تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

سمير أمين.. فك الارتباط وعولمة الماركسية

يوسف البُلوشي
18 دقيقة قراءة
سمير أمين.. فك الارتباط وعولمة الماركسية

الشهر الماضي، مرت الذكرى السادسة لرحيل المفكر الماركسي والاقتصادي المصري، سمير أمين، أحد رواد نظرية التبعية في تحليل الرأسمالية والإمبريالية. وهذا المقال، ترجمة لفصل من كتاب «دليل الماركسية وما بعد الماركسية» Routledge Handbook of Marxism and Post-Marxism، يقدم ملخصًا مفيدًا لمن أراد الاطلاع على فكر أمين وتحليله لكيفية عمل الهيمنة الرأسمالية في العالم المتقدم على مقدرات المجتمعات الأفقر والأضعف، وهو تحليل تزداد أهميته في وقت تقف فيه منطقتنا على حافة حرب شاملة تقودها إسرائيل، الوكيل الأول للإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط، لتصفية القضية الفلسطينية بالقضاء على المقاومة في غزة ولبنان.

المترجم.

 ****

سمير أمين، الذي توفي في أغسطس 2018، كان اقتصاديًا سياسيًا ماركسيًا ومثقفًا يتمتع بمعرفة شاملة بتاريخ الرأسمالية. كان أمين، من أصل مصري وفرنسي، شخصية بارزة في نظرية التبعية وتحليل النظم العالمية. تكمن قوته الرئيسية في قدرته على توسيع الإطار الماركسي من أجل فهم الرأسمالية العالمية من وجهة نظر البلدان المستعمرة سابقًا في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

بدأ أمين نشاطه كشيوعي في باريس عندما كان طالبًا في معهد العلوم السياسية، وعاد بعد ذلك إلى مصر في عهد عبد الناصر، واستمر في العمل مع الحزب الشيوعي وطوّر علاقات دائمة مع حركة باندونج، التي كان أعضاؤها اشتراكيين إلى حد كبير. اكتسبت أفكاره رواجًا لأول مرة في هذه الظروف، في ذروة حركات التحرر الوطني في الجنوب العالمي ومع نهاية الحكم الاستعماري الذي كون إفريقيا كمنطقة مستقلة. في عام 1973، ساعد في تأسيس مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في إفريقيا «CODESRIA» وأصبح أول مدير له. وفي السنوات اللاحقة انخرط في المنتدى الاجتماعي العالمي.

استمر أمين في الانخراط أيضًا بمجموعة متنوعة من المشروعات المناهضة للرأسمالية في جميع أنحاء الجنوب العالمي حتى نهاية حياته، بما في ذلك محاولة إحياء حركة عدم الانحياز. وفي السنغال، حيث أمضى معظم وقته، ترأس المكتب الإفريقي لمنتدى العالم الثالث. 

في هذا المدخل، أوجز مساهمة أمين الرئيسية في النظرية الماركسية انطلاقًا من الجنوب العالمي. أركز هنا على المفاهيم التالية: التبعية، الجغرافيا غير المتكافئة للنظام العالمي، المركزية الأوروبية، القيمة المعولمة، الإمبريالية، وفك الارتباط. في شرح مساره الفكري، أقدم اهتمامه المتزايد مع مرور الوقت باحتمالية التعددية القطبية في كتاباته. ويختتم الفصل بمناقشة الحاجة إلى توسيع اقتراحه بشأن فك الارتباط الجيوسياسي من خلال فك الارتباط المعرفي الأكثر عمقًا، ومزيد من تنويع وعولمة النظرية الماركسية.

نظرية التبعية والجغرافيا غير المتكافئة للنظام العالمي

يشتهر أمين بأنه مُنظِّر في مجال الأنظمة العالمية، من خلال عمله على فكرة التبعية. كان هذا هو موضوع أطروحته للدكتوراه عام 1958، وكتابيه الأكثر تأثيرًا: التراكم على صعيد عالمي (1974)، وهو نقد لاقتصاديات التنمية التقليدية، والتطور غير المتكافئ (1976)، وهو دراسة للتشكيلات الاجتماعية للرأسمالية الطرفية. وقد لعب كلا الكتابين دورًا مهمًا في التدخلات الماركسية الجديدة في دراسات التنمية خلال السبعينيات.

انتقد أمين المجال الليبرالي لدراسات التنمية بسبب افتراض هذا المجال أن الاقتصادات الوطنية لها الأسبقية على الاقتصاد العالمي. لكنه زعم أيضًا أن تحليل الماركسية الجديدة للتنمية يختلف بالضرورة عن نظرية ماركس الخاصة، والتي تحتاج إلى التأريخ باعتبارها في المقام الأول تحليلًا لدول العالم الأساسية.

شدد أمين على أن مهمة الماركسيين الجدد هي فهم النظام الرأسمالي باعتباره اقتصادًا عالميًا يتطور تاريخيًا، وفهم كيف يقيد التنمية في الأطراف. شارك أيضًا مع جيوفاني أريجي ووالتر رودني وهارولد وولبي وآخرين، في الجدالات بين الماركسيين حول الانتقال إلى الرأسمالية، وتلك التي اندلعت في جميع أنحاء جنوب قارة إفريقيا بشأن الطبقة والعرق. (هارت 2007؛ أمين 1974، 1985). في خطوة موازية للماركسيين اللاحقين مثل مويش بوستوني (1993)، دعا سمير إلى أن توضع كتابات ماركس عن المجتمعات غير الأوروبية في سياقها التاريخي، وأن تُفهم في السياق الأوروبي الذي عاشه في القرن التاسع عشر، بدلًا من التطبيق المُبسّط لكل كلمة على الحاضر بشكل مباشر.

إن التأثير المشترك للمناقشات حول الـGrundrisse المنشورة مؤخرًا (1973) [مخطوطات كارل ماركس الاقتصادية التي كُتبت بين عامي 1857 و1858 - المترجم]، والتشكيلات ما قبل الرأسمالية وفكرة ألتوسير عن الـArticulation [نظريته عن كيفية تفاعل وترابط العناصر الاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية المختلفة بين بعضها - المترجم] أدى إلى فتح أرضية مفاهيمية جديدة لفهم علاقات الترابط بين أنماط الإنتاج المختلفة في الرأسمالية الطرفية (أمين 1985، ساير 2008).

من خلال التمييز بين أنماط الإنتاج المجردة والمتزامنة والتكوينات الاجتماعية التاريخية الملموسة، طوّر أمين بعض المفاهيم الأساسية لماركس، مستفيدًا من مجموعة معرفية أكثر اتساعًا عن إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، مما كان تحت تصرف ماركس في القرن التاسع عشر. كان أمين يرى أن أنماط الإنتاج المختلفة تتداخل وتتواجد بشكل متزامن، ولا تتطور في تسلسل تاريخي/غائي. من ناحية أخرى، يشكل التكوين الاجتماعي «مجتمعًا يشتمل على عدة أنماط من الإنتاج» (1974، 68).

وبينما غزت الرأسمالية العالم، فقد فعلت ذلك وفق نمط للتطور غير المتكافئ، حيث اعتمدت التشكيلات الاجتماعية في المركز الرأسمالي على القوة الإمبريالية للانخراط في الاستغلال المفرط للتشكيلات الاجتماعية في الأطراف. وهذا ما يفسر فقر الديناميكية في البلدان الطرفية وعلاقاتها الهيكلية بالعمليات التراكمية وتوليد الثروة في مركز العالم الرأسمالي.

اتسمت التشكيلات الاجتماعية الطرفية بما يلي: (1) هيمنة رأس المال الزراعي، (2) برجوازية محلية مكونة في المقام الأول من التجار، (3) مستويات عالية من عدم المساواة و(4) وجود بلترة جزئية مصحوبة بمستويات عالية من البطالة والبطالة المقنعة، بسبب انفصال المنتجين عن وسائل الإنتاج في غياب برجوازية وطنية قادرة على قيادة عملية تراكم ذات توجه داخلي. سوف يعاني النمو في تلك البلاد الطرفية القائمة على هذا النموذج حتمًا من الركود بسبب اعتماده على قطاع أولي متقلب موجه نحو التصدير، وسوق محلية محدودة لاستهلاك السلع الفاخرة. باختصار، على الرغم من أن التبعية يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة، فإنها بالأساس حالة لا يمكن التغلب عليها بالنسبة للغالبية العظمى من البلدان ذات التكوينات الاجتماعية الطرفية.

وفي حين أن الاستغلال في الفترة الاستعمارية حدث في المقام الأول من خلال استخراج المواد الخام وتعبئة العمالة الرخيصة، فإن الاستغلال في الزمن المعاصر يتم تسهيله أيضًا من خلال الاحتكارات الخمسة الأساسية للدولة: التكنولوجيا، التمويل، الموارد الطبيعية، وسائل الإعلام والاتصالات، وأسلحة الدمار الشامل (أمين 1997). إن السيطرة الاحتكارية على هذه القطاعات والموارد والمؤسسات الاستراتيجية «تبطل تأثير التصنيع في الأطراف» (أمين 1997، 5).

ضد المركزية الأوروبية.. من أجل «نقد حديث للحداثة»

قدم أمين تحليلًا رائدًا للمركزية الأوروبية في نص له عام 1989. حيث وجد في كتابات ماركس بالقرن التاسع عشر نقدًا داخليًا للمركزية الأوروبية للحداثة.

«السمة المميزة للمركزية الأوروبية هي أنها تنظر إلى الطريقة الأوروبية الخاصة في التعبير عن الأمة والدولة والطبقات كنموذج يكشف عن خصوصية الروح الأوروبية (وبالتالي نموذج يجب على الآخرين اتباعه، إذا استطاعوا) أو تعبير عن قانون عام سيُعاد إنتاجه حتمًا في مكان آخر، حتى لو تأخر». (أمين 2009، 256)

كان يُنظر إلى الحداثة حتى الآن على أنها تشكل ثلاثية الحرية والمساواة والملكية، وهي أيديولوجية برجوازية في المقام الأول تساوي بين السوق والديمقراطية. بل إن الجناح اليميني الليبرالي الراديكالي الحداثي الذي طوره الليبرالي، كلود فريدريك باستيا، في القرن التاسع عشر، ثم من قبَل فريدريك فون هايك في القرن العشرين، سيذهب إلى حد التخلي عن الحتمية الأخلاقية للمساواة بين البشر تمامًا. في مقابل كلتا الصيغتين، سيؤسس ماركس تقليدًا نقديًا للحداثة يسميه أمين «النقد الحداثي للحداثة».

ويفتح هذا النهج النقدي المساحة لتحدي الرواية التاريخية التي تزعم أن اليونان القديمة وروما جزء من أوروبا، من خلال قطع روابطهما الواضحة مع جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا. كان أمين منخرطًا هنا في نقاش مع الماركسيين الأوروبيين، والذي يعيد تحليلهم الغائي للتسلسل التقدمي لأنماط الإنتاج -أي العبودية اليونانية الرومانية، ثم الإقطاع الأوروبي، ثم الرأسمالية الغربية- إنتاج الفكرة الهيجلية بأن الرأسمالية لا يمكن أن تنشأ إلا داخل العالم الأوروبي.

ومن المفارقات أن هذا الإطار الأوروبي المركزي، وفقًا لأمين، قريب من القوميين الثقافيين في العالم الثالث الذين يرفضون الماركسية باعتبارها غير قابلة للتطبيق في مجتمعاتهم لأنها من المفترض نظرية أوروبية. على هذا النحو، يختلف نقد أمين للمركزية الأوروبية عن كثيرين آخرين، لأنه يبحث عن تفسير شامل أكثر ملاءمة للحداثة يسمح للنظرية الماركسية بالتطبيق عالميًا.

أنماط الإنتاج والرأسمالية/الإمبريالية والقيمة المعولمة

يوضح منهج أمين الفريد تدخله في السبعينيات بالمناقشات الماركسية حول الانتقال بين أنماط الإنتاج التاريخية المختلفة. حدثت هذه المناقشات بينما كانت حركات الاستقلال تتحدى فكرة المسار الأوروبي الموحد من الرأسمالية إلى الاشتراكية. تَدخل أمين لتحديث نظرية ماركس عن أنماط الإنتاج الإقطاعية والآسيوية، الذي كان يراها غير كافية، فمن وجهة نظره، اعتبر أن استخدام مفهوم الإقطاع لوصف مختلف أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية في البلاد غير الأوروبية، مركزية أوروبية، لأن هذا المفهوم مصمم لأوروبا وليس لعالم غير أوروبي.

وبالمثل، فإن مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي يمكن أن يعبر عن فهم استشراقي غير تاريخي للإمبراطوريات العالمية باعتبارها مواقع طبيعية للاستبداد الراكد، فبدلًا من ذلك، اقترح أمين مفهوم «نمط الإنتاج الخَرَاجي» لشرح الأشكال المتنوعة لصراع النخبة على السلطة من خلال الاستخراج غير الاقتصادي للفائض من الفلاحين (Amin 2009، الفصل 4، 1976). في بلاد الأطراف، لا تؤدي الرأسمالية إلى إزاحة نمط الإنتاج الخَرَاجي إلا جزئيًا، وتتواجد جنبًا إلى جنب معه في كثير من الحالات، ومع تطور الرأسمالية، يتحول العالم أكثر فأكثر إلى قطبين عن طريق قانون القيمة: مركز وأطراف.

بالتالي، ينبغي فهم الإمبريالية على أنها سمة دائمة للرأسمالية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، وليست مجرد مرحلة من مراحل تطورها (2006، 3). لكن أمين يجادل بأن الرأسمالية/الإمبريالية تتخذ أشكالًا مختلفة اعتمادًا على العلاقة بين المركز والأطراف، ويفسر هذا التحول في الرأسمالية/الإمبريالية من خلال قانون القيمة، الذي تحول هو نفسه من أبسط أشكاله (إنتاج مخرجات باهظة الثمن في المركز مع مدخلات منخفضة التكلفة في الأطراف) إلى شكله المتقدم، والذي يسميه في حقبة الرأسمالية الاحتكارية المعممة ما بعد 1975 «القيمة المعولمة».

يمثل قانون أمين للقيمة المعولمة، الذي بموجبه يستطيع رأس المال الشمالي الاستحواذ على «الريع الإمبريالي» بفضل الفروق في الأجور الحقيقية بين المركز والأطراف، محاولة لاستكمال ما خطط له ماركس في المجلدين الخامس والسادس من رأس المال حول التجارة الدولية والسوق العالمية. إنها استجابة مناسبة لاستراتيجية رأس المال في نقل جزء من أعمال الشركات إلى البلاد النامية والفقيرة التي بدأت في السبعينيات من خلال الاستعانة النيوليبرالية بمصادر خارجية للإنتاج في سلسلة القيمة المنتشرة بالبلدان الفقيرة والغنية على حد سواء. 

تتدخل نظرية أمين عن القيمة المعولمة أيضًا في المناقشات الحالية المتعلقة بعودة الاستخراجية في جميع أنحاء إفريقيا وأمريكا اللاتينية على وجه الخصوص، وتعزز الدعوة لإعادة التنظير لدور الريع في الرأسمالية المعاصرة.

الأزمة وفك الارتباط متعدد الأقطاب وحدود الثقافوية

يتبنى أمين فرضية مدرسة النظم العالمية التي تفترض أن الرأسمالية دخلت في أزمة نهائية بدءًا من السبعينيات. تعود أصول عمليات العولمة المعاصرة إلى هذه الفترة من الأزمة، وقد استمرت في البحث عن حلول مكانية مؤقتة للأزمات الداخلية الدورية للنمو الرأسمالي. إن الأزمة الأخيرة، التي بدأت في قطاع الإسكان بالولايات المتحدة عام 2007، واستمرت في الانتشار بجميع أنحاء الاقتصاد العالمي الأوسع، ليست سوى المرحلة الأخيرة في هذا الانحدار طويل الأجل للنظام العالمي.

إن معدلات النمو المرتفعة نسبيًا في الصين والهند والبرازيل غير قادرة في المجمل على تعويض معدلات النمو البطيئة في الثالوث المهيمن تاريخيًا: الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. لقد دخل رأس المال الاحتكاري مرحلة معممة يتم فيها التعبير عن قوته بطريقة شمولية. هذا الاحتكار بُنى على مؤسسات التحكم الخمس التي ناقشناها سابقًا: التكنولوجيا، التمويل، الموارد الطبيعية، الإعلام والاتصالات، وأسلحة الدمار الشامل، وليس مجرد الملكية الاقتصادية، ويستشهد أمين بشكل إيجابي بكتاب جوناثان نيتسان وشمشون بيشلر «رأس المال كقوة» (2009) في هذا الصدد. وفي ظل القيادة المتراجعة للجيش الأمريكي، فإن الإمبريالية الجماعية للثالوث مجبرة الآن على الاعتراف بأنها غير قادرة على إدارة الرأسمالية العالمية من خلال الاعتماد المتزايد على القوة المباشرة.

بالنسبة لأمين وزملائه من مفكري النظم العالمية (world-systems)، فإن الحملات العسكرية العنيفة المتزايدة التي تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها مجرد تسليط ضوء على عدم قدرتهم على إدارة نظام في حالة انحدار.

بالفعل، أفسحت الأزمة الاقتصادية 2007-2008 الطريق لسلسلة طويلة من التمردات والثورات التي بدأت في عام 2011. ويضيف عمل أمين الكثير إلى فهمنا لهذه الحركات المناهضة للنظام، فلا ينبغي أن يُفهم أمين على أنه مجرد مُنظِّر لعدم المساواة التي يخلقها النظام العالمي الرأسمالي. ومن وجهة نظره، فإن الطابع العالمي للرأسمالية قد حوّل الصراع الطبقي إلى صراع عالمي يتطلب مشروعًا مماثلًا لـ«فك الارتباط»، ويتطلب هذا الأخير بالنسبة لسمير أمين، تشكيل تحالفات بين بلاد الجنوب، وتعطي الأولوية لاحتياجاتها المحلية، بدلًا من احتياجات رأس المال الدولي. ولن يتسنى لاستراتيجيات التنمية أن تنجح إلا عندما تتمكن البلدان الطرفية من تحييد تأثيرات التفاعل الاقتصادي الخارجي. ويؤمن أمين بالدور القوي للدول في عملية فك الارتباط، لكن التوتر يظهر هنا في تحليله وهو يتأرجح بين برامج فك الارتباط القائمة على الدولة، وحركات فك الارتباط الشعبية الوطنية المنطلقة من الناس (2006، 106-107).

وبينما يبدو أن فك الارتباط يوازي سياسات عصر باندونج والقارات الثلاث، يعتقد أمين أن تكرار الماضي لم يعد ممكنًا، نظرًا لتركيز السيطرة الذي حققه الثالوث الإمبريالي. ومن ناحية أخرى، فهو يعتقد أن جهود الحركات الشعبية الوطنية من الأسفل سوف تتعثر أيضًا دون وجود تكتل إقليمي داخل النظام الدولي يعمل كحائط صد لحماية مثل هذه الحركات من التدخلات الإمبريالية وتعطيل الولايات المتحدة وحلفائها.

يعد الاختفاء البطيء للمد الوردي في أمريكا اللاتينية والتحالف البوليفاري لشعوب أمريكا اللاتينية (ALBA) مثالًا جيدًا على المأزق البنيوي الذي يجد مشروع سمير أمين التفكيكي نفسه فيه، ويثبت أيضًا أن تأرجحه بين فك الارتباط الشعبي وفك الارتباط من جهة الدولة كان على الأرجح نتاج العقبات الهيكلية التي تعترض التغيير في النظام العالمي، وليس قصورًا في تحليله، وعلى حد تعبيره: «إن التحديات التي تواجه بناء عالم متعدد الأقطاب حقيقي أقوى مما تتخيله العديد من حركات العولمة البديلة» (2006، 146). 

ومع ذلك، فقد أصرّ على اقتراحه ببناء كتلة جيوسياسية مضادة لتحدي هيمنة الثالوث. وبما أن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية أهم مؤيدي فكرة الـ«لا بديل» للنيوليبرالية (TINA) ، ظل أمين يأمل في انفصال الصين أو روسيا عن هذه القوى الأطلسية. وفي حين أن أحداث السنوات الأخيرة أضافت مصداقية لهذا الاحتمال، إلا أن أمين أقر، فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية، أن روسيا لا تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتحالف النيوليبرالي، وتصدّر بشكل رئيسي السلع الأساسية إلى أوروبا، بعد أن فشلت في إحياء قاعدتها الصناعية المتعثرة. وعلى الرغم من ذلك، كان يعتقد أن التقدم على المستويين الوطني والعالمي لا يمكن أن يحدث إلا بعد أن يتم إسقاط حكم الأوليجاركية الحاكمة القائمة في العالم الغني التي تعتمد على الاحتكارات الخمسة المذكورة سابقًا.

أيضًا، كان أمين يرى الحركات الإسلامية في العقود القليلة الماضية متوافقة مع الرأسمالية، ولا تشكل تحديًا حقيقيًا معاديًا للإمبريالية، وهو أمر يُناقش بشكل دوري في اليمين واليسار على حد سواء. وقد كان حريصًا على تحدي الافتراض الغربي العنصري بأن الإسلام السياسي يمثل «نتيجة حتمية لاندفاع الشعوب المتخلفة ثقافيًا وسياسيًا إلى الساحة [السياسية]» (2003، 166)، لكنه أيضًا كان يعتقد أن الإسلام السياسي يقدم شكلًا من أشكال الهوية الثقافية التي حلت محل الهوية الطبقية الأكثر إفادة.

وجادل أمين بأن «من خلال تشجيع الاستجابات الثقافية، تستفيد استراتيجيات العولمة من التنوع الموروث من الماضي قدر المستطاع» (2003، 166). ومع ذلك، لا يزال غير واضح إذا كان أمين يعتقد أن الأفكار الدينية -في هذه الحالة الإسلام- يمكن أن تلعب أي دور في تحويل جغرافيا العقل بعيدًا عن أوروبا. لكن حتى نكون منصفين، لم يعتقد أمين أن أيًا من أشكال الإسلام السياسي القائمة تشكل بديلًا جديًا. مع ذلك، أشار في بعض الأحيان إلى إمكانية حدوث تقارب بين الحركات السياسية الراديكالية ولاهوت التحرير (أمين 2009، 22).

الثورات الماركسية والانتقال الطويل إلى الاشتراكية

ظل أمين طوال حياته مؤيدًا صريحًا لاشتراكية الدولة كمشروع تحرري. ومثل كل الرؤى الاشتراكية ما بعد الحرب الباردة، كان على رؤيته أن تتفاعل بشكل نقدي مع الاشتراكيات القائمة بالفعل في القرن العشرين. كان سمير أمين أكثر تعاطفًا من معظم المنظرين الماركسيين الآخرين مع ثورات القرن العشرين في روسيا والصين، وكان يعتقد أن التجربة السوفيتية انهارت في نهاية المطاف بسبب التخريب الساحق من الدول الإمبريالية، والنجاح المتناقض لبرامج التصنيع الاستبدادية، وبرامج العسكرة.

ومع ذلك، فإن النظرية اللينينية للحلقة الأضعف، في رأيه، قد بررتها حقيقة أن الثورتين الروسية والصينية لم تحدثا في أوروبا، بل في بلدان هامشية نسبيًا تتميز باقتصادات زراعية وليست صناعية. واستلزمت هذه الحقيقة الاهتمام المستمر باحتمال قيام تحالفات بين العمال والفلاحين.

لم يكن أمين يصدق كثيرًا فكرة أن قادة آخرين غير ستالين كان بإمكانهم توجيه الاتحاد السوفيتي نحو مسار أكثر تحررًا، لأن المشكلات التي أدت إلى انحدار ستالين نحو طريق التجميع القسري الاستبدادي كانت هيكلية إلى حد كبير. وتستمر هذه التحديات الهيكلية في مواجهة جميع الحركات المناهضة للأنظمة اليوم، وتتخذ شكل التوازن بين حتمية التحديث والاحتياجات الاجتماعية. 

وقد أعلن أمين أن «الماركسيين الأكاديميين» وحدهم، البعيدين كل البعد عن الخيارات العملية الصعبة التي يواجهها من يتولون سلطة الدولة فعليًا، هم من يستطيعون بسهولة رفض الدولة السوفيتية في عهد ستالين (2016، 78). في رأيه، إن أشكال العنف المتطرفة التي مارستها الدولة السوفيتية لم تكن أسوأ من الأشكال الموازية للتراكم البدائي الرأسمالي. كما جادل أيضًا بأن العمال في الاتحاد السوفيتي استفادوا أكثر بكثير من نظرائهم الغربيين من الحراك الاجتماعي وتشاركية الثروة التي حققتها مرحلة التراكم البدائي السوفيتي.

وعلى الرغم من هذا الدفاع عن المشروع السوفيتي، وبسبب وفائه للعالم الثالث، كان سمير أمين يعتقد أن رؤية ماو في النهاية متفوقة على رؤية الثوار الروس، لأنه حافظ على التحالف بين العمال والفلاحين وأصر على طريق ديمقراطي شعبي وليس طريقًا برجوازيًا وطنيًا للتنمية.

وفي تحدٍ لـ«موضة» الاهتمام المتزايد بالمسألة الحضرية، مطلع القرن الـ21، بنى أمين على هذا النموذج الماوي من خلال التأكيد مرارًا وتكرارًا على أهمية المسألة الزراعية وضرورة السيادة الغذائية، وكانت حجته بأن وجودهما أساسي لأي استراتيجية ثورية للبلدان الطرفية. وبالنظر إلى النجاحات والإخفاقات النهائية للاشتراكيات القائمة فعليًا في القرن العشرين، تبنى أمين وجهة نظر أن الطريق نحو الاشتراكية يستلزم «انتقالًا طويل الأمد». باختصار، وخلافًا لنظرائه الثلاثة في نظرية الأنظمة العالمية World-Systems: إيمانويل والرشتاين، وأندريه جوندر فرانك، وجيوفاني أريغي، كان أمين إيجابيًا بشكل عام بشأن وصول الحركة الاشتراكية إلى السلطة في القرن العشرين. وعلى الرغم من اعترافه بتجاوزات السلطة وغياب الديمقراطية والدوجمائيات التي أنتجتها اشتراكية الدولة، كان يعتقد أن «فك الارتباط بين الاتحاد السوفيتي والصين قد حدث» لفترة من الزمن، وأنهما استفادا بشكل كبير من هذا الانفصال (أمين وآخرون 2006، 183).

التفكير مع الماركسية العالمية لسمير أمين وتجاوزها.. فك الارتباط المعرفي والترابط المحلي-العالمي

شرح أمين لمفاهيم المركز والأطراف يؤكد على الاستغلال في الساحة الدولية وليس في الإنتاج. وقد أدى هذا التركيز إلى مشكلتين لاحقتين في نظريته: أولًا، أدى هذا إلى اهتمامه المستمر بالإمبريالية. ينتقد جيوفاني أريغي وديفيد هارفي، وآخرون ممن يتخذون من الإنتاج نقطة انطلاق للتحليل، التصور القديم للإمبريالية الذي يرى أن الإنتاج تم تركيزه داخل دولة أو إمبراطورية معينة. في الواقع، إن تركيز أمين المفرط على المركز الذي يستغل الأطراف يتجاهل حقيقة أن عملية الإنتاج تحدث الآن أيضًا على نطاق عالمي، في الأجزاء المجزأة من سلاسل القيمة العالمية (Cowen، 2014) وأعاد أمين، ردًا على مثل هذه الانتقادات، استخدام مفهوم الرأسمالية الاحتكارية، وقال إن المكان الدقيق للإنتاج ليس أهم من حقيقة وجود مركز جغرافي في النظام العالمي لا يزال مهيمنًا من خلال الاحتكارات (أمين 2013، 15-42).

ومع ذلك، فإن هذا التركيز المستمر على المركز الإمبريالي الذي يستغل أطرافه، هو أحد المزالق المحتملة لمشروع فك الارتباط. يلجأ الحل العولمي البديل الذي طرحه أمين إلى تحالف بين بلاد الجنوب لفك الارتباط بالمركز، لكن هذا التركيز المفرط على مركز واحد -ما أسماه أمين بالثالوث المكون من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان- يتجاهل التأثير السلبي للمراكز في الجنوب نفسه والتي تستغل دولًا أخرى في الجنوب. بعبارة أخرى، لا يركز عمل أمين بشكل كافٍ على مراكز الاستغلال الإقليمية -ما يسميه والرشتاين بالبلاد شبه الطرفية- مثل دول الخليج في الشرق الأوسط، وجنوب إفريقيا في الجنوب الإفريقي، والبرازيل في أمريكا الجنوبية، والصين في جميع أنحاء العالم.

علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي التركيز على المراكز والأطراف المستقطبة عالميًا إلى إهمال مماثل للاستغلال داخل الدول القومية في العالم الثالث. ورغم انتقاده للبرجوازية التي تستغل القومية للتغطية على الصراع الطبقي، فإن أمين لم يتطرق بشكل موسع إلى كيفية استخدام النخب داخل كل دولة لسلطتها لاستغلال الطبقات الأخرى والتراكم بالتعاون الوثيق مع المركز.

وفي حين أن مفهومه عن إعادة الكمبرادورية يفتح الباب لمثل هذا النقاش، إلا أنه يبقى مرتبطًا بالعلاقة العالمية الأوسع بين المركز والأطراف، وليس بالتناقضات الداخلية التي لا تقل أهمية في مجتمع معين. وعلى الرغم من أن أمين كان محقًا تمامًا في اهتمامه بالصراع الطبقي داخل الساحة الدولية، فإن التناقضات الداخلية في التشكيلات الطرفية تلعب أيضًا دورًا رئيسيًا في جعل هذه البلدان تابعة، ما يسد الطريق إلى الاشتراكية، وبالتالي، لم تتعمق نظرية أمين بما فيه الكفاية في كيفية تحديد الجدلية بين التناقضات الداخلية والنظامية لمسار هذه البلدان ومسار الرأسمالية على نطاق عالمي (سورين 2001، 2009). بعبارة أخرى، استمرت تلك النظرية في التحليل على النطاق العالمي المجرد بدلًا من التركيز على كامل السلسلة المحلية-العالمية (داريان سميث وماكارتي، 2017). 

هذا يقودنا إلى العيب الرئيسي الثاني لنظرية أمين، ألا وهو تمسكه بالحداثة والكونية ومراحل تطورها ودعمه المستمر لها. ترتبط مقاربة أمين لدراسة النظام العالمي وتمسكه بالعديد من المبادئ المركزية للحداثة ارتباطًا وثيقًا. في هذا الصدد على الأقل، ظل ماركسيًا أرثوذكسيًا إلى حد ما، يؤمن بأن تطور الرأسمالية سيؤدي في نهاية المطاف إلى مرحلة نهائية من الشيوعية. بعبارة أخرى، يمكن للمرء أن يجادل بأن سمير أمين لم يذهب بعيدًا بما فيه الكفاية في عملية فك الارتباط. قد ينطوي مشروع أكثر راديكالية على تفكيك وفك ارتباط معرفي كامل، وهو ما اقترحته سيلفيا وينتر (2003)، ووالتر مينيولو (2007)، ورامون غروسفوغويل (2007) وآخرون من المدرسة الفكرية المناهضة للاستعمار.

لكن، فك الارتباط المعرفي هذا يجب أن يتم استكشافه داخل المشروع الماركسي، وإلى جانبه وأحيانًا خارجه. قد ينطوي ذلك على خط فكري «مهرطق» تجسده تيارات مثل التقليد الراديكالي الأسود (روبنسون 1983؛ وينتر 2003). يتطلب أيضًا فك الارتباط الذي يتخلص من المنطق الرأسمالي أشكالًا من «السلطة المتفرقة» (زيبشي 2010)، التي تتجاوز السلطة المركزية للدولة والنظام العالمي، ما يسمح للمقاييس المحلية أن تسود على النطاق العالمي. 

في أحد أضعف مواقفه، دفع لجوء أمين إلى الدولة القوية والحداثة العلمانية إلى تأييده الضمني للإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين في مصر عام 2013، وإلى دعم الغزو الفرنسي لمالي عام 2013. كان أمين محقًا بالتأكيد في الإشارة إلى الطبيعة النخبوية للحركات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين، لكن ربما كما ألمح بنفسه في دراسته عن المركزية الأوروبية، هذا الموقف يغلق الباب بسرعة كبيرة في وجه سياسة انتقادية للحراكات الإسلامية الرأسمالية، وفي نفس الوقت يفتح الباب لإمكانية التقارب بين السياسة والروحانية الراديكالية في مرحلة ما بعد الاستعمار. 

إذا أخذنا عمل أمين بشكل كلي، فإن دراسته للمركزية الأوروبية تفكك الخطاب البرجوازي حول الحضارة والتطور التاريخي، وتفضحه باعتباره خطابًا عالميًا زائفًا وإمبرياليًا، بينما تؤكد في الوقت نفسه أن العالم منقسم إلى تشكيلات اجتماعية متداخلة تتألف من تجمعات من أنماط الإنتاج المشاعية والخراجية والرأسمالية. يمكن للمرء أن يلاحظ وجود توتر بين رفضه للسردية التنموية وافتتانه بالحداثة والثورة الاشتراكية التي تبدو حتمية. 

ويبدو أن المستقبل الذي تسعى إليه الدول التي تنجح في فك الارتباط، في كتابات أمين، هو مستقبل التنمية الاقتصادية الصناعية على غرار الشمال، وإن كان أكثر مساواة. إن أهم مثال يتحدى مفهوم سمير أمين عن المركز والأطراف هو صعود الصين. ولكن في هذا الصدد، تساعد أفكار رفاقه في تحليل النظم العالمية، مثل جيوفاني أريجي، في إظهار أن صعود الصين السريع لا يجب أن يُنظر إليه على أنه تناقض مع المبادئ المركزية لتحليل النظم العالمية (2007). 

يظل عمل أمين مصدر إلهام للمنظرين الذين يسعون إلى عولمة الماركسية، ومن ثم، تشكل كتاباته موازنة ضرورية للتركيز على الماركسية الأرثوذكسية في بلاد المركز، وتوفر فكرة واضحة عن كيفية ظهور التفاوتات العالمية في البداية واستمرارها. تتجاوز مساهمات أمين الاقتصاد السياسي، فهي تهتم بدراسة الثقافة والتاريخ ونظرية المعرفة للمركزية الأوروبية، وتقدم لنا بعض العناصر لنموذج بديل، أكثر عالمية، للسياسة التحررية.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).