حوار مع هشام سلام عن «فيوميستس أنوبيس» الذي وضعنا على المائدة العالمية.. وموقع الحفريات الذي ضاع في مزرعة الطماطم
في 2008، وخلال رحلة استكشافية نظمتها وزارة البيئة للبحث عن الحيتان في صحراء الفيوم، عثر فريق علمي يقوده عالم الحفريات ومدير المحميات بالوزارة، محمد سامح، على جمجمة حوت، وعظمة فك، وفقرتين وعدد آخر من العظام، تم الاحتفاظ بها جميعًا مع عشرات الحفريات من مقتنيات الوزارة المخصصة للبحث العلمي، غير أن سامح ظل متأكدًا طوال سنوات أن هذه الحفرية تحديدًا ستقود إلى اكتشاف كبير.
كان أمام سامح أن يتيح تلك الحفرية للعلماء الأجانب للكشف عن تاريخها والعصر الذي تعود إليه، وفقًا للعادة، غير أنه اختار اللجوء إلى مدير ومؤسس مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة، هشام سلام، الذي قام بدوره، في 2017، بتكليف طالب الماجستير بجامعة المنصورة، عبد الله جوهر، بمهمة دراسة هذه الحفرية تحت إشراف سلام وسامح وثلاثة باحثين آخرين.

بعد أربع سنوات من العمل اكتشف الفريق البحثي أن الحفرية تخص حوت مصري فريد من نوعه، لم يسبق اكتشاف مثله في أي منطقة بالعالم، أطلقوا عليه «فيوميستس أنوبيس»، والذي أعلنت عنه وزارتا التعليم العالي والبيئة، اﻷربعاء الماضي، في بيان وصف الاكتشاف بالطفرة لعلماء الحفريات العرب، كونه المرة الأولى في التاريخ التي يقود فيها فريق عربي مصري توثيق جنس ونوع جديدين من الحيتان.
«مدى مصر» حاور الدكتور هشام سلام للمزيد من المعلومات عن الاكتشاف وقيمته العلمية، والسياق اﻷوسع ﻷوضاع الحفريات في مصر:
مدى مصر: لم تعثروا على أطراف الحوت، فكيف عرفتم أنه برمائي؟
سلام: في علم الأحياء لو لديّ جمجمة تمساح وقُلت إنها لتمساح برمائي وله أطراف لن يعارضني أحد، لأن كل اللي شافوا التمساح عارفين إنه له إيدين ورجلين، لكن اﻷمر يبدو غريبًا للناس لأن كثير منهم لا يعرف أن العلماء في مجال الحفريات الفقارية توصلوا لعائلة من الحيتان اسمها «البروتستيد» أو «الحيتان البدائية» لها يدين ورجلين، في جميع أنحاء العالم ولها هياكل بأشكال مختلفة. ولذلك عندما وجدنا جمجمة لحوت بدائي، كان من الطبيعي بالنسبة لنا أن يكون هيكله لحوت بدائي يمشي على يدين ورجلين.
مدى مصر: وما الاختلاف ما بين الحوت البدائي والحوت كما نعرفه حاليًا؟
سلام: الناس عارفة إن الحيتان من الثدييات؛ تتزواج بطريقة مشابهة للإنسان، ويتكون الجنين في رحم اﻷم ويخرج متصلًا بحبل سري، وبعد الولادة يرضع المولود من أمه مثل أي كائن من الثدييات البرية: القطة والفيل مثلًا. فكيف يكون من الثدييات ويعيش في المياه؟ وإذا كان قد عاش على البر فأين قدميه؟، عندما حاول العلماء الإجابة عن السؤالين بالتنقيب عن أسلاف الحيتان والتاريخ التطوري لها، وجدوا أن الحيتان الموجودة الآن في البحار والمحيطات ما هي إلا كائنات تطورت من كائنات أكثر بدائية عاشت على اليابسة وانتقلت منها إلى المياه خلال ملايين السنين.
مدى مصر: وما شكل الحوت المصري الذي توصلتم إليه؟
سلام: ما وثقنّاه في بحثنا الأخير هو حلقة وسيطة في سلسلة تطور الحيتان المختلفة، كان فيها الحوت لا يزال يحتفظ بأطرافه الأربعة التي كانت قادرة على حمله على اليابسة وبدأت تتطور إلى زعانف تساعده على السباحة بكفاءة، بما يشبه شكل التمساح الحالي.
هذا النوع من الحيتان هو حلقة وسيطة بين العائلة الثانية والثالثة لأسلاف الحيتان القديمة، التي بدأت عائلتها اﻷولى بحيوان يشبه الثعلب في الشكل والحجم، وكانت تعيش تمامًا على اليابسة ثم بدأت ترتبط بالمياه شيئًا فشيئًا إما للبحث عن مصادر الغذاء أو لتبريد جسمها، ومع مرور الزمن حصل لها تحورات في جسمها للتكيف مع العيش بالماء، وبدأت تظهر العائلة الثانية والثالثة التي حدث خلالها استطالة في الذيل وتحور في عظام الحوض والجمجمة والأطراف، وبدأت الأطراف تتحول من أرجل إلى زعانف تساعدها على السباحة.
ونحن في مصر، وتحديدًا في منطقة الفيوم، محظوظين بأن لدينا حفريات توثق فترة تحول الحوت البري إلى حوت مائي كاملة.

مدى مصر: بخلاف القيمة العلمية للاكتشاف، ما أهميته بالنسبة للعلماء المصريين؟
سلام: أصبحنا نزاحم الكبار على مائدة العلم، وزيّنا زيّهم، سجلنا جنس ونوع جديد من الحيتان لم يسبق لأحد في العالم اكتشافه، وأضفنا كائن جديد لمملكة الحيوان باسم مصر، بما يسد فجوة ويجيب عن بعض الأسئلة الخاصة بنظرية تطور الحيتان، ويقودنا إلى البحث عن إجابات لأسئلة جديدة.
فمن خلال مقارنة جمجمة الحوت وحجم فقراته وشكلها بالحيتان البدائية المكتشفة من قبل في دول مختلفة، استطعنا تحديد الصفات التشريحية للحوت المصري المكتشف بدقة؛ طوله ثلاثة أمتار، ووزنه 600 كجم، وعضته قاتلة، وحاسة الشم لديه قوية جدًا، وذلك كله بأيادٍ وعقول مصرية، فكل الفريق الذي قام بالدراسة وتوثيقها وكتابتها مصري، بعد أن كانت تلك الأبحاث قاصرة على الأجانب.
مدى مصر: ولماذا اخترتم له اسم «فيوميسيتس أنوبيس»؟
سلام: «فيومي» نسبة إلى مكان اكتشافه بمنخفض الفيوم، و«سيتس» هو الاسم اللاتيني للحوت، أما «أنوبيس» فنسبة إلى إله الموت والتحنيط عند الفراعنة، وذلك لأن التحليل التشريحي للحفرية أثبت وجود آثار ترابط قوي بين فك الحوت وجمجمته، ما يعني أن عضته كانت قوية جدًا بشكل يفوق عضة التمساح القاتلة
مدى مصر: هل هناك حفريات أخرى بحاجة إلى الدراسة؟
سلام: كثير جدًا، والطريق الأسهل إننا نطلب من الأجانب يعملوا عليها أبحاث، وكنا ممكن نعمل كده خلال السنوات السابقة مع حفرية الحوت، ولكن كان القرار أن نتركها حتى نجد باحث مصري عنده شغف لدراستها، هو ما حدث مع باحث الماجستير بجامعة المنصورة عبد الله جوهر، الذي قادنا إلى اكتشاف مصري خالص.
مدى مصر: هل كل الحفريات المكتشفة تُحفَظ بمعرفة وزارة البيئة؟
سلام: الأصل أن الحفريات تحفظ في مكانها، فأنا عارف أماكن حفريات سايبها من 2008 في مكان العثور عليها حتى نجد باحثين متحمسين لدراستها.
ولكن أبرز التحديات التي تواجهنا هي احتمالات العبث بالحفريات، لأنها في النهاية عبارة عن عظام حيوانات تم إحلال المادة العضوية فيها بالمعادن، فـ بتكون على شكل طوب أو صخور أو زلط موجود في الصحراء لكائنات عاشت قبل ظهور الإنسان بملايين السنين، وما يعرفهاش غير المتخصصين. فـ أحيانا الناس بتشوطها أو تقف عليها أوتكسرها، أو تدوس عليها.
قبل عدة سنوات اكتشفت والفريق البحثي لمركز حفريات المنصورة ديناصورًا، وكنا نرممه في مكانه ونستعد لنقله إلى متحف المركز، لكن سبقنا شخص حضر إلى الموقع ودمره ومشي وانتهى أمر الحفرية. ولكن تمكنا بعدها من اكتشاف حفرية لديناصور في المنصورة أطلقنا عليه اسم «منصورا سورس» وهو الآن موجود في متحف بجامعة المنصورة في مكان مهيئ للدراسين، ومتاح لأي عالم من جميع أنحاء العالم اكتشف ديناصور في أي مكان ويريد مقارنة اكتشافه بالديناصور المصري.
مدى مصر: بشكل عام.. كيف نحافظ على الحفريات؟
سلام: محتاجين نعمل رحلات بحثية استكشافية، مع تدريب طلاب عندهم الشغف الكافي للقيام بأبحاث في هذا المجال، لأننا ما نقدرش نعمل كنترول نضمن به الحفاظ على كل طوبة في الصحراء. وأنا متأكد أنه خلال بناء المدن الجديدة حصل تكسير لحفريات كثيرة الناس مش شايفاها. المفروض أن اللي يلاقي جسم غريب وهو بيحفر يقولنا، لكن أحيانًا الناس ما بتفضلّش تعمل كده عشان ما نعطلش البناء.
وأحيانًا نطلب من وزارة البيئة تخصص مكان كمحمية طبيعية، كما حصل في أكثر من مكان بمنطقة الفيوم، لكن رغم كده برضه بيحصل تعديات. مثلًا، من أهم أماكن الحفريات اللي شفتها في حياتي كان مكان في الفيوم تحول إلى مزرعة طماطم؛ أرض وضع يد كانت فاضية وفجأة مزارع زرعها طماطم والموضوع انتهى والحفريات ضاعت خلاص، كذلك الحال في الواحات البحرية؛ الناس بتبني على عظام ديناصورات.
مدى مصر: كيف يفيد الاكتشاف منطقة الفيوم؟
سلام: الاكتشاف يشجع السياحة العلمية والسياحة الأكاديمية للفيوم، العلماء والباحثين هييجوا يدرسوا باقي أنواع الحيتان الموجودة عندنا، ونماذج التحول المختلفة من الحياة على اليابسة إلى الحياة في المياه.
تقارير ذات صلة
مضاعفة رسوم سياحة المحميات.. لا فرق بين الشركات وطلاب العلم والطبيعة
فرضت وزارة البيئة رسومًا جديدة على نشاط المجموعات داخل المحميات، ما ضاعف تكلفتها 10 أضعاف تقريبًا.
الأربعاء 28 أغسطس: إسرائيل وافقت على صفقة الغواصات الألمانية-المصرية مقابل 500 مليون دولار – كنتاكي تبدأ تجربة الدجاج النباتي
أصدرت لجنة الفتوى بمجلس الدولة قرارًا يلزم الحكومة بإعادة تسوية معاش اﻷجر المتغير.
صعود وانهيار الأرز المصري.. ما بين أزمات متكررة وفرص مهدرة
الفقر المائي والبيروقراطية يحاصران زراعة الأرز والفلاحين.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن