تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
يوميات فينيسيا (2-2)

يوميات فينيسيا (2-2)

فلسطين في فينيسيا.. انعكاس للواقع؟

كتابة: محمد صبحي 24 دقيقة قراءة

يواصل الكاتب تسجيل يومياته في الدورة الـ82 من المهرجان، عبر تداعٍ وعصف ذهني مختمر بالمشاهدات السينمائية المكثفة وتقاطعها مع العالم خارج الصالات، من حرب الإبادة على فلسطين والحرب الروسية الأوكرانية، مع تركيز خاص على فيلم كوثر بن هنية، الذي اتضح من البداية أن استقباله سيكون النقطة المحورية للنسخة بأكملها. اقرأوا الجزء الأول هنا.

مساء السبت 30 أغسطس، تظاهر الآلاف في ليدو ضد الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة. وكان هذا أكبر احتجاج مساند لفلسطين في مهرجانٍ سينمائي حتى تاريخه.

بدأت المسيرة حوالي الساعة الخامسة مساءً في محطة ليدو سانتا ماريا إليزابيتا للمواصلات العامة، ومرّت بفندق أوسونيا هنجاريا الفاخر (أحد مواقع المقابلات ومقرّ إقامة العديد من الشخصيات السينمائية البارزة)، وانتهت أمام حاجز الشرطة خارج مقرّ المهرجان مباشرةً، على بُعد حوالي 500 متر من السجّادة الحمراء في قاعة «سالا جراندي»، حيث كان مقررًا العرض الأول لفيلم «فرانكشتاين» لجييرمو ديل تورو ذلك المساء.

لم تكن المظاهرة مفاجئة، فقد أُعلن عنها في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع عبر لافتة أمام قصر السينما. وتوقّع المدير الفني ألبرتو باربيرا، احتجاجات. وصرّح لصحيفة الجارديان بأن هذه الاحتجاجات غير ضرورية، لأن «الأفلام نفسها تتناول بالفعل مشاكل العالم المعاصر». وأضاف باربيرا: «نعيش في زمن بالغ الخطورة. ويستجيب صانعو الأفلام لهذا الأمر بالعودة إلى سينما الواقع. لا يقدّمون دائمًا إجابات، لكنهم دائمًا يطرحون أسئلة».

يشير باربيرا إلى مجموعة أفلام مثل «صوت هند رجب» لكوثر بن هنية، والذي يدور حول الطفلة الفلسطينية هند رجب ابنة الخمس سنوات، المقتولة غدراً في يناير 2024 بعد قصفٍ إسرائيلي لسيّارة عائلتها. وهناك أيضًا فيلم «ساحر الكرملين» لأوليفييه أساياس، حول صعود فلاديمير بوتين؛ وفيلم «منزل الديناميت» لكاثرين بيجلو،  حول التهديد النووي؛ والفيلم الوثائقي Cover-Up للمخرجين لورا بويتراس ومارك أوبنهاوس، حول الصحفي الاستقصائي سيمور هيرش، الذي كشف عن جرائم الحرب في فيتنام، والتعذيب في أبو غريب، وفضيحة ووترجيت، من بين أشياء أخرى، ويعمل حاليًا على الإبادة الجماعية في غزة.

ولكن هل هناك حقًا عودة إلى الواقع في اختيارات الأفلام؟ يتوازن عدد الأفلام المتفاعلة اجتماعيًا مع عدد متساوٍ من الأفلام الخفيفة؛ على سبيل المثال، فيلم The Last Viking للدنماركي أندرس توماس جينسن، وهو فيلم كوميدي أكشن حظي بأعلى تصفيق في عروض الصحافة حتى الآن. تتخذ بعض هذه الأفلام الخفيفة من الاضطرابات الاجتماعية أو السياسية أو البيئية أو الاقتصادية نقطة انطلاق لها، ولكنها في النهاية تثبت كونها محض تسلية هروبية من الواقع. خذ مثلاً فيلم «بوجونيا» Bugonia لليوناني يورجوس لانثيموس، الذي يربط انقراض النحل بالاستغلال الرأسمالي للعمّال، ولكنه في النهاية يثبت أنه عمل تافه إلى حدّ كبير. أو فيلم «لا خيار آخر» No Other Choice للكوري الجنوبي بارك تشان ووك، وهو هجاء حول الأتمتة التي تحلّ محلّ العمّال؛ مع تلميحات ماركسية، ولكنه قبل كلّ شيء تسلية جيّدة أيضًا.

من فيلم «لا خيار آخر»

على عكس ما سلف ذكره، أعتقدُ أن فيلم «بعد الصيد»، المُفرط في اعتنائه ببنائه، يهدف في المقام الأول إلى أن يكون بمثابة انعكاس للنقاش الدائر حول حركة «أنا أيضًا» MeToo، وليس للعنف الجنسي في الحرم الجامعي. لا أحد يخرج من مثل هذه الأفلام راديكاليًا. والأهمّ، أن فكرة أن السينما الملتزمة ستُفسد هذه الاحتجاجات تبدو ساذجة، فهذه وسيلةٌ من المهرجان لتجنّب اتخاذ موقف واضح تجاه الإبادة الجارية.

كانت هذه تحديدًا النقطة التي عبّر عنها المتظاهرون عندما دعوا المهرجان إلى إظهار هويّته الحقيقية. وكان هذا أيضًا جوهر دعوة صانعي الأفلام الذين احتشدوا تحت شعار «فينيسيا من أجل فلسطين» في رسالتهم المفتوحة، مطالبين إدارته بـ«موقف أكثر شجاعة ووضوحًا في إدانة الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة».

بالإضافة إلى فيلم بن هنية عن إحدى ضحايا الإبادة الجماعية المستمرة إلى الآن، اختار المهرجان فيلمًا وثائقيًا عن غزة بعنوان «مَن لا يزال حيًا؟»، وفيلمًا قصيرًا بعنوان «مهدد بالإنقراض»، للفلسطيني سعيد زاغا. وقال أحد المتحدثين خلال مسيرة الاحتجاج إن اعتماد المهرجان على هذه الأفلام «مجرد زيف للمثالية». وأضاف: «نحن نطلب من شخصيات بارزة في عالم السينما أن تتحدث بصراحة». ووفقًا لباربيرا، هذا ليس ضروريًا: «البندقية ليست مكانًا مغلقًا؛ إنها منصّة للنقاش المفتوح»، كما صرّح في المقابلة المذكورة آنفًا. إذن، تدور هذه المواجهة بشكل أساسي في المناقشات حول الأفلام، ولكن هل تغادر المهرجان أيضًا؟

كما يجادل نواه باومباك في فيلمه الكوميدي المأساوي «جاي كيلي»: السينما ليست حياة حقيقية. باومباك، الاسم البارز في «حركة الإخلاص الجديدة» New sincerity، يميّز نفسه عن أفلام التسعينيات المفرطة في السخرية بقناعته بأن أفلام ما بعد الحداثة تنجح في ملامسة المشاعر الحقيقية. في السنوات الأخيرة، اكتسبت أفلامه طابعًا واقعيًا مفرطًا. «جاي كيلي» فيلمٌ أنيقٌ وتأمّلي مليءٌ بالكليشيهات السينمائية، يتناول تحديدًا فكرة سيطرة السينما على الحياة الواقعية، عبر تتبّعه حياة نجم سينمائي (يؤدي دوره جورج كلوني) وتناوله موضوعًا ليس أقل من البحث عن المعنى. لكن الفيلم يتناول في الوقت نفسه صناعة السينما والحياة في هذا العصر، الذي يصعب التعبير عن واقعه بالصور أو الكلمات.

مساء السبت، رفعتْ المطاعم والحانات المجاورة صوتها لتطغى على أصوات الاحتجاجات، ما سمح لروّاد المهرجان بالاستمتاع بمكرونتهم أو مشروباتهم الخفيفة دون إزعاج. لم يخترق الصوت جدران دور السينما، لكنه تجاوز القاعات. لساعات، سُمعت هتافات «فلسطين حرّة، حرّة».

روسيا.. لا موقف

لأول مرة منذ الغزو الواسع لأوكرانيا، يرفرف العلم الروسي إلى جانب أعلام دول أخرى على السجّادة الحمراء في «فينيسيا». وبطبيعة الحال، أثار رفع العلم الروسي ضجةً بين الصحفيين الأوكرانيين الحاضرين، الذين يرون فيه رمزًا لتخلّي مجتمع السينما الدولي عن مقاطعته لروسيا. إلا أن هناك أيضًا منظور مختلف.

من فيلم «مذكّرات المخرج»

تشير الناقدة السينمائية الأوكرانية سونيا فسيليوبسكا، مُحقةً، إلى أن التركيز المُفرط على هذه الرمزية قصير النظر، لأن «التواجد الروسي كان دائمًا حاضرًا [في المهرجان]، وسيظلّ دائمًا». ولذلك، تصف الفكرة المُبسّطة القائلة بأن إزالة العلم ستُحقّق أي شيء بأنها «مُضللة». في العام الماضي، أثار العرض العالمي الأول للفيلم الوثائقي المثير للجدل «روس في حالة حرب» في المهرجان جدلًا حادًا حول معنى أن يوفّر المهرجان منصّةً لمواد حسّاسة سياسيًا. بالطبع، يمكن القول إن الوثائقي الروسي عن الحرب له على الأقل قيمة صحفية. في الوقت نفسه، هناك العديد من النقّاد - وأنا أحدهم - يعتقدون أن مهرجان فينيسيا، بعرضه فيلم «روس في حالة حرب»، وفّر منصةً للدعاية الروسية ولم يُقدّم الكثير لوضع فيلم أناستازيا تروفيموفا في سياقه.

المفارقة، أن المهرجان لا يبدو مُباليًا بهذه الانتقادات، إذ تُمثّل روسيا تمثيلًا أقوى في قائمة الأفلام المختارة هذا العام. يُعرض فيلمان روسيان، هما «مذكّرات المخرج» لألكسندر سوكوروف و«صيف قصير» لناستيا كوركيا، خارج المسابقة، وإن كانا لا يزالان ضمن البرنامج الرئيسي. إضافةً إلى ذلك، يُنافس فيلم «ساحر الكرملين»، جديد الفرنسي أوليفييه أساياس، الذي يتناول التطورات في الكرملين على مدى العقود الثلاثة الماضية وصعود فلاديمير بوتين، على جائزة الأسد الذهبي.

فرص فوز فيلم أساياس الروائي التاسع عشر بالجائزة ضئيلة، لا سيما في ظلّ منافسة حامية حتى الآن. تكمن القيمة المضافة لـ«ساحر الكرملين» في الطريقة التي يصوّر بها أساياس الكرملين منذ سقوط الاتحاد السوفيتي كعشّ دبابير مكيافيلّي، مستنقع فاسد تتجلّى فيه السلطة المطلقة، ليس في الحسابات المصرفية بل في الهيمنة السياسية. وقد أملَ البعض في تحليل دقيق لنظام بوتين الفاشي، بينما استعد آخرون لإضفاء طابع رومانسي على الواقعية السياسية الروسية الغامضة. ولعل أكبر مشكلة في فيلم «ساحر الكرملين» فشل أساياس في تحقيق أيٍّ من الهدفين.

لا يبدو أن المخرج يتخذ أي موقف في اقتباسه المباشر نسبيًا لرواية جوليانو دا إمبولي التي تحمل الاسم نفسه من العام 2022. يتخيّل الفيلم شخصية اليد اليمنى لبوتين، فاديم بارانوف (يجسّده بول دانو)، ومن خلالها نشهد الاستراتيجيات السياسية المتغيّرة باستمرار داخل الاتحاد الروسي منذ التسعينيات. وصفت مجلة فارايتي «ساحر الكرملين» بأنه فيلم مصنوع للتلفزيون، والذي يغطّيه إلى حدّ كبير، حيث لا يحاول أساياس استجواب المادة المشحونة سياسيًا من الناحية الأسلوبية. 

في الآونة الأخيرة، افتتنتُ بشكل متزايد بكيفية تحدّي الأفلام لسردياتها الخاصة داخل شكلها - فكّر في كيفية تحدّي جون فورد، بصريًا على الأقل، في فيلم «الباحثون» (1956)، لأسطورة الغرب والتفوّق المفترض للرجل الأبيض على الشعوب الأصلية في الأمريكتين. يجد أفضل المخرجين، باستخدام لغتهم السينمائية، زوايا جديدة باستمرار لإضفاء طابع شخصي على القصص. بأفلام مثل فيلم الإثارة التقنية «عاشق الشيطان» Demonlover (2002)، والمسلسل الجيوسياسي القصير «كارلوس» (2010)، وقصّة الأشباح ما بعد الحداثية «متسوّقة شخصية» Personal Shopper ( (2016)، أثبت أساياس براعته في هذا المجال. للأسف، يبدو فيلم «ساحر الكرملين» أشبه بفيلم «شبكة الدبابير» Wasp Network (2019)، أي، بعبارة أخرى، كوكتيل عشوائي لأعماله المتنوعة حيث تنتهي أفلامه الأقل عمقًا والأكثر عفوية على نحو مفاجئ.

تكمن مشكلة الفيلم في افتقاره التامّ للذاتية. وهذا أمر مثير للسخرية، لأن حبكة «ساحر الكرملين» مدفوعة بحكايات يتشاركها بارانوف مع صحفي أمريكي وخبير في الشؤون الروسية (جيفري رايت). ومع ذلك، على مستوى المشاهد الفردية، لا يتفاعل أساياس مع هذه الذكريات الشخصية. لا يوجد تسلسل هرمي في اللغة البصرية، مما يعني أن ديناميكية القوة بين بوتين (جود لو في وضع الطيّار الآلي) وبارانوف لا تخلق أي احتكاك تقريبًا. ما تبقّى ملخصّ لما حدث في روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي؛ أقرب لملحق بصري لصفحة ويكيبيديا الخاصة بروسيا. أثناء مشاهدته، شعرت بالحنين إلى «روسيا 1985-1999: منطقة صدمات» (2022)، وثائقي أرشيفي من إخراج آدم كورتيس يمنحك إحساسًا بما كانت عليه الحياة في بلدٍ يشهد تغيّرات سياسية. أفتقدتُ فضول أساياس ودافعه الشخصي لاستكشاف أفكار أعمق حول السلطة والسياسة والجنس والمال والأيديولوجيا.

الأمور ليست أفضل حالًا هنا على الجبهة الشرقية، بالمناسبة. كنتُ أتوقّع الكثير من عودة سوكوروف إلى المهرجان، خاصةً وأن ملخص فيلمه الضخم «مذكّرات المخرج»، ومدته خمس ساعات، يعد بـ«سيرة ذاتية روحية لمؤلف»، تدور أحداثها على خلفية «بلد شاسع وآلاف الأحداث في الوجود النابض لكوكب الأرض بأكمله». وعدٌ لم يُوفَ به، إذ لا يُقدم «مذكرات المخرج» أي رؤية ثاقبة للعقل الغامض والآسر للرجل الذي أبدع روائع مثل «أمّ وابن» (1997)، و«فُلك روسي» (2002)، و«فاوست» (2011).

بدلاً من ذلك، يُقدّم سوكوروف خمس ساعات من مواد أرشيفية سوفيتية عامّة - خطابات مجلس الدوما، وافتتاحات مصانع، ومؤتمرات سياسية، ومقابلات عمّال، وتقارير أحداث كومسومول (رابطة الشبيبة الشيوعية اللينينية على مستوى الاتحاد) - بينما تظهر مانشيتات صحفية على الشاشة لعرض أخبار العالم بترتيب زمني. هذا التسلسل الزمني أكبر خلل في هذه «المذكّرات»، إذ يظهر خطّ زمني باستمرار على الجانب الأيمن من الشاشة، يحدّد العام الذي نعيش فيه. يشعر المتفرّج كأنه سيزيف عندما يدرك أنه لا زال في خمسينيات القرن الماضي، وأن الفيلم الخطّي من المفترض أن ينتهي بعد حوالي خمس ساعات في العام 1991؛ العام الذي تبدأ فيه، بالمناسبة، قصّة «ساحر الكرملين».

بين الحين والآخر، يجبر«مذكّرات المخرج» المرء على طرح سؤال مُلحّ، وإن كان نافلاً: لماذا يُولع سوكوروف بحوادث تحطّم الطائرات؟ هناك أيضًا بعض الانتقادات للإمبريالية الروسية، على سبيل المثال، من خلال التركيز على التطوّرات السياسية في كييف، لكنني لم أستطع تمييز فرضية حقيقية من بين هذا السيل اللامتناهي من الصور. هذه الومضات القصيرة سرعان ما تغرق في كمّ هائل من لقطات الأرشيف والتقارير الإخبارية والتواريخ، والتي، بسبب عنفها الخطّي، تصل إلى حدّ التشبّع. كنت آمل أن يمتلك سوكوروف الشجاعة للانفتاح أكثر، لكن اللحظات القصيرة التي يصوّر فيها الأستاذ الروسي نفسه ليكتب شيئًا ما في مذكّراته كانت مخيبة للآمال أيضًا. «السياسة والتحليل النفسي»، يتنهّد سوكوروف في لحظة ما قبل أن نغوص مجددًا في لقطات الأرشيف الرتيبة، «كلها فرويد». ماشي يا عمّ سوكوروف. شكرا على الإفادة...

تتخذ ناستيا كوركيا نهجًا أكثر طموحًا في فيلمها الرقيق «صيف قصير» من خلال تعمّدها إبقاء السرد قصيرًا. لا تحدث الحرب إلا على هامش قصّة النضوج التي يتركّز حولها السرد، لكن مفاعيلها تدوم طبعًا. ترسم كوركيا ترقّب فتاة لقضاء عطلة صيفية في منزل جدّيها الريفي، وكيف تُفسد حرب الشيشان الثانية المُستعرة في الخلفية متعة الصيف. وهكذا، يبيّن الفيلم المُصوّر ببراعة كيف تُقوّض الحرب نسيج الحياة اليومية. بتركيزه على حرب من الماضي القريب لروسيا، يُحقق «صيف قصير» توازنًا بين الماضي والحاضر. بهذه الطريقة، تُقدّم كوركيا بيانًا سياسيًا تحذيريًا حول بلدٍ يسعى باستمرار إلى الصراع، مُقوّضًا بذلك أساسه من الداخل.

 

إعادة إنتاج: إلى متى؟

فيلم «بوجونيا» إعادة إنتاج باللغة الإنجليزية لفيلم «أنقذوا الكوكب الأخضر» للمخرج الكوري الجنوبي جانغ جون هوان. أما الفيلم الكوري «لا خيار آخر» فهو الفيلم الثاني المقتبس من رواية الأمريكي دونالد ويستليك «الفأس». بينما يُقدم جييرمو ديل تورو نسخته الخاصة من رواية «فرانكشتاين». المنافسة شرسة بين الأعمال المُقتبسة. لماذا نروي بعض القصص مرارًا وتكرارًا؟ من أين تأتي الحاجة لإعادة سرد القصص؟

من فيلم «بوجونيا»

في اللغة الإنجليزية، يسمّى الاقتباس adaptation، الممكن ترجمتها أيضًا إلى«تكييف» أو «تعديل». ما يثير اهتمامي في الأعمال المُقتبسة ليس مدى أمانتها في تمثيل العمل الأصلي، بل التغييرات التي تُجريها. تُذكرني كلمة «تكييف» دائمًا بداروين ونظريته القائلة بأن النوع الناجي ليس الأقوى أو الأذكى، بل الأكثر قدرة على التكيّف مع البيئة المتغيّرة. يجب على القصّة أيضًا التكيّف مع الظروف المتغيّرة للبقاء.

أحيانًا، يُغيَّر جانب من العمل الأصلي لتصحيح شيء تم تجاهله سابقًا. العربي المجهول الذي قتل مورسو في رواية «الغريب» لألبير كامو يحمل اسمًا  اسم في فيلم فرانسوا أوزون المقتبس عن الرواية: موسى حمداني. ورغم أن السطر الافتتاحي يذكر فقط أن الفيلم مستوحى من رواية «الغريب»، إلا أن الاسم مشتق على الأرجح من رواية مورسو، تحقيق مضاد، التي كتبها كمال داود عام 2015، في حوارٍ مع رواية كامو الأصلية، ولكن من وجهة نظر شقيق الضحية. 

في الفيلم، تتوقّف الكاميرا مرارًا وتكرارًا على أخت الضحية، رغم أن أحداث المشهد قد انتهت بالفعل. كلّ هذه اللحظات بلا كلمات، كما لو كانت تكشف ما أغفله كامو، ولكنه كان حاضرًا في القصّة طوال الوقت: ألم الجزائر. يكتب داود: «منذ العصور الوسطى، اعتاد الرجل الأبيض على تسمية الجبال والحشرات في إفريقيا وآسيا، لكنه يتجاهل أسماء الأشخاص الذين يقابلهم».

لا يزال الحدّ الهشّ بين الخيال والواقع يدهشني. ما القصص التي نرويها، وكيف تعكس تجاربنا، وكيف تترك بصماتها على العالم؟ العلاقة المُربكة بين الخيال والواقع هي موضوع فيلم «إعادة إنتاج» Remake ، المشارك خارج المنافسة. في هذا الفيلم، يتناول المخرج روس ماكلوي وفاة ابنه أدريان، موضوع العديد من أفلامه الوثائقية السابقة. لا يوجد سرد خطّي. بدلًا من ذلك، يربط ماكلوي بين جميع أنواع الأحداث في حياته: الفيلم الروائي الذي يريد مخرج أمريكي إنتاجه بناءً على فيلمه الوثائقي السابق، «مسيرة شيرمان»؛ طلاقه؛ ​​إدمان ابنه؛ ورم دماغه؛ الذاكرة المتلاشية لصديقته العزيزة، الشاعرة تشارلين سوانسي.

هل يُمكن أن يكون الفيلم الوثائقي خياليًا أيضًا؟ بعد العرض الأول لفيلمه الوثائقي السابق، «ذاكرة فوتوغرافية»، في فينيسيا عام 2011، قال ناقد إن ماكلوي كان صارمًا للغاية مع ابنه. بمشاهدة هذا الفيلم الآن، يدهِش ماكلوي بمدى لطفه، وإغفاله لصراعات أدريان مع الإدمان. إذ ابتكرَ قصّة عن إدمانه يمكنه استساغتها، قصّة سمحت له بمواصلة تصوير أدريان دون مواجهة حقيقة مرضه النفسي. قصّة سيتعافى منها أدريان في نهاية المطاف. تدريجيًا، بدأ يؤمن بصحّة صورة أدريان هذه أكثر من إيمانه بأدريان الذي تخيّله. هل آمن أدريان أيضًا بتلك القصّة؟

قد يبدو ماكلوي وكأنه يستذكر ابنه فحسب عندما يشاهد لقطات ابنه الراحل. لكن كلّما طالت مدّة مشاهدته، أدركَ أن هناك شيئًا آخر يحدث: كلما ابتعد عن موته، تحوّل أدريان إلى شخصية خيالية، شخصية لا وجود لها إلا على الشاشة. كما أن الوعد الذي قطعه هو وطليقته يومًا، «حتى يفرّقنا الموت»، لا وجود له الآن إلا على الشاشة، مجرد خيال. بمشاهدة هذا المَشهد مجددًا في دار سينما، عليه أن يكبت رغبته في الاندفاع للأمام والإدلاء ببيانٍ. كما لو أنه مضطر الآن للإشارة إلى أن هذا الفيلم الوثائقي لم يعد حقيقيًا.

يطرح فيلم «صوت هند رجب» سؤالًا آخر: كيف تُمكّننا السينما من سرد قصّة حقيقية؟ ما الذي يمكن للفيلم أن يفعله ولا تستطيع الحياة الواقعية فعله؟ يستند فيلم كوثر بن هنية الروائي-التسجيلي إلى الساعات الأخيرة لهند رجب، طفلة فلسطينية تعرّضت لقصف متواصل من الدبابات الإسرائيلية أثناء بقائها في سيّارة عائلتها بانتظار وصول مسعفي الهلال الأحمر. هذا التمثيل، أو «التجسيد الدرامي»، كما يُطلق عليه الفيلم، يستمدّ قوّته بالكامل من أحداث حقيقية. لو كان خيالًا، لشعرنا أنه مُبالغ فيه، مُصطنع، Over. ربما لهذا السبب، تُذكّرنا بن هنية مرارًا وتكرارًا بأن قصّة هند رجب حقيقية. صوت هند رجب حقيقي، كما يُقال. أحيانًا نسمع أيضًا الأصوات الحقيقية لعمّال الطوارئ الذين يتحدثون معها عبر الهاتف. وعندما يُصوّر العمّال الأحداث في مركز الاستجابة للطوارئ، نرى لقطات تسجيلية فعلية على هواتفهم. حياة حقيقية مُركّبة على الخيال.

سألني المحرّر الثقافي للجريدة اللبنانية التي أعمل بها عن الفيلم التونسي المعروض اليوم. قرأ على الإنترنت أن الفيلم أثار ردّ فعل عاطفي غير مسبوق من الصحافة. كانت هناك بالفعل وجوه كثيرة دامعة في الجمهور. ضحكات مكتومة اخترقت التصفيق المُدوي. لكن قصّة هند رجب كانت معروفة بالفعل - فقد انتشر تسجيلها الصوتي على نطاق واسع بُعيد مقتلها. ماذا يُضيف هذا الفيلم؟ ما هدفه؟ هل يجب أن يكون فيلم كهذا جيّدًا، أم يكفي أن ينشر قصّة هند رجب؟ وماذا بعد؟ كما تساءلتُ سابقًا: هل يمكن للسينما أن تكون ناشطة activist؟

«هذا ليس فنًا، هذه هي الحياة!» يصرخ سوانسي في وجه الكاميرا في فيلم «مسيرة شيرمان»، بينما يُصوّر ماكلوي لحظة أخرى من حياتهم.

في فيلم «دوسيه» للإيطالي بييترو مارسيلو، تصارع الممثلة الإيطالية إليونورا دوسيه سؤالًا حول معنى الفن لمن يُعانون. كيف/ماذا يمكن أن يكون المسرح بعد وحشية الحرب العالمية الأولى؟ إنه سؤالٌ يُطرح باستمرار حول الفنّ. سؤالٌ ستُضطر المهرجانات إلى مُناقشته بمجرد أن تُدرك صمتها تجاه الإبادة الجماعية الفلسطينية، وبمجرد أن تُصبح قصص الفلسطينيين سينما. كم مرةً علينا أن نسأله؟

كانت سيارة الإسعاف التي كان بإمكانها إنقاذ حياة هند رجب على بُعد ثماني دقائق فقط. ومع ذلك، استغرقت ساعاتٍ للوصول إلى هناك. أفكّر في الوقت الذي يستغرقه صنع فيلم. اتصلتْ هند بالطوارئ في 29 يناير 2024. كان ذلك قبل عام ونصف عندما علقت في السيارة. وعندما عُثر عليها بعد 12 يومًا، لم يتبقَّ منها سوى القليل. 355 ثقبًا من الرصاص. 355 رصاصة. جاء فيلم «صوت هند رجب» متأخرًا جدًا بالنسبة لهند رجب. جاء متأخرًا جدًا بالنسبة لغالبية الفلسطينيين. وجاء متأخرًا جدًا بالنسبة للعالم.

 

 «هند رجب».. موت السينما

بالكاد كتبتُ بالأمس عن حفلات التصفيق الجماعية، وفجأة، هناك رقم قياسي جديد في «فينيسيا». صفّق الجمهور في العرض الأول لفيلم «صوت هند رجب» لمدة 23 دقيقة.

فتاة تبلغ من العمر ست سنوات عالقة في سيارة في غزة تتعرّض لإطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي. تشكّل مكالمتها الطارئة الأساس لفيلم هجين بين التسجيلي والروائي. يُسمع نداء هند رجب في التسجيل الأصلي، لكن ردود أفعال موظّفي الهلال الأحمر الذين حاولوا تنظيم المساعدة للفتاة أُعيد تمثيلها جميعًا. تعتمد بن هنية على العاطفة البحتة وتتقدّم بطريقة أقل ما يُقال عنها أنها متلاعبة. كان التسجيل الصوتي للمكالمة كافيًا لنقل رسالتها الفعلية. ولأن هذا لا يكفي لفيلم روائي حرّاق أثرتْ فيلمها بتسلسلات سيئة التمثيل على غرار المسلسلات الرخيصة، حيث يعبّر المسعفون باستمرار عن غضبٍ أخلاقي، ويضعفون في مشاعرهم، ويحاولون إقناع المتفرّج بالخضوع. بالإضافة إلى الأسئلة الجمالية والأخلاقية التي تنشأ عن هذا النهج، يصبح الوضع أكثر تعقيدًا بسبب حقيقة أن الفيلم يفتقر ببساطة إلى أي ميزات بنائية/شكلية وبالتالي فهو غير مناسب كأساس للمناقشة أو كتجربة سينمائية.

من فيلم «صوت هند رجب»

***

حرصتُ على مشاهدة الحلقتين الأوليين من مسلسل «بورتوبيللو» لماركو بيلوكيو، الذي يتناول قصّة إنزو تورتورا، مقدّم البرنامج التلفزيوني الشهير «بورتوبيللو»، الذي أُتهم بالانتماء إلى مافيا لتهريب المخدرات. تنقلنا القصّة إلى إيطاليا الساذجة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، عندما كان التوجّه التلفزيوني نحو المعاناة قد بدأ لتوه، مع إمكانية ظهور تريندات مفاجئة بفضل إلحاح التلفزيون ومحدودية محتواه في تلك السنوات.

كانت تلك أيضًا سنوات «مأساة فيرميتشينو»، كما أخبرني زميل إيطالي، التي جلبت عذابات مُريعة إلى الشاشة الصغيرة، في انتظار نهاية سعيدة، مستحيلة، ومعجزة. تتلخّص المأساة في وفاة طفل إيطالي اسمه ألفريدو رامبي (11 أبريل 1975 - 13 يونيو 1981)، بعد سقوطه في بئر في فيرميتشينو، غربي وسط إيطاليا، في 10 يونيو 1981. حظيت محاولة إنقاذ الطفل بمتابعة حثيثة، وكانت حدثًا إعلاميًا بارزًا. كانت المرة الأولى في إيطاليا التي يجذب فيها بثّ خارجي مباشر ملايين الأشخاص لمتابعة الأحداث على التلفزيون. في البداية، بُثّت الصور مباشرةً اعتقادًا بأن هناك نتيجة سريعة وإيجابية. بعد فترة، بدا أن الوضع يتدهور ببطء، لكن فات الأوان لقطع البثّ. أثارت هذه الحادثة تساؤلات عديدة حول الخصوصية وأخلاقيات بثّ مثل هذه الأحداث، ما أثار جدلًا عامًا واسع النطاق. كما تصدرت القصّة عناوين الأخبار الدولية، حيث حمل برنامج «بي بي سي هيدلاينز» قصة محاولة الإنقاذ كعنوان رئيسي في 12 يونيو.

هل يذكّرنا هذا بشيء؟

***

الواضح أن وفاة ألفريدينو الصغير حدثت خارج الشاشة، في ظلام البئر الذي سقط فيه، لكن كلماته الأخيرة كانت مسموعة من خلال الميكروفون الذي أنزله المنقذون. أثار طلب الطفل «زبادي بملعقة» موجةً واسعة من المشاعر.

 نرى الآلية نفسها في «صوت هند رجب»، الذي يبدأ بتسجيل صوتي لاستغاثة فتاة صغيرة، هند رجب، محاصرة في سيارتها خلال هجوم إسرائيلي. في تلك اللحظة، هي الناجية الوحيدة من مذبحة أودت بأفراد عائلتها الذين كانوا معها في السيارة. تتوسّل الفتاة الصغيرة طلبًا للمساعدة، ولكن في مركز عمليات الهلال الأحمر، يندلع اشتباك بين فريق يريد إرسال سيارة إسعاف لإنقاذها وفريق متردّد، اعتقادًا منه بأن حياة المسعفين ستكون في خطر.

 أعادت المخرجة بناء هذا الحادث برمّته في مركز مكالمات الطوارئ، أو أخرجته، باتباع بنية سردية بسيطة ومقتضبة، مبنية على حبكةٍ تولّد عمدًا ذروة من العجز واليأس. في أجواء خانقة، وبينما تحلّق كاميرا تتابع موظف الاتصال على حاسوبه المحمول، أثناء اتصاله بالطفلة، يتجادل مع زملائه حول جدوى إرسال خدمات الطوارئ. نظريًا، يُمكن إرسال سيارة إسعاف ووصولها في غضون دقائق، لكن كل شيء يُراقب عن بُعد، عبر اتصالات هاتفية وخرائط نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). يُضاف إلى ذلك بُعد مركز العمليات، الواقع فعليًا في رام الله، الضفة الغربية.

هذا الإفقار الإخراجي تعرّض لانتقادات واسعة، لأنه في الواقع يعكس فكرة الفيلم الفوري، فعلٌ بحدّ ذاته لا يملك رفاهية الضياع في الزخارف الجمالية. لكن الأكثر إثارةً للتساؤل هو الاستخدام الإباحي للأصوات المسجّلة الحقيقية، والتي يُبرزها في كلّ مرة تعليقٌ توضيحي. يعيدنا هذا إلى الإثارة التصويرية لألم الطفل الإيطالي وموته الحقيقي، مع فارق أننا هنا لا نشهد بثًا مباشرًا، بل فيلمًا، وبالتأكيد عمليةً عسكرية. ليست الأعطال العامّة، مثل عدم وجود أنظمة إنذار لمنع السقوط العرضي في بئر، هي المسؤولة، بل جيش من القتلة بقيادة النخبة الإجرامية الإسرائيلية. من ناحية، هذا العرض المجّاني وغير المُحترم لأصوات مَن يحتضرون أو يقتربون من الموت يدعو للتساؤل، خاصةً صرخة ألم، سابقة لاستغاثة الطفلة، صادرة من أحد أفراد الأسرة على وشك أن يُقتل.

 ولكن قبل كلّ شيء، غير المقنع هو فرانكشتاين السينمائي الحاصل هنا، الهجين الناشئ بين الواقع والخيال (على عادة المخرجة في أغلب أعمالها)، والذي أثمر بعض الكوابيس السينمائية في حقبة معيّنة، مثل فيلم «انفجار» Blow Out (1981، بريان دي بالما)، حيث أعاد مهندس الصوت جاك تيري/جون ترافولتا تدوير تسجيل صراخ امرأة مقتولة لإعادة استخدامه في فيلم رعب، وأصبح أكثر فعالية ومصداقية بفضل التقاطه من صراخٍ حقيقي. 

الإطار الخيالي/الروائي، رغم كونه مصطنعًا، يفتح في الواقع إمكانية التلاعب الذي يقوّض تلك الأصوات المروّعة. هل كان سيقلّ من فاعليتها إعادة بنائها بأصوات الممثلين؟ نفاق العملية كلّها يُكشف في الصور النهائية، التي تقطع مع تلك البيئة الخانقة وتشغّل زر إيقاف لعبة السينما، مع اكتشاف السيّارة واستخراج الجثث التي تبقى خارج نطاق تركيز العدسة من باب التواضع للصورة وحدها. كان يمكن أن يُنجز فيلمًا وثائقيًا/تسجيليًا أو تقريرًا تلفزيونيًا أكثر منطقية، حتى لو قدّم مفكر محض مثل فيرنر هيرتسوج مثالًا معاكسًا في خاتمة فيلمه «رجل رمادي» Grizzly Man. واجبٌ أخلاقي أن نُحيي ذكرى هند رجب وجميع فتيات وفتيان وأهل قطاع غزة ضحايا هذا الجنون الصهيوني المسعور. لكن دعونا نتجنّب الموت أحياءً، حتى إن كان متأخرًا، وبالصوت فقط.

الجوائز

اختُتم المهرجان وسط جدلٍ سياسيّ في الغالب، يتعلق بقائمة الفائزين التي يبدو أنها أثارت استياء الجميع تقريبًا. ربما، مع ذلك، يجب ألا ننظر إلى الإصبع، بل إلى القمر، لنحاول التأمّل في حالة تراجع ثقافي وسؤال جدلي أزلي، لا يمكن لأقدم حدث سينمائي في العالم إلا أن يكون تجلّيًا لهما.

دعونا نتجاوز هذا الأمر فورًا، ثم نركّز انتباهنا على شيء آخر. كلا، لم يفز «صوت هند رجب» بجائزة الأسد الذهبي التي منحها له تلقائيًا جزء كبير من الصحافة ومحترفي الصناعة في نهاية صباح العروض المسبقة يوم الأربعاء 3 سبتمبر؛ ولا، لا، مرة أخرى، فيلم جيم جارموش أ«بّ، أمّ، أخت، أخّ»»، الذي خطف الجائزة الكبرى في مهرجان فينيسيا 2025، لم يبدُ الأفضل في المنافسة بالنسبة للغالبية العظمى من الحضور المُعتمدين، وخاصةً المُطّلعين على شاعرية المخرج الأمريكي، الذي لا يزال حتى اليوم من بين أبرز روّاد موجة الأفلام المستقلة التي اجتاحت الإنتاجات خارج هوليوود بين ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

جيم جارموش يحمل جائزة الأسد الذهبي عن فيلمه «أبّ، أمّ، أخت، أخّ»

في زمنٍ تُسيطر عليه وسائل الإعلام، للأسف، يُخاطر مهرجان فينيسيا بتحمّل ذنب فوز جارموش بدلاً من فيلمٍ مُلحّ. الانطباع أن مهرجان فينيسيا 2025 كشفَ عن المشاكل التي شلّت أقدم حدث سينمائي في العالم لسنوات، والذي كان يومًا ما منارة، مُجبرًا الفعاليات الأوروبية والعالمية الأخرى على اتباع أشكاله وأساليبه وأفكاره. الانطباع، الذي يبقى نفسه دائمًا، أن ألفًا أو أكثر من أجهزة إزالة الرطوبة العاملة في الليدو قد انتهى بها الأمر إلى تجفيف السينما نفسها، قطعة قطعة، إلى حدّ إطلاق العنان لضجّة حول جائزة لن تضيف أو تنقص شيئًا من تاريخ الفن السابع ولا - وربما تكون هذه النقطة الأكثر أهمية - من الدمار الذي تلحقه إسرائيل بقطاع غزة والضفة الغربية (وسوريا، ولبنان، واليمن)، والمستمر في الواقع دون إزعاج وسط جمود سياسي دولي تغذّيه الولايات المتحدة، الشريك الأساسي لسرطان الاستعمار في المنطقة .

 بدا واضحًا منذ البداية أن النقطة المحورية للنسخة بأكملها ستكون استقبال الفيلم الذي أخرجته التونسية كوثر بن هنية، بدءًا من تصريحات المخرج ألبرتو باربيرا في يوم المؤتمر الصحفي لتقديمه. أثار الفيلم دهشة وصدمة مَن حضروا العروض في القاعة الكبرى، ومنذ وقت متأخر من الصباح، بدأ ضجيج على وسائل التواصل الاجتماعي، يدفع نحو حُكمٍ وحيد محتمل، حكم سياسي، بمعنى ما، كأن غزو البندقية بفيلم بن هنية سيكون بمثابة صدى لأكثر من 64 ألف بريء ذبحتهم سياسات إسرائيل الاستعمارية. لم يكن مهمًا ما إذا كان الفيلم أفضل من غيره أم لا، كما يقول منطق الأمور. موقفٌ مشروع ومفهوم، حتى لو لم يتسامح في بعض الحالات مع آراء الذين أثاروا بدلًا من ذلك شكوكًا حول الفيلم نفسه وخطابه التعبيري. بين صناعة الأفلام السياسية وصناعة الأفلام سياسيًا يستمرّ الصدع في الاتساع، صدعٌ أصبح على مرّ العقود إثمًا أو نقيصة، أو هكذا يبدو.

بصراحة، دون العودة إلى نقاش قديم – موقف كاتب هذا المقال من الفيلم ومن ضرورة أن تتصرّف السينما بوضوح وبشكل لا يقبل الجدل نيابة عن غزة والشعب الفلسطيني واضح تمامًا ولا تناقض فيه بأي حال من الأحوال - فقد أضاع المهرجان فرصة الانخراط الكامل في مناقشة سياسية، وهو ما كان بوضوح مطلبًا مهمًا من الحضور، الذين شارك العديد منهم في تظاهرات فينيسيا من أجل فلسطين. اُختزل هذا بسهولة إلى طلب عدم تسليط الضوء على جال جادوت وجيرارد بتلر على السجّادة الحمراء، حيث لم يحضر كلاهما إلى المدينة. بدا مهرجان البندقية 2025 وكأنه يحبس نفسه في برجٍ عاجي وهمي، كما لو كانت السينما موضوعًا منفصلاً، بعيدًا عن السياق العالمي. والأكثر من ذلك، بدا أنه غير قادر على اتخاذ إجراء سياسي، أو تقديم منظور ملموس لنظام الإنتاج الدولي.

يبدو أن فوز جارموش، المتأتّي بعنوانٍ ثانوي في مسيرته، يضاعف فوز بيدرو ألمودوفار قبل 12 شهرًا فقط بفيلم «الغرفة المجاورة»، والذي حمل طعم المرارة الحلوة لجوائز التكريم السينمائي: فقد وجد «أبّ، أمّ، أخت، أخّ» في «فينيسيا» التاج الذي لم يمنحه له مهرجان كان منذ ما يقرب من أربعين عامًا («قُلّصت» جوائزه الفرنسية إلى كاميرا ذهبية عن فيلم «أغرب من الجنة»، وجائزة للمساهمة الفنية في فيلم «قطار غامض»، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة الكبرى عن فيلم «زهور مكسورة»). يمكن للمرء حتى أن يفهم الاختيار، لكن صورة مقبرة الأقبال لا تزال تشقّ طريقها إلى الذهن، أيضًا لأن 2025 هو العام الذي شهد فيه مهرجان كان قفزة ثلاثية للأمام، ناظرًا بوضوح وجلاء نحو المستقبل، أو ما قد يبدو أنه صورته الأكثر إقناعًا.

على عكس فينيسيا، حيث يُجبر المرء تقريبًا على مناقشة مواضيع الأفلام، أعاد مهرجان كان التركيز على القيمة السياسية للصورة ومعناها وانبعاثها المستمر، مُطلقًا أو مُؤكدًا على الساحة الدولية أصواتًا يسهل التنبؤ بأنها ستكون محور نقاشات الفنّ السابع في السنوات القادمة (أوليفر لاكس، بي جان، تشي هاياكاوا، كارلا سيمون، ماشا شيلينسكي، على سبيل المثال لا الحصر). هذه هي «الهزيمة» الحقيقية لمهرجان فينيسيا 2025، وليس فشل بن هنية في الفوز، وهذا هو القمر الذي يجب النظر إليه بدلًا من الإصبع.

في بداية حفل توزيع جوائز المهرجان، لم يكن هناك فائز واضح. العديد من أفلام المسابقة الرئيسية جاءت بمستوٍ جيّد، ولكن لم تكن هناك أفلام بارزة حقًا. ولهذا السبب جزئيًا، برز «صوت هند رجب» كمنافس منطقي للجائزة الكبرى. تصوير بن هنية الدرامي لمقتل الطفلة الفلسطينية برصاص مجرمي جيش الاحتلال شمالي غزة فيلمٌ سياسي حقيقي يجذب الجمهور عاطفيًا بقوة عبر الإشارة صراحةً إلى الإبادة الجماعية في غزة. أشادت الصحافة المكتوبة كثيرًا بهذه المسرحة السينمائية، التي يُسمع فيها صوت هند رجب الحقيقي على الطرف الآخر من خطّ الهاتف، بينما يحاول ممثلون يؤدون دور عمّال مركز اتصال الطوارئ التابع للهلال الأحمر الفلسطيني إنقاذها دون جدوى.

أثار اختيار هذا الفيلم، المعروض في النصف الثاني من المهرجان، جدلًا واسعًا. هل هو «مانع صواعق حركة فلسطين حرّة»، كما عنون موقع ديدلاين Deadline، أو الفيلم الذي يستحق جائزة الأسد الذهبي، وفقًا لمجلة فوج Vogue، أم قصّة خبرية روائية ذات أخلاقيات وتنفيذ «مشكوك فيهما»، كما أشارت مجلة فارايتي Variety؟ وراء الكواليس، بدا أن لجنة التحكيم، برئاسة ألكسندر باين، ناقشت هذا الأمر أيضًا. ينبغي دائمًا التروّي في الحديث عن كيفية عمل لجنة التحكيم في مهرجانٍ سينمائي كبير، لكن الشائعات سرت بكثرة عشية الحفل. تقول الشائعات، على موقع X، إن لجنة التحكيم لم تتوافق على توزيع التماثيل إلا قبل حفل توزيع الجوائز بوقتٍ قصير.

بالمناسبة، كان على رأس باين «بطحة»: فخلال المؤتمر الصحفي في بداية المهرجان، رفض الخوض في تفاصيل المسائل المحيطة بالإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، ما أثار غضب مجموعة من النقّاد على وسائل التواصل الاجتماعي. كان آمنًا منح بن هنية جائزة الأسد الذهبي، ولكن هل هو الخيار الصحيح عندما تكون العديد من الأشياء -من السيناريو إلى الإنتاج- معيبة في هذا الفيلم؟

في حفلٍ كان في حدّ ذاته متزعزعًا -مليئًا بالأعطال التقنية والفواصل الموسيقية غير الضرورية- كان جيم جارموش مَن استلم في النهاية، عكس كلّ التوقّعات والترشيحات - الجائزة الكبرى بفيلمه العائلي اللطيف. في خطاب قبوله الجائزة، لخّص جارموش الجدل الشامل حول السينما والسياسة بقوله أن السينما لا يجب أن تكون عن السياسة لتكون سياسية. وبذلك، سلّط الضوء على المعضلة الرئيسية لهذا العام: هل الفيلم الأكثر سياسيةً أفضل بطبيعته من غيره؟

بالمناسبة، ووفقًا للعديد من النقاد، فأحدث أفلام جارموش أبعد ما يكون عن أفضلها. فوز هذا الفيلم العادي - المستبعد بالأساس من «كان»، حيث عُرض عليه مكان خارج المسابقة، وهو ما رفضه جارموش بأدبٍ، كما صرّح في مقابلاته - بجائزة الأسد الذهبي، دليل واضح على ضعف المنافسة الرئيسية لهذا العام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن