تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
هل تنتهي قراءة بروست؟

هل تنتهي قراءة بروست؟

#133 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: أحمد فؤاد الدين 8 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

هناك كتب مؤجلة، وضعناها بالمكتبة ولا نلمسها إلا لمحو الغبار المُتراكم فوقها. نرجئ القراءة سنة وراء الأخرى، نحوم حولها لمعرفتنا بسحرها، لكننا نخاف سحلتها. ومن هذه الكتب اختار أحمد فؤاد الدين واحدًا، بل للأمانة اختار الذي يتكون من سبعة مجلدات، ودخل عالمها فيما يُشبه عزلة اختيارية، ليس بحثًا عن الزمن المفقود لا سمح الله، إنما للاستمتاع والتعلم، وكتب هذا الديتوكس.

#قراءة #دليل

ارتبطت حلوى المادلين الفرنسية عندي بـ«البحث عن الزمن المفقود»، وقبل القراءة كنت أظن أن الرواية تبدأ بكاتبها، مارسيل بروست، وهو يتناول تلك الحلوى مع الشاي لتثير فيه هذه اللحظة كل ذكريات الطفولة، فيبدأ في حكي روايته الضخمة، لكن رغم وجود هذا المشهد، إلا أنه لا يظهر قبل ثمانين صفحة تقريبًا، عندما يجلس مع عمته التي تقدم له المادلين مع الشاي بالليمون، فيتذكر طفولته ويبدأ في سرد الأحداث.

يستعمل بروست الطريقة نفسها لاستعادة الذكريات وربط تدفق الحكايات غير المُترابطة مع بعضها، مرة من خلال الأشياء المادية؛ حلوى، وردة، موسيقى، لوحة، وعشرات الأشياء الأخرى. ومرات من خلال الأحداث نفسها، فيستخدم ذكرى السباحة أو الكتابة، أو أي ممارسة أخرى لاستعادة ذكريات أخرى يجعل من خلالها عمله منسوجًا بحرفية لا تُضاهى، آلاف الكلمات (مليون ومئتي ألف كلمة تقريبًا في سبعة أجزاء) مترابطة كخيوط الغزل، وتصنع عملًا فنيًا لا مثيل له. حتى وأنا أقرؤها باللغة الإنجليزية، التي ليست لغتي الأم، لم أجد أي مشكلة في تتبع التدفق والترابط بين الكلمات. السطور، الفقرات، أجزاء الرواية كلها، نسيج يتشكل في كل صفحة، ولا يتركك لأمل الفهم البعيد، بل يضع بين يديك فورًا فقرات بالغة الجمال.

الأحداث المسرودة على عتبة ذكرى المادلين يمكن وصفها بالذكريات البروستية، تلك الذكريات المتعلقة بشخصية بروست لا الراوي. هنا راويان هما نفس الشخص، لكنهما يمارسان دورين مختلفين كل الاختلاف؛ الأول هو الراوي العليم كاتب الرواية الذي يتذكر ما لم يعشه بروست نفسه من أحداث، يصف دواخل شخصياته وأحداث شديدة الخصوصية، وهناك الراوي الآخر الذي يسرد فقط ما يتذكره بروست.  

لا يفرق السرد بين الدورين، بل يمكن لبعض الفقرات أن تحتوي على الراويين؛ العليم والبروستي. يستخدم الراويان ضمير «الأنا»، وتبقى الذاكرة المُستدعاة هي المحددة لنوع الراوي دون أن تحوّل النص للغز يصعب تشفيره، بل تضيف له لمسة حميمية في كل لحظاته، فتعليقات العليم أو البروستي تضع القارئ على مسافة حميمية من الحكاية، تسمعه يخاطبك، ويحكي لك كأنه صديق مقرب تجلسان لتناول حلوى المادلين سويًا.

ربما لن تجلس مع بروست (1871- 1922)، وستكون القراءة في وقت فراغ مفروض؛ عزلة إجبارية مثل بدايات كورونا، أو كسر مضاعف في الساق، أو لا قدر الله السجن؛ أتفهم تكرار حالة استدعاء قراءة «البحث عن الزمن المفقود» في الكوارث، فالالتزام بقراءة ثلاث آلاف صفحة (قد تصل لأربع آلاف في بعض النسخ) أمر يصعب تخيله، وذلك هو الخطأ الأول المُرتكب عند قراءة هذا العمل، على النقيض أرى أن تتوقف تمامًا عن التفكير في عدد الصفحات أو المجلدات المطلوبة، فعندما تتوقع الانتهاء من سبعة مجلدات فأنت تضع تطلعات مختلفة لمستوى الرواية، خاصة فيما يتعلق بالحبكات والإيقاع العام لـ«البحث عن الزمن المفقود»، فقراءة صفحات قليلة منها كتجربة كفيل أن يمنعك عن استكمالها إذا كنت تنتظر رواية تتسارع فيها الأحداث وتمنعك عن النوم، اطمئن سيفعل بروست ذلك معك، لكن ليس في الصفحات المائة الأولى، وليس بطريقة التشويق وتقطيع الأحداث، لكن من خلال عالم كامل ينسجه فتتوحد معه، يرتحل في أزمنته فلا تجد قلقًا في عدم معرفة مصير إحدى الشخصيات الآن والانتظار لسبعمائة صفحة لتبيانه. كل ما تحتاجه أن تنسى حجم الرواية، وتبدأ في قراءتها دون أي محاولة لتوريط ذهنك في حساب الوقت المتبقي أو المطلوب للانتهاء منها.

يكتب مثلًا فقرات طويلة قد تثير فيك سؤال متى تنتهي هذه الفقرة. لو فتحت أي صفحة من صفحات الرواية ستجدها مسودة بالكامل بأقل مساحة ممكنة للفراغات، هذا ما ستتآلف معه  خلال القراءة، ستجد في الصفحات الأولى ذكرى بروست الطفل الذي يجد صعوبة في النوم ما لم تقبله أمه كما اعتادت كل ليلة، تتشعب الذكريات وتدور حول صعوبات النوم وتمتد لصفحات، يقدم فيها شخصيات إضافية وأحداث كثيرة، لكن أيًا منها لا يصنع حدثًا فارقًا، بل حكايات تبدأ ولا تعرف متى أو أين تنتهي لشخصيات شديدة الثراء، وحكايات آسرة ووصف للطبيعة، وتعمق في النفس والفلسفة، ورهافة في التعامل مع كل شخصيات الرواية حتى يستحيل كره أي شخصية على مدار آلاف الصفحات، فلكل إنسان مبرراته وتناقضاته وأخطاؤه.

في المقابل يحتاج بروست نفسه للحب وللتفهم حتى تتمكن من التعاطي مع نصه، رغم المقاطع الطويلة والوصف المُدقق، لكن عند التوحد مع النص ستتذوق عملًا أدبيًا فريدًا انكب عليه صاحبه لأربعة عشر عامًا ليكتبه، عمله الأدبي الوحيد تقريبًا، ولم يتوقف إلا بعد أن قتله المرض، وترك الأجزاء الأخيرة دون تعديلاته النهائية. في «الزمن المفقود» ما لا يوجد بغيره، وبعد الاستسلام للنص ستتكشف أسراره واحدًا تلو الآخر ببساطة وسلاسة.

ورغم طول الفقرات، فإنها تمتاز بإيقاع أسرع مما تتوقع لسلاسة الجُمل، بينما يبدو الإيقاع أهدأ في الرواية لأن السرد لا يترك مساحة للتأمل إلا ليقتنصها معمقًا نظرتنا نحو كل الأشياء التي يراها أو يذكرها، لو أنه مر على حديقة، فسيتوقف تطور الأحداث لنعرف أكثر عن الورد الموجود فيها، وعلاقة الراوي أو إحدى شخصياته به، بل عادة ما يتوقف السرد من أجل سرد آخر، ذكرى جديدة تقطع تدفق السرد في اتجاه الأحداث لصالح حكاية جديد.

بسبب اتساع رقعة الأحداث وتنوع الشخصيات وكثرة الحكايات، تتطلب القراءة ذهنًا صافيًا، ساعات الليل هي المثالية. حاول ألا تقرأ وأنت مشغول في التفكير في شيء آخر. دع بروست يكون تذكرتك للهروب من العالم والولوج لعوالم روايته المذهلة، لا تجبر نفسك على عدد ساعات معينة للقراءة، لكن حاول قدر الإمكان الإنتهاء من القسم الذي تقرأه، وبالرغم من عدم وجود فواصل ظاهرة بين القصص إلا أن بداية قصة جديدة ستكون دليلك للتوقف -لو أردت- لتستكملها في وقت آخر. لو قرأت ساعة أو ساعتين يوميًا فستحتاج في النهاية ما بين مائة ومائتي يوم للانتهاء، مشروع طويل، لكنه غني بالتفاصيل، ويُعتبر تجربة فريدة لا مثيل لها من حيث الحجم أو الرؤية أو شكل الكتابة، الأهم ألا تتعجل الإنتهاء منها.

تعتمد الرواية في سردها على تدفق الأفكار المدفوعة غالبًا بأشياء مادية أو مواقف تحدث أثناء سرد إحدى القصص فتنتقل بخفة مدهشة بين الحكايات دون احتياج لتتمة للقصة التي توقفت، أو اندفاع لمعرفة الحكاية الجديدة التي يسردها. تتعزز تلك المشاعر مع تطور الرواية والتعود على هذا الأسلوب، ومن الكتاب الأول يظهر أن هناك دائمًا حكاية ممتعة وشخصيات ثرية، لذا لا مشكلة مع توقف حكاية لصالح أخرى جديدة.

يستمر هذا التدفق بين الأفكار على مدى واسع على العكس مما تجده في العادة في كتابات أخرى عندما تتدفق أفكار الكاتب أو الراوي لمدة محددة أو لعدد صفحات قليل، يمكن مقارنة تلك الطريقة المبهرة في عرض أفكار متدفقة على مدار آلاف الصفحات مع حكاء آخر يجيد كتابة ذلك النوع من التدفق في مساحات أقل، هو المجري الحائز على نوبل إيمري كيرتيس؛ خاصة في روايته Kaddish for an unborn child. فخلال الصفحات الثلاث الأولى تقريبًا ستدفع عشرات الأفكار أمامك بترابط وتدفق لا مثيل له، هنا -مع بروست- التدفق يحدث، لكن على مدى أكبر وباتساع الرواية كلها.

قد تجد رابطًا سهلًا بين الحكايات، لكن في بعض اللحظات ربما تتساءل كما تفعل مع أصدقائك بعد حديث طويل؛ كيف وصلنا هنا؟ يفعل بروست ذلك من خلال ربط الحكايات، وتتابعها باستخدام محفزات التذكر المختلفة، لكن أيضًا لا تفقد الرواية هيكلها أو بناءها المعروف من خلال هذا التدفق، وهو أمر قد لا تلحظه، أو لا تظنه ممكنًا بالأساس عندما تجد أن ثلث الكتاب الأول من الرواية مجرد فصل واحد دون أي فواصل، نهر من الكلمات، لكن هذا النهر لا يتدفق دون إرادة، بل حُدد مساره بدقة من منبعه حتى مصبه، بل ربما أستغل التشبيه، مؤكدًا أن هذا ما فعله مارسيل بالضبط عندما كتب الصفحات الأولى والأخيرة من «الزمن المفقود» ثم بدء في تسويد ما بينها. 

مثلًا في الصفحات الأولى للكتاب الأول Swann’s way -وعلى عتبة ذكرى قبلة أمه الغائبة- تُقدم عشرات الشخصيات في عدد قليل من الصفحات، وتُعطى لكل شخصية جديدة مساحتها حتى تعرفها، وهو ما سيبدو صعبًا لتعدد شخصيات الرواية فوق الحصر، لكن ما إن ترى اسم الشخصية ستتذكرها فورًا؛ لأن كل شخصية قُدمت تفاصيلها بشكل يجعل نسيانها صعبًا حتى بعد مئات الصفحات، وربما عدة أيام أو سنين بين القراءات المختلفة. 

مثلًا يقدم شخصية صاحبه بلوخ في الصفحة التسعين تقريبًا (حسب النسخة التي تقرأها) ثم يعاود الحديث عنها مرة أخرى في الكتاب الثاني بعد حوالي 400 صفحة، لن تنسى تلك الشخصية أبدًا، وعند معاودة الحكي عنها ستعرفها، يحدث ذلك من خلال رسم الشخصية وبعض التعليقات التي تجعلك كقارئ قادر على ملاحظة أهمية تلك الشخصية للراوي، فرغم صداقات مارسيل الكثيرة، إلا أنه يذكر كيف كان بلوخ مختلفًا عن جميع أصدقائه. كيف تقبلته عائلته رغم تواضع مستواه الاجتماعي مقارنة بهم، وكيف أحبه الكاتب لثقافته وتواضعه، رغم المشاكل الكثيرة التي سببها له، بتلك الملاحظات التي يحكيها في ثلاث صفحات، أو أقل، ستبقى شخصية بلوخ حاضرة في ذهنك عند الاحتياج لتذكرها. 

ولا تنفصل تلك الشخصيات عن الحكاية الأساسية للرواية التي تتصاعد طبقاتها وتتكثف وتتشعب مع كل كتاب وكل تطور، تبدو في البداية شخصيات منعزلة عن بعضها، حتى لو كانت تمتلك درجة قرابة أو تواصل، لكن مع تطور الأحداث تتكشف تلك اللوحة الفنية العملاقة والتي ترى كل قطعة فيها في مكانها المناسب، لن يحدث ذلك سريعًا على الأقل بعد الكتاب الثاني، وبحلول الأجزاء الأخيرة لن تُحل كل العُقد، لعدم وجود الكثير منها غير المحلول، لكن ستتكشف تلك العلاقات بصورة ستضاعف من حلاوة تجربة القراءة التي لا أرى أنها تجربة لها نهاية، فأنا لم أنته من القراءة إلى الآن، ولا أرى أن قراءته يجب أن تنتهي في أي وقت، سأعاود قراءته ولو صفحات قليلة دائمًا، ليس بحثًا لا سمح الله عن الزمن المفقود، لكن عن عمق الرؤية التي لا يمكن الإحاطة بها من قراءة واحدة لهذا العمل الذي لا يقدم فقط حكايات ممتعة ونظرة معمقة تجاه كل ما يحيط بك، بل يعلمك شيئًا جديدًا مع كل قراءة. ككاتب يقدم لك «الزمن المفقود» طريقة مختلفة لصياغة الكلمات والجمل والفقرات؛ تنساب الجمل الطويلة على صفحاته بطريقة مدهشة لجمالها ومحبطة لصعوبة محاكاتها. وتدفع نظرته المتعمقة لكل ما حوله لإعادة النظر في اليومي والمُعتاد على أنه مادة خصبة للكتابة إذا توفر الوقت الكافي لملاحظته والتفكر فيه. كقارئ لن يختلف الأمر، يثير «الزمن المفقود» حبًا للمعرفة، تعاطفًا مع شخصياته، تفهمًا لرغباتها وأخطائها وجنوحها، بل يضع كل كتاب آخر في أزمة، فتوقعاتك للكتب ستختلف بعد قراءة بروست.

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن