#جو عام
صباح ويك إند جديد يبدأ، نتمنى أن يكون جميلًا، وفي أسوأ الأحوال أن تكون العواقب سليمة.
مثل كل أسبوع بحثنا عن طُرق للتخلص من أعباء تتراكم يومًا وراء يوم، والتخلص من الأعباء تصير مهمة صعبة ديتوكسًا وراء الآخر، خاصة أننا نقترب من ذكرى نوفمبر، ولأن لا أحد ضامن يمشي آمن، أو مآمن يمشي فين، نأمل أن يكون دليلنا هذا الأسبوع مساعدًا على مصالحة الروح والشفاء من الأعباء والهم.
#مشاهدة
أحمد ناجي: جولة في الطبيعة من الكنبة
حين أكون قلقًا، أو وخمًا أو لا يعجبنى شيئًا مثل محمود درويش، أشغل فيلمًا وثائقيًا عن حياة الأسود في وسط إفريقيا، أو الخيول البرية في مانغوليا، وأتركه في الخلفية لقفايا بينما أعالج قلقي بالكتابة أو القراءة أو اللعب على الموبايل.
لا تتابع شيئًا في تلك الأفلام، فغالبًا تختار جهة إنتاج الفيلم موقعًا جغرافيًا وترسل المصورين إلى هناك ليعيشوا شهورًا، ثم تكون النتيجة شريط بصري لحيوانات مختلفة الفصائل والخصائص تجمعها الحياة في حيز مشترك، مع صوت عميق للمعلق الذي يحاول أن يضيف الدراما الإنسانية على الحياة البرية اليومية.
شاهدتُ الكثير من تلك الأفلام بحكم عملي لسنوات في مجال الأفلام الوثائقية، ورغم تشابه معظمها ونمطيتها، لكن مجرد وجودها في الخلفية يبثّ في المكان حالة من السكينة والخمول اللذيذ.
لكن فيلم «معلمى الاخطبوط/ my octopus teacher»، والمُتاح حاليًا على منصة نتفلِكس يمنحنا الفرصة للخروج من النمط المُعلب لأفلام الطبيعة الوثائقية، ويدخلنا -خلافًا للعادة- إلى عالم مصوري أفلام الطبيعة. فبطل الفيلم هو كيرج فوستر، مصور أبيض من جنوب إفريقيا، قضى حياته مصورًا للحياة البرية في جنوب ووسط إفريقيا. شكّل مع أخيه ثنائي مهم في عالم الأفلام الوثائقية الطبيعية. لكن بعد عشرين عامًا من العمل وسط الطبيعة وتصوير السماء، والأرض وما عليها، يُصاب بالاكتئاب المُصاحب للعمل. وهو درس مهم، فمهما كانت وظيفتك أو مهنتك، فإن بؤسك ليس سببه ما تفعله، بل لاضطرارك للعمل.
يعود كيرج لموطنه، حيث يعيش في بيت ساحلي في خليج فالس false بجنوب إفريقيا، وهي منطقة غنية بالحياة البحرية نظرًا لكونها ملتقىً للتيارات البحرية.
يبدأ كيرج في السباحة والغوص الحر -دون أنبوب أكسجين- في المياه، حتى يلتقي ذات مرة بأخطبوط صغيرة.
أجمل ما في هذا الفيلم، أنه لا يركز على مشاهد إلتهام الحيوانات لبعضها البعض، ولا يسرد اضمحلال وموت الطبيعة علي يد الإنسان، بل هو قصة صداقة تنشأ بين مصور الطبيعة، وتلك الأخطبوطة.
الأخطبوطة حيوان خجول، لذا يختبئ ولا يخرج من مكمنه وأن أصبح يشعر بكريج وزياراته المنتظمة، وبتكرار الزيارات، تمدّ الأخطبوطة ذراعها، ويحدث أول تلامس بينهما، ورويدًا رويدًا يتطور الأمر لصداقة، فيها فرحة اللقاء، وحميمية الحوار، والعناق بين أصابع وأيدي كريج وأذرع الأخطبوطة.
من المهم الإشارة للعلاقة المضطربة بين كريج وابنه المراهق. الصمت ينتصب كحاجز بين الاثنين، لكن الابن يذهب إلى البحر مع أبيه، وتحت الماء يلتقي هو أيضًا بالأخطبوطة، ليصبح لدينا مثلث صراع درامي كما علمنا شعبان عبدالرحيم في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي».
هناك شحنة عاطفية كبيرة في الفيلم، وسحابة غامضة من الشِعر، أو ربما هو لون المياه في ذلك الخليج، لكنى دمعت مرتين دون إفراط في البكاء أثناء المشاهدة، لذا أحذر أصحاب القلوب الضعيفة فالمحتوى كما يقولون بالانجليزية قد يكون تريجيرًا ولا مؤاخذة.
***
لكن إذا لم تكن من مُحبي المزيج الرومانسي الإنساني نرشح فيلمًا آخرًا بعنوان طويل وهو David Attenborough: A Life on Our Planet: My Witness Statement and a Vision for the Future، وبطله هو السير ديفيد اتينبورو، الإعلامى البريطانى الشهير والذي نعرفه صوته من سلسلة أفلام «life» و«our plant» التي وثقت على مدار نصف القرن الحياة الطبيعية على كوكب الأرض؛ من البحار والمحيطات، إلى الغابات والصحاري، والمستنقعات، والمحيط القطبي المتجمد.
في الفيلم المُتاح على نتفلِكس أيضًا، يقدّم السير شهادته الحزينة عن اضمحلال التنوع الطبيعي وانقراض النباتات والحيوانات كنتيجة للزيادة السكانية واستنزاف الموارد البشرية. العنصر الدرامي في الفيلم يتجسد في رصد السير لهذا التحوّل والذي كان شاهدًا عليه بنفسه، فيتحدث عارضًا أماكن زارها في الأربعينيات، ونرى عبر أرشيف برامجه كيف تتقلص مساحات الغابات، وتنقرض الحيوانات، في المقابل يتضاعف عدد البشر، واستهلاكهم لموارد الكوكب.
بالتوازى مع تقديمه سردية مثيرة للاهتمام عن نمو أحزاب الخضر والنشاط البيئي كنشاط سياسي، وكيف ولماذا حدث هذا في الستينيات وتصاعد حتى أصبحت الأجندة البيئية جزءًا أساسيًا من برنامج أي حزب سياسي.
كما يطرح السير برنامجًا سياسيًا لإنقاذ الكوكب، ومثل معظم نشطاء البيئة الغربيين يقسّم مهام الإنقاذ ليصبح تدوير البلاستيك، وقيادة السيارات الكهربائية من نصيب المواطن الغربي، والتضحية بخطط التنمية من أجل الحفاظ على التنوع البيولوجي والاعتماد على الطاقة الشمسية والحياة في بيوت من الطين من نصيب المواطن الجنوبي.
الجديد في الفيلم هو مواجهة الجمهور بالحقائق، فلا النشاط الصناعي أو استخدام الوقود الأحفوري سيدمر الكوكب، بل الزيادة السكانية. حتى لو توقفنا عن استخدام الوقود والبلاستيك، وانقذنا كل السلاحف البحرية، فالحياة على سطح الكوكب لا يمكن أن تستمر مع زيادة البشر، والحل الذي يطرحه تثبيت النمو السكاني.
لكن بينما تطرح الأنظمة الاستبدادية كالصين هذا الحل وتنفذه بالجبر والعنف، يرى السير أن رفع مستويات التعليم والرعاية الصحية هما السبيل العقلاني والإنساني لتثبيت النمو السكاني على ظهر الكوكب، ويضرب مثالًا على ذلك باليابان؛ فخلال الثلاثة عقود الأخيرة مع ارتفاع مستويات التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية استقر معدل السكان في اليابان، والأمر نفسه يتكرر في الدول التي حققت معدلات نمو متقدمة.
يصنف السير نفسه بأنه يساري، تبلغ ثروته حاليًا حوالي 35 مليون دولار، قضى حياة طاف فيها كل مكان لك أن تتخيله أو لا تتخيله، وعلى الأرجح لو تتبعنا بصمته الكربونية سنجدها أكثر من الانبعاثات الكربونية التي تطلقها مدينة صناعية في وسط إفريقيا.
لذا لا أملك إلا الحقد عليه وعلى امتيازاته كواحد من أبناء الإمبراطورية البريطانية العظيمة، التي راكمت ثروات كبيرة مكنتها مُبكرًا من الاستثمار وإنشاء مشروع ضخم مثل BBC، والذي بدوره موّل كل أحلام وأفلام السير.
خلال عملي سابقًا في صناعة الأفلام الوثائقية حاولت أكثر من مرة التقدم بمشاريع لتصوير أفلام عن الحيوانات أو الحياة البرية. أحيانًا مجرد اقتراح عن أفلام قصيرة عن «الحمير المصرية». لكن تلك المقترحات كانت تُرفض، ويصاحب هذا الرفض سخرية أحيانا من قِبل القنوات التي تطلب في المقابل فيلمًا عن الثأر أو الحجاب أو الإرهاب، حتى تخليت عن أحلامي بالعمل في هذا المجال والاكتفاء بالحقد على أمثال السير البريطاني أثناء مشاهدة أفلامهم.
أفكر الآن أن النمطية التي تحكم أفلام الحياة البرية، ربما يكون سببها هذا الاحتكار من جانب الرجل الغربي الأبيض لتلك الصناعة ولهذا النمط التسجيلي، فهم ينسخون بعضهم البعض دون أي إحساس بتأنيب الضمير أو الملل. لدينا الآن حوالي 100 عام من الأفلام التسجيلية تدور فكرتها الأساسية عن الرجل الأبيض المغامر، في بدلة سفاري وقبعة، يحضر بنفسه أمام الكاميرا بوجهه الأحمر من الشمس، أو نسمع صوته من خلفها وهو يقتحم الطبيعة ويتلصص على الحيوانات غارقًا في خيالاته عن الخطر والمغامرة والصيد والانتظار.
أحيانًا، نلمح في تلك الأفلام سكان المنطقة الذين يعيشون في الطبيعة، مثلًا في فيلم اتينبورو، يلتقي في خمسينيات القرن الماضي بقبيلة في وسط إفريقيا تعيش وسط غابة معتمدة كليًا على الجمع والالتقاط، ويقدم لنا تلك القبيلة كنموذج للحياة بتناغم مع الطبيعة.
تظهرهم الكاميرا في الخلفية أو من قفاهم، جالسين ككومبارس صامت، في انتظار يوم يمسكون فيه الكاميرا ويستعيدون حق الوصاية على بيئتهم.
#سماع
أحمد وائل: كوكب الهولوجرام؟
ومن مشاهدة الجولات البرية، ننتقل إلى تشنيف الأسماع مع أم كلثوم التي قررت جهة ما إحياء حفل لها خلال يومي الويك إند بتقنية الهولوجرام، وهو ليس الإحياء الأول، بل سبق أن أُزعجت الست في راحتها الأبدية غير مرة خارج البلاد وداخلها أيضًا؛ في «العُلا» السعودية، ثم حُضرت روح أداؤها في الإمارات، وفي مسرح الأوبرا الكبير استدعت وزارة الثقافة المصرية روحها أيضًا، مارس الماضي، ثم أتُيحت نسخة منه على يوتيوب ضمن مبادرة «خليك بالبيت» التي نظمتها «الثقافة» خلال الإغلاق الجزئي مع تفشي الموجة الأولى من «كورونا».
كمستمع لأم كلثوم، لا تجذبني فكرة إحيائها هولوجرامًا، رغم أن خاطرًا يشغلني أني لم أحظ بمتعة حضور حفلاتها، هل يسمح الزمان بتلك الجولة؟ ثم يتبدد خاطري، لأن زمنها ولى، وكما تعلمنا من مارسيل بروست لا يمكن استعادة الزمن المفقود بسهولة، خاصة إن كانت طُرق الاستعادة تحدث كما في سلسلة أفلام «حرب النجوم»، هل يمكن أن تحضر أم كلثوم مثل الأميرة ليا وهي تستدعي «أوبي وان كانوبي» ليجلب الطاقة لإنقاذ الكواكب، لا أظن. هذه التقنيات لا تناسب المرتحلين إلى روقان الماضى مع أغاني الست التي تمنحني فرصة للسرحان والتحليق بعيدًا عن الحياة اليومية، أتخيّل نفسي أطوف داخل زمنها، أتجول داخل صالة مسرح سينما قصر النيل أو حديقة الأزبكية أو معرض بدمشق مع قوادم السميعة.
https://youtu.be/e2lvzvIja-c
«رق الحبيب»، أحمد رامي، محمد القصبجي. [هذا التسجيل يحتوى على المقطع الغائب عن أغلب التسجيلات وهو البادئ بـ«لمّا خطر ده على فكري»]
قرأت تصريحًا لوزيرة الثقافة عن هولوجرامية أم كلثوم بأنها تهدف إلى «جذب النشء والأجيال الجديدة بهدف مواجهة الابتذال وتوجيه الأنظار إلى التراث الراقى للفنون في طريق إعادة تشكيل وعي المجتمع». وبعيدًا عن غرابة كل من المسعى والهدف، لكن ما الذي سوف تقدمه التجربة؟
هذه المرة بُذل جهد أكبر لإكمال الإيهام بأجواء كوكب الشرق عبر تخصيص فقرة لسناء نبيل، التي تتصل بقرابة مع أم كلثوم؛ أخت جدة أمها، لكن لا حاجة لي بأحد قريبات أم كلثوم، بل أريد سماعها هي حتى أسرح في الزمن الذي ولى، لكن إذا جُسدت كضوء أمامي فهذا سوف يعطل الخيال.
«غلبت أصالح في روحي»، أحمد رامي، رياض السنباطي.
عند أي مقاربة تمس حضور أم كلثوم، فإن هذه المقاربة الجديدة تنازع تصور يخص كل واحد منّا، لكل منّا أم كلثومه، وتلك الأم كلثوم ليست هولوجرامًا، بل ذكرى شخصية مصنوعة مما انتقى من إرثها الضخم، وما عرف من حكايات عنها. الهولوجرام وهو إسقاط فوتوغرافي عبر تقنيات الضوء، وأنا لا أريد أن أبدد طُرقي في استعادة أم كلثوم مقابل هذا الحضور الهولوجرامي. ربما يكون ما أريده هو ترميم نسخ الحفلات القديمة، والعمل على تنقية التسجيلات الصوتية القديمة ورقمنتها. وكذلك البحث بجدية عن تسجيلات فُقدت، بخلاف قصبيات أم كلثوم، نُسبة إلى ما لحنه محمد القصبجي، فإن بدايات أم كلثوم حين كان صوتها قويًا وتجيد أداء ألحان صعبة، توقفت عن تقديمها في حفلاتها مع التقدم بالعمر. وحبذا أن يتمّ سبر أغوار حياتها بشكل جاد بدلًا مما حدث في الدراما.
«يا اللي شغلت البال»، رامي والقصبجي.
بسماع حفلات أم كلثوم وحده يجدّد المستمع حضورها، وليس بالهولوجرام. وأظن أنه لا يصح أن يضحك الإنسان على نفسه، أو يقبَل أن يفعل أحد به ذلك، لذا لا أنصح بالذهاب لأم كلثوم الهولوجرامية.
«أهل الهوى»، بيرم التونسي، زكريا أحمد [حفل دمشق 1958]
#سلام
بالتزامن مع مشاهدة الموسم الرابع من the crown يُكتب على الشاشة تنبيه بأن بعض حلقات المسلسل تحتوى على مشاهد عن اضطراب الأكل، ما قد يؤثر أو يؤذي المشاهدات والمشاهدين. تكرر التحذير في مسلسلات أخرى من إنتاج نتفلِكس التي أطلقت موقعًا يتصل بما قد تثيره أعمالها من تبعات إثر المشاهدة، هُنا تجدون الموقع.
وكل يخلي باله على نفسه ومنها أيضًا، وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن