تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

إحياء التجربة الحزبية أَم الاستسلام لـ«الاستبداد الديمقراطي»؟

محمد سعد عبد الحفيظ
12 دقيقة قراءة
إحياء التجربة الحزبية أَم الاستسلام لـ«الاستبداد الديمقراطي»؟

لا يختلف «الاستبداد الديمقراطي» عن غيره من أنواع الاستبداد من حيث النتائج. كل ما هنالك أن بعض النظم التي وصلت إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، قررت البقاء في السلطة رغم إرادة شعوبها، استخدمت في سبيل ذلك كل ما يستخدمه المستبدون من موبقات سياسية، بداية من التلاعب بنصوص الدستور، وتقويض مؤسسات الدولة لإضفاء الشرعية على قراراتها، وصولًا إلى تجريف الحياة السياسية وحصار البدائل وملاحقتها، وتخليق أحزاب وكيانات تسبح بحمدها، وتضفي مسحة ديمقراطية على ما ترتكبه من خطايا في حق الحاضر والمستقبل.

في الدول التي تحكم بهذا النوع من الاستبداد لن يحدث التغيير إلا عبر ثورات وانتفاضات قد تنتهي بالعودة إلى نظام لا يختلف عن النظام الذي أسقطته تلك الثورات وإن اختلفت الوجوه، أو عن طريق الإصلاح التدريجي الذي يمهد إلى خلق مناخ يسمح بفرض واقع سياسي جديد، وفي الحالتين لا بد من وجود بدائل تمتلك مشاريع وبرامج وحلول تتسلم الراية وتملأ الفراغ سياسيًا.

بيت القصيد، بدون أحزاب فاعلة قادرة على التعبير عن مكونات المجتمع وقواه، لن يحدث تحول ديمقراطي أو نقلة في بناء الدول التي حكمتها أنظمة مستبدة لفترات طويلة، هذه الحقيقة أكدتها تجربة مصر منذ أن عرفت البلاد الطريق إلى الحكومات الدستورية والحياة النيابية والتجربة الحزبية قبل نحو قرن ونصف القرن من الزمن.

عرفت مصر الممارسة الحزبية لأول مرة في عام 1879 عندما أصدرت مجموعة من قادة الرأي ورجال السياسية والعسكريين الوثيقة المعروفة باسم «اللائحة الوطنية» والتي طالبت بوضع حد للتدخل الأجنبي في إدارة شؤون البلاد، وإقامة نظام نيابي دستوري يأتي بحكومة مسؤولة أمام البرلمان.

تبنى الخديوي إسماعيل تلك اللائحة وكلف حكومة شريف باشا بتنفيذ ما جاء فيها، إلا أن التواطؤ الأوروبي العثماني خلع إسماعيل من حكم مصر ونصب ابنه توفيق خلفًا له، ليخضع للمخططات الأوروبية. في تلك الفترة شكلت رموز الحركة الوطنية من إصلاحيين وسياسيين وضباط جيش، جمعية «مصر الفتاة» ثم «الحزب الوطني» ليكونا مظلة لتحركاتهم في مواجهة سياسات الخديوي الجديد، مع تمسكهم بالدعوة إلى إقامة نظام سياسي يقوم على توزيع السلطات وتوازنها وتحقيق المساواة بين المواطنين.

مع هزيمة الثورة العرابية ودخول الاحتلال الإنجليزي مصر في عام 1882 تجمدت التجربة الحزبية الوليدة لما يقرب من عقدين، ثم عاد التيار الوطني إلى الظهور بقوة مع مطلع القرن العشرين، من خلال مجموعة من الصحف الوطنية كانت «اللواء» التي أصدرها الزعيم مصطفى كامل سنة 1900 في صدارتها، بينما عادت الحياة الحزبية إلى مصر مرة أخرى مع عام 1907 الذى يطلق عليه المؤرخون عام الأحزاب.

في تلك الفترة شهدت مصر أحزابًا تمثّل كل التوجهات بدءًا من التوجهات الوطنية الخالصة المطالبة بإنهاء الاحتلال الإنجليزي للبلاد وإقامة حكم ديمقراطي رشيد، بل والمطالبة بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وصولًا إلى الأحزاب التي تدافع عن الاحتلال وتروج له، مرورًا بأحزاب إصلاحية ترى أنه يمكن تأجيل الحديث عن الاستقلال والجلاء إلى حين الارتقاء بالشعب وتعليمه، وأخرى موالية للقصر.

المفارقة أن هذه التجربة الحزبية بدأت ونشطت في ظل نظام سياسي لا يعترف بالأحزاب، ولا بآليات تداول السلطة، وظهر  في عام 1907 أحزاب «الوطني الحر» الذي سُمي فيما بعد بـ«الأحرار»، وهو حزب موال لسلطة الاحتلال، و«الأمة» بزعامة أحمد لطفى السيد، و«الإصلاح على المبادئ الدستورية» الذي أسسه الشيخ علي يوسف، صاحب جريدة «المؤيد»، وكان حزب موال للقصر، و«الحزب الوطنى»، الذي قاد الحركة الوطنية حتى ثورة 1919، بزعامة مصطفى كامل ثم محمد فريد، كما ظهر الحزب «الجمهوري الحر» الذي دعا إلى إنهاء حكم أسرة محمد علي وإعلان الجمهورية، لكنه لم يستمر طويلًا.

وفي عام 1918 تشكلت هيئة من كبار السياسيين بزعامة سعد زغلول للمطالبة باستقلال مصر، وحصلت تلك الهيئة على توكيلات من الأمة لتفويضها في الحديث باسمها، وانبثق عن تلك الهيئة حزب الوفد.

تكلل نضال المصريين عام 1923 بإنجاز أول وثيقة دستورية تقلص من صلاحيات الملك لصالح الحكومة المعبرة عن الأغلبية النيابية، لتمنح الأحزاب السياسية لأول مرة في تاريخ مصر فرصة الوصول إلى السلطة وممارستها، رغم أن الدستور الجديد لم يشر نصًا إلى التعددية الحزبية التي كانت قائمة بفعل الواقع.

مضت التجربة الحزبية في طريقها دون مظلة دستورية، فخرج من عباءة حزب الوفد في تلك الآونة عدد من الأحزاب منها «الأحرار الدستوريين»، و«السعديين»، و«الكتلة الوفدية»، وظهرت أحزاب أخرى تعبر عن تيارات قومية ويسارية نافست «الوفد» مثل «مصر الفتاة»، و«الاشتراكي الشيوعي»، و«الشيوعي المصري»، و«الفلاح المصري»، و«الحركة الديمقراطية»، وفي المقابل صنعت «السرايا» وحكومات الأقلية أحزابًا موالية لها مثل، «الشعب»، و«الاتحاد»، ونتيجة لسقوط الخلافة العثمانية ظهرت أحزاب وجماعات دينية مثل «الإخوان المسلمون»، و«حزب الله»، و«الإخاء».

جاءت ثورة 23 يوليو 1952 لتلغي الحكم الملكي وتعلن قيام الجمهورية تحت حكم الجيش، الذي أطاح بالطبقة السياسية الحاكمة وألغى الأحزاب ومعها دستور 1923. تصاعدت الضغوط على مجلس قيادة الثورة من خارج الجيش ومن داخل وحداته وأسلحته، للمطالبة بإقامة نظام دستورى وعودة البرلمان والحياة الحزبية وإلغاء الأحكام العرفية.

خضعت قيادة ثورة 23 يوليو لهذه المطالب، فأعلن مجلس قيادة الثورة في 5 مارس 1954 اعتزامه إلغاء حالة الطوارئ وتشكيل جمعية تأسيسية لإعداد الدستور وإلغاء الرقابة على الصحافة والنشر. وفي 25 مارس قرر مجلس قيادة الثورة حل نفسه والسماح بقيام الأحزاب وانتخاب جمعية تأسيسية بحلول 24 يوليو سنة 1954. وبدا بهذا أن الوجه الديمقراطي لثورة 23 يوليو قد غلب وجهها الآخر، وأن الأسلوب الديمقراطي والأهداف الوطنية والشعبية انتصرت على الأسلوب الآخر.

«فاجأت هذه القرارات الديمقراطية الكثيرين، وقالوا إن هذه القرارات الخاصة بالحريات العامة، وبصياغة نظام الحكم على أسس حزبية برلمانية منتخبة من الشعب، من شأنها أن تعيد العهد الماضى البغيض، وأن يعود حكم الباشوات السابق، وأبدوا الهلع والفزع من عودة طبقة حاكمة كانت هُزمت فعلًا، وأُطيح بها من مقاعد الحكم ومن نظام اجتماعى كانت تقوّضت قوائمه، وأبدى المنتصرون الهلع والفزع من المهزومين، وبدأت موجة من المظاهرات والإضرابات تطالب بعودة مجلس قيادة الثورة»، يقول المستشار طارق البشري في كتابه «دراسات في الديمقراطية».

ويصف المؤرخ عبدالرحمن الرافعي ذلك المشهد قائلًا: «أضرب عمال النقل احتجاجًا على عودة الأحزاب المنحلة، وقررت نقابتهم استمرار مجلس قيادة الثورة في مباشرة سلطاته وعدم الدخول في معارك انتخابية حتى جلاء المستعمر، فتوقفت القطارات ووسائل النقل في البلاد، وبلغ عدد العمال المضربين مليون عامل -كان تعداد مصر وقتها نحو 24 مليون نسمة»، وقيل وقتها إن المظاهرات سارت تهتف بسقوط النظام الحزبي والديمقراطية.

وبحسب الرافعي رأى الخائفون من الديمقراطية أن «الثورة مهددة بالانحلال إذا نفذت قرارات، 5 و25 مارس، وأن البلاد ستعود إلى الفوضى وإلى نفس الأحزاب المنحلة، فأصدروا قرارات جماعية بإلغاء قرارات 5 و25 مارس، وشفعوا ذلك بالاعتصام حتى تلغى هذه القرارات.. وحملوا مجلس قيادة الثورة مسؤولية ما يقع من حوادث إذا لم تجب مطالبهم».

ما جرى في مارس 1954، أجهض تجربة التعددية وجمد عملية إقامة حياة ديمقراطية سليمة، والتي كانت إحدى أهداف ثورة يوليو، وبدأت مرحلة جديدة اتسمت باتخاذ قرارت فوقية، واقتصر العمل السياسي على تنظيم واحد، حيث تم تأسيس «هيئة التحرير» وتلاها «الاتحاد القومي» ثم «الاتحاد الاشتراكي العربي».

يبدو أن أحداث مارس 1954، التي منح فيها المتظاهرون والمحتجون من فئات الشعب المصري الحكام الجدد شيكًا على بياض جذّرت واقعًا صعب تغييره رغم ما طرأ على الحالة المصرية على مدار ستة عقود، فرغم ما حققته يوليو في ملفات العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والتصنيع والتعليم والإصلاح الزراعي، ظل ملف الديمقراطية والحريات العامة هو النقيصة التي هزت الثقة في نظام حقق إنجازات ظلت آثارها باقية بعد رحيله.

اعترف عبدالناصر بعد هزيمة يونيو 1967 بأن الخوف الذى سيطر على الأجواء، وغياب الديمقراطية قاد البلد إلى نكسة يونيو، فدعا إلى مراجعة ما جرى بما يضمن إزالة آثار العدوان ويحول دون تكرار السقوط فى الاختبارات اللاحقة، وخرج بيان 30 مارس الشهير بعد المظاهرات العارمة التي خرجت في الشوارع تطالب بمحاكمة المسؤولين عن الهزيمة.

انتهت المرحلة الناصرية بما لها وما عليها، وبدأ عهد «ديمقراطية الأنياب» ذلك المصطلح الذي عبّر به السادات عن توجهاته نظامه، أو عصر «الاستبداد الديمقراطي» بتعبير المستشار طارق البشري، «ذلك العصر الذي في ظله لا يلغي المستبد مؤسسات الدولة لكي ينفرد بالقرار ويمارس احتكار السلطة، لكنه يقيم كل الهياكل والمؤسسات الديمقراطية، ثم يفرغها من وظائفها، بحيث تصبح معبرة عن إرادته هو، وليس إرادة المجتمع، وتحمى شخصه ونظامه بأكثر مما تحمى مصالح الناس وتستجيب لأشواقهم».

في عهد «الاستبداد الديمقراطي» يُسمح بظهور أحزاب وإجراء انتخابات وإقامة برلمانات، لكن أصابع أجهزة النظام تظل هي المحرك الأساسي لكل ذلك، وهي صيغة تبقى الحاكم بعيدًا في الظل، لكن أعوانه وأجهزته توظف كل ذلك لحسابه.

وهذا هو ما فعله السادات، وسع الهامش لحرية الصحافة والإعلام، وأطلق المنابر السياسية، ثم سمح بعودة الحياة الحزبية رغم غياب غطاء دستوري، وأجريت في عهده استفتاءات وانتخابات وتشكلت برلمانات تضم عددًا من رموز المعارضة السياسية، لكنه كمثله من المستبدين «استخدم تلك الأدوات كي يمارس نفوذًا أكبر، لا يدمر به الحاضر فحسب، ولكن يدمر المستقبل أيضًا»، بحسب تعبير الكاتب الصحفي فهمي هويدي في ورقة بعنوان «الصراع حول الديمقراطية في العالم العربي»، قدمها إلى مؤتمر حزب البناء الوطني في تونس عام 2015.

أخطر انعكاسات هذا الاستبداد الذي يدمر الحاضر، وفق ما ذكر هويدي، تتمثل في أنه يفقد المجتمع عافيته ويفسد أجواءه، ويصيب الفضاء السياسي بالتجريف والقوى السياسية بالضعف والعقم، كما أنه يصيب مؤسسات المجتمع بالإعاقة والعجز، «في ذات الوقت فإنه يؤسس لنخبة تابعة تبشر بقيم الانصياع وعبادة السلطان، في حين تحارب التنوع وتتهم الاختلاف حتى تجرمه، وتلك عوامل لها تأثيرها السلبي على المستقبل من حيث إنها تشكل عقبات حقيقية تعترض طريق التحول الديمقراطي».

شق السادات طريق «الاستبداد الديمقراطي»، وأكمل حسني مبارك ما بدأه سلفه، سلم الحياة السياسية للأجهزة الأمنية، تلاعبت بها كما اعتادت، فدمرت التجربة الحزبية الشكلية التي صنعها الرئيس المؤمن، وأصبحت الأحزاب السياسية مجرد عرائس ماريونيت تتلاعب بها سلطة جمعت كل من يدور في فلكها من أصحاب مصالح في حزبها «الوطني».

تحولت أحزاب المعارضة المحاصرة مع الوقت إلى «مقر وجريدة»، لا تنظيم ولا حركة ولا برامج تعبر عن التغييرات السريعة التي طرأت على العالم. كلما علا صوت حزب تدخلت أجهزة الأمن لتفجره من الداخل عبر سلسلة من الصراعات، أما التشكيلات السياسية التي نشطت منذ نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة وحاولت الحصول على ترخيص لتأسيس أحزاب جديدة فتم منعها عبر لجنة شؤون الأحزاب التي يتحكم في زمامها قادة الحزب الوطني، فيما أبقى النظام على جماعة الإخوان المسلمين بصيغة تمكنه من استخدامها كورقة لتخويف المجتمع الدولي الذي كان يمارس من آن إلى آخر ضغوطًا عليه لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

مضى مبارك وعصره، وتولدت حالة جديدة من رحم ثورة 25 يناير 2011، وخرجت إلى النور حركات وأحزاب ترفع شعارات الثورة وتبشر بها، لكن تلك الحالة سرعان ما انتهت بعد تجربة حكم «الإخوان»، فالنظام الذي تأسس على أنقاض حكم الجماعة، استهدف منذ البداية العودة إلى معادلة «الاستبداد الديمقراطي»، عمل مبكرًا على تفخيخ الأحزاب والتنظيمات السياسية التي شاركته إسقاط حكم «الإخوان»، حتى يضمن التأبيد في السلطة دون أن يراجعه أو يراقبه أحد.

استهدف النظام الجديد المستقبل، فعمل مبكرًا على حصار السياسة، ليضمن ولاء جميع مكوناتها لسلطانه، دجن الأحزاب القديمة والجديدة حتى دخل معظمها في معيته، ثم عملت أجهزته على تخليق تكتلات وأحزاب بديلة في محاضنها، فخرج إلى النور «دعم مصر»، و«مستقبل وطن»، و«الشعب الجمهوري»، التي فصلت على مقاسها قوانين الانتخاب، لتحظى بأغلبية في البرلمان الذي تحول إلى ذراع تشريعي للنظام الحاكم.

استخدمت أبواق النظام خطاب الوطنية كفزاعة لأحزاب المعارضة فتحول كل ناشط سياسي يختلف مع سياسات النظام إلى «خائن، وإخوان، ويتبع قوى تعمل على إسقاط الدولة»، حالة التخوين والملاحقة لكوادر المعارضة دفعت أحزابها إلى الانزواء واليأس، ورفع بعضها راية الاستسلام وقرر التحالف مع الكيانات التي خلقتها السلطة.

بعض كوادر الأحزاب المعارضة قررت العمل بعيدًا عن الأطر الحزبية، وتمكن بعضهم من الوصول إلى عضوية البرلمان كمستقلين، شكلوا في ما بينهم ما عرف بتكتل «25-30»، أعضاء هذا التكتل لفتوا الأنظار من خلال مواقفهم الواضحة في معارك مفصلية كاتفاقية الحدود البحرية مع السعودية التي تنازلت بموجبها مصر عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح السعودية، والتعديلات الدستورية التي تم تمريرها لضمان بقاء الرئيس حتى 2030 بلا منافس حقيقي.

صنع أعضاء هذا التكتل رصيدًا شعبيًا من خلال مواقفهم النيابية المنحازة إلى الوطن والمواطن، فقررت السلطة محاسبتهم على طريقتها، وجاء الحساب بإسقاطهم في معركة الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فخرج أحمد طنطاوي، وهيثم الحريري، ومحمد عبدالغني، وعبدالحميد كمال، وطلعت خليل، ومصطفى كمال الدين حسين، ومحمود أبوعزوز، فيما لم يتمكن المخرج السينمائي خالد يوسف من المشاركة في المعركة الانتخابية بعد محاولات اغتياله معنويًا عقابًا على موقفه من التعديلات الدستورية واختار البقاء خارج البلاد.

بعد انتهاء مسلسل الانتخابات البرلمانية، قرر عدد من أعضاء هذا التكتل، المشاركة مجددًا في أحزاب قائمة، حتى يضمنوا استمرارهم في العمل السياسي، ولإيمانهم بضرورة المساهمة في «تأسيس كيانات عمل جماعي تقدم إلى مصر بديلًا متكاملًا يتضمن العمل الإجرائي والتطبيقات وليس أفكارًا نظرية»، بحسب حوار صحفي للنائب السابق أحمد طنطاوي.

عاد طنطاوي إلى حزب الكرامة الذي أسسه المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، وتسلم رئاسة الحزب في مؤتمر عام عُقد قبل أيام، فيما اُنتخب هيثم الحريري عضو في المكتب السياسي لحزب التحالف الشعبي، الذي يترأسه الكاتب الصحفي مدحت الزاهد.

كان طنطاوي قد حاول مع نواب من تكتل «25-30» وكوادر أحزاب الحركة المدنية تشكيل تحالف انتخابي، بعد معركة التعديلات الدستورية، وما أن بدأت المناقشات لتأسيس «تحالف الأمل»، حتى قررت السلطة إجهاضه فلاحقت وسجنت عددًا من شبابه، فماتت المحاولة قبل أن ترى النور.

في محاولتهم الثانية للبحث عن بديل آخر ومنصات أخرى للتواصل مع الجماهير عبر مشاركتهم في الأحزاب، تعرض طنطاوي ورفاقه إلى اللوم والتقريع، لكن هذه المرة ليس من السلطة التي تستهدف بدائلها، بل من نشطاء وكتاب ودعاة ديمقراطية، رأى هؤلاء أن الأطر الحزبية السياسية والفكرية «الضيقة» بحسب تعبيرهم، ستجهض تجربة طنطاوي ورفاقه.

«كنت وما زلت، أتمني أن يحافظ نائب الشعب أحمد طنطاوي على استقلاله وتفرده، كرمز وطني جامع يحظى بحب واحترام المصريين على اختلاف توجهاتهم السياسية، بعيدًا عن كافة الأيديولوجيات والأحزاب والتنظيمات، مع خالص الاحترام لكل الأحزاب والتنظيمات، ولو بصورة مؤقتة، وبالذات في هذه الحقبة التي تزداد فيها القيود على النشاط الحزبي والتنظيمي»، قال الكاتب الصحفي أنور الهواري في تدوينة له على حسابه في موقع فيسبوك.

الهواري ليس الوحيد من بين الكتاب والنشطاء الذين لم يقتنعوا بمشاركة طنطاوي ورفاقه في العودة إلى الأحزاب، فالتجربة الحزبية في مصر مشوهة ولم تختمر بعد، رغم مرور ما يقرب من قرن ونصف على ظهور أول حزب كما أسلفنا، لكن الاستسلام لعملية تغييب الأحزاب والاعتماد على الاجتهادات الفردية أو التشكيلات الحركية غير الحزبية في العمل السياسي لن يخلق بدائل تقنع الجمهور بالالتفاف حولها.

لن يحدث تغيير إلا بوجود أحزاب قادرة على التعبير عن قضايا الناس والتواصل معهم، وتقديم برامج وحلول للأزمات والمشاكل التي تسببت فيها قرارات وسياسات السلطة، وبالتالي تسقط الدعاية التي تصدرها منصات السلطة بأنه لا يوجد بديل عن استمرار النظام الحالي، وأن الفوضى هي المعادل الموضوعي لغيابه. تلك النخب ودون أن تدري تقدم للنظام خدمة جليلة بتشويه محاولة إعادة إحياء الحياة الحزبية.

تجديد دماء الأحزاب بكوادر شابة ومؤثرة ولها ثقل جماهيري، من الممكن أن يعيد الاعتبار للحياة الحزبية التي يصر النظام على ضربها في مقتل، ومن ثم على النخب تشجيع تلك التجارب بدلًا من انتقادها، فبدون حياة حزبية لن تكون هناك بدائل ولا تعددية ولا الديمقراطية التي تبشر بها تلك النخب.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
إلهام عيداروس

حيرة ناخبة

«الأنظمة السلطوية لا تريد من المواطنين أصلًا أن يشاركوا في الانتخابات»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).