أليس للجنرال من ينافسه؟
كنا قد توقعنا منذ فبراير المنصرم أن الدولة قد صارت مهيأة بالفعل لحكم السيسي، في مقال نشرناه وقتها متسائلين عمن سيكون صاحب مركز الوصيف؟
بالطبع لم يجل بخاطرنا قط أن تدخل الأصوات الباطلة بقوة، خط المنافسة على مركز الوصيف مع المنافس الآخر حمدين صباحى، في صراع ملحمي أقل ما يوصف به أنه مثل واقعية ماركيز السحرية.
الحقيقة، أن نتائج الانتخابات وما سبقها من حشد إعلامي ومجتمعي هائل، لتهيئة القصر أمام الوافد الجديد القديم، تعطينا مؤشرا جيدا لما سيكون عليه شكل الدولة في ظل حكم الجنرال المعتزل، والحقيقة أيضاً، أن التعاطي الشعبي الهزيل مع الانتخابات، باحتجاب عدد كبير من المواطنين - خاصة الشباب - يعطينا مؤشر آخر قوى، إلى أي مدى ستكون المهمة صعبة، علي جنرال لم يزل بعد محتفظاً بالكثير جداً من خلفيته العسكرية، والقليل جداً من ثقافة مدنية في التعامل السياسي مع ملفات كشباب الثورة، ومعتقلي قانون التظاهر، وآلاف القابعين وراء قضبان لا تعرف الشمس منذ عزل مرسى. فضلاً عن تعامله مع الإخوان المسلمين بعد تعهده بالقضاء عليهم للأبد. السؤال هنا: بأي طريقة يمكن القضاء على جماعة مثلت ولا زالت - شئنا أم أبينا - واحدة من أكثر التنظيمات السياسية رسوخاً في المجتمع المصري عبر تاريخه المعاصر؟
* * *
قال الفيلسوف الألماني هيجل يوماً "تعلمنا من التاريخ أن لا أحد يتعلم من التاريخ". ويمكننا الإضافة عليه بالقول "تعلمنا من الجنرالات، أنهم آخر من يتعلم من أخطائهم".
فعلها من قبل عبدالناصر وحاول القضاء على الإخوان وكافة معارضي نظامه، بنفس الطريقة التي يسير بها خلفه السيسي، وكانت النتيجة أن صار للجماعة أرشيفاً تاريخياً، تباهى به خصومها السياسيين، عن بطولات الكفاح والمقاومة. بيد أن الوضع الراهن يختلف عن عصر عبدالناصر، أقلها لم يكن للجماعة رئيس منتخب وقتها، وأعظمها حقيقة أنه لم تسل مثل هذه الدماء ولم يكن مثل هذا الحراك. كان الصراع وقتها صراع قيادات وجنرالات، أما الصراع الآن فهو صراع يتقاطع فيه عدد ليس بالقليل من الأفراد، سواء المنتمين للجماعة أو من قتل أو سجن له أخ أو ابن أو أب أو طفلة.
أغلب الظن أن الجنرال لن يتوقف في طريق قطعه مبتغياً نهايته، قد تكون فرصة ذهبية - ووحيدة - للتخلص من الجماعة، بوصفها أفضل طريقة لاستخدامها - أي الجماعة - كذريعة في مواجهة غيرها من خصومه السياسيين المحتملين، أمثال شباب الثورة وتنظيماتهم الثورية المتعددة، الشعار واحد "القضاء على الإرهاب"، والذي سيتحول بدوره لتيمة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" التي أخذت حيزاً ضخما من خطاب عبدالناصر في مواجهة خصومه السياسيين. لم نستغرق وقتاً طويلاً في اكتشاف أنه لم تكن ثمة معركة من الأساس، كما ندرك الآن جيداً أن لفظة "الإرهاب" تستخدم إلى حد الافراط، بأكثر ما تحتمله الكلمة، وما تحمله طياتها من خطاب ممنهج وموجه، عبر ماكينة إعلامية ضخمة لا تكل ولا تمل.
* * *
ولكن هل أمام السيسي خيارات أخرى في تعامله مع معارضيه المحتلمين، بكلمات أخرى، هل يمكن للسيسي أن يقود عملية مصالحة موسعة مع الاخوان؟ أو هل يمكن أن ينتهج مساراً مختلفاً في تعاطيه مع قوى شباب الثورة؟ هل يعترف الجنرال المتربع على العرش بالثورة في قاموسه الخاص؟
نعود مرة أخرى لدروس الجنرالات في الحكم، فما تقرب جنرال حكم المحروسة منذ حركة 1952 المجيدة، من جماعة أو حركة، إلا بهدف اقصاء أخرى. تقرب السادات من الإسلاميين بهدف ضرب اليساريين والناصريين، وفعلها مرة أخرى طنطاوي، بتقربه من الإخوان وحلفائهم، إبان المرحلة الانتقالية، للتخلص من صداع باقي قوى الثورة المدنية. ولم يضيع السيسي الفرصة، بلجوئه للسلفيين في خضم حربه مع الاخوان. فرصة أن يقود السيسي مبادرة للصلح مع الإخوان هي فرصة منعدمة تجاوزها الزمن وموازين القوى. لكن ماذا عن قوى شباب الثورة، كيف سيتعامل الجنرال "المتمدن" معهم؟
ليس من العسير تبين أن لفظ "الثورة" يرد بشكل عرضي في أحاديث السيسي التليفزيونية قبيل انتخابه، فهو وإن يتحدث عن "ثورة" يناير، إلا أنه سرعان ما يقرنها "بثورة" يونيو، التي صححت المسار الذى رسمته الثورة. وعليه فان للثورة حيزا في قاموس الجنرال ها هنا، ولكن أي ثورة؟
يذكر المشير الثورة في سياق حديثه عن وضع مترد لا بد من انهائه، وعن دولة يجب أن تستعيد هيبتها، وعن عمل حان وقته الآن. لذا يبدو وكأن الجنرال يتحدث عن "ثورة" لإنهاء الثورة!
وبناء عليه، لم يكن مستغرباً أن يقول السيسي نفسه، أنه عجز عن التواصل مع الشباب. يبدو جلياً الآن كيف لم يستطع التواصل معهم، فكلا الطرفان يتكلمان لغة مغايرة حتى وإن ظلت المرادفات واحدة.
* * *
إنعقد المولد ورقص المدعوون حتى الثمالة، ورُفعت الأعلام ابتهاجاً بالعرس، وانطلقت الزغاريد احتفالاً بالعريس. والعريس يتأهب للحظة التماس، واللحظة آتية لا ريب. بيد أن الريبة تحتل جزءاً من قلب العريس لا تزال.
* * *
ربما من الأهمية بمكان القول بأن ما تم من أحداث عبر ثلاث سنوات مضت في مصر، لم يدر في خلد أحد، على الأقل في سرعة وتعاقب الأحداث. رأينا وعايشنا أشياء تغيرت ولا زالت بتسارع مذهل، إلا أن هناك حقيقة ثابتة في وسط كل ذلك: ثمة بركان ما زال يفور، وأي طريقة تسعى لاحتوائه أو ربما إخماده، قد تؤدى لإطلاق حممه الملتهبة.
على الجنرال المظفر أن يدرك أنه ربما لم يجد من ينافسه، ربما لا يوجد من يضاهيه عدة وعتادا الآن. لكن المؤكد أنه لولا الجموع الثائرة لما وصل هو لسدة الحكم، وبسببهم أيضاً يمكن أن يرتقى سلم الهاوية.
آراء أخرى
افتتاح المتحف الكبير: عن الانتشاء الوطني والبهجة المبرمجة
«ليس جديدًا في مصر أن يُستَخدَم المشروع القومي أداةً لتغييب الجسد المقهور لصالح سردية المجد الجمعي»
التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية.. والمعادلة الصعبة
«النظام، لن يبادر طواعية بمنح الشعب حقوقه السياسية، حتى وإن حاول تصدير رسائل بذلك.»
تمرد الإمام على ثنائية «الكاهن والفرعون»
«جرت العادة في بلادنا أن يضفي رجل الدين الرسمي الشرعية على قرارات وفرمانات حكام الدولة،»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد