود أيديولوجيّة «إسرائيل الكبرى» في إسرائيل، والّتي أدّت إلى توسيع الاستيطان في الأراضي المحتلّة حديثًا (Zertal and Eldar 2009). وبالتزامن مع ذلك، كانت القوميّة الفلسطينيّة توجِدُ لنفسها تعبيرًا سياسيًّا متزايدًا، ممثّلًا بشكل رئيسيّ في «منظّمة التحرير الفلسطينيّة». 

المُعضلة الّتي واجهت إسرائيل بعد احتلال الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، عام 1967، سُمِّيَت بمعضلة «العروس والمهر» (Raz 2012). أرادت إسرائيل الاحتفاظ بالأرض، لكنّها لم ترغب في منح الفلسطينيّين المواطنة. تأتي استعارة «العروس والمهر» من محادثة بين جولدا مائير وليفي أشكول في عام 1967، إذ قالت مائير: «عندما سألت أشكول: ماذا سنفعل بمليون عربيّ؟، أجابني: 'أفهم ذلك، أنتِ تريدين المهر، لكنّك لا تحبّين العروس'»(Gordon 2008, p. 1). 

تبحث هذه المقالة في الكيفيّة الأيديولوجيّة الّتي رأى فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجين هذه الأراضي، من خلال تحليل مقترحه الخاصّ بـ«الحكم الذاتيّ» للفلسطينيّين، والّذي طوّره في أواخر عام 1977. وعلى العكس من دراسات أخرى (Anziska 2017, 2018, Jensehaugen 2018, 2019)، لا تتطرّق هذه المقالة إلى الجوانب السياسيّة والدبلوماسيّة للمقترح، لكن إلى ما تشير إليه أيديولوجيّة بيجين في ما يتعلّق بالضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، والادّعاءات الإسرائيليّة والفلسطينيّة بالأرض. حاول مقترح الحكم الذاتيّ أن يفصل ما بين الوضع الخاصّ بالسكّان والوضع الخاصّ بالأرض، بحيثُ اعتُبِرَ الفلسطينيّون حاضرين على الأرض، ولكنّهم ليسوا جزءًا منها. تأتي هذه النظرة من رؤية بيجين الأيديولوجيّة للعلاقة ما بين الأرض وتاريخها. فبالنسبة له، كانت الأرض يهوديّة أبدًا وعربيّة مؤقّتًا، و«لم يكن زمنُ الأرض حقيقيًّا إلّا عندما كانت يهوديّة»، وكانت كلّ الأزمان الأخرى بشكل أساسي انقطاعًا، فاصلًا عديم الأهمية بالنسبة لتاريخ الأرض الأصلي.

لم تكن فلسطين بالنسبة لبيجين «أرضًا فارغة»، لكن «أرضًا منفيّة» (Terra Morata)، أرضًا كانت في انتظار عودة مُلّاكها الأصليّين[3]. يصفُ جابرييل بيتربرج فكرة العودة هذه بوصفها واحدة من الأساطير المؤسّسة للصهيونيّة، فيقول إنّه داخل الميثولوجيا الصهيونيّة «اعتُبِرَت الأرض، أيضًا، منفيّة طالما افتقرت إلى السيادة اليهوديّة عليها: فاقدة لأيّ معنى أو تاريخ أصيل، في انتظار الخلاص الّذي يتحقّق بعودة اليهود إليها»(Piterberg 2008, p. 94). كذلك يُظْهِرُ آمون راز-كراكوتزكين (2013, p 58)، كيف سادت هذه الرؤية داخل الكتابات الصهيونيّة، وكيف ظهرت الصهيونيّة داخل هذه الرؤية باعتبارها تحقيقًا لـ«عودة الأرض لتاريخها». بالنسبة لبيجين، كان اعتبار الأرض منفيّة صحيحًا، فقد رأى الأرض يهوديّة وقديمة، ولم تكن سوى أرضًا مُجمّدة في الزمن طوال المنفى اليهودي.

في فهم مناحيم بيجين الأيديولوجيّ لـ«أرض إسرائيل» (Eretz Israel)، تُعتبَرُ الأرض بكلّيّتها –من النهر إلى البحر- كرونوتوب Chronotope «زمكان أو الزمان/المكان» رئيسيّ، أي «أرضيّة موحّدة للكرونوتوبات المحلّيّة المتنافسة في نفس النصّ السرديّ» (Bemong and Borghart 2010, p. 7). داخل هذا الإطار، يجب فهم الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة بوصفهما كرونوتوب «زمكان» ثانويّ؛ فالنقطة النهائيّة في سرديّة الليكود التاريخيّة هي الاستعادة الكاملة للأرض، ففرض حالة التأجيل على الضفّة الغربيّة بعدم ضمّها -وبذلك خلقُ فاصلٍ زمنيّ ثانٍ- لا يغيّر من السرديّة الرئيسيّة للتاريخ، بل يؤخّرها فقط. ضمن هذا الإطار التحليليّ، يمكنُ فهم المنطق الداخليّ (الذي يبدو مفتوح النهاية) لخطّة بيجين في جعل الأرض منطقة معدومة السيادة. 

كما سنرى، جادل بيجين بأنّ هناك إمكانيّة للتمييز بين الوضع الخاصّ بالشعب والأرض من خلال مفهوم الحكم الذاتيّ، وذلك بوضع السيادة على الأرض في حالةٍ من التعليق: يمكن لكلّ من الفلسطينيّين والإسرائيليّين ادّعاء السيادة بالأرض، بحسب وجهة نظر بيجين، ولكن لا يمكن لأيّ منهم أن يمتلكها بالفعل. من خلال إزالة أيّ ادّعاء مؤقّت بالسيادة كمفهوم يستند إلى وجود السكّان، والّذي يُعتبر أساسًا لحقّ تقرير المصير، مكّن الحكم الذاتيّ التاريخ اليهوديّ القديم والأيديولوجيا الصهيونيّة من التفوّق على الواقع الديمجرافيّ المعاصر والتاريخ العربيّ الحديث. سعى حلّ بيجين إلى تحقيق رؤية كرونوتوبيّة (زمكانيّة) للأرض تكون فيها مكانة الفلسطينيّين غير جوهريّة في التنظيم العامّ للزمن التاريخيّ، ما يجعلُ من علاقتهم بالأرض مجرّد علاقة عرضيّة. بكلمات أخرى، في الزمن اليهوديّ تتزامنُ الأرض مع الشعب، بينما في الزمن العربيّ ليس هناك مثل هذا التزامن. وعليه، يتناول هذا المقال مقترح الحكم الذاتيّ باستخدام التحليل الكرونوتوبيّ (الزمكانيّ) كنوع من النقد الأيديولوجيّ الّذي يركّز على البنية الزمكانيّة للسرديّة (انظر: Parslov).

إنّ إساءة استخدام التاريخ كأداة إضفاء شرعيّة ممارسة شائعة في بناء الأمّة (Hobsbawm 2007, p 76, Khoury 2016, pp. 467-468)، ولا تُستثنى من ذلك المشاريع الاستيطانيّة. في دراسته للاستعمار الاستيطانيّ، يُسمّي لورينوز فيرتشيني (2010) هذه الظاهرة بـ«التهجير السرديّ». يحدث هذا عندما يكون هناك ادّعاءان بالانتماء الأصليّ للأرض نفسها. فمن ناحية، هناك ادّعاء بأنّ «المستوطنين هم أيضًا شعوب أصليّة»، وبالتالي يفترض ادّعاء مثل هذا بأنّ ثمّة «استمراريّة استيطانيّة» تاريخيّة. ومن ناحية أخرى، وبالتزامن مع الأولى، يكون هناك ادّعاء بأنّ «السكّان الأصليّين هم أيضًا مستوطنون» (Ibid, 42). وعليه، يكون «التهجير السرديّ» هو الّذي يجري فيه نزع الشرعيّة عن تاريخ الشعوب الأصليّة من خلال الزعم بأنّهم سكّان جدد بلا شرعيّة تاريخيّة حقيقيّة. علاوة على ذلك، فإن الوافدين الجدد/المستوطنين لديهم ادّعاء قديم، وليست حداثة استيطانهم إلّا مجرّد إعادة تأسيس للأمّة الأبديّة. هذا ما أصْطَلِحُ على تسميته بـ«الأرض المنفيّة Terra Morata». فكرة أنّ الأرض كانت مجمّدة في الزمن، في حالةِ انقِطاع، وفي انتظار عودة شعبها الّتي يترتّب عليها استئنافُ التاريخ، تاريخ الأرض. عند ترجمة هذا المنطق إلى وجهة نظر بيجين حول الضفّة الغربيّة، يشير هذا المنطق إلى أنّ اليهود هم السكّان الأصليّون ليهودا والسامرة (الضفّة الغربيّة)، بينما جاء الفلسطينيّون المقيمون هناك لاحقًا -كمستوطنين- بلا أحقّيّة شرعيّة. مثال على هذه الرؤية هو إصرار بيجين على عدم صحّة استخدام اسم «فلسطين» في الإشارة إلى الأرض، لأنّ هذا الاسم كان «اسمًا رومانيًّا يهدفُ إلى إلحاق العار باليهود في ذلك الوقت» (Hurwitz 2004, p. 112). كان ادّعاء بيجين في الأساس أنّ الأرض كانت «أرضًا منفيّة» منذ خروج اليهود منها، وأن غرباء لا ينتمون إليها استوطنوها. مع تأسيس «دولة إسرائيل»، ولاحقًا إنشاء المستوطنات في الضفة الغربيّة وغزة، جرت استعادة الأرض إلى حالتها الطبيعية، ويمكن للزمن -زمن الأرض- أن يبدأ من جديد.

كان مقترح الحكم الذاتيّ للفلسطينيّين في الأراضي المحتلّة محاولة من بيجين لإيجاد حلّ لمعضلة «العروس والمهر»، ولو قُبِلَ المقترح من قبل الولايات المتّحدة وبعض الدول العربيّة، لاستطاعت إسرائيل أن تحتفظ بكامل الأرض من دون أن تجعل الفلسطينيّين جزءًا من عامة «الشعب الإسرائيلي». كان الحكم الذاتي حلًا تقنيًا ذو نهاية مفتوحة للمعضلة الأيديولوجيّة المتأصّلة في أيديولوجيا «إسرائيل الكبرى». لم يكن حلًا دائمًا، ولكنه سعى لتأجيل أي حل كهذا إلى أجل غير مسمى، مع ضمان بقاء الأرض أرضًا إسرائيلية.

«كيف نُسيطر على مليون عربي؟»

طغت النشوة الإسرائيليّة بالانتصار على الدول العربيّة، عام 1967، بشكل مؤقّت على المعضلة الّتي واجهتها إسرائيل، لكنّها لم تكن تكفي لتجاهلها. في وسط الحرب، في السابع من يونيو 1967، وخلال اجتماعٍ بين الضباط الإسرائيليين، طرح إسحاق رابين السؤال الأكثر أهمية: «كيف نُسيطر على مليون عربي؟»، فأجاب أحد الضباط ببساطةٍ مصححًا الرقم: «مليون ومئتان وخمسون ألفًا» (Shlaim 2001, p. 245). كانت تلك الحقائق المجردة لمعضلة «العروس والمهر».

على الفور، وبعد حرب الأيّام الستّة، انقسم مجلس الوزراء الإسرائيلي فيما يتعلّق بالتعامل مع الضفّة الغربيّة المحتلّة حديثًا. بين آبا إيبان، الّذي أراد إرجاع الضفّة الغربية إلى الأردن، ومناحيم بيجين الذي أراد ضم المنطقة بأكملها، كان ثمّة طيفًا من الحلول، من بينها شكل ما من الحكم الذاتيّ (Pedatzur 1995, pp. 270-273, Shlaim 2001, p. 256). انتهى هذا التنوّع في الحلول إلى حالة راكدة من اللاحل أدت إلى إبقاء المنطقة محتلة إسرائيليًا وفي وضعية «الحكم الإداري» (Goldberg and Ben-Zadok 1986, p. 52, Pedatzur 1995, pp. 270-273). وبينما ظل السؤال طويل الأمد المتعلّق بماذا سيُفعلَ بالمناطق الفلسطينيّة المحتلة معلقًا، كانت الحالة على الأرض تتغير. 

بدأ مشروع الاستيطان الإسرائيلي بطيئًا، ولكن بشكلٍ راسخ. أولى المستعمَرات بُنِيَت في لحظة النشوة الّتي تبعت حرب عام 1967. وبدأت مغامرة الاستيطان تدريجيًّا تكتسب زخمًا. ومع إنشاء مستوطنة جوش إيمونيم (كتلة المؤمنين)، بعد حرب عام 1973، أخذ المشروع الاستيطاني يتلقى دعمًا من الحركة القومية الدينية (Goldberg and Ben-Zadok 1986, p 52, 57, Shelef 2010, p. 65). وبحلول عام 1977، بلغ عدد المستوطنين الذين يعيشون في 84 مستعمرة صغيرة 11 ألفًا (Kimmerling and Migdal 2003, p 287)، عَنَى ذلك أن الأراضي المحتلّة اعتُبِرَت بشكل متصاعد أراضٍ إسرائيلية، أيديولوجيًا، وديمجرافيًا، وكذلك إقليميًا. 

صَعَدَت انتخابات عام 1977 بحزب مناحيم بيجين، «الليكود»، إلى السلطة، وكان ذلك حدثًا فاصلًا في السياسة الإسرائيلية التي هيمن عليها حتى ذلك الحين «حزب العمل». وصف كاتب سيرة بيجين الذاتية الانتخابات بـ«الهزة الأرضية»، واقتبس عن جولدا مائير وصفها لها بالكارثة (Tessler 1986, p. 12, Hurwitz 2004, p. 85). أدى نجاح بيجين الانتخابي إلى تحول في الرؤية الإسرائيلية إلى قطاع غزة والضفة الغربية. بحسب تعبير المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم (2001, p. 352): «يمكن تلخيص أيديولوجيا الليكود بكلمتين: إسرائيل الكبرى». صرّح مانيفستو «الليكود» لانتخابات عام 1977 بذلك: «إن حق الشعب اليهودي بالأرض هو حق أبدي [...] وعليه، لا يمكن التفريط في يهودا والسامرة [الضفّة الغربية] لأي حكم خارجي، فبين البحر والأردن، لا يوجد إلا سيادة يهودية» (Shlaim 2001, p. 353). واستخدم بيجين بشكل دائم الاسم التوراتي «يهودا والسامرة» في الإشارة إلى الضفة الغربية. 

كان بيجين رجل أقوال وأفعال. فخلال أعوامه الخمسة كرئيس للوزراء، نما عدد المستوطنين الإسرائيليين بمعدل 4400 شخص سنويًا (Goldberg and Ben-Zadok 1986, p. 52). وبالرغم من أن بيجين كان مؤيدًا صريحًا لمشروع الاستيطان، إلا أن هناك استمرارية واضحة من الحكومات السابقة. كان الفارق أن بيجين كان مرتبطًا بشكل أكثر حميمية مع حركة الاستيطان الديني القومي «جوش إيمونيم» (Shelef 2010, p. 79). 

أيديولوجيا «الليكود»

تاريخ «الليكود» كحزب سياسي تاريخ قصير، فقد تأسس رسميًّا عام 1973، كتحالف ما بين «حزب حيروت» بقيادة مناحيم بيجين، وبين «الحزب الليبرالي»، وهيمن «حيروت» على التحالف (Tessler 1986, pp. 22-25). ولفهم موقف بيجين السياسي كقائدٍ لحزب الليكود، من المهم النظر في إرث الصهيونية التصحيحية، التي انبثق عنها «حزب حيروت»

كان بيجين داعمًا متحمسًا للأب المؤسِّس للصهيونية التصحيحية فلاديمير زئيف جابوتنسكي (Hurwitz 2004, p. 32)، والتي كانت التيار الأكثر يمينية في الصهيونية الحديثة. أُسِّسَ «الحزب التصحيحيّ» في عام 1925، كحزب يطالب بأقصى الحدود الإقليمية، حيث نادى بأن «يجري تعديل الانتداب البريطانيّ للاعتراف بالحقوق اليهوديّة على كلا جانبي نهر الأردن» (Tessler 1986, p. 19). وفي حين اعتُبِرَ هذا المطلب متطرفًا من قبل التيار الرئيسي في الحركة الصهيونيّة الحديثة، كان جابوتنسكي قائدًا قويًا وكاريزماتيًا له العديد من الأتباع، ومن بينهم بيجين الذي كان أشدهم حماسًا. 

وُلِدَ مناحيم بيجين في روسيا عام 1913، ونشأ في كنف عائلة شديدة التديّن والصهيونيّة. شَهِدَت أعوامه الأولى على واقع الحياة الصعب في ظل الحرب في روسيا، وبعد ذلك الحياة في بولندا المستقلة حديثًا والتي شاعت فيها معاداة السامية. عند بلوغه عامه التاسع، انضم إلى مجموعة شبابية صهيونية، وبحلول سن السادسة عشرة، انتقل للانضمام إلى «بيتار»، منظّمة جابوتنسكي الصهيونيّة. في غضون عشر سنوات، أصبح قائدًا لـ«بيتار» في بولندا. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تصاعدت الأحداث بشكل دراماتيكي إلى الأسوأ بالنسبة لبيجين، فلم يقتصر الأمر فقط على إبادة معظم أفراد عائلته في معسكرات «الهولوكست»، بل أيضًا اعتقلته «مفوّضية الشعب للشؤون السوفيتيّة» (NVKD)، وقضى عدة أعوام في السجون السوفيتية. في عام 1942، أُطلِقَ سراحه وهاجر إلى فلسطين. وبحلول عام 1943، أصبح قائدًا لـ«منظمة الإرجون» (Peleg 1987, pp. 19-23). تُظهِرُ قصة حياة بيجين عدة جوانب من أيديولوجيته ورؤيته للعالم. أولًا، غذّت خلفيّته العائلية المشبعة بالتبريرات الدينية أيديولوجيته القومية. ثانيًا، طوّرت تجربته الصادمة في الهولوكست وتجاربه مع الشرطة السوفيتية انعدام ثقة عميقٍ بالعالم من حوله. ثالثًا؛ والأكثر أهمية بالنسبة لهذا السياق، الحقيقة المتناقضة بأنه كان مهاجرًا من أوروبا، لكنّه شعر بأن لديه أحقية شرعية بالأرض أكثر من سكانها الأصليّين. 

تفكير بيجين بـ«يهودا والسامرة» ترسّخ إبان قيادته لـ«منظّمة الإرجون – إرجون هاتسفاي هالئومي بإيرتس إسرائيل: منظّمة الجيش الوطنيّ في أرض إسرائيل» شبه العسكريّة التابعة للحركة التصحيحيّة في فترة الانتداب البريطانيّ (Tessler 1986, p. 20, Filc 2013, p. 21). كان شعار «الإرجون» الشهير يُظهِرُ ذراعًا تحمل بندقية فوق خريطة تضمّ كلًا من فلسطين والأردن -معًا مسمّاة «أرض إسرائيل»- وتحتها كُتبت الكلمات: «فقط بهذا الشكل». لكن، ومنذ أواسط الخمسينات، بدأ بيجين تدريجيًّا بقبول أن «أرض إسرائيل» لم تشتمل على الضفة الشرقية، أي الأردن. أما الضفة الغربية، فكانت لا تزال تُعتبر «الإرث الأبدي لأسلافنا» (Shelef 2004, pp. 130-32). 

عبارات مثل «الإرث الأبدي لأسلافنا» كانت ثيمة متكررة في خطابات بيجين، فقد احتوى خطاب تقديم حكومته الأولى على العديد من التصريحات التي عكست مثل هذه الإشارات الدينية والتاريخية، مثلًا: «حقّنا هو وصية آبائنا الّتي تعود إلى آلاف السنين»، و«لقد مُنِحنَا حق الوجود من قبل إله آبائنا»، وكذلك «للشعب اليهوديّ حق تاريخي وأبدي في أرض إسرائيل، إرث أسلافنا» (Filc, 2013, p. 22).

من الاستقلال الثقافي إلى الحكم الذاتيّ 

يصف الباحث الإسرائيليّ آرييه ناؤور (2005, p. 156)، موقف بيجين بأنه «فوق زمنيّ»، أو بكلمات باختين «خارج الزمان» (Bakhtin 1981, kindli location 1391). ما يعني أنه اعتبر أن القيمة المعيارية للخط الزمني للحياة اليهودية وغير اليهودية في فلسطين تتعارضان بشكل راديكالي مع بعضهما البعض: 

«تمثيلُ الوطن الكامل كتعبير صلبٍ عن الحقوق التاريخية للشعب اليهودي يعني أن التاريخ، بوصفه أساس ظهور الحقوق الوطنية، كان مجمدًا خلال المنفى والانفصال المادي ما بين الشعب والأرض وتاريخ تلك الحقبة الزمنية [...] وكأن الزمن التاريخي توقف عن التقدم في الوقت الذي كانت فيه الأمة اليهودية في المنفى. وعليه، فكل ما حدث منذ تدمير الهيكل ونفي اليهود غير ذي صلة في ما يتعلق بتحديد المستقبل السياسي لهذه الأرض» (Naor 2005, p. 156).

لكن هذا الادعاء الأيديولوجي لا يمكنه التهرب من السؤال الأساسي: ما المكانة التي يجبُ أن تُعطى للفلسطينيين؟ كان جابوتنسكي اقترح من قبل أنه يمكن للفلسطينيين امتلاك حكم ذاتي «شخصي» ولكن ليس «إقليمي». أي أن التمييز الذي وضعه جابوتنسكي كان بين «حقوق الجنسية» (الحقوق الوطنيّة المستقلة)، وحقوق «المواطنة» (الحقوق الوطنية السيادية). (Peleg 1987, p. 7). الفئة الأولى ذات طابع شخصي ويمكن منحها للعرب كأفراد وليس ككيان جماعي أو وطني، في حين اتسمت الفئة الثانية بطابع إقليمي ولا يمكن منحها للعرب، بحسب جابوتنسكي (Ibid, p. 7). من المهم هنا ملاحظة أنه في حين اعترف جابوتنسكي بالطابع الوطني للفلسطينيين (Morris 2000, p. 108, Shlaim 2001, pp. 15-16, Shindler 2015, pp. 133-136)، إلا أن وريثه الأيديولوجي رفض الاعتراف بذلك الطابع. ومن الدلائل على ذلك حقيقة أن شموئيل كاتس، المستشار الشخصيّ لبيجين، عَمَدَ دائمًا إلى استخدام علامات الاقتباس عند استخدامه لمصطلح «الفلسطينيّين» (على سبيل المثال: Katz 1981, p. 118, 121, 124, 133). 

أكد بيجين مرارًا على أن إسرائيل لن تتخلى أبدًا عن ذرة رمل واحدة من «يهودا والسامرة»، لأنّها كانت مقدسة لكل يهودي (Sachar 2001, p. 864). عندما وصل بيجين إلى السلطة، كانت إسرائيل في وسط عملية سلام جادة بقيادة الولايات المتحدة، وكان الرئيس الأمريكي آنذاك، جيمي كارتر، يدفع في اتجاه حل تفاوضي للصراع العربي الإسرائيلي يشتمل على حل للقضية الفلسطينية. دعا كارتر علنًا إلى إيجاد «وطن» فلسطينيّ، وكان بيجين واعيًا تمامًا لحقيقة أنه كان مضطرًا لتقديم نوعٍ من الحل للقضيّة الفلسطينيّة (Jensehaugen 2018, pp. 35-102). وبينما لا تعدّ هذه المقالة دراسة دبلوماسيّة لمفاوضات الحكم الذاتي، فإن تقديم تسلسل زمني موجز ضروري لتمهيد الطريق لتحليل أيديولوجي. 

المعضلة التي واجهها بيجين تمثّلت في سؤال كيف يقدم حلًا للفلسطينيين دون التخلي عن الأرض، وكانت فكرة بيجين الأصلية تنبع من مفهوم جابوتنسكي آخر، وهو منحُ شكل غير محدد من «الحكم الذاتي الثقافي». لكن الأمريكيون اعتبروا المقترح غير كافٍ (Bar-Siman-Tov 1994, pp. 64-65, Naor 2005, p. 166)[4]. وبعدما أدرك أن مقترح «الحكم الذاتي الثقافي» لم يكن كافيًا، عدل بيجين عن فكرة الحكم الذاتي. وفي 16 من ديسمبر 1977، قدّم للرئيس كارتر مقترح «الحكم الذاتي» للفلسطينيين في «يهودا والسامرة، وفي غزة». وفقًا لهذا المقترح، ستحتفظ إسرائيل بمسؤولية الحفاظ على الأمن والنظام العام في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الوقت نفسه ستمنح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا شخصيًا. وكان ما اقترحه بيجين في جوهره فصلًا قضائيًا ما بين الشعب والأرض[5].

أكد بيجين وفريقه أن قضايا مثل مصادرة الأراضي والهجرة ستكون تحت سلطة إسرائيل، وأن الحكومة العسكرية الإسرائيلية يمكنها إلغاء الصلاحيات التي فوضتها إلى المجلس الإداري الفلسطيني[6]. منذ البداية، تمت مفهَمَة الحكم الذاتي بوصفهِ استقلالًا محدودًا للغاية، حيث تسيطر إسرائيل على الحدود وتحكم الأرض، في حين يُدير الفلسطينيون ثقافتهم الخاصة، وأقل ما يمكنُ وصف هذا به بأنه كان وضعًا غامضًا. وبالرغم من أن بيجين أخبر الأمريكيين أن السيادة ستقتصر فقط على حدود العام 1967، في الممارسة، امتدت السيادة حتى نهر الأردن.

بعد فترة وجيزة، عدل بيجين مقترحه، ووفقًا للنسخة المعدلة، كان يمكن لسكان «يهودا والسامرة ومنطقة غزة» انتخاب مجلس إداري لفترات مدتها أربع سنوات. سيتولى المجلس الإداري الشؤون المدنية، بينما ستبقى مسؤوليات الأمن والسياسة الخارجية والنظام العام في يد «إسرائيل»، بينما بَقِيَ السؤال حول السيادة بلا إجابة[7].

تقليص الحكم الذاتي

خضع مقترح الحكم الذاتي، منذ اقتراحه في ديسمبر 1977، للعديد من التعديلات من قبل المسؤولين الإسرائيليين، فيما بدا تقليصًا تدريجيًا لمدى استقلالية السلطة التي ستُمنح للفلسطينيين. فمثلًا، مُنِحَت الحكومة العسكرية الإسرائيلية الحق في الموافقة على أو رفض أي من أفعال المجلس الإداري الفلسطيني (Heller 1979, pp. 118-119)، إضافة إلى عدم انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي تتمتع بصفة الحكم الذاتي. وبدلًا من ذلك، سيتموضع في «مناطق محددة داخل المناطق التي يشملها الحكم الذاتي» (Journal of Palestine Studies 1979, p. 142). علاوة على ذلك، وبينما تمتع الإسرائيليون بالقدرة على شراء الأراضي في مناطق الحكم الذاتي، مُنِعَ الفلسطينيون من شراء أراضٍ في إسرائيل إلا في حالة أصبحوا مواطنين إسرائيليين[8]، وذلك بالطبع كان مقيدًا بالنص القانوني الذي يعمل على الحد من إمكانية منحِ الفلسطينيين الساعين إلى الحصول على الجنسية الإسرائيلية، وفقًا لقوانين المواطنة الإسرائيلية.

استمرت المفاوضات حول الإطار الزمني للحكم الذاتي. وفقًا للنسخة التي أُرفِقَت بـ«اتفاقات كامب ديفيد»، كان سيجري تطبيق الحكم الذاتي في غضون خمسة أعوام (Newman and Falah 1997, p. 123). ولضمانِ عدم تحول الحكم الذاتي إلى دولة، أكد بيجين أن إسرائيل ستعمل على اعتقال أي فلسطيني يحاول إعلان دولة فلسطينية (Heller 1979, p. 117). وكما تُشير معاهدة السلام الموقّعة عام 1979 بين مصر وإسرائيل، تراجع كل من الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والمصري أنور السادات أمام مطالبة بيجين بالإبقاء على الفلسطينيين خارج الاتفاقية. لكنهم كانوا موجودين نظريًا فقط، من خلال الفكرة الغامضة للحكم الذاتي التي لم تُطبق على الإطلاق. في نوفمبر 1980، انهارت المحادثات الخاصة بتطبيق الحكم الذاتي. بعد ذلك، نشر بيجين المقترح المعنون بـ«نموذج الحكم الذاتي الكامل للعرب في أرض إسرائيل – سكان يهودا والسامرة وقطاع غزة» (Journal of Palestine Studies 1980, p. 159). ومثلما هو واضح في العنوان، لم تكن الأرض لتُقسَّم، فهي «أرض إسرائيل»، ولم يبذل بيجين جهدًا لإخفاء رؤيته: «ثمّة أمور يجب أن تُقال بوضوح كامل، وهذا ينطبق على حق إسرائيل في السيادة على يهودا والسامرة، وحقها في الاستيطان هناك ورفضها المطلق لأي محاولة لإقامة دولة فلسطينية هناك» (Journal of Palestine Studies 1979, p. 143). وَضْعُ السيادة على الضفة الغربية في حالة من التعليق كان خدعة سياسية.

هذا كان خط بيجين كما أعلن في انتخابات عام 1977: «حقّ الشعب اليهودي في أرض إسرائيل أبدي وغير قابل للتصرف [...] فما بين النهر والأردن، لن تكون هناك سيادة إلّا السيادة اليهودية» (مقتبس في: Sachar 2001, p. 836). بالنسبة لبيجين، كان للمستوطن الإسرائيلي أحقية أعظم بالأرض من الفلسطينيين الذين عاشوا فيها. كان للمستوطنين، في الحاضر والمستقبل، حق قومي بالأرض، في حين كان للفلسطينيين مجرد حضور زمني وشخصي مؤقت.

الحكم الذاتي كمفهوم 

لم يكن مقترح بيجين المرة الوحيدة التي تقترح فيها إسرائيل الحكم الذاتي كحل للفلسطينيين (Pedatzur 1995, pp. 269-279). يشير كل من ديفيد نيومان وجازي فلاح (1997, p. 115) إلى أن «’تقرير المصير‘ مصطلح يستخدمه الفلسطينيّون عندما يطالبون بالدولة، بينما تستخدم إسرائيل مصطلح ’الحكم الذاتي‘ في بحثها عن حلّ يضمنُ لها استمرارها في السيطرة والوجود الإقليميين». تقليديّا، يتضمن الحكم الذاتي ’انتقال السلطة جزئيًا إلى حكومة إقليمية [...] وسيكون لهذه السلطة القدرة على اتخاذ قرارات تتعلق بالإقليم وبالناس» (Ibid, p. 112). أما فيما يتعلق بنظرة بيجين للحكم الذاتي، فسيكون ثمة فصل ما بين تلك القرارات المتعلقة بالناس والأخرى الخاصة بالأرض. لم يكن الحكم الذاتي مشابهًا للحكم الذاتي الكلاسيكي، بحيثُ اقتصر فقط على منحِ الفلسطينيين سلطة القرارات الخاصة بالناس، وليس الأرض، فقد كان حكمًا ذاتيًا شخصيًا وليس إقليميًا (Ruedy 1981, p. 46). كان الحكم الذاتي الإقليمي مستحيلًا بالنسبة لبيجين، لأنه سيعني ألا تكون الأرض إسرائيلية بالكامل وفقط. 

يُشير إيلان بيليج (1987, pp. 136-37) إلى أنه وبالرغم من وجود حالاتٍ من «الحكم الذاتي الشخصي» في الماضي، إلا أنه لم يكن ثمة حالة واحدة من هذا النوع في عام 1977. في حالة جابوتنسكي، وعندما طور مقترحه لـ«الحكم الذاتي الثقافي»، كان يستند إلى النموذج الهنجاريّ-النمساويّ، الذي كان إمبراطورية متعددة القوميات (Shindler 2015, pp. 128-131). لكن إسرائيل لم تكن إمبراطورية متعددة القوميات، ومقترح بيجين كان حالة شاذة قانونيًا، ويمكن رؤية ذلك في تحليل «وكالة المخابرات الأمريكية» (CIA): 

«رؤية بيجين لسلطة الحكم الذاتي (SGA) أنها يجب أن تقتصر فقط على أن تكون سلطة إدارية تنظم شؤون السكان العرب وتترك السيطرة على الأرض [...] مع إسرائيل. للتلخيص، خطة بيجين للحكم الذاتي تتعلّق بالناس وليس بالأرض، وعليه فهي لا تضر  بادّعاء إسرائيل أحقيتها الإقليمية بالضفة الغربية» (Khalidi 2013, p. 20).

وعليه، استُثنِيَت الأرض من المقترح فيما عدا إشارة وحيدة لها تنص على أن سلطة الحكم الذاتي ستكون على الضفة الغربية وقطاع غزة (Newman and Falah 1997, p. 123). 

يشير مارك هيلر إلى أن حكم بيجين الذاتي يذكّر بنظام الملل العثماني، إذ يرى أنه في حين كان من الممكن تاريخيًا التفكير في هذا النوع من الحكم الذاتي، إلا أن «نموذج تقرير المصير الذي يربط ما بين القومية والحكم الذاتي الإقليمي بشكل لا ينفصم، يجعل مثل هذا الحل غير متسق مع العصر» (Heller 1979, pp. 119-20). عدم الاتساق هذا كان ما يسعى إليه بيجين، فمقترحه للحكم الذاتي كان يشكِّل عائقًا للقومية الفلسطينية والمطالبة بدولة فلسطينية (Peleg 1987, p. 102). وبينما سيعني الحكم الذاتي الإقليمي أن الفلسطينيين كانوا من الأرض، وعليه يعترفُ بالحق الفلسطيني القومي الإقليمي، فإن الحكم الذاتي الشخصي سيعني ببساطة القبول بالحضور الفلسطيني على الأرض، وبالتالي قطع الصلات التي تربط ما بين الأمة كشعب (الفلسطينيين) وما بين الأمة كمكان (فلسطين). وهذا يعني أن الفلسطينيّين موجودون خارج «التاريخ» (Raz-Krakotzin 2013, p. 58). يترادف التاريخ، كما يلاحظ طوفول أبو حديب، مع تاريخ الدولة-الأمّة، وسقوط الفلسطينيّين من الدولة الأمّة يعني سقوطهم في شقوق التاريخ. وعلى غرار تجار أبو حديب، فإن هذا لم يجعل الفلسطينيين غير مهمين بحد ذاتهم، لكنه مكّنَ بيجين من استثنائهم من السردية القومية. 

حاول بيجين إيجاد حلّ لا يعكّر صفو كرونوتوب (زمكان) الضفة الغربية وقطاع غزة بوصفهما «أرضًا منفية»، وذلك كي يُبقِي على المنطق الزمكاني لـ«أرض إسرائيل» على حاله. تأجيلُ مسألة السيادة على الأرض سمح لإسرائيل وللمستوطنين بخلق روابط مع الأرض في انتظار اللحظة التي يمكنهم فيها امتلاك السيادة كاملة.

ردود الفعل 

أثار مقترح الحكم الذاتي خارج إسرائيل رؤيتان متناقضتان. الأولى ترى أن الفلسطينيين يمكنهم، وعليهم، أن يستخدموا هذا المقترح كخطوة أولى لتحقيق طموحاتهم نحو دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. تبنّى هذا الرأي، من بين آخرين، مستشار الأمن القوميّ في إدارة الرئيس الأمريكيّ جيمي كارتر (1977 – 1981)، زبيجينيو بريجنسكي، الّذي، وبالعودة إلى تلك الفترة من المفاوضات، كان قد أبدى خيبة أمل كبيرة في العرب لرفضهم مقترح الحكم الذاتي: 

«لو كان لدى الجانب العربي ذرّة من العقل لأدركوا أن إنشاء مؤسسات حكم ذاتي خلال فترة خمسة أعوام في إقليمٍ على حدود 1967، سيجعلُ من الصعب لاحقًا أن تكون هناك أي اتفاقيّة سلامٍ خارج حدود 1967» (مقتبس في: Al Madfai 2007, p. 56).

وجهة النظر الأخرى، والتي تبنّتها الدول العربية إلى جانب الفلسطينيين، تقول إن الحكم الذاتي المُقترح من قبل بيجين كان غايةً في حد ذاته، والموافقة عليه ستعني منح الدعم الأخلاقي لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض (Heller 1979, p. 114). وللمرة الأولى، كان بيجين متفقًا مع الرؤية الفلسطينية. فعندما دافع عن مقترحه في إسرائيل، قال إن الحكم الذاتيّ يهدِفُ إلى الاحتفاظ بالسيطرة على الأراضي المحتلة وفي الوقت نفسه نزع سلاحِ المعارضين لهذه السيطرة (Bar-Siman- Tov 1994, p. 76). العديد من الإسرائيليين كانوا أيضًا غاضبين من موقف بيجين فيما يتعلق بالضفة الغربية. في أحد الاحتجاجات قال إسرائيلي: «لدينا مسؤوليّة أكبر تجاه أبنائنا من مسؤوليتنا تجاه آبائنا»[9]. لكن بيجين رأى أن هذه المسؤوليات واحدة ومتماثلة. 

خاتمة:

جغرافيًا، عَنَى مقترح بيجين حل الدولة الواحدة، لكن ديمجرافيًّا، كان يعني الإبقاء على أمّتين في حالة من اللاحل، والحفاظ على الوضع الراهن. ستظل إسرائيل دولة قومية في كامل فلسطين التاريخية، بينما يبقى الفلسطينيون شعبًا بلا دولة. يرى مارك هيلر أن «الخطة تقترح حكمًا ذاتيًا جماعيًا في كامل فلسطين لليهود فقط. أما العرب، فما يزال ما يهم هو مكان تواجدهم، وليس هويتهم. إن المحاولات الميتافيزيقية لفصل مصيرهم السياسي عن مصير المكان الذي يعيشون فيه هو ممارسة عبثية [...] قد يُسمّى هذا حكمًا ذاتيًا كاملًا، لكن من غير الممكن تقريبًا أن تكون الألعاب اللفظية قد خدعت أحدًا» (Heller 1979, p. 120, 123). 

كان لمفهوم الحكم الذاتي الشخصي بدلًا من الإقليمي أهمية خاصة لحركة الاستيطان «جوش إيمونيم»، التي رفضت بشدة أي قيود على أماكن استيطان اليهود في «أرض إسرائيل» (Bar-Siman-Tov 1994, p. 74). كما عبّر أحد المستوطنين بوضوح: «لا يعيش العرب في الأرض بسبب أي حقٍ ولكن ’بفضل رحمتنا‘» (Peleg 1987, p. 72). ولم ينفِ بيجين هذا الرأي. يكفي النظر إلى حقيقة أنه في مقترحات الحكم الذاتي المعدلة، كانت ’قوات الدفاع الإسرائيلي‘ ستنسحب، ولكن احتلالها لن يجرِ إلغاؤه. وضع السيادة في حالة من التعليق كان مجرد تمرين أكاديمي، فمن الناحية العملية، ستظل السيادة بشكل كامل في أيدي الإسرائيليين.

يرى باختين (1981, Kindli location 2155)، أنه «من أجل إضفاء الأصالة على أي فكرة مثالية، يكفي تصور أنها كانت موجودة في حالتها ’الطبيعية‘ في عصر ذهبي ما». هذا وصف دقيق لفهم بيجين لـ«يهودا والسامرة»، فقد اعتبر بيجين أن «العصر الذهبي» اليهودي كان «الحالة الطبيعية» للأرض. بالنسبة إليه، جرت استعادة هذه «الحالة الطبيعية» في عام 1967، ما أعاد ربط الحاضر بالماضي القديم. ونظرًا لعدم امتلاك الفلسطينيين أي أحقية بالأرض في «حالتها الطبيعية» خلال العصور القديمة، جادل بيجين بأنهم إذًا ليس لهم حق في الأرض في حالتها الحالية أيضًا، وذلك بالرغم من وجودهم الضخم الحالي والتاريخي على الأرض. بالنسبة إليه، كان الاختلاف بين الوجود الأنطولوجي الإسرائيلي مقابل الوجود الزمني الفلسطيني. ولذلك كان إنشاء المستوطنات الإسرائيلية هو الفعل الذي سيُنهي حالة «الأرض المنفيّة» (Terra Morata)، فمن خلال فعل الاستيطان، أُعِيدَت الأرض إلى زمنها الشرعي. 

مصطلح «الأرض المنفيّة» (Terra Morata) له أهمية مضاعفة هنا. أولًا، كانت الأرض في حالة توقف، في نوع من الوقف المؤقت، في انتظار عودة الشعب اليهودي. ثانيًا، من خلال مقترح الحكم الذاتي، موضَعَ بيجين الضفّة الغربيّة في حالة جديدة مماثلة، في انتظار اللحظة الّتي تستطيع فيها إسرائيل المطالبة بالسيادة على كامل الأرض. كان هذا ببساطة تصنيفًا جديدًا للاحتلال، فبدلًا من الصراع على الحق في السيطرة السيادية على الأرض في الحاضر، استخدم بيجين التأجيل كأداة لاحتفاظ إسرائيل بالسيادة إلى ما لا نهاية. ولأسباب واضحة، لم تقبل الدول العربية أو الفلسطينيون بهذا المنظور الزمني للأرض. وبينما حاولت إدارة كارتر أن تجعل الحكم الذاتي حلًا مؤقتًا، لم تتمكن من جعل بيجين يوافق على تطور وطنٍ فلسطيني -وبالتأكيد ليس دولة- في الضفة الغربية وغزة. عمليًا، كانت الأراضي المحتلة جزءًا من إسرائيل.

ملاحق:

[1] تقريبًا 20% من سكان إسرائيل هم فلسطينيون مقيّدون بشكلٍ كبير للعيش في مناطق معيّنة مثل الجليل. 

[2] خطاب في الكنيست لرئيس الوزراء الإسرائيليّ ليفي أشكول، بتاريخ 12 يونيو 1967، وزارة الخارجية الإسرائيلية، وثائق تاريخية: http://mfa.gov.il/MFA/ForeignPolicy/MFADocuments/Yearbook1/Pages/23%20Statement%20to%20the% 20Knesset%20by%20Prime%20Minister%20Eshk.aspx ، تاريخ الدخول: 20 ديسمبر 2013. 

[3] استُخدِمَت العبارة للمرّة الأولى في مقالة جينساهوجن (Jensehaugen 2019)، لكنّها طُوِّرت هنا كبيان أيديولوجي مكتمل لفهم بيجين. 

[4] MemCon, 10 August 1977 (FRUS 2013, pp. 435–50).

[5] Quandt to Brezinski, 17 December 1977, Jimmy Carter Presedential Library, Zbigniew Brzezinski Collection Box 13, Middle East-Negotiations ]10-77-12-77[.

[6] Transmission of Texts of Israeli Peace proposal to President Sadat, 27 December 1977, Jimmy Carter Presidential Library, Zbigniew Brzezinski Collection Box 13, Middle East-Negotiations ]10-77-12-77[.

]8[ Statement to the Knessest by Prime Minister Begin presenting Israel’s peace plan, 28 December 1977 (Medzini 1981, pp. 278-279). 

]9[. The Situation Room to Inderfuth for Brzezinski, April 1978 ]date unclear[, Jimmy Carter Presedential Library, NLC-4-11-2-14-8.

مراجع:

al Madfai, M.R., 2007. Jordan, the United States and the Middle East peace process, 19741991. Cambridge: Cambridge University Press.

Anziska, S., 2017. Autonomy as state prevention: The Palestinian question after Camp David, 1979–1982. Humanity: an international journal of human rights, humanitarianism, and development, 8 (2), 287–310.

Anziska, A., 2018. Preventing Palestine: a political history from Camp David to Oslo. Oxford: Princeton University Press. Bakhtin, M., 1981. The dialogic imagination: four essays. M. Holquist, ed., C. Emerson and M. Holquist, Trans. Austin, TX:

University of Texas Press.

Bar-Siman-Tov, Y., 1994. Israel and the peace process, 19771982: in search of legitimacy for peace. Albany, NY: State University of New York Press.

Bemong, N. and Borghart, P., 2010. Bakhtin’s theory of the literary chronotope. Reections, applications, perspectives. In:

  1. Bemong, et al., eds. Bakhtins theory of the literary chronotope: reflections, applications, perspectives. Gent: Academia Press, 3–16.

Filc, D., 2013. Political right in Israel: different faces of Jewish populism. New York: Routledge.

FRUS, 2013. FRUS: foreign relations of the United States - 19771980 Volume VIII Arab-Israeli dispute January 1977August 1978. Washington, DC: United States Government Printing Oce.

Goldberg, G. and Ben-Zadok, E., 1986. Gush Emunim in the West Bank. Middle Eastern studies, 22 (1), 52–73. Gordon, N., 2008. Israels occupation. London: University of California Press.

Heller, M., 1979. Begin’s false autonomy. Foreign policy, 37, 111–132.

Hobsbawm, E.J., 2007. Nations and nationalism since 1780: programme, myth, reality. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press.

Hurwitz, H.Z., 2004. Begin: his life, words and deeds. Jerusalem: Gefen.

Jensehaugen, J., 2018. ArabIsraeli Diplomacy under Carter: The U.S, Israel and the Palestinians. London: I.B. Tauris. Jensehaugen, J., 2019. Smokescreen diplomacy: excluding the Palestinians by self-rule. The Middle East journal, 73 (2),

224–241.

Journal of Palestine Studies, 1979. Autonomy-Israeli style. Journal of Palestine studies, 9 (1), 142–145. Journal of Palestine Studies, 1980. Israel’s autonomy plan. Journal of Palestine studies, 9 (3), 159–162. Katz, S., 1981. The hollow peace. Israel: Dvir.

Khalidi, R., 2013. Brokers of deceit: how the U.S. has undermined peace in the Middle East. Boston, MA: Beacon Press.

Khoury, N., 2016. National narratives and the Oslo peace process: how peacebuilding paradigms address conicts over history. Nations and nationalism, 22 (3), 465–483.

Kimmerling, B. and Migdal, J.S., 2003. The Palestinian people: a history. London: Harvard University Press.

Medzini, M., 1981. Israels foreign relations: selected documents, 19771982. Jerusalem: Israeli Ministry of Foreign Affairs. Morris, B., 2000. Righteous victims: a history of the Zionist-Arab conflict, 18811999. London: J. Murray.

Morris, B., 2004. The birth of the Palestinian refugee problem revisited. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press. Naor, A., 2005. Hawks’ Beaks’, Doves’ feathers: Likud prime ministers between ideology and reality. Israel studies, 10 (3), 154–191. Newman, D. and Falah, G., 1997. Bridging the Gap: Palestinian and Israeli discourses on autonomy and statehood.

Transactions of the Institute of British Geographers, 22 (1), 111–112.

Pappe, I., 2007. The ethnic cleansing of Palestine. Oxford: Oneworld Publications.

Pedatzur, R., 1995. Coming back full circle: The Palestinian option in 1967. Middle East journal, 49 (2), 269–291. Peleg, I., 1987. Begins foreign policy, 197783: Israels move to the right. New York: Greenwood Press.

Perlmann, J., 2011–12. The 1967 census of the West Bank and Gaza Strip: a digitised version. The Levy Institute. Available from: http://www.levyinstitute.org/palestinian-census/ [Accessed 14 March 2014].

Piterberg, G., 2008. The returns of Zionism: myths, politics and scholarship in Israel. London: Verso Books.

Raz-Krakotzkin, A., 2013. Exile, history and the nationalisation of Jewish memory: some reections on the Zionist notion of history and return. Journal of levantine studies, 3 (2), 37–70.

Raz, A., 2012. The bride and the dowry - Israel, Jordan and the Palestinians in the aftermath of the June 1967 War. New Haven, CT: Yale University Press. 

Ruedy, J., 1981. Formulation of Israeli Palestine policy: a consideration of the variables. Journal of Palestine studies, 10 (4), 45–60.

Sachar, H.M., 2001. History of Israel: from the rise of Zionism to our time. 2nd ed. New York: Alfred A. Knopf. Shelef, N.G., 2004. From ‘both banks of the Jordan’ to the ‘whole land of Israel’: ideological change in revisionist Zionism.

Israel studies, 9 (1), 125–148.

Shelef, N.G., 2010. Evolving nationalism: homeland, identity, and religion in Israel, 19252005. Ithaca, NY: Cornell University Press.

Shindler, C., 2015. The rise of the Israeli right: from Odessa to Hebron. New York: Cambridge University Press. Shlaim, A., 2001. The Iron wall: Israel and the Arab world. New York: W. W. Norton.

Tessler, M., 1986. The political right in Israel: its origins, growth, and prospects. Journal of Palestine studies, 15 (2), 12–55. Veracini, L., 2010. Settler colonialism: a theoretical overview. London: Palgrave MacMillan.

Zertal, I. and Eldar, A., 2009. Lords of the land: the war over Israels settlements in the occupied territories, 19672007.

New York: Nation Books.

Archives used:

Jimmy Carter Presidential Library, Atlanta. Israel Ministry of Foreign Affairs Historical Documents (online), http://www.mfa.gov.i

تنشر هذه الترجمة بموافقة من الكاتب

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجي مهدي

خريف حزب الله

«يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).