تعتزم الحكومة رفع سعر رغيف الخبز المدعم بنحو 300%، ليصل إلى عشرين قرشًا بدلًا من خمسة قروش حاليًا، وذلك بدءًا من العام المالي الجديد، الذي يحل مطلع يوليو المقبل، بحسب مصدر مطلع لـ«مدى مصر»، وهو ما اعتبره محللون يضاعف من معاناة ملايين المصريين المعتمدين على الخبز المدعم في ظل ظروف اقتصادية سيئة.
المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه، أوضح أن شعبة المخابز اجتمعت مع وزير التموين، على المصيلحي، مساء أمس، بهدف تعديل تكلفة الخبز المدعم التي تدفعها الحكومة لأصحاب المخابز في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، إلا أنهم فوجئوا بمقترح الوزير برفع سعر الخبز المدعم، طالبًا منهم تأجيل الترتيب لعملية رفع تكلفة الإنتاج إلى اجتماع لاحق.
وخلال الاجتماع نفسه، أعلن المصيلحي تراجع الوزارة عن مُقترح إدخال 20% من الذرة في الخبز، والذي كان الرئيس عبد الفتاح السيسي طرحه، الأحد الماضي، لخفض استهلاك القمح، بعدما لفت أعضاء الشعبة نظر الوزير إلى أن هذا التحول يحتاج إلى استثمارات جديدة في المطاحن لتناسب طحن الذرة، فضلًا عن استيراد مصر معظم استهلاكها من الذرة، بالإضافة إلى سوء جودة وطعم الرغيف المخلوط بالذرة.
تحركات الحكومة لرفع سعر رغيف الخبز، تأتي بعد أيام، من توجيهات السيسي بتخفيف «العبء» عن ميزانية الدولة، مبررًا ذلك بأن تكلفة الرغيف المُدعم على الدولة وصلت إلى 1.25 جنيه، مشيرًا إلى أن «الرغيف أبو شلنّ ده بيكلفني 130 مليار جنيه دعم»، وهي الأرقام التي تنفيها وزارة المالية ومصادر بقطاع المخابز.
تشير موازنة العام المالي الجاري إلى أن تكلفة دعم الخبز تبلغ 91.5 مليار جنيه فقط، ترتفع خلال العام المالي المُقبل لتصل إلى 98 مليار جنيه. أمّا تكلفة رغيف الخبز المُدعم في العام المالي المُقبل فلا تتجاوز 1.06 جنيه فقط، وهو ما أكدته أيضًا مصادر من شعبة المخابز لـ«مدى مصر»، مقدرين التكلفة الحالية للرغيف ما بين 90 إلى 110 قروش.
رغم ذلك، أعاد رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، أمس، التأكيد على كلام السيسي، مشيرًا إلى أن تكلفة منظومة دعم الخبز تحمّل الحكومة 100-110 مليارات جنيه، مضيفًا: «خلال الأزمة غير المسبوقة الفترة اللي فاتت كنا مش عاوزين نحط عبء على المواطن وبالتالي تحملت الدولة عن المواطن ده، طالما كنا قادرين نتحملها؟ بس هل هنقدر نفضل نتحملها للأبد؟ لأ مستحيل».
وعقب ساعات من تصريحات مدبولي، أكد المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء، محمد الحمصاني، على وجود «مقترح بشأن تحريك ولو بسيط لسعر الخبز، لحصول الدولة على جزء بسيط من التكلفة، مع مراعاة عدم الإثقال على كاهل المواطن».
محلل مالي بأحد بنوك الاستثمار المصرية، قال لـ«مدى مصر»، إن تحركات الحكومة لخفض الدعم تأتي امتثالًا لإملاءات صندوق النقد الدولي دون النظر إلى تأثير تلك السياسات على المواطنين.
«تكلفة منظومة الخبز كلها مش بتكمل 100 مليار جنيه. وزارة المالية بتقترض أكتر منها أسبوعيًا من أذون وسندات خزانة. في المقابل، فيه 70 مليون مواطن في بلد فيها 32 مليون على الأقل تحت خط الفقر بيعتمدوا على الخبز كجزء أساسي من وجباتهم اليومية لسد جوعهم، خصوصًا وأن اعتماد المواطنين على الخبز ارتفع خلال الفترة الماضية بسبب ارتفاع معدلات التضخم»، يقول المحلل، الذي طلب عدم ذكر اسمه.
في مؤشر على مدى سوء الوضع الاقتصادي، أوضح المحلل أن استهلاك المصريين للأجبان ارتفع على عكس كل التوقعات، رغم ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية مطلع العام، مبررًا ذلك بأن «الشركات كانت فاكرة إن لما سعر الجبنة يزيد، الإقبال هيقل. لكن العكس حصل، لأن آه الجبنة غليت، لكنها لسه أسهل وأرخص حاجة ممكن تتاكل مع رغيف عيش، كفطار سعره أقل حتى من ساندوتش الفول في الشارع. والاثنين بيعتمدوا على العيش، بالتالي لما سعره يتحرك ضعفين أو ثلاثة، ده هيضر نسبة كبيرة جدًا من الناس».
المصدر نفسه أكد أن الحكومة لديها توجه، خلال العام المالي المقبل، لتقييد نفقاتها قدر الإمكان، بما في ذلك الدعم. إلا أن تكلفة جميع أنواع الدعم ليست «كارثية» على الموازنة، في مقابل الاستفادة منها، حسبما قال.
بحسب مشروع الموازنة العامة للعام المالي المُقبل، يشكل الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية 11.5% فقط من استخدامات الموازنة، في الوقت الذي تستحوذ فيه خدمة الدين لسداد القروض والفوائد على أكثر من 62% من استخدامات الموازنة، إذ تبلغ وحدها نحو 3.4 تريليون جنيه.
رئيس وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وائل جمال، قال لـ«مدى مصر»، إن محاولات تقليص الإنفاق تنبع من اهتمام الحكومة بتحقيق فائض أوّلي لا يقل عن 3.5% من خلال سياسات تقشف عنيفة.
إلّا أن تحقيق فائض أوّلي لا مدلول حقيقي له، بحسب جمال، إذ أنه يدل على قدرة الحكومة على تغطية نفقاتها في حال عدم وجود ديون. «لكن لما يبقى عندك ديون بتاكل أكتر من نصف الموازنة، يبقى انت عملت إيه بالفائض ده؟».
وأشار جمال إلى أنه حتى المؤسسات ذات الميول الاقتصادية الليبرالية، مثل البنك الدولي، تشير إلى أهمية دعم رغيف الخبز. في 2010 نشر البنك الدولي دراسة استنتجت أن مُعالجة التسرب في دعم السلع التموينية سيوفر ما يقرب من 73% من التكلفة. وإن قالت الدراسة نفسها إنه مع استمرار التسرب ورغم التكلفة الكبيرة على ميزانية الدولة، أنقذ دعم الخبز 9% من المصريين من الوقوع تحت خط الفقر خلال الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008.
«ده بيدل على أهمية دعم الخبز خلال الفترة الحالية، اللّي حتى الطبقة الوسطى فيها بتنكمش وبتعاني من التضخم. كان من الأجدر بالحكومة إنها تبحث في طُرق وتتفاوض علشان تعدل سعر الفائدة، اللي كل زيادة 1% فيها بتكلف الدولة 70-90 مليار جنيه. فلو الفائدة نزلت 1%، آدي الدعم كله اتغطى من غير ما اضغط على الناس»، يقول جمال.
أخبار ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ماذا تفعل الدولة بين مطرقة التضخم وسندان انخفاض النقد الأجنبي؟
تظل مرونة سعر الصرف هدفًا مستمرًا للحكومة في محاولة للحفاظ على الاستثمارات الأجنبية
مجلس عمد ومشايخ مطروح يعلق التعاون مع «الداخلية» حتى التحقيق في مقتل شابين «خارج إطار القانون»
شعبة المخابز: ارتفاع سعر الخبز السياحي بعد رفع سعر السولار اليوم
زيادة أسعار الخبز السياحي | «التموين» تستورد 30 مليون بيضة | حبس «الاقتصادي» عبد الخالق فاروق 15 يومًا
«النواب» يقر «مجلس التعليم والابتكار» نهائيًا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن