أزمة تنمية: الصفر الزائد والعقد الضائع
أصبح من الواضح أن الاقتصاد المصري على أعتاب مرحلة مطابقة تمامًا، وربما أسوأ، مما شهده منذ سبعة أعوام: أزمة تمويل أجنبي حادة قد تحتم اتفاقًا على قرض جديد مع صندوق النقد الدولي، مصحوبًا بسياسات تقشفية لتحسين الوضع المالي للموازنة وتصحيح حاد في سعر الصرف قد يفوق الـ5%، إذا ما استدلينا بأسعار الذهب في السوق المحلي وسعر الصرف في العقود الآجلة للجنيه. إعادة غير مطلوبة لحلقة مؤلمة في تاريخ الاقتصاد كانت لها بالغ الأثر السلبي على مستويات المعيشة والدخول لجميع الأسر المصرية، وبالذات الطبقات الأقل دخلًا. وربما تكون أسوأ لأنها تأتي في ظل مستوى من الديون الخارجية ضعف ما كان عليه في 2017 (من 80 مليار دولار أمريكي إلى 165 مليار دولار حاليًا)، وظروف أسواق تمويل دولية غير مواتية، في ظل ارتفاع معدلات الفائدة العالمية، وزيادة المخاوف من مرحلة ركود للاقتصاد العالمي قد تكون على الأعتاب.
مع تحرك الحكومة الحثيث لبدء البرنامج الجديد مع الصندوق لاعتماد تسهيلات جديدة وجدولة الديون القائمة، أصبح من الضروري -إذا أردنا فعلًا الخروج من هذه الحلقة المفرغة- مواجهة أزمة غياب النمو الاقتصادي المستدام التي هي صلب الأزمة الاقتصادية، ومن أعراضها المزمنة العجز التمويلي المتزايد والمتكرر، سواء في حساب التدفقات النقدية الخارجية أو حساب الموازنة العامة. ذلك أن الاقتصاد المصري يعاني من أزمة تنمية، تتجاوز حدود الصدمات العالمية المتتالية في الأعوام الأخيرة، ولا يصح اختزالها في أحد أعراضها، وهي عديدة، كمشكلة استدامة الديون الخارجية أو الضغوط السلبية على سعر صرف الجنيه في أسواق العملة مثلًا. فمعدل نمو الدخل في العقد الأخير كان أقل بكثير، ليس فقط مما نطمح له وما خططت له الحكومة، ولكنه كان أيضًا أقل بكثير من السواد الأعظم من دول العالم. هذا الركود في الدخول ومستويات المعيشة لم تعهده الأسر المصرية منذ عقود.
للوهلة الأولى، ربما يبدو أن معدلات النمو في أبهى حالاتها. الحسابات القومية للعام المالي المنصرم 2023/2022، التي أعلنتها وزارة التخطيط، تشير إلى تخطي إجمالي الناتج القومي حاجز العشرة تريليون جنيه لأول مرة في تاريخ الاقتصاد المصري. أي أن إجمالي الدخل القومي في مصر زاد صفرًا إضافيًا هذا العام ليصل إلى ثلاثة عشر صفرًا بجانب الواحد أو عشرة ملايين من ملايين الجنيهات، وكانت آخر مرة حدث فيها هذا التضاعف العشري، في ،2009/2008 عندما تجاوز الدخل تريليون جنيه وزاد الصفر الاثنا عشر، أي أن إجمالي حجم القيمة السوقية لما ينتجه الاقتصاد المصري من قيمة مضافة تضاعف عشر مرات في غضون 14 عامًا. تقدم هائل في الاقتصاد أليس كذلك؟! طفرة ربما تحسدنا عليها الصين نفسها التي احتاجت في أوج صعودها الاقتصادي منذ بداية الألفية، إلى أكثر من 20 عامًا ليتضاعف إجمالي دخلها القومي من 10 إلى 100 تريليون يوان. ولكن، يا للأسف، هذه الزيادة الاسمية المهولة، ألف في المئة في 14 عامًا، تخفي في طياتها، إذا ما حيّدنا تأثير ارتفاع الأسعار المطرد والانخفاضات في قيمة العملة المحلية، أزمة حقيقية في مستوى واستدامة معدل النمو الاقتصادي.
نستطيع الحكم على درجة التنمية الاقتصادية والتطور الفعلي الحاصل في مستوى إنتاجية ومعيشة الأسرة المصرية، وبالذات بالمقارنة بسائر الاقتصادات العالمية مع تحييد تأثير الزيادة السكانية، وفائض تضخم الأسعار، وانخفاض سعر الصرف بالنظر إلى قيمة دخل الفرد بالعملة الأجنبية. ففي نفس هذه الأربعة عشر عامًا التي تضاعف فيها إجمالي الناتج بالعملة المحلية عشر مرات، سنجد أن نصيب الفرد من الدخل القومي مقومًا بالعملة الأجنبية (الدولار الأمريكي في هذه المقالة، ولكن نستطيع استبدالها بأي معيار آخر كاليورو، الريال، أو الين مثلا) ارتفع 18% فقط من حوالي 2600 دولار أمريكي في 2009 إلى 3050 في 2023. ليس هذا فقط، وإنما مستوى الدخل الحالي لا يختلف عن مستواه في عام 2011 عندما كان 3077 دولار للفرد في السنة. أي أنه مر أكثر من عقد دون أي تحسن مستدام يُذكر في مستوى الدخل للأسر المصرية. بعد موجات التخفيض المتتالية في سعر الصرف وتدني مستويات النمو في الأعوام الأخيرة، تراجع مستوى الدخل القومي ليقضي على مكتسبات فترة الرواج الاقتصادي النسبي التي تبعت زيادة الإنفاق الحكومي على مشاريع البنية التحتية ممولة بقروض داخلية وخارجية أبرزها قروض صندوق النقد الدولي.

مصدر: بيانات حسابات الدخل القومي من وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية
أي أنه بعد مرور أكثر من عقد من الزمان، بكل أحداثه وسياساته وأزماته المحلية والعالمية وبعد التوسع الهائل في الاقتراض والإنفاق الحكومي على مشاريع البنية التحتية العملاقة، لم ينمُ دخل الفرد المصري إذا ما قسناه بالعملة الأجنبية. فبرغم التحسن في معدلات النمو والبطالة في أعوام ما قبل كورونا، لا نرى زيادة مستدامة في الإنتاجية، بل عودة إلى مستويات لم نشهد مثلها منذ أكثر من عقد من الزمان. وعلى عكس المتوقع، لا يمكن إلقاء عبء أزمة التنمية، أو اللا-تنمية بمعنى أدق، على الأزمات والصدمات الخارجية ككورونا أو أزمة الحرب الأوكرانية، التي عانينا منها مثلما عانت منها جميع دول العالم، ولم تكن تبعاتها السلبية حكرًا على الاقتصاد المصري. ففي نفس هذه الـ14 عامًا، وبالرغم من كل أزماتها، استطاعت مجموعة الدول النامية والناشئة أن تنمو بمقدار 93%. أي أنه بينما تضاعف تقريبًا دخل الفرد في العالم النامي من 2009، لم يرتفع دخل المصري إلا 18% فقط. إذا كانت التنمية سباقًا، فاقتصادات سائر العالم النامي تتقدم بخمسة أضعاف سرعة الاقتصاد المصري. ففي الهند مثلًا، التي بدأت الفترة والدخول فيها تكاد تكون نصف الدخل المصري، أصبح مستوى دخل الفرد فيها يضاهي نظيره المصري بعد زيادة قدرها 134%. ولا داعي هنا للمقارنة بالصين التي زادت فيها الدخول ثلاثة أضعاف (229%) على اعتبار أنها حالة خاصة، ولكن تظل نموذجًا لما يمكن أن يكون. حتى الدول المتقدمة، التي عادة ما تنمو بمعدلات أقل بكثير من نظيراتها النامية، زادت فيها الدخول 38%. لا يمكن إنكار تأثير الصدمات سواء خارجية أو داخلية أو أن بعض الدول أكثر انكشافًا على وتأثرًا بتداعياتها السلبية، ولكن على المدى الطويل لا يوجد أي عذر لأن يكون معدل النمو أقل من خُمس سائر الدول النامية.

مصدر: بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وصندوق النقد الدولي
وحتى مقارنة بمعدلات التنمية الاقتصادية في مصر تاريخيًا في آخر أربعة عقود، سنجد أن العقد الماضي كان من أسوأ الفترات من ناحية نمو دخول الأفراد. ففي السنوات العشر الماضية (2013-2023)، كان معدل نمو (انكماش) دخل الفرد مقومًا بالعملة الأجنبية سالب 15%، أي أن الدخول تقلصت السُدس تقريبًا بدل أن تنمو، بينما في العقد السابق له كانت الزيادة 180% وفي التسعينيات كانت 40%. وحتى إذا ما قارنّا بفترة الثمانينيات، والتي كانت ظروفها الاقتصادية السيئة مشابهة وربما أسوأ من هذه الأيام -أزمة ديون، أسعار فائدة عالمية مرتفعة، وتضخم فلكي- سنجد أن الدخول زادت بنحو 6% من 1983 إلى 1993. فبالرغم من أن الاقتصاد المصري ليس غريبًا على تقلبات معدلات النمو وحتى الانكماش في بعد الأحيان، ستبقى السنوات العشر الماضية هي الأكثر قسوة، من حيث تراجع أو على الأقل ثبات دخول المصريين بشكل حقيقي بينما سائر الدول النامية تتسابق وتسبق.

مصدر: بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وصندوق النقد الدولي
والأدلة على هذا التراجع في مستويات المعيشة عديدة سواء نظرنا إلى الأجور أو معدلات الفقر. للأسف، لا توجد بيانات محدثة لمتوسط الأجور بعد 2021، ولكن يمكن أخذ الحد الأدنى للأجور مثلًا والذي تم اعتماده في يناير 2014 عند مستوى 170 دولار (1200 جنيه) شهريًا انخفض الآن بعد التعديل الأخير في يونيو بأكثر من 25% إلى 125 دولار (أربعة آلاف جنيه). أما معدل الفقر والذي كان 21.6% من السكان في 2009 (16 مليون فقير) زاد إلى 29.7% في 2020 (29 مليون فقير). وما زلنا في انتظار إعلان الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة العامة آخر إحصائيات الفقر والإنفاق الأسري في مصر. ولكن من المتوقع بحسب تقديرات الباحثات بجامعة القاهرة هبة الليثي، ودينا أرمانيوس، وعلياء حافظ، أن يصل إلى 36.7% (37 مليون فقير) كأثر مباشر للتضخم في 2022 على مستويات المعيشة.
التراجع في أهم مؤشرات الأداء الاقتصادي والأكثر تأثيرًا على الأحوال المعيشية للأسر مدخل رئيسي لفهم طبيعة التحديات الآنية التي يواجهها الاقتصاد في علاقته بأسواق التجارة والتمويل الدوليين، وليس العكس. تضاؤل قدرة الاقتصاد على النمو ورفع مستوى دخول أفراده بشكل مستدام سبب رئيسي في التحدي الذي يواجهه لتدبير احتياجاته من التمويل الأجنبي، سواء لتسديد فاتورة الاستيراد أو سداد المستحق عليه للدائنين الدوليين.
فبينما لم تزد الدخول بأكثر من 18% (2009-2023)، زاد نصيب الفرد من الديون الخارجية أكثر من ثلاثة أضعاف، من 418 دولار إلى 1446، وزاد المطلوب على كل فرد دفعه سنويًا في خدمتها خمسة أضعاف من 40 دولار إلى 223. هذه الزيادة الهائلة في درجة المديونية تهدد استدامة الديون نفسها وقدرة الاقتصاد ليس فقط على توفير التمويل المطلوب للسداد، ولكن أيضًا قدرته على الاستحواذ على ديون إضافية لتمويل الاحتياجات التنموية التي أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. على صعيد آخر، لم يتوقف الاقتصاد عن زيادة درجة ارتباطه بالتجارة العالمية فزاد الاستيراد من 25 مليار دولار إلى 71، وزاد التصدير من 25 مليار دولار إلى 40، ولكن انخفض الفارق بين قيمة ما تصدره مصر لدول العالم وما نحتاج أن تستورده منها (عجز الميزان التجاري للسلع) قليلًا من 335 دولار للفرد تقريبًا إلى 270. هذا الانخفاض جاء مدفوعًا بالأساس بالإجراءات الاستثنائية والمتشددة التي طبقتها الحكومة العام الماضي لترويض الاستيراد ونجحت فعلًا في خفض فاتورته بأكثر من 17 مليار دولار مقارنة بالعام 2021-2022، وإلا لكان العجز لكل فرد قد وصل لأكثر من 400 دولار في السنة.
وحتى على المستوى القصير، لا يوجد بوادر جيدة للتحسن هذا العام. فعلى صعيد التصحيح المرتقب لسعر الصرف، المتوقع له أن يتراوح بين 30 إلى 50% إذا ما نظرنا إلى الأسعار الجارية في الأسواق المحلية للسلع والأصول كالذهب والعقارات، سيكون له بالغ الأثر على قيمة الدخول ومستوى استدامة المديونية. وعلى صعيد معدل النمو الحقيقي، من المتوقع أن يكون أقل من المأمول بكثير. ففي الأشهر الستة المنقضية من العام المالي الحالي سجل 3.8%، بحسب ما أعلنته لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي، في البيان الصحفي، لآخر اجتماعاتها لتقرير سعر الفائدة، في ديسمبر.
وفعلًا، بدأت المؤسسات الدولية في تخفيض توقعات النمو لهذا العام. فمعهد التمويل الدولي الذي يمثل كبريات المؤسسات البنكية في العالم يتوقع أن ينخفض معدل نمو الناتج القومي هذا العام المالي إلى 3.3%، أي أقل ليس فقط من العام الماضي، ولكن أقل من أحلك سنوات أزمة فيروس كورونا. ولا يختلف صندوق النقد الدولي معه كثيرًا، فبعد أن كان يتوقع نموًا يوازي 5.3% في أوراق طلب أحدث قروضه للحكومة، في يناير من العام الماضي، خفض توقعاته إلى 4.2% في آخر تحديث لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أكتوبر الماضي.
من الصعب جدًا إلقاء اللوم على العوامل الاستثنائية مثل الصدمات والأزمات سواء داخلية أو خارجية لتفسير هذا الركود المزمن والأداء الاقتصادي المتقلب بين ازدهار مؤقت ممول بالقروض وانهيار تصحيحي عندما تأتي لحظة المحاسبة على هذه الديون. فدون إلقاء نظرة نقدية وعميقة لسياسات التنمية التي تنتهجها الحكومة وبدون تحليل صحيح لطبيعة الأزمة نفسها، سيظل الاقتصاد في حلقة مفرغة من الحلول قصيرة المدى المشغولة فقط بتدبير التمويل الآني لسد الاحتياجات بعيدًا عن أي مسار تنموي صاعد.
ليست هذه أول أزمة من هذا النوع يواجهها الاقتصاد وليست أزمة عام 2016 ببعيدة، وسيتجاوزها حتمًا بحزمة الإجراءات والسياسات التي تسعى لها الحكومة على قدم وساق من بيع لأصول الدولة والشركات العامة، وترشيد الاستيراد، والتقشف في الإنفاق الحكومي، مع زيادة وإعادة جدولة الديون الخارجية. ولكن لن تكون الأخيرة دون توجيه دفة السياسات الحكومية بشكل استراتيجي نحو تعظيم العائد التنموي، بشكل مدروس ومبني على الأدلة، لكل عناصر الأداء الحكومي من إنفاق واستثمار وإصلاح مؤسسي وتشريعي يخدم بالأساس تنمية البشر بتعليم جيد، رعاية صحية شاملة ومناخ حافز للإبداع والابتكار والتعلم.
آراء أخرى
السياسة النقدية الأمريكية.. ترامب ضد حراس الدولار
«ما زال الفيدرالي ورئيسه ملتزمين بسياسة الحفاظ على أسعار الفائدة الآن، وتخفيضها بوتيرة متريثة»
الاقتصادات العربية ومرايا أزماتها
«مقدمة ملف «شبكة فبراير» في الاقتصاد السياسي»
قطع الطريق على «25 يناير»
«على السلطة أن تطرح أجندتها للإصلاح على الناس قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى الاعتذار لهم بعد فوات الآوان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد