تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
وعد ونصر: محادثات

وعد ونصر: محادثات

كتابة: دانيال أوكونيل، مها عبد المجيد 19 دقيقة قراءة
مصنع الطوب الطيني بالفيوم مايو 2022

في شهري يناير وفبراير وحتى الأيام الأولى من شهر مارس 2022، بدأت وعد برسم خطوط أولية لحسٍ ناشئٍ بالرفقة مع نصر حامد أبو زيد (1943-2010). ركزت وعد على مقال محدد من مقالات نصر: «قراءة التراث في كتابات أحمد صادق سعد». على مدار هذين الشهرين، شاركت وعد مع مَن حولها ومضات من انهماكها مع نصر، ومن خلال كتاباته، مع صادق سعد (1919-1988)، فأخرجت نوعًا ما من المحادثة الجيلية، من نقطة بداية حاضرنا الآخذ في الانبساط. شيءٌ ما في هذا المقال نداها بقوة لدرجة أنها صارت «[تـ]شعر بأن نصر سيكون الرفيق الرئيسي في رحلتي» (15 فبراير). كانت رحلة نحو الأنثروبولوجيا -بعد سنوات من ممارستها الصحافة الاقتصادية- رحلة مدفوعة بالرغبة في خلق مساحة يُمكن من خلالها أخيرًا صياغة الأسئلة المؤرقة ثم الاشتباك معها. لسنوات، ظلت هذه الأسئلة موجودة، ولسنوات، قد تَمَلَصَت من كل محاولات الصياغة، كما كتَبَت (24 يناير).

بالنسبة لمَن يعرفون وعد، فإن هذه الأسئلة المؤرقة ترتبط بمحتوى الأسئلة نفسها وترتبط كذلك بالمساحات التي شغلتها وعد. من الصحافة الاقتصادية إلى العمل السياسي إلى البحث الأكاديمي، كانت وعد في بحثٍ عما هو أكثر من مجرد منبر، عن بنية فكرية وشعورية: كيف يمكننا -ولم تكن واعد راضيةً عن التفكير في هذه الـ«نحن» باعتبارنا مجرد مراقبين غير مهتمين- تجاوز الزخرفة الأيديولوجية أو التلميع الوصفي البسيط للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي هي أساس حياة الكثيرين؟ كيف يمكننا إيجاد طريقة متناسبة مع متطلبات الحاضر للتحدث والتفكير، والأهم من ذلك، الاهتمام؟

في حين أن الواقع يقدم الكثير من السياقات للتفكير في هذه الأسئلة، كما حدث مع نصر وصادق سعد في حاضرهما التاريخي، بالنسبة لوعد، فالواقع الذي فتنها كان ذلك الخاص بصانعي الطوب في قرية العياط، وهي قرية تبعد حوالي ساعة بالسيارة جنوبًا من وسط البلد بالقاهرة. تفتق وعيها لهذا الواقع لأول مرة بشكلٍ مركب في 2016، أثناء عملها مع «الأهرام أون لاين». نظمت وزارة التضامن الاجتماعي زيارة صحفية للاحتفاء بتدخلها اللاحق على عام 2013 بتوفير الخدمات الاجتماعية لمختلف قطاعات العمل، بما في ذلك عُمال البناء في العياط، وأُرسِلت وعد من قِبَل محررها لتغطية خطاب الوزارة الرسمي. العياط مكان لا يُدرَج في الوعي السياسي الأوسع إلا عندما يزوره وزير أو عندما يفرض العمال أنفسهم على الساحة. عندها فقط تأخذ الصحافة المحلية لقطة خاطفة لحقائق هذا الفضاء الهامشي. لكنها لقطة خاطفة تهدف إلى الهدوء، وإلى جعل أي صوت سياسي ممكن مجرد جعجعةً وضجيج وشكوى، مما يجعله أكثر قابليةً لتبديله بأي شكوى أخرى. لكن، وبينما أبطأت وعد بعد القافلة الوزارية، واستقرت على نقطة مرتفعة مطلة على القرية، ترك شيءٌ أكبر انطباعه عليها، فتكليفها بتغطية عظمة الوزارة، أفسح المجال لشيءٍ آخر. في القرية، تَمَكَنَت من رؤية دخان يتصاعد من مئات الأفران بالأسفل، بدأت القصص الفردية لكل مَن قابلتهم في إيجاز تتجمع بطريقةٍ ما في هذا المنظر الجديد الذي أتاحه أُفق البصر. العياط هي قرية عمال الطوب، وهي قرية سيطر عليها نوع واحد من العمل لأجيال، وهي قرية توفر المواد الخام لدائرة الإسكان المبنية بواسطة الأهالي والآخذة في التوسع في القاهرة الكبرى، وهي قرية يبدأ فيها الأولاد العمل في أفران الطوب التي توفر لهم قوت يومهم ولكنها تقتلهم ببطء أيضًا حتى يتعين عليهم تمرير التجارة لأبنائهم. بطريقة ما، في تلك اللحظة، بدا وكأن وعد قادرة على رسم جسم اجتماعي في طور التشكل، تتلاشى تواريخه  مثلما يتلاشى الدخان الذي يلوِّن السماء.

حاولت وعد كتابة هذا التاريخ عدة مرات في السنوات التالية. في إيميل عن خطة الإنتاج لسنة 2019، كتبت، «سوف أتناول قراءة طويلة عن مصنع الطوب في العياط من منظور ديناميكيات العمل بين الجيلية مقابل تدخل الدولة وتنظيمها للقطاع الخاص». ولكن، كمثيلاتها من المحاولات السابقة، تخلت وعد عن كتابة القصة، مستشعرة الفجوة بين الحاجة الملحة لذلك والأدوات الُمتاحة تحت تصرفها.

*من محادثة بين المترجمة وأحد الكتاب؛ وضح الكاتب أن المعني بالتفرد هنا هو العلاقات الرأسمالية الخاصة بقرية العياط. أي العلاقات الرأسمالية التي تشكلت تحديدًا في النمط الإنتاجي للقرية، باعتبارها فضاءً لخلق القيمة من صناعة الطوب، مما يجعلها نموذج محدد للعلاقات الرأسمالية في مصر. وما كانت وعد معنيةً به هو دراسة العلاقات الاجتماعية المتشكلة داخل هذا النمط المحدد من علاقات الإنتاج. (المترجمة)

عندما شرعت في الحصول على درجة علمية في الأنثروبولوجيا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 2021، عادت العياط ولكن هذه المرة خارج حدود الصحافة كنوع [من الإنتاج]. وبدلاً من ذلك، لجأت إلى  مقترح دراسة إثنوجرافية (أطروحة الماجستير الخاصة بها) حول فضاء القرية الاجتماعي والمجتمع الذي يُستَمَد منه عمال مصنع الطوب، «دراسة العلاقات الرأسمالية في تفردها»*- وهو ما كانت قد بدأت في صياغته باعتباره انعطاف نحو دراسة الفضاء الاجتماعي من خلال المعايشات (والمعايشات هي المقابل العربي المفضل بالنسبة لها للإثنوجرافيا) (24 يناير، 15 فبراير، 7 مارس).

ومع عودة العياط وظهور الأنثروبولوجيا كوعاءٍ للتفكير، ظهر أيضًا نصر. من خلال محادثاتهما، بدأ مأزق اللحظات السابقة يتبدد من خلال حصيلة لغوية مُستجدة. كانت محادثاتهما ورفقتهما خلاقة بعمق، وكان من السهل جدًا على وعد أن تدرك في وقتٍ مبكر أن «هذا الفصل الذي كتبه نصر سيغيّر حياتي بجد» (4 فبراير).

ولكن ما الذي ساعدها في مقال نصر تحديدًا على عبور هوة الصمت، بوضع الأساس لممارسة الإقامة المشتركة (الإثنوجرافيا كمعايشة) في الفضاء الاجتماعي؟ بتتبع ومضات مما نملك من محادثات وعد مع نصر، نتعقب خيوط هذه المحادثات غير المتزامنة بين رفاق عبر الأجيال يحاولون الاشتباك مع الجسد الاجتماعي.

I

«لديَّ نظرية»

مضمون نبرة وعد المرحة في هذه الرسالة واضحٌ: إيجاز المقولة، ومباغتتها، والادعاءات بامتلاك نظرية كانت كلها إشارات للمرح. إنها علامة جيدة على أن كوفيد لديها يتراجع، وأن إسهابًا إضافيًا سيأتي، وسيكون غريبًا بقدر كونه متبصرًا.

تكتب: «نصر حامد أبو زيد كان أنثروبولوجيًا». (14 فبراير). ذلك غريب لأنه، في الواقع، لم يكن أنثروبولوجيًا.

لكن كان لدى وعد أدلة لدعم نظريتها.

[الدليل] الأول كان لقطة شاشة من كتابٍ كانت تقرؤه يقول فيه المؤلف/ة، «لذلك، إن الميدان الإثنوجرافي دائمًا ما كان يتسم بالغياب بقدر ما يتسم بالحضور» (14 فبراير - وعد هي مَن أبرزت هذه الجملة). تبع ذلك على الفور رسالة صوتية لتوضيح الصدى بين كيفية فهم نصر للتراث كونه مجالًا للممارسات المتنافسة - وليس، على سبيل المثال، كمعطى مؤلَّف من شريعة نصية مصمته - بالإضافة لكونه موقف مُصاغ بوضوح داخل مجال اجتماعي أوسع. «أحد الأشياء التي أحببتها حقًا في الفصل الذي كتبه نصر كان عندما تكلم» - تتوقف مؤقتًا لإعادة تأطير الفكرة، مستطردة: «أوصافه للأشياء كانت أخَّاذة بحق» قبل أن تستأنف:  «عندما كان يتحدث عن التراث كموقع في النضال الاجتماعي وله، كان يتحدث أيضًا عن الحضور والغياب الذي يشبه إلى حد كبير الطريقة التي نــ - الطريقة التي تصف بها هذه الفقرة - العمل الإثنوجرافي في الميدان» (14 فبراير).

يأتي اليوم التالي حاملًا دليلًا آخر: لقطة شاشة أخرى - هذه المرة لصفحة فهرس كتاب نصر «دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة» وتُحيط بعنوان الفصل الأول دائرة بلون السلمون «أنثروبولوجية اللغة وانجراح الهوية». تتابع ملاحِظةً أنه: «من المثير للاهتمام مدى إلمامه بالنظريات الأنثروبولوجية وكيف عمل معها... لقد عمل أيضًا عند التقاطع بين الأنثروبولوجيا والأدب المقارن» (14  فبراير). 

*من محادثة بين المترجمة وأحد الكُتّاب؛ أوضح الكاتب أن المسكن الخطابي هو الفضاء المؤسسي الذي ينطوي على منطقه الخاص وافتراضاته وحقائقه، وهذه العناصر تشكل في مجملها بنية للمعنى والفهم، قد يختار شخص أن يضع نفسه بداخلها. مع الأخذ بالاعتبار، أنه بالرغم من كون هذه البنية موجودة بالفعل، فإنها تظل مساحة للتفاوض والتغيير من جانب مَن يضعون أنفسهم فيها، فمَن يقطنون البنية يشكلونها مثلما تشكلهم. وبذلك تصبح الصحافة والأكاديميا والأحزاب السياسية وغيرها مساكن خطابية. (المترجمة)

لماذا كان من المهم بالنسبة لوعد أن مؤلف كتاب «قراءة التراث في كتابات أحمد صادق سعد»  كان أنثروبولوجيًا؟ بدأت وعد دراستها للحصول على درجة الماجستير في الأنثروبولوجيا في خريف عام 2021، ومع هذا جاءت مساءلة المسكن الخطابي* الذي وجدت نفسها فيه الآن. لم يكن ذلك تأييدًا مباشرًا للأنثروبولوجيا بأي حال من الأحوال كمسكن خطابي، ولكن، بدلاً من ذلك، كان محاولةً للتفكير فيما تعنيه الأنثروبولوجيا بالنسبة لالتزاماتها السياسية.

في رسالة نصية بتاريخ 7 مارس، كتبت: «هناك قضايا أخلاقية حقيقية جدًا مع الإثنوجرافيا»، «كيف تدير الأدائية، وكيف تستديم العلاقات والحدود، أن تكون حميميًا للغاية للأغراض البحثية ثم ترحل بعيدًا عند إتمام البحث. إنها ديناميكية قوة قاسية تتضمن أسئلة سياسية وأخلاقية ووجودية أكبر بكثير في كل تفاعل صغير. لذلك ينتهي الأمر بالكثير من الناس إلى اتخاذ موقف ضد الإثنوجرافيا ورفضها باعتبارها استعمارية بطبيعتها. تاريخيًا، لقد كانت كذلك وما زالت تُستَخدَم على هذا النحو بعدة طرق. ولكن عندما ترفضها، فإنك تترك المعرفة عن الناس والعلاقات معهم للمستعمرين والإمبرياليين؟» لماذا؟!. تتابع بكتابة بعض النصوص لاحقًا قائلة إن الأسوأ من ذلك، هو أن ترك التخصص والبحث بشكل عام لهذه الممارسات الاستخراجية لن يؤدي إلا إلى تأجيج البارانويا الموجودة بالفعل والمتأصلة في الثقافة الشعبية، وهي بارانويا مبنية على تواريخ حقيقية من الاستغلال وانعدام الثقة.

في حديثها مع نصر، حاولت وعد التفكير في الطريقة التي يُمكن بها للأنثروبولوجيا أن تصير معايشات، حيث تستنبط أن قراءة نصر للتراث كانت أيضًا تراثًا للقراءة يتجاوز صداه مجال الدراسات القرآنية أو الأدبية، حيثُ يقدم مسارات لاستحضار التشابكات الديناميكية بين الفضاءات الاجتماعية وتراثاتها.

لكن يمكنك أيضًا أن تسمع في رسائلها كيف كان ما يشغلها أكبر بكثير من الاشتباك النظري الصحيح.

 تتأمل في رسالة صوتية في 5 مارس، «التواجد في الميدان بكل ارتباكاته، بكل معانيه المثيرة للجدل أو أيًا كان - أو كونك حول الناس قد يكون طريقة أفضل للتعبير عن ذلك بشكل عام، وقوة الناس وديناميكياتهم — أنا كنت في عزلة لفترة طويلة، أليس كذلك؟ لكن العزلة تخرِّب منظورك والتواجد حول الناس يجعل الواحد أكثر ارتكازًا من حيث [فهمه] لطبقات التعقيدات التي لا نراها نُ عنها عندما نكون فقط ...» تصحح نفسها لتجنب التعميم. «أو أشخاص مثلي ليس لديهم عقول مجردة، عندما أقرأ النظرية فقط، أكون أكثر عرضة لأفكار إشكالية جدًا مقارنة بـ عندما أكون حول الناس. حينها، استوقف نفسي وأفكر: الأمور ليست حقًا كذلك» (5 مارس).

الميدان ونصر: مسكنات للوحدة.

II

العناوين الرئيسية لسيرة نصر معروفة بما يكفي. لا تزال ذكرى محاكمته بتهمة الردة، في عام 1995 حاضرة في الوعي الشعبي. لكن، بعيدًا عن الجدالات أو أساطير ما بعد الوفاة، فإن التفاصيل الأصغر في حياة نصر تعطي صوتًا آخر لنصرٍ: شخص يشغل هوامش الفضاء الاجتماعي والمؤسسي، دائمًا غير راضٍ عن القيود، وصيغ التقاليد المُتَحصل عليها.

حصل نصر على درجة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة القاهرة عام 1972 عن عمر يناهز 29 عامًا. والمسار الذي سلكه للوصول إلى تلك اللحظة كان بعيدًا كل البُعد عن أن يكون مسارًا مباشرًا. أكمل أولًا دبلومه الصناعي (شهادة في التعليم الفني أو الحرفي) في سن 17، وتولى وظيفة حكومية كفني راديو في المحلة الكبرى لإعالة أسرته، ودرس بمفرده للحصول على شهادة الثانوية العامة قبل أن يلتحق أخيرًا بجامعة القاهرة. بمجرد دخوله الحرم الجامعي في عام 1968 -على خلفية الاحتجاجات الطلابية المحتدمة- بكى. كان أخيرًا يأخذ الخطوة الأولى نحو حلمه.

بعد أربع سنوات، تخرج بأعلى معدل تراكمي ليس فقط في قسمه ولكن في كلية الآداب بمجملها. تضافرت صراعات القوى بين الأقسام لإعاقة حقه في الحصول على وظيفة في الجامعة. بالاعتماد على تقاليد شكاوى الفلاحين وموظفي الدولة الصغار، أرسل نصر برقية إلى رئيس الجامعة وجلس بجانب بابه. في سردٍ جميل لهذه القصة خلال مقابلة تليفزيونية، يلمح نصر إلى تراث الشكاوى العريق الذي ساهم فيه بفعله. الوضع على باب الرئيس يحتدم وترتفع الأصوات وكأن مستقبل نصر كله معتمدًا على هذه اللحظة عند الباب. بينما يعيد نصر سرد القصة، يتذكر وطأة الظلم الذي شعر به، وما يعنيه أن يكون مظلومًا، والمخاطر الاجتماعية المترتبة على تبديد قيمة العمل الجاد. 

استحوذت على وجهه تعبيراتٍ لا يمكن لها أن تكون سوى الذاكرة العميقة لتلك التجربة والتي اتخذت شكلًا ومضمونًا مختلفين في قضيته سنة 1995 التي تحوّلت إلى محاكمة الردة - وفي المقابلة يتنقل بسلاسة بين هاتين القصتين واللحظتين. ومع ذلك، لا يسعه سوى إبراز بُعد كوميدي للمكوث جوار الباب.

لم يكن لدى المدير الإداري في مكتب رئيس الجامعة، ورئيس الجامعة نفسه، أي فكرة عما تعنيه برقية نصر. استخدم نصر مفردات صغار البيروقراطيين - فبحلول هذا الوقت، كان موظفًا حكوميًا صغيرًا لمدة 12 عامًا- ليهبط على فضاءٍ مختلفٍ كليةً يبدو أن لا أحد  فيه يفهم تمامًا ما تعنيه عبارة «متظلم بالباب». غرابة وغموض البرقية لم يكونا مجرد تحركاتٍ معجمية. بل أنهما تجذرتا في الطريقة التي استند بها نصر على التراث - على مفردات التراث بقدر ممارساته الاجتماعية - ما كان غالبًا فعالًا في فضاءاتٍ اجتماعية أخرى (في هذه الحالة، المكاتب الحكومية و[أيضًا في] الريف بطريقة مختلفة) للتحدث من/ في فضاء اجتماعي مختلف (الجامعة). أتاح التناغم مع تكافؤات التراث المتعددة، كحصيلةٍ لغويةٍ للحديث كما للفعل، لنصر أن يشغل منصبه بشكل استثنائي كباحث في الدراسات القرآنية في قسم اللغة العربية - كان للمنصب تراثه الخاص من القضايا المشينة وهو ما كان نصر على وعي عميق به  (القضية المعيبة المرفوعة في 1947 ضد أحمد سعد خلف الله، وضد المشرف على أطروحته، أمين الخولي. أدت هذه الخصومة إلى رفض أطروحة خلف الله، ومنع الخولي من الإشراف على أي أطروحات في الدراسات القرآنية. وبقيت هذه الوظيفة، في الدراسات القرآنية، شاغرة منذ هذه اللحظة حتى تخرج نصر واختاره أساتذته لملئها*).

من المستحيل الآن معرفة مقدار وعي وعد بهذه التفاصيل. ربما وُجِدت بالنسبة لها فقط كسمة ضمنية في الخلفية كانت قد تجلت في الكتابة نفسها: حياة سياسية ساعية، لا تختلف عن سعيها الخاص، لتشكيل مساحة من التفكير داخل الفضاءات غير المثالية التي قد نلتصق بها. لا بد أنه كان من الجيد العثور على رفيق، والشعور بالألفة مع عمق ربما غير معروف بالكامل.

III

«لديَّ اعتراف»

بالنسبة لنا، أصدقاء وعائلة وعد، كانت هذه إحدى صياغاتها الشهيرة. غالبًا ما يكون الاعتراف اللاحق عن فعل شديد البراءة، عن شئ بالكاد يستحق الاعتراف: لقد أكَلَت الكثير من بسكويت الشوكولاتة، أو أسرَفَت عندما كان من المفترض أن تَتَخِذ إجراءات «تقشفية» جادة، أو نامت بعدما أقسمت على نفسها بأن تسهر طول الليل من أجل اللحاق بالعمل، أو أنها تستمتع سرًا عندما تستخدم كاراميلا ومشمشة، قطتيها، أساليب متقنة لمنعها من استخدام الحاسوب مطالبين بأن ينصب كل الاهتمام عليهما - حتى وهي تشتكي من ذلك وغالبًا ما تضطر للهروب من قبضتهما المُحكَمة، باحثةً عن ملجأ بحاسوبها في المقاهي أو المكتبة.

ومع ذلك، هذه المرة، نستخدم صياغة وعد للاعتراف بأن مقولتها بخصوص نصر كانت ربما أقل غرابة مما اِفتُرِض في البداية.

يبدو أن نصر كان في الواقع مشتبكًا مع مجال الأنثروبولوجيا. خلال سنوات الدكتوراه، تعرف على الأستاذ المصري، عبد الحميد الزين، الذي تخصص في أنثروبولوجيا الدين وعمل في جامعة تمبل. كانت محادثاتهما بمثابة بوابة لقراءات ونقاشات أخرى، وأقرّ نصر بمحورية رفقتهما في كتابة أطروحته للدكتوراه عن ابن عربي (1165-1240) - موضوع سيستمر في إعادة زيارته طوال حياته المهنية. إن اكتشاف وعد لنصر «الأنثروبولوجي» مُرتكز على لحظة في المقال نفسه. في مواجهة هذه اللحظة، نَسَجَت وعد خيوط الأدلة الآخذة في البزوغ ببطء عن علاقة نصر بالأنثروبولوجيا، ليس بهدف المحاججة بتأثير المجال عليه أو حتى للقول إنه يمكن للمرء أن يكتشف في عمله دليلًا استرشاديًا جاهزًا للممارسة الإثنوجرافية أو غيرها. إنما لأن نصر «الأنثربولوجي» يُشير إلى الأصداء التي شعرت بها وعد، بين الطريقة التي يتحرك بها أبو زيد في مقالته لشق مساحة يُمكن من خلالها طرح الأسئلة والاشتباك معها، وأيضًا لأنه منحها طريقة للتفكير في الأساليب التي حاولت المناورة بها في فضاءاتٍ جديدة وجدت نفسها فيها. كيف نخترق شبكات المآزق التي تُسكِت أسئلتنا قبل أن تتشكل على الإطلاق؟ إن الاشتباك مع نصر كرفيق وقراءته كأنثروبولوجي هو الاعتماد على دلالات تحركاته لطرح أسئلة حول كيفية التحرك في الميدان، وحول الطريقة التي يمكننا التعامل بها بفاعلية مع تعقيد الحاضر، من أي موقع وبأي مفردات.

استخدام نصر للتنمية هو الموقع المركزي لتلاقي هذه الاهتمامات في مقاله، وقد بدأت وعد من هذا المفهوم، وأعادت النظر فيه مع كل دليل جديد تكتشفه.

إن التنمية مثيرة دلاليًا لأفكار النمو بينما تتشابك من الناحية المفاهيمية مع مفاهيم التطور والتقدم. بالنسبة لمَن هم على دراية بالمفهوم، وتاريخه الفكري والسياسي، قد يكون من الصعب كتم صوت الاقتصادوية التنموية الذي يرتبط أحيانًا بهذا المصطلح، والذي يُسقَط عليه. يَسَّر هذا الصوت، بالنسبة للبعض، استسهال استبعاد الهموم التي يبطنها المصطلح. لا يقدم لنا نصر أساسًا تعريفيًا مباشرًا للطريقة التي يرى بها المصطلح على النقيض من استخداماته الأخرى. بدلًا من ذلك، يكشف عن معناه من خلال حركة أفكاره في المقال، مُصِرًا على أنه لا طالما كانت التنمية مفهومًا وموقعًا غير مرئيين لتلاقي التراث والقراءة - المصطلحان الأساسيان في عنوانه. لذلك، فإن تعريف التنمية يتطلب أكثر من البحث عن معادل لغوي أو عن أساس تعريفي واضح بمصطلحات معجمية. إنما علينا الاقتراب أكثر من نسيج المقال، لتتبع حركات الأفكار التي من خلالها يُستَوعَب المفهوم كموقع وعلائقية.

تتكشف المُحادثة بين نصر وسعد من خلال ثلاث خطوات رئيسية - والمقال، في الواقع، مقسم إلى ثلاثة أجزاء تجسد حركة المناقشة. يُمَوقع الجزء الأول سعد ضمن المقاربات القائمة لقراءة التراث والتي تتسم بمأزق مشترك. يتحول الجزء الثاني إلى أن انشغال سعد بالتنمية يُمَكِّنه من تجاوز بعض المعيقات التي نوقِشَت في الجزء الأول، وبذلك، يكشف الجزء الثاني أيضًا عن التنمية باعتبارها جوهر تنسيق العلاقة بين القراءة والتراث.

يقدم الجزء الثالث بدوره تجسيدًا للتفاعل بين المأزق (الجزء الأول) وتجاوزه (الجزء الثاني) في مقاربة سعد. يتحرك الجدل على منحنى  يبدأ بتحديد مقاربات التراث المعاصرة بشكل عام -ويتماس مع تاريخهم بإيجاز - قبل أن يصوب التركيز على سعد شيئًا فشيئًا ثم على لحظة معينة في كتاباته. يمكننا وصف هذا المنحنى بالانتقال من منظور العدسة العامة واسعة الزاوية إلى نقطة ارتكاز أكثر تحديدًا، مع ملاحظة أن المقياس ووحدة التحليل تصير أصغر كلما تقدمنا في القراءة. ومع ذلك، فهذه ليست بالضبط حركة مما هو عام إلى ما هو مُحدَد، بقدر كونها مسارًا لسؤالٍ يتحرك ليأخذ شكله، بالتزامن مع شرح لهذا الشكل.

في حين أن نصر حريص على التمييز بين مقاربتين رئيسيتين للتراث، فإن سؤالًا ملحًا  يطارده أيضًا حول سبب وجوب مُلاقاة مثل هذه المقاربات ذات الاختلافات الواضحة بمفهوم مشترك للتراث مُجرد بشكل كبير من تاريخانيته. إذا كانت المقاربة الأولى تستحوذ على التراث من الداخل وتسعى إلى احتكاره، وتفرض وتُعيد إنتاج قراءة متجانسة لشريعة مصمتة باعتبارها تراث بحد ذاتها، فلماذا المقاربة الثانية، الواعية بحقيقة كونها قراءةً للتراث وليست التراث نفسه، تبدأ أيضًا بنفس المفهوم والشريعة منزوعي التاريخانية؟ ما الذي يُنتِج هذا الإجماع المحير بين مقاربتين وموقعين متناقضين، بصرف النظر عن حقيقة أن هذين الموقعين لا يمكنهما رؤية نقاط تقاربهما؟ إذا كان هناك طريقتان عريضتان لمَوقَعة القراءة في علاقتها بالتراث، حيث تمحي الأولى التمييز بينهما (أي بين القراءة والتراث) بينما تدرك الثانية التباين بينهما، فلماذا يشترك كلاهما في مفهوم مشترك عن التراث؟ النقطة هنا ليست مجرد فضول منهجي، لأن التقارب بين هاتين المقاربتين المتباينتين يشوش على الحاضر والتحديات التي يطرحها على مَن يقطنونه. وهنا يأتي دور التنمية.

إن التنمية في هذا المقال ليست صياغة لمشروع قد شُكِّل بالفعل من أجل التقدم، بقدر كونها تعبير آخر عن الحاضر. إنها مقاربة الحاضر، ليس فقط في واقعيته، ولكن أيضًا من داخل إمكانية تغييره، لجعله شيئًا آخر غير ما هو عليه من خلال الاستجابة للتحديات والمشاكل. وبالتالي، علينا البدء من إدراك أن محتوى التنمية الفعلي مفتوح، ولكن انفتاحه ليس مطلقًا أو مجرّدًا، فهو يعتمد على كيفية استجابتنا لتحديات الحاضر، وماهية المسارات التي تفتحها هذه التحديات أمام مستقبل/حاضر بديل. وبالتالي، فإن محتوى التنمية هو محتوى حواري ونزاعي في آن واحد: فهو يوَّلد من صيرورة اجتماعية ديناميكية تُخلَق من خلالها التحالفات والعداوات. يُمكن مَوقَعة المقاربتين كمقاربتين للتنمية - للحاضر باعتباره قابلًا للتغيير. الأولى تستثمر في واقعية الحاضر من خلال تعظيم التراث. في سعيها لإسكات الحركية الاجتماعية في الحاضر، يتعين عليها إسكاتها في الماضي، بفرض معنى للتراث كحقيقة معزولة عن أي صيرورات اجتماعية وتاريخية. لا يعني ذلك أن مناصري المقاربة الأولى قد لا يدعون إلى تغيير، ولكن من الأفضل فهم «التغيير» الذي قد يدعون له كجزء من إعادة إنتاج الحاضر غير المتغير إلى حد كبير. على سبيل المثال، إذا كانوا سيطالبون بالعودة إلى التراث، ومناهضة العناصر الأجنبية غير النقية، فقد يشير ذلك إلى تغيير خطابي أو حتى تغيير في الوصول إلى السلطة، لكنه سيُعيد إنتاج الديناميكيات الاجتماعية العميقة - ولذلك يجب تناول ذلك باعتباره إعادة إنتاج للحاضر وليس باعتباره تغييرًا بالمعنى المحكم. اللغز المحير بالنسبة لنصر هو سبب سقوط المقاربة الثانية، المنُصبة بوضوح على التنمية - كموقف من الحاضر- في نفس المظاهر. الإجابة، مرة أخرى، هي التنمية.

التنمية هي حاضر قابل للتغيير، لكن رؤية واتجاه ومحتوى هذا التغيير تُبنى من خلال المحادثات. هذا هو مأزق المقاربة الثانية. في افتراض أنهم على علمٍ بالمحتوى بالفعل، يتجه تركيزهم نحو نشره. ما يعنيه ذلك سهوًا أن المحادثات ليست المساحة التي يُمكن تشكيل الأسئلة المشتركة فيها ومن ثم الاشتباك معها بجدية، بقدر كونها التزام أحادي الاتجاه، مما يخاطر بالضرورة بإمكانية الفشل المتكرر - لأنها لا تتجاوب مع ما تتطلبه التنمية. لا يُوَّاجَه الفشل باعتباره مشكلة إيجاد مساحة للمحادثات ولتشكيل الأسئلة المشتركة، ولكن كفشل في نشر الأفكار المتولدة عن الانقسام الثقافي الظاهري في الحاضر بين الحديث والتقليدي. وبهذه الطريقة، يجد النهج الثاني نفسه مضطرًا إلى الانتكاس إلى مفهوم التراث الموجود بالفعل، مُقرًا على مضض بانقسام ثقافي/ثقافوي في الحاضر بين المستورد والأصيل.

يقدم لنا الجزء الثالث مثالًا على ذلك: في قراءة كتاب الخِراج لأبي يوسف القاضي (798 م) الذي ألف الكتاب كدليل إرشادي اقتصادي لإدارة موارد الدولة أثناء الخلافة العباسية - وبشكل أكثر تحديدًا وُجِه للخليفة هارون الرشيد (809 م) - يقدم سعد قراءة ثاقبة لافتراضات القاضي الاقتصادية، مع التركيز على انحيازه لنبذ العمل كمورد أساسي. بينما يحرص سعد على رؤية الكتاب من منظور الديناميكيات الاجتماعية والسياسية، فإنه يفسر هذا الاستخفاف باعتباره نتيجة للفكر المثالي ما قبل الحداثي بشكل عام.

من خلال القيام بذلك، يوضح نصر كيف ينتهي المطاف بسعد بخلق المُعطى المُفتَرَض ذاته («التراث»  باعتباره صاحب صبغة دينية ومثالية وغير قادرة على الوصول إلى الحاضر). بعبارة أخرى، إنه يجد التراث الذي يُبطِل نشر محتوى التنمية في حاضر سعد. بدلاً من ذلك، يقترح نصر أن أيديولوجية أبي يوسف القاضي، وحقيقة أنه يعمل مع هارون الرشيد - على عكس معلمه الذي رفض العمل لصالح الخلفاء - هي مرتكبة هذا الاستخفاف وليس نوعًا ما من المثالية العامة. بعبارة أخرى، فإن القراءات المحددة الموجودة في تراث ما قبل الحداثة لم تُولد من مجرد المثالية الدينية العامة، وبالتالي فإن استمراريتها الظاهرية في حاضرنا ليست عنصرًا (مثاليًا) للهوية يحتاج إلى المناورة معاه من خلال أعمال النشر. بدلًا من ذلك، فإن الشكل المحدد للفكر التقليدي قبل الحداثي وموقعه المحدد في الوقت الحاضر يولدان من ديناميكيات اجتماعية وسياسية. الفشل في رؤية أحدهما، وفي إضفاء الطابع التاريخي عليه، هو الفشل في رؤية الآخر. التراث غير التاريخاني هو أثر ومحور الحاضر غير التاريخاني. إنها الديناميكية التي تُحبَط من خلالها الأسئلة المتعلقة بالحاضر وبالبحث عن فضاءات تُطرَح هذه الأسئلة منها، حتى عندما يبدو أن المرء يسعى لها جاهدًا.

على الهامش

قامت وعد برحلة إلى العياط في أوائل مارس. ولكن، بدلًا من أن تكون هذه الرحلة بمثابة لحظة تتويج بعد سنوات من الثبات والإحباط، فقد جعلتها غير قادرة على النهوض من السرير. تغيبت عن المحاضرات والجيم وأهملت المهام المنزلية الأساسية.

تمسكًا بدروسٍ مُستقاة من مساحة الشلل هذه، تقدم وعد مرورًا مبدئيًا على تناقض حرثته الرحلة: كيف حفزت لديها حسًا بالغاية حتى لو كان متجاوزًا لقدراتها الخاصة. «أعتقد أن بإمكاني أن أكون جيدة جدًا في [الانغماس]، ولكنني عاطفياً متورطة جدًا، ولذلك هشة جدًا».

مستلقيةً في سريرها، وبالتأكيد مُحاطة بكاراميلا ومشمشة، تكتب: «أنا حقًا قلقة بشأن قدرتي على البقاء، وهو حتمًا ما أريد. فـ مشكلة أنني لا أثق بنفسي أن أكون قوية».

بعد بضع دقائق، حصل التكافؤ المزدوج للرحلة على تركيز أكثر حدة : «برغم عدم اعتقادي بأنني قادرة على القيام بذلك بعد تلك التجربة، لا أعتقد أنني قادرة على العيش دون القيام به. هذا ما يعطي حياتي معنىً، ليس النشاط السياسي، ولكن التواصل مع الناس والاهتمام بحق رغم كل الطبقات المعقدة».

كيف نقدم لشخص ما ثقةً في نفسه، في مكان ما هنا والآن، لشخصٍ ما في الماضي؟ كيف نفكر في الممارسة بنفس طريقة وعد ونصر، باعتبارها خلق فضاء نتواصل من خلاله مع الناس ونهتم بحق رغم كل الطبقات المعقدة التي تفصل بيننا؟ نريد أن نعرف. ونتمنى لو كانت وعد هنا لمساعدتنا، لإرسال رسالة نصية، للكتابة عن العياط. لكن كل ما تبقى هو آثار. نأمل أنه في القراءة، ستتمكن من الانضمام إلى هذه المحادثة عن الاهتمام.

* أجرينا تعديلًا في الصياغة هنا لتدقيق الترجمة العربية مع النص الأصلي. [تم في 9 أبريل 2023، الساعة 3:00 مساءً]

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن