أوراق غابت طويلًا من ملف اليسار (2- 2)
هناك صورة فوتوغرافية ليست مشهورة بالقدر الكافي، ولا أتذكر بدقة أين رأيتها، وإن كنت أعتقد أنني صادفتها في جريدة القاهرة. الصورة دالة ومعبّرة إلى أقصى حد، وفيها طاولة يجلس إليها جمال عبد الناصر وأنور السادات ومحمد حسنين هيكل ولطفي الخولي وعدد من محرري مجلة «الطليعة».
الجهامة وما يشبه الغضب والجدية البالغة تبدو على عبد الناصر وهو يلقي بتعليماته، بينما السادات وهيكل ولطفي الخولي، الذي عُيّن رئيسًا لتحرير «الطليعة» وزملائه من المحررين، يجلسون على المقاعد المحيطة بالطاولة قبل إصدار العدد الأول عام 1965.
«الطليعة» كانت القفص الذي أعدّه النظام لليسار آنذاك، للتعبير عن وجهات نظره، في مؤسسة يرأسها محمد حسنين هيكل المنظّر المتحدث بلسان النظام، أي أنه يمسك باللجام ويسيطر على كل ما يُكتب.
وكان الشيوعيون قد اعتقلوا جميعًا فجر أول يناير عام 1959، ولم يخرجوا إلا بعد خمس سنوات كاملة، أمضوها في صحراء المحاريق بالوادي الجديد. تعرضوا للتعذيب الوحشي في معتقلات مختلفة واستشهد بعضهم أثناء التعذيب، وأمضى البعض الآخر عدة سنوات إضافية، ممن كانوا يقضون عقوبة أحكام سجن أصدرتها محاكم سابقة. ولم يكن غريبًا أن يكون هناك من أمضى عشر سنوات متواصلة، لكن إرادتهم لم تنكسر ورفضوا كل محاولات التصفية لوجودهم كمنظمات سياسية.
تُجمع المصادر المختلفة، وهي وفيرة لحُسن الحظ، على المقاومة الأسطورية والبسالة للمعتقلين ومقاومتهم وإرادتهم ووقوفهم في وجه جلاديهم. تمسكوا بمواقفهم السياسية، وألقيت أثناء المحاكمات العسكرية بيانات سياسية تفخر بانتمائها السياسي لا تعترف به فقط، وأعلن بعضها اتفاقه أو اختلافه السياسي مع نظام عبد الناصر، وطالبوا جميعهم بحق التنظيم المستقل.
وفي الوقت نفسه، وخلال السنوات الخمس التي كان الشيوعيون فيها في منفاهم الإجباري، قام النظام بأوسع وأهم وأكثر التغييرات الجذرية، كما أشرنا في الحلقة السابقة، بينما الشيوعيون معتقلون في الصحراء. والكثير جدًا مما قام به نظام عبدالناصر من تغييرات طالما حلم الشيوعيون بتحقيقها. وعندما خرجوا وجدوا عالمًا آخر، جرت فيه تغييرات بدّلت وجه الحياة.
ولا يمكن إغفال أن السنوات الخمس المتواصلة نالت إلى هذا الحد أو ذاك من صلابتهم، وبدأوا في التفكير في الاستجابة للمطلب الأساسي والرئيسي للنظام وهو حلّ التنظيمات الشيوعية، كما أن بعض التنظيرات السياسية الرائجة آنذاك، والتي ادّعت أنه يمكن حدوث تطور لارأسمالي، والانتقال إلى الاشتراكية من خلال نظام (وطني) مثل نظام عبد الناصر، ساهمت في اتخاذ التنظيمات الشيوعية أخطر القرارات وأكثرها تأثيرًا وهو حلّ نفسها، وأصدرت أكثر من لجنة مركزية لأكثر من منظمة شيوعية قرارات واضحة بالحلّ وتأييد النظام الوطني.
وأود أن أؤكد هنا أن الشيوعيين الذين وافقوا على الحل، أو قبلوا بالتعاون مع النظام والعمل في مؤسساته، لم يكونوا خونة مثلًا ينبغي إدانتهم، بل كان أكثرهم متسقين مع قناعاتهم، بسبب ما جرى على أرض الواقع أثناء غيابهم خلف الأسوار، أو حتى كانوا مخدوعين، مع الأخذ في الاعتبار الأوضاع النفسية المترتبة على النفي الإجباري والتعذيب الوحشي طوال خمس سنوات متواصلة.
من بين أعضاء هذه التنظيمات التي حلّت نفسها فريق مجلة «الطليعة»، والبعض منهم تولى مناصب رفيعة في مؤسسات الدولة، والبعض الآخر انضم للتنظيم الطليعي. وهو اختراع من أغرب الاختراعات، حيث أنشأ النظام بقيادة عبد الناصر شخصيًا وبجانبه أقطاب النظام، تنظيمًا سريًا أُطلق عليه التنظيم الطليعي، مهمته غامضة وإن كانت مؤثرة ومتنفذة أمنيًا. وظل التنظيم حيًا على مدى سنوات قليلة حتى عام 1971، عندما ألقى السادات القبض على كل سدنة النظام من رجال عبد الناصر فيما عُرف بـ«مراكز القوى»، على الرغم من أن السادات نفسه كان من بين قيادات التنظيم.
قبل ذلك وبعده لم يكن الشيوعيون كتلة واحدة، وتوزعوا منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي على عدد من المنظمات من أهمها الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني «حدتو»، والحزب الشيوعي المصري «الراية» وغيرهما، ولا مجال هنا للتطرق إلى التاريخ الطويل من الانقسامات التي أصابت مختلف المنظمات، إلا أن الجسم الرئيس وافق على الحلّ وأصدر بيانات رسمية بذلك.
من بين من رفض الحلّ بشدة وأدانه واعتبره جريمة، هو انشقاق كان قد خرج من «حدتو»، بعد تأييد الأخيرة لانقلاب 23 يوليو، والوقوف معه أثناء محاكمات وإعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري في إضراب عمال كفر الدوار بعد أسبوعين فقط من الانقلاب. الانشقاق هو «وحدة الشيوعيين»، الذي كان تنظيمًا صغيرًا، إلا أن مواقفه صارمة وضد النظام الناصري على نحو حاسم، وكان من المنطقي أن يرفض الحلّ ويعتبره جريمة.
وفي عام 1966 ألقي القبض على عدد ممن وجهت لهم أجهزة الأمن اتهامًا بأنهم أعضاء في تنظيم وحدة الشيوعيين، كان في مقدمتهم إبراهيم فتحي وعدد كبير من الكتاب والفنانين منهم صلاح عيسى وصبري حافظ وعبد الرحمن الأبنودي ويحيى الطاهر عبد الله وسيد حجاب وغيرهم، وخرجوا بعد بضعة أشهر. وتعرض أعضاؤه للفصل والتشريد ومختلف أشكال المنع والحجب، وغابت أخبارهم، أي أنهم لم يصدروا بيانًا بحلّ تنظيمهم مثلًا. وبسبب الوضع السري لـ«وحدة الشيوعيين» غابت الأوراق الصادرة عنهم، ولم يُعرف تحديدا المآل الذي آلوا إليه، إلا أن المؤكد أن التنظيم انتهى، كما غاب أي تشكيل ماركسي مستقل حتى نهاية الستينيات.
سوف أعود للدور الذي لعبه إبراهيم فتحي في ما بعد، لكنني أود الإشارة أولًا إلى نُدرة الدراسات والأبحاث التي تتناول تاريخ الحلقة الثالثة من الحركة الشيوعية. وقد بدأت تنظيماتها في التشكل والتأسيس في أواخر عام 1969 من خلال حلقة خميس والبقري (التنظيم الشيوعي المصري«تشم») في ديسمبر 1969، والذي تحول في ما بعد عام 1975 إلى حزب العمال الشيوعي المصري، ثم توالت بعد ذلك تنظيمات وأحزاب ماركسية سرية أخرى.
ومن المثير للدهشة أن أول دراسة متكاملة عن الحلقة الثالثة كتبها الباحث الأيطالي جينارو جيرفازيو، بدأها بأطروحته التي نال بها الدكتوراه من جامعة نابولي، وأضاف إليها واشتغل عليها عدة سنوات قبل أن تصدر في كتاب عام 2010 عن المركز القومي للترجمة، وترجمها كل من بسمة محمد عبد الرحمن وكارميني كارتولانو بعنوان «الحركة الماركسية في مصر( 1967 – 1981)». والواقع أن الكتاب يشكل إضافة رئيسة ونادرة لرصد وتحليل التاريخ المعاصر، خصوصًا أن الأوضاع الأمنية المحيطة بمختلف التنظيمات وظروف العمل السري، فرضت إخفاء الوثائق والتعتيم الكامل بسبب الملاحقات الأمنية. لكن جينارو جيرفازيو أقام في القاهرة عدة سنوات وتعلم العربية والتقى بالكثير من المناضلين والمشتغلين بالعمل في تلك المنظمات، وأمكنه الحصول على عدد معتبر من الوثائق التي أضاف إليها نقاشات واسعة ومعمّقة مع ممثلين لمختلف التيارات السياسية.
وحسبما كتب جيرفازيو في كتابه المشار إليه، فإن النقطة الأساسية التي انطلق منها، هي تأثير هزيمة 1967 وكذلك حركة الجماهير في عام 1968، وصعود السادات للسلطة والحركة الطلابية في السبعينيات وحرب أكتوبر، والاختيارات الدراماتيكية التي اتخذها السادات في السياسة الداخلية والخارجية حتى اغتياله عام 1981. كما ميّز بين اليسار الرسمي والراديكالي، وحلل العلاقة بينهما. وفي كل هذا يعدّ جهده غير مسبوق، فقد درس وحلل بدايات تشكّل وتأسيس منظمات الحلقة الثالثة وإلى جانب هذا، قام بكتابة مقدمة هامة للمجلد الثاني من الوثائق الأساسية لحزب العمال، على النحو الذي سأوضحه بعد قليل.
أنتهي هنا إلى الإنجاز المهم الذي قام به الكاتب سعيد العليمي، وهو جمعه وإصداره لأهم وثائق حزب العمال في عملين صدرا على التوالي بمناسبة مرور نصف قرن على تأسيس حزب العمال الشيوعي المصري. غني عن البيان أن قيمة الكتابين قيمة تاريخية وبحثية، وتسجيل للحظات بالغة الأهمية لتاريخنا المعاصر، فالحزب نفسه لم يعد موجودًا إلا في قلوب وعقول بعض مناضليه -أمد الله في أعمارهم- الذين دفعوا أعمارهم من أجله.
وفي المقدمة التي كتبها العليمي للجزء الأول «الوثائق التأسيسية»، يشير إلى أن هناك مناسبتين هامتين رافقت صدور الكتاب. الأولى مرور نصف قرن على تأسيس الحزب، والثانية رحيل «القائد الفكري والسياسي لهذا الحزب، إبراهيم فتحي (23 أغسطس 1931- 3 أكتوبر 2019) بعد أن سبقه إلى الرحيل في العام نفسه رفاق أعزاء، فأي مشعل للفكر قد انطفأ، وأي قلب توقف عن الخفقان». كما يؤكد على «الدور التأسيسي الذي قام به إبراهيم فتحي حين كان مسؤولًا عن كلية العمل الحزبي خلال الفترة من 1970 – 1973».
وكما سبق القول، جاء فتحي من جيل سابق عن رفاقه الذين شاركوه في تأسيس «التنظيم الشيوعي المصري»، الذي أصبح «حزب العمال الشيوعي المصري» لاحقًا، ويحمل تجربة تنظيمية وخبرة ثمينة حصل عليها خلال انتمائه لوحدة الشيوعيين بوصفه أحد قادة هذا التنظيم. وفي تلك الأثناء، خلال وجوده في السجن، وبينما كان النظام الناصري يقوم بتغييراته الحاسمة التي اعتبرها البعض لارأسمالية وتقود إلى الاشتراكية، واعتبرها البعض الآخر من الفصائل الشيوعية الموجودة آنذاك تشير إلى «مجموعة اشتراكية» في السلطة.. في تلك الأثناء عكف فتحي على ما يجري وتبنى مفهومًا مختلفًا تمامًا، وهو ما ظهر واضحًا جليًا في ما بعد في الوثائق الأولى التي تجمع حولها رفاقه من أعضاء التنظيم الشيوعي المصري أوائل عام 1970 ، مثل وثيقة «طبيعة السلطة» التي شخّصت «الطبقة السائدة، وتنبأت بمآلاتها الحتمية للتحالف مع الغرب الإمبريالي، وبالتداخل والاندماج مع الرأسمالية التقليدية، وتصفية العلاقات مع الاتحاد السوفييتي آنذاك، وبالدخول في مناوشات عسكرية تنتهي من خلال المنعرجات السياسية إلى تسوية مع العدو الإسرائيلي، وبيّنت شكل الحكم وطابعه البونابرتي، وعداءه المستحكم للديمقراطية». ومثلت وثيقة «طبيعة الثورة المقبلة»، ووثيقة «التحالف الطبقي في مصر».. وغيرها من الوثائق التي كتبها فتحي ونُشرت باسم قلم هو مرسي مصطفى علي. واللافت للنظر أن كل ماتنبأ به فتحي تحقق، وهو لم يكن يرجم الغيب بالطبع، بل كان الأكثر استيعابًا وفهمًا لمعطيات الواقع.
والحال أن فتحي كما كتب العليمي «مثّل بشخصه الحلقة التي ربطت بين فكر المنظمات الصغيرة الراديكالية في الخمسينيات، وجيل جديد تمرد على التقليد القديم للحركة الشيوعية المصرية ورفضه، وساعده على بلورة نظرية جديدة لنضاله السياسي».
من جانب آخر، لا يكتفي العليمي بتوثيق تاريخ الحزب من خلال نشر الوثائق فقط وإنقاذها من الضياع، بل يتناول أيضًا في مقدمته الإضافية ظروف النشأة والتأسيس، ويشير إلى أنه خلال الفترة من النشأة في ديسمبر 1969 وحتى يناير 1972 تاريخ انفجار الحركة الطلابية، اندمجت حلقتان أخريان داخل الحلقة الأساسية، أهمهما حلقة الإسكندرية العمالية. ونجح التنظيم في تجاوز بدائية تقسيم العمل، وتشكلت خلايا تتبع لجان أقسام ومناطق على النحو اللينيني المعروف. وحسبما كتب العليمي فإن الحزب الوليد «التحم بالحركة الجماهيرية حاملًا شعاراته وبرنامجه الوطني الديمقراطي»، وهو ما يفسر النضج المفاجئ للحركة الطلابية عامي 1972 و1973. كما أنه كانت هناك صلات حية ببعض تجمعات الطبقة العاملة في عدد من المواقع العمالية، ولعب الحزب دورًا رائدًا في بلورة البرامج النقابية لحركة عمال النسيج التي قادها عضو اللجنة المركزية الراحل فتح الله محروس، إلا أن انتفاضة يناير 1977 شهدت تطورًا ملموسًا على كل المستويات.
أما بالنسبة للنشاط الدعائي للحزب، فقد أصدر حتى أواخر عام 1979 في الداخل 49 عددًا من مجلته النظرية السياسية «الشيوعي المصري»، ونحو 200 عدد من جريدته «الانتفاض» السياسية الأسبوعية، إلى جانب أكثر من 55 عددًا من نشرته الداخلية «الصراع».
واستكمل العليمي نشره لوثائق الحزب في مجلد ضخم (372 صفحة من القطع الكبير) بعنوان الوثائق التأسيسية -الجزء الثاني- القضية الوطنية، وأصدرته دار المرايا. يضم المجلد أربعة أقسام، الأول كتاب «حدود أكتوبر»، الذي نشرت طبعته الأولى دار الطليعة -بيروت- 1974 باسم قلم هو اسماعيل محمود وهو نفسه إبراهيم فتحي على الأرجح. والواقع أن العليمي أمكنه أن يجمع عددًا من أهم وثائق الحزب في القضية الوطنية، أي قضية الاحتلال الإسرائيلي الجاثم آنذاك.
وحسبما يشير الكاتب، «نصدر هذا الكراس -حدود أكتوبر- المتضمن مجموعة من الكتابات السابق نشرها بشكل متفرق وعلى مستويات مختلفة من سعة وضيق التوزيع، حول تكتيكات البرجوازية المصرية تجاه تكتيكات الإمبريالية بالمنطقة التي تتركز حول تكتيك الاشتباك المسلح ضمن استراتيجية التسوية الاستسلامية لصالح الإمبريالية وإسرائيل والرجعية».
ولاتعود أهمية الكراس إلى أنه كُتب خلال الفترة التي سبقت ومهدّت لحرب أكتوبر 73 فقط، أي أن الموضوعات المكتوبة طرقت الحديد وهو ساخن وناقشت وحللت الوقائع الجارية، بل أيضًا لأنها تنبأت بالطريق الذي كان السادات قد اختاره، وهو الاشتباك العسكري المحدود تمهيدًا للصلح السريع والتحالف مع الولايات المتحدة والغرب الاستعماري، دون أي لبس، ودون أي تردد وبمنتهى الوضوح.
القسم الثاني يتضمن عرضًا لكتاب «مهمات النضال الفلسطيني» ويبدو أن الكتاب الأصلي فُقد، لذلك نُشر عرض له. وهو يركز على ضرورة رفض نزع سلاح الثورة الفلسطينية ومحاولات تدجينها في الضفة الغربية وغزة، ويدعو الثورة الفلسطينية للتحالف مع القوى الثورية في البلاد العربية.
أما القسم الثالث من المجلد فيضم ثلاثة مقالات كبيرة الحجم، تحت عنوان واحد: «مسار الخيانة من الهزيمة إلى المبادرة» وصدر عن دار الكاتب -بيروت- 1976. المقال الأول بدون توقيع، لكنه يحمل في نهايته تاريخ عام 1974 -الإسكندرية- أي في أعقاب الحرب مباشرة. والمقال الثاني لصالح محمد صالح وهو اسم قلم للراحل خليل كلفت، وعنوانه «ليس كل مايلمع ذهبًا -ملاحظات حول حرب أكتوبر» ويحمل تاريخ أبريل 1974. والمقال الثالث «الكارثة الوطنية في لحظتها الراهنة» لصالح محمد صالح (كلفت) أيضًا ويحمل تاريخ أكتوبر 1975.
القسم الرابع والأخير يتضمن أربعة مقالات، ويغلب عليها معالجة الأحداث الجارية على الساحة السياسية والجماهيرية، مثل مقال «سحب الاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي» الصادر عام 1977، وبيان عن بيانات الحزب حول زيارة السادات لإسرائيل ويحمل تاريخ السنة نفسها، ومقال لسعيد العليمي نشره باسمه الحزبي فهد إسماعيل شكري بعنوان النضال البطولي للشعبين اللبناني والفلسطيني ضد الغزو اللبناني، وهو منشور في المجلة النظرية للحزب (الشيوعي المصري) عام 1978. وأخيرًا يتضمن هذا القسم بيان اللجنة المركزية حول شعار أحزاب العمال الشيوعية العربية.
من جانب آخر، تتصدر هذا المجلد مقدمة تحمل اسم الباحث الإيطالي جينارو جيرفازيو، وهي في الأصل أحد فصول كتاب«اليسار العربي تاريخ وتراث من 1950- 1970» الذي أشرفت على تحريره الأكاديمية الدكتورة لور جرجس. وكما سبق الذكر فإن كاتب المقدمة هو صاحب أهم إنجاز تاريخي وعلمي تناول الدور الذي لعبته منظمات الحلقة الثالثة، لكنه هنا يضيف جديدًا.
يخصص جيرفازيو أغلب صفحات المقدمة للدور الذي لعبه حزب العمال، ويضيف بعض التفاصيل عن دور المثقفين والكتاب والفنانين. والمعروف أن إبراهيم فتحي كان أحد أهم نقاد الأدب، وعندما سُئل نجيب محفوظ عن أهم ناقد تناول أعماله أجاب على الفور: إبراهيم فتحي. لذلك يشير إلى أن الحلقة (حلقة خميس والبقري) التي نشأ عنها حزب العمال لها جانب أدبي، فكثير من المنتمين له شعراء وروائيين وكتّاب قصة، كما شاركوا بقوة في مجلة «جاليري 68» التي تعد أول مجلة أدبية مستقلة بعد عقود من المنع والحجب، وكذلك أسسوا جمعية كتاب الغد الأدبية.
كما يضيف جديدًا في ما يتعلق بأن الجانب الأكبر من العمل الحزبي اتجه إلى الدعاية حول القضية الوطنية، أي ما يتعلق تحديدًا بالاحتلال الإسرائيلي وما أعقبه من تطورات وأحداث منذ اندلاع حرب أكتوبر. وفي نهاية عام 1976 انفجر خلاف بسبب استياء بعض الأعضاء من الخط السياسي للحزب، وخرجت مجموعة وصفت نفسها بـ«التكتل» واختارت الاشتراك في انتخابات البرلمان عام 1976 ليس بغرض النجاح فيها بل لأنها فرصة للقيام بالدعاية ومدّ الجسور مع الجماهير.
لكن سعيد العليمي يرد ردًا مطولًا على جيرفازيو يستغرق نحو 80 صفحة يؤكد من خلاله أن القضية الوطنية كان لها الصدارة بسبب واقع الاحتلال الإسرائيلي آنذاك، كما يتناول بالنقد والتحليل الكثير مما أثاره، وخصوصًا ما يتعلق بالموقف من هنري كورييل أحد زعماء «حدتو» حتى طرده من مصر.
***
في نهاية هذا الاشتباك تبقى مسألة أساسية يجب أن نوليها كل اعتبار، وهي أن سقوط النظم المسماة اشتراكية منذ عام 1989 تباعًا وفي كل أرجاء الكوكب (بالطبع لا يمكن اعتبار الصين أو كوريا الشمالية نظمًا اشتراكية) وقد سقطت بيد شعوب هذه النظم، وليس بسبب الإمبريالية فقط.. أن هذا السقوط المدوي يعكس خللًا أساسيًا وجمودًا وعجزًا، ويتطلب إعادة نظر واكتشاف وتحليل وإضافة. لا شك أن الماركسية تحتاج ومنذ عقود لإعادة نظر. الماركسية عاجزة في الوقت الراهن عن القيام بدورها، ولن تنجو من هذه العثرة الكبرى إلا بإعادة نظر شاملة وبإضافة واكتشاف قوانين جديدة. وعلى سبيل المثال، فقط فأنا لا أعرف إذا ما تحليل الطبقات الماركسي ما زال صالحًا؟ وهل الطبقة العاملة ما زالت الطبقة الثورية حتى النهاية؟ وهل ديكتاتورية البروليتاريا صالحة الآن للتطبيق؟ وهل النظرية اللينينية للحزب الثوري، حزب الطبقة العاملة في الدول القمعية ما تزال هي نفسها وصالحة للتطبيق؟
غني عن الذكر أن هذا لا يعني التخلي عن حلم الاشتراكية الكبير.. عن حلم العدل الاجتماعي والحرية والمساواة بين البشر وإقامة مجتمع إنساني حقيقي يستطيع فيه البشر أن يمارسوا إنسانيتهم، بل يعني أن تحقيق كل هذا يستلزم ويستوجب إعادة نظر شاملة والبحث عن نظرية حلول جذرية.
آراء أخرى
حيرة ناخبة
«الأنظمة السلطوية لا تريد من المواطنين أصلًا أن يشاركوا في الانتخابات»
فجوات وجسور في الطريق إلى الحوار
«التحدي الذي سيواجه المتحاورين هو اختيار أي الفجوات أولى بإقامة الجسور أولًا»
الخلفية السياسية لدعوة الحوار الرئاسية
«توقع انفتاحًا سياسيًا شاملًا سيكون أمرًا مبالغًا فيه، أو غير واقعي»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد