تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».

المفقود في بيان النيابة عن وفاة «هدهود»

المفقود في بيان النيابة عن وفاة «هدهود»

كشفت النيابة العامة بعض تفاصيل ما حدث مع الباحث الاقتصادي أيمن هدهود، منذ القبض عليه أوائل فبراير الماضي وحتى وفاته أوائل مارس، بعد أيام من الغموض، وذلك في بيان نشرته في الساعات الأولى من صباح اليوم.

أشارت النيابة إلى أن حارس عقار في حي الزمالك أمسك بأيمن في 6 فبراير الماضي أثناء محاولته فتح باب إحدى الشقق السكنية في العقار، بينما كان «يهذي بكلمات غير مفهومة» وأبلغ الشرطة التي أحالته للنيابة، والتي بدأت التحقيق معه بتهمة الشروع في السرقة. لكن، وبحسب البيان، تعذر إجراء التحقيق «لترديده كلمات غير مفهومة»، لتتشكك النيابة في قواه العقلية وتطلب أمرًا من محكمة بإيداعه في مستشفى العباسية لإعداد تقرير طبي عن حالته العقلية.

بعدها بشهر، بحسب البيان، أُخطرت النيابة في 5 مارس الماضي، بوفاة هدهود أثناء وجوده داخل مستشفى العباسية للأمراض النفسية، إثر انخفاض حاد في الدورة الدموية وتوقف عضلة القلب. وقالت النيابة إنها ناظرت الجثمان بعد وقوع الوفاة، وتبين خلوه من أية إصابات، كما انتدبت مفتش صحة للكشف الظاهري، والذي أكد بدوره عدم وجود شبهة جنائية في وفاته، وهو ما استبعدته كذلك تحريات الشرطة.

وبالرغم من ذلك، وبعد أكثر من شهر على الوفاة، قررت النيابة، أمس، انتداب مصلحة الطب الشرعي لتشريح جثمان هدهود للوقوف على أسباب الوفاة، دون إشارة البيان صراحة إلى مرور أكثر من شهر على الوفاة حين قررت التشريح.

لكن قراءة السرديات المختلفة التي حاولت تفسير ما حدث مع أيمن خلال الشهرين الماضيين تكشف أن بيان النيابة يُخبر نصف الحقيقة فقط، ويتجاهل أسئلة ملحة حول ما حدث لأيمن حتى وفاته، والأسباب التي أدت إلى تأخر إخبار الأسرة بوفاته طوال شهر كامل، على الرغم من القيود القانونية في هذه الحالات والتي تحتم إخبار الأهل خلال يوم واحد.

أشار بيان النيابة إلى أن شقيقي أيمن، عادل وأبوبكر، قالا في التحقيقات إن أيمن سبق وأن قام بتصرفات مضطربة في واقعتين سابقتين إحداهما بالطريق العام بمنطقة السلام ليصحبوه بعدما تحفظ عليه الأهالي، والثانية حين استلقى على الأرض أمام غرفة بإحدى الفنادق.

كلتا الواقعتين، بحسب فاطمة سراج، محامية أيمن، وعبدالله حلمي، صديقه، إلى جانب صديق آخر اشترط عدم ذكر اسمه، حدثتا خلال الأسبوع الأخير قبل القبض عليه، وهي الأيام التي شهدت تغيرًا كبيرًا في حالة أيمن النفسية وفي تصرفاته. الواقعة الأولى كانت محاولته فتح إحدى السيارات بالقرب من موقف العاشر بالقرب من مدينة السلام. أمسك به مجموعة من الأهالي واتصلوا بأحد أشقائه، الذي حضر لتسلمه منهم.

الواقعة الثانية، حدثت في فندق «فور سيزونز» بحي جاردن سيتي، حيث حاول أيمن خلالها اقتحام إحدى الغرف، وانتهت كذلك بتسليم أيمن إلى ذويه. وفي كلتا الواقعتين، كان يبحث عن سيدة.

الواقعة الثالثة، كانت هي الواقعة التي أُلقي القبض عليه فيها من إحدى العقارات بالزمالك. قبلها، تناول أيمن العشاء مع شقيقه عمر يوم 6 فبراير. غادره عمر بعدها وتوجه إلى منزله. بعد وصوله، حاول الاتصال به عدة مرات لكنه لم يقم بالرد، واختفى من وقتها.

اتفقت المصادر، وكذلك النيابة، على هذه التفاصيل. لكن السرديات تختلف من بعدها.

بحسب عائلة أيمن وأصدقائه، حاول أشقاؤه البحث عنه بكل الطرق خلال الأيام التالية. توجهوا إلى الأمن العام، وهي الجهة التي يتم عندها تسجيل كل محاضر القبض من جميع أنحاء الجمهورية، لكنهم لم يتوصلوا إلى أي بيانات عن مصيره.

بعد أيام، بحسب المصادر، حضر أمين شرطة من الأمن الوطني إلى منزل عائلته وطلب من أحد أشقائه الحضور إلى مكتب للأمن الوطني بالأميرية لاستلامه. توجه شقيقه عمر إلى هناك، حيث تحدث معه أحد الضباط، ثم طلب منه الانصراف، مؤكدًا أن أيمن سيمكث بحوزتهم يومين إضافيين وسيطلقون سراحه.

ومع تأخر إطلاق سراحه، حاولت عائلة أيمن استخدام وساطات مختلفة لتسريع إخلاء سبيله. أحد هذه الوساطات كان محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان وأحد أبرز الشخصيات العامة التي اعتادت في الأعوام الأخيرة القيام بدور الوساطة مع جهاز الأمن الوطني للاستفسار عن مصائر بعض المختفين أو إخلاء سبيل بعض المحتجزين.

إلى جانب هذه الأسباب، كان اللجوء إلى السادات منطقيًا كذلك، بحكم العلاقة القوية التي ربطت أيمن به. أيمن كان عضوًا بالهيئة العليا للحزب ومستشارًا اقتصاديًا للسادات قبل أعوام. وبحسب أحد المصادر، توصل السادات إلى أن أيمن نُقل إلى مستشفى العباسية. وترجح المصادر أن نقله حدث خلال أسبوع من القبض عليه. (حاول «مدى مصر» التواصل مع السادات لسؤاله لكنه تجاهل جميع المكالمات والرسائل.)

استمرت محاولات الأهل والأصدقاء التوصل إلى وساطات مختلفة في مستشفى العباسية لزيارة أيمن أو الاطمئنان عليه، لكن كل المحاولات باءت بالفشل. في إحدى المرات، أخبرهم مدير المستشفى، حاتم ناجي، أن الزيارة تتطلب تصريحًا من النيابة، لأن أيمن مقيد على ذمة قضية جنائية. وفي مرة أخرى، بعدها بأسابيع، نفى مدير المستشفى ذاته وجود أيمن. «مش عندي لا حي ولا ميت»، بحسب تعبير أحد المصادر نقلًا عنه.

استمر التخبط طوال أسابيع لاحقة حتى توصل عبدالله حلمي، صديق أيمن، إلى واسطة في المستشفى في 4 أبريل الجاري، أخبرته أنه إذا كان يسأل عن «أيمن محمد علي هدهد»، فإنه لقي حتفه في المستشفى قبل شهر، أي في أوائل مارس.

حتى هذه اللحظة، لم يقم أي من هذه الأطراف بالإعلان عن اختفاء أيمن أو وفاته. من جانبه، قرر حلمي، بعد استشارة عدد من الأصدقاء، أن ينشر صيغة محايدة يعلن فيها اختفاء أيمن منذ أوائل فبراير ويطلب فيها الكشف عن مكانه دون تفاصيل إضافية.

بعدها، ومع انتشار الخبر، توجه عمر شقيق أيمن بصحبة عدد من أصدقاء أيمن إلى مشرحة زينهم صباح السبت، 9 أبريل الجاري، للبحث عن جثمان شقيقه، لكنه لم يعثر عليه هناك.

مساء السبت نفسه، اتصل ضابط من قسم شرطة مدينة نصر ثان، وهو القسم الذي تتبعه مستشفى العباسية، بعمر وأخبره بوفاة شقيقه في المستشفى. وبالفعل، توجه عمر إلى المستشفى صباح الأحد وسأل عن شقيقه، ليخبره أحد موظفي قسم شؤون المرضى أن شقيقه توفي بطريقة طبيعية أثناء نومه.

حصل عادل وأبو بكر، شقيقي أيمن، على خطاب من المستشفى توجهوا به إلى نيابة مدينة نصر لاستخراج تصريح الدفن. بعد حصولهم عليه، اكتشفوا أن تصريح الدفن يحدد مكان دفنه في مقابر الصدقة. وبناءً عليه، عادا إلى النيابة للسؤال عن السبب وتعديل المكان. هناك، بحسب المصادر، قابلهما رئيس النيابة وأخبرهما أن السبب يرجع إلى عدم توافر بيانات عن أهلية أيمن، حسبما ورد إليه من المستشفى. وبعدما استمع رئيس النيابة إلى رواية شقيق أيمن، قرر تأجيل تصريح الدفن وتشريح الجثمان.

تجاهلت النيابة كل هذه التفاصيل. لم يتطرق البيان إلى فترة احتجاز أيمن من قِبل الأمن الوطني، واكتفى بالتأكيد أن النيابة هي الجهة التي قررت إيداع أيمن في المستشفى منذ وقت القبض عليه.

كما بدا من صياغة البيان أنها أبلغت أشقاء أيمن بوفاة شقيقهم عند حدوث الوفاة. لكن حسبما أوضحت شهادة الوفاة وتصريح الدفن اللذان نشر موقع المنصة صورًا لهما، أمس، فإن تصريح الدفن صدر بتاريخ، أمس، وأن تاريخ الوفاة كان في 5 مارس الماضي. ولم يرد في بيان النيابة أي شيء لتفسير ما حدث طوال هذه الفترة على الرغم من تحديد المادة 35 من قانون رعاية المريض النفسي فترة 24 ساعة من تاريخ الوفاة لإبلاغ الأهل. ولم توضح كذلك سبب اعتبار أيمن مجهول الهوية وإصدار تصريح دفن له في مقابر الصدقة، رغم معرفة المستشفى بهويته، والتي تأكدت من موظف شؤون المرضى.

تطرق بيان النيابة كذلك إلى احتمالات مختلفة للوفاة. أبلغت المستشفى النيابة أن سبب الوفاة هبوط في الدورة الدموية وتوقف عضلة القلب. تحدث البيان كذلك عن أعراض فصام وضلالات قد تؤدي إلى الموت، بحسب الخبراء في لجنة التقييم الثلاثية الذين استدعتهم النيابة لسؤالهم. كما تحدث البيان عن ارتفاع في درجة الحرارة تسبب في اشتباههم في إصابته بكورونا، والتي قد تؤدي إلى وفاته.

أحد المصادر الطبية في مستشفى العباسية تحدث إلى «مدى مصر»، مشترطًا عدم الكشف عن هويته، أشار إلى أن أيمن أصيب بالفعل بارتفاع في درجة حرارته، وأنهم اشتبهوا في إصابته بكورونا. لكن مصادر طبية أخرى متنوعة استبعدت هذا السيناريو بسبب سرعة حدوثه.

بحسب مختصين نفسيين، وبعضهم يعمل في مستشفيات تابعة للأمانة العامة للصحة النفسية، فإن هناك عدة سيناريوهات قد تؤدي إلى وفاة مريض في هذه الحالة. بعض هذه السيناريوهات ترتبط بحصوله على أنواع مختلفة من الدواء قد تتسبب في وفاته. لكن أحد السيناريوهات يشير إلى إمكانية أن تتسبب حالة الذهان نفسها في وفاته دون تدخل دوائي. يرجح المختصون أن هذا السيناريو هو الأقرب للصحة لأن سياسة قسم الطب الشرعي في مستشفى العباسية تمنع حصول المريض على أي دواء لمدة 45 يومًا، وهي الفترة التي تحددها لائحة علاج المريض النفسي لمراقبة المريض، كي لا يؤثر الدواء في الفحص الذي ستقوم به لجنة الفحص.

أشار بعض المختصين كذلك إلى أن قسم الطب الشرعي في مستشفى العباسية يمثل حالة خاصة تختلف عن باقي المستشفى. يخضع هذا القسم لإشراف ثلاثي من النيابة العامة ووزارة الداخلية والأمانة العامة للصحة النفسية. لكن، عمليًا، يمثل القسم سجنًا أو مكانًا للاحتجاز تحت إشراف وزارة الداخلية مثل باقي أماكن الاحتجاز.

عدم إبلاغ المستشفى أهل هدهود بوفاته، بالمخالفة للقانون، ﻻ يمكن تفسيره بعدم معرفة مسؤولي المستشفى بهوية المتوفى، لأن هدهود وصل إلى المستشفى -بحسب بيان النيابة- محولًا من النيابة على ذمة قضية جنائية، وبالتالي فجميع بياناته مسجلة، ليصبح السؤال الأهم هو لماذا لم تبلغ المستشفى أهل هدود؟ ولماذا أخبرت النيابة أهله بتصريحها بدفنه في مقابر الصدقة؟

التفسير الأرجح هو أن نقل أيمن إلى مستشفى العباسية للحصول على تقييم نفسي لحالته تم بعيدًا عن المسارات القانونية المعتادة، وهو ما يتطلب جهات أمنية واسعة السلطة، الأمر الذي يتوافق مع رواية عائلة وأصدقاء أيمن عما حدث في الأيام التالية لاختفائه. لهذا، تسببت وفاة أيمن المفاجئة على الأرجح في ارتباك داخل المستشفى تسبب في تأخير إبلاغ أهله طوال أسابيع رغم إلحاحهم ووساطاتهم.

عن الكتّاب

أخبار ذات صلة

#النشرة

الحرية لـ(…

حملة «الحرية لأحمد دومة» تدعوا إلى إرسال رسائل للنائب العام عبر البريد للمطالبة بالإفراج عنه

10 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن