نواجيب #2| نجيب ما وراء الطبيعة
#جو عام
نستمر في الارتحال مع تامر فتحي داخل عالم نجيب محفوظ الذي صار يعيش داخل عقول وكتابات مَن قرأوه ويأخذ أشكالًا وأبعادًا تجعله أكثر من نجيب. وفي ارتحاله بمشروع أحد مترجمي محفوظ، يستخلص فتحي لنا نجيبًا لا نعرفه بالعربية، هو «الغرائبي»، ولنقرأ ما خلص إليه.
#قراءة #دليل #نواجيب
هل تتصوّر/ين أن نجيب محفوظ تنبّأ بمحاولة اغتياله قبل حدوثها بتسعة أشهر في قصة نشرها في مجلة «نصف الدنيا»؟ بل حدّد شكل المحاولة بدقة: طعن في العنق بآلة حادة، الفارق أن بطل القصة يموت ونجيب قدّر له الله أن يعيش.
وأنه وُلِد في الساعة الثانية صباح يوم العاشر من ديسمبر وليس الحادي عشر كما هو معروف، في نفس الساعة واليوم الذي مات فيه ألفريد نوبل 1896 ولكن بعده بخمسة عشر عامًا في عام 1911.
وأنه بعد القصة التي حكيت لكم عنها، سابقًا، «السماء السابعة» (1979)، وأحداث ما جرى لرؤوف عبد ربه بعد موته في أولى السموات السبع، كتب رواية «أمام العرش» (1983)، ووضع فيها حكام مصر أمام محكمة إله البعث والموت، أوزيريس وابنه حورس وزوجته إيزيس بحضور تحوت كاتب الآلهة، كأن القصة أيقظت فيه شغفه القديم بالحياة بعد الموت منذ قصة «صوت من العالم الآخر» (1948).
ولم يتوقف الأمر عند هذا بل استمر معه حتى «أحلام فترة النقاهة»، ففي «الحلم 6» اتصل به أستاذه في المدرسة الشيخ محرم الذي مات منذ ستين سنة ليخبره أنه سيأتي لزيارته، وعندما يأتيه يقول له إن بعض الدروس التي درّسها لهم تحتاج إلى بعض التصحيح بعد مراجعتها مع العلماء بعد موته.
بل هل تتخيل/ين أن نجيب، صاحب الثلاثية وغيرها من الأعمال الواقعية، ليس فقط كاتبًا سرد حياة المصريين اليومية في عقود مختلفة، بل كاتب قصص عجائبية وغرائبية مخيفة من عوالم ما وراء الطبيعة؟
هذا ليس كلامي، بل كلام ريموند ستوك، المترجم الأمريكي الذي ترجم لنجيب سبعة من كتبه وقصص عديدة له.
يختلف ستوك عن بقية مترجمي نجيب إلى الإنجليزية ليس فقط لأنه ممثل وموسيقي متخصص في موسيقى الروك الأيرلندية والفلكلورية والكونتري والروك الكلاسيكي، بل أيضًا لأنه استحدث مجموعتين قصصيتين لم يضعهما نجيب بنفسه، بل انتقى ستوك قصصهما من مجموعات مختلفة وجمعها في كتابين: «أصوات من العالم الآخر: حكايات مصرية قديمة» (2002)، و«السماء السابعة: حكايات ما وراء الطبيعة» (2005)
في كلا المجموعتين يدشّن ستوك صورة ضمنية لنجيب محفوظ ككاتب عوالم غرائبية أقرب إلى اِدجار آلان بو وعوالمه السريالية المقبضة المخيفة التي تكشف هشاشة النفس البشرية، صورة لم يصنعها نجيب لكن أنتجتها قريحة ستوك باعتباره قارئ فعلي وحقيقي في المقام الأول، أي إنسان من لحم ودم له وعيٌ ولاوعي، وعنده ميول وثقافة ومواقف اجتماعيّة وتاريخيّة يفهم من خلالها النص وصاحبه. استطاع من نسيج أعمال نجيب محفوظ أن يفصّل تفصيلة جديدة عنه. ولأنه مترجم في المقام الثاني، والترجمة قراءة ثانية بالأساس، تمكّن من نقل صورته الخاصة عن نجيب التي أنتجتها قراءته الشخصية، ومن ثمَّ أسس لها، بترجمته لهذه القصص التي انتقاها من مجموعات مختلفة ليصنع تأثيرات وميولًا داخلية في النصوص المختارة، ليعطي للقارئ انطباعًا أن نجيب كاتب غرائبيات، صورة ضمنية لــ«نجيب» ليس لها مثيل في اللغة العربية.
في يونيو 2000، ألقى ستوك محاضرة في المعهد الهولندي الفلمنكي في القاهرة بعنوان «يقظة المومياء: قصص نجيب محفوظ الفرعونية»، تحدّث فيها عن أعماله التي تدور في الحقبة الفرعونية: خمس روايات وخمس قصص قصيرة -وهي الأعمال «المهملة كثيرًا، وغالبًا لا تقدّر حق قدرها» بحسب رأيه، وانطلاقًا من حماسة رد فعل الجمهور وانجذابهم الكبير إلى المادة العلمية في محاضرته، وما كشفه عن شخصية هذا الكاتب الفنية، قرّر ستوك العمل على كتابة كتاب مأخوذًا عن أعمال نجيب الفرعونية، وهو المشروع الذي تتطوّر إلى أن صار أطروحة دكتوراه في الأدب العربي أتمها في جامعة بنسلفانيا (2008).
بدأ ستوك مشروعه بترجمة القصص الخمس القصيرة وإصدارها في مجموعة تحت عنوان «أصوات من العالم الآخر: حكايات مصرية قديمة»(2002)، لا يبدو الأمر غريبًا على مشروع نجيب الذي بدأه مع «عبث الأقدار» (1939) و«رادوبيس» (1943) و«كفاح طيبة» (1944)، ولاحقًا «أمام العرش» و«العائش في الحقيقة»، لكن المختلف في هذه المجموعة هو جرعة الإثارة التي تصبغ المجموعة وتجعلها أقرب لقصص الرعب.
من مومياء فرعونية تعود للحياة في بيت أحد الباشوات الإقطاعيين، إلى مخطوطة بردي وُجِدت في مقبرة كاتب وفيها من القرائن ما يدل على أن صاحب المقبرة -أو روحه على الأصح- هي التي كتبتها، ورجل عجوز أقام العدل فقتله رجال السلطة، وملك انقلب عليه ابنه فاستطاع استعادة ملكه وعفا عن الجميع، وقصة «عودة سنوحي»
يبدو جليًا -في هذه المجموعة- هوس ستوك، الذي أقام بالقاهرة عشرين عامًا (1990-2010)، بمصر الفرعونية، الهوس الأمريكي القديم، أو الهوس الغربي على نحو عام، الذي يقوده في استقراء أعمال نجيب الفرعونية. يرى ستوك أن أعمال محفوظ الواقعية: الثلاثية وزقاق المدق وخان الخليلي وغيرها، خطفت أنظار القراء دون رؤية أعماله الفرعونية التي وصفها بأنها طليعية سبقت موجة أدب «خروج الروح من الجسد» الذي ضرب سوق النشر الغربي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بحسب ما ذكر في مقدمة المجموعة.
يترجم ستوك نصوص نجيب، بأُذن متخصص الموسيقى الفلكلورية والكانتري، إذ يصف لغة قصصه الفرعونية بأن «لها نكهة قديمة بعض الشيء، بل حتى قرآنية. ومع ذلك، فإن هذا يعزز متعة أعماله الفرعونية، مما يمنحها غنائية تكاد تكون منوّمة مغناطيسية، مليئة بالعبارات الرنانة التي تُذكّر بإنجيل الملك جيمس.»
ولأنه أيضًا ابن ثقافة أمريكية، لعبت السينما دوًرا كبير في تشكيلها، لذا نجد أن «يقظة المومياء» تتلاقي والحبكات الهوليودية عن المومياوات المتحركة.
يرى ستوك أن نجيب «يخلق شخصيات بشرية حقيقية ويجعلها تواجه ضربات القدر اللامعقولة، ولكن على نحو مصدَّق بشكل غريب. وعندما يلجأ إلى عوالم بعيدة الاحتمال، فإنه ينتج إما هجاء بارعًا كما في قصة يقظة المومياء، أو قصائد نثر خيالية من وراء الطبيعة مثل قصة صوت من العالم الآخر.»
بعد هذه المجموعة بثلاث سنوات، ينشر ستوك المجموعة الثانية «السماء السابعة: حكايات ما وراء الطبيعة»، ليعزز من صورة نجيب التي اكتشفها في المجموعة الأولى، بل يفتتح المجموعة بأبيات شعر الأيرلندي باتريك كافاناغ (1904- 1967) يقول فيها «على طريق بيمبروك/ احترس من شبحي، الأشعث، ذي الحذاء المفكوك، وهو يلعب على قضبان السكك الحديد مع أطفال صغار، مات أبناؤهم منذ زمن طويل.»
مع ازدياد عوالم قصص هذه المجموعة غموضًا ورعبًا، أصبح جليًا الخيط الذي التقطه ستوك لدرجة أن «ميدويست بوك ريفيو» كتبت عن هذه المجموعة: «إن أدب نجيب محفوظ الماورائي رائع، ومن السيء أن يكون أقل شهرة من أعماله الأخرى.»
في هذه المجموعة جمع ستوك قصصًا تدور عن حجرة فندق يتكالب عليها الناس طلبًا للقاء سيدة صاحبة نفوذ، وتوشك أن تنهار الحجرة بمَن فيها من كثرة توافد الناس، وسفاح يقتل النساء بطريقة واحدة ولأسباب غير معلومة وتتباين حوله آراء الناس فمَن يراه قديسًا ومَن يراه داعرًا، ورجل يحلم بمَن يحذره من النسيان حتى يقع المحظور وينسى، وغابة مسكونة، وكابوس طويل مليء بالهياكل العظمية ومخلوق له رأس آدمي وعين واحدة وأنف كخرطوم الفيل، ورجل يقول للشيء كن فيكون، والشيطان وهو يتحدث عن أشرف رجل قابله في الدنيا، وبائع عطور توقفه أشباح الأسلاف الميتين في طريق عودته بين المقابر لتأمره بأن ينذر أهل الحارة أن يرجعوا عن انحرافهم وإلا زحفت عليهم جيوشٌ من الهياكل العظمية، وقصة «حديقة الورد» التي قال عنها ستوك إن نجيب تنبّأ فيها بمحاولة اغتياله.
والقصة تحكي مقتل حمزة قنديل، أحد الذين نالوا شيئًا من التعليم في الحارة، لكنه في الوقت ذاته غير محبوب لآرائه المنطقية الجافة، ولأن الناس كانت تستقل شأنه، وكان حمزة قد أشار بنقل القرافة (المقابر) إلى مكان آخر وبناء حديقة ورد مكانها لروعة المكان، وصادف ذلك تحرّك حكومي لإخلاء المقابر بالفعل، مما دفع أهل الحارة للسخط على حمزة لأنه أول مَن أشار بالفكرة، وعارضوا قرار الحكومة الذي عدّه الكثيرون منهم كفرًا، ومن بينهم زلط، أحد أشقياء الحارة وأبعد الناس عن الدين. وكان زلط قد ظهر له هيكلٌ عظمي في طريق عودته ليلًا وهدّده بالانتقام من الحارة لو هُدمت المقابر. بعدها وجد أهل الحارة حمزة مقتولًا، وقد طُعِن بآلة حادة في عنقه. لم يثر مقتله فيهم أي شفقة ولم يُبْلِغوا عن زلط «رغم أنه لم يخف على أحدٍ أنه قاتل قنديل.»
يربط ستوك ما جرى لبطل القصة من طعن بآلة حادة في العنق مع ما تعرّض له نجيب من محاولة اغتيال بالطعن في العنق هو الآخر، وأن ما أشار به قنديل باقتراح إزالة القرافة وزرع حديقة ورد مكانها، دون إغفال ترجمة دلالة اسم «قنديل»، يشبه إلى حد كبير دور نجيب التنويري بأدبه وكتاباته في إزالة الجهل المتوارث وإقامة الجمال مكانه.
بهذه الإشارة لقصة «حديقة الورد»، ومصادفة مولده مع موت ألفريد نوبل، إنما يهيأ ستوك الجو تمامًا لصورة ضمنية عن نجيب ككاتب قصص رعب وما وراء الطبيعة، من خلال منحها بُعدًا تنبوئيًا يعمّق من حالة الماورائية العجائبية داخل المجموعة التي انتقاها ليصنع نجيبًا جديدًا، تحوطه هالة من الإثارة والرعب.
حين أخبر ستوك محفوظ بمصادفة وقوع ميلاده في نفس الساعة واليوم الذي مات فيه ألفريد نوبل لم يشعر نجيب برغبة في تعديل تاريخ ميلاده، «رغم أن التاريخ والساعة الصحيحين يحملان رمزية شعرية» بحد وصف ستوك نفسه. هل هذا ما كان يريد ستوك صنعه «رمزية شعرية» تجذب القراء؟
في عرضه لمجموعة «السماء السابعة: حكايات ما وراء الطبيعة»، يكتب ستيفن ريدل: «نجيب محفوظ كاتب صعب -ليس في تعقيد إنتاجه الأدبي بل في خصِيصته الإقليمية. وهمومه التي تساوره هي هموم بلده في عصرها، لذا في بعض الأحيان يتطلّب الأمر معرفة شاملة جدًا بالتاريخ المصري الحديث لمعرفة إلى أين يذهب محفوظ، وماذا يريد أن يقول.»
بالنسبة لريدل رواية مثل «الكرنك»، تحتاج من القارئ الغربي دراية بالسياق التاريخي الحديث وتحديدًا الحقبة الناصرية، «لكن مجموعة السماء السابعة لديها ما تقوله لأي شخص يهتم بأمور تتجاوز شؤون الدولة والتاريخ الحديث. لا تحتاج إلى معرفة الكثير عن مصر أو سياساتها وتاريخها للاستمتاع بقصص هذا الكتاب»
ربما هذه ما أراده ستوك أن يقدم للقارئ باللغة الإنجليزية الذي لا يعرف ولا يهتم بالتاريخ المصري الحديث، نجيبًا خاليًا من التعقيدات والخصائص الإقليمية يمكن هضمه فنيًا وأدبيًا بسهولة في حبكة ليست بعيدة عما تفضله الذائقة الغربية المحبّة لكل ماهو عجائبي وغرائبي منذ ألف ليلة وليلة، في صورة أقرب لاِدجار آلان بو الشرق.
تختلف بالتأكيد قراءة نجيب في العربية عنها في الإنجليزية. في العربية نجيب ليس كاتب قصص رعب وما وراء الطبيعة، بل كاتبًا واقعيًا ورمزيًا وصوفيًا أحيانًا. يكفي ذكر اسمه لتحضر شخصيات روائية يعرفها أغلب المصريين وقراء اللغة العربية حتى دون قراءة رواياته.
شخصيات ترسّخت في وجداننا وصارت مرجعًا للإشارة إلى نوعيات معينة من الأفراد والتوجهات التي مازالت تتشكّل منها مجتمعاتنا، وتؤثر حتى على اللغة نفسها، نحن نقول في لغتنا اليومية «هو مفكر نفسه سي السيد»، فضلًا عما يستدعيه ذِكر اسم نجيب من حقل لغوي في ذهن القارئ العربي يشتمل على الحارة والفتوات والعطوف والدراويش والحرافيش، وقاهرة الثلاثينيات والأربعينيات. أمورٌ لن يعرفها القارئ الغربي.
نجيب في الإنجليزية يبدأ من رواية «زقاق المدق» الأكثر ترجمة حيث ظهرت في أكثر من 30 طبعة أجنبية في 15 لغة، يليها «ميرامار» و«أولاد حارتنا» ومجموعة «دنيا الله» ثم توالت الترجمات خاصةً بعد حصوله على نوبل.
ينصح ستوك قراء الإنجليزية ممَن يقرأون نجيب لأول مرة بالبدء بـ «كفاح طيبة» و«بين القصرين» و«أحلام فترة النقاهة»، ومَن سبق له قراءة «زقاق المدق»، و«أولاد حارتنا» و«الحرافيش» ويرغب في رؤية جانب جديد في عوالم نجيب فعليه أن يبدأ بهذا الترتيب: أحلام فترة النقاهة، وقشتمر، ومجموعة السماء السابعة: حكايات ما وراء الطبيعة.
يقول ستوك: «أحاول فعل ما يفعله المترجمون الجيدون: أن أخلق في اللغة المستهدفة شيئًا أقرب إلى الأصل بقدر الإمكان من الناحية الإنسانية، وألا يبدو النص مترجمًا عند قراءته. لا أوافق عادة على الترجمات المتحررة بإفراط، ولا الحرفية بإفراط. ولا يسعني إلا أن آمل أن يشعر القراء المتخصصون وغير المتخصصين على السواء أنني حققت هدفي فعلًا».
هنا يصبح القارئ الفعلي مالك ناصية النص الحقيقي وما ينتجه من صور ضمنية عند قراءته للنص عن كاتبه لها من القوة والأثر ما يجعلها تبرز وتعيش دون قصد من المؤلف نفسه، خاصة إذا كان هذا القارئ منتجًا للثقافة، مترجمًا مثلًا كما في حالة ستوك. كأنها أقرب إلى عملية إعادة تدوير للأعمال الأدبية لجعلها قادرة على العيش أكثر والاستمرار في بيئات غير بيئتها، أو حتى الترسيخ لنبذها ومهاجمتها كما سنرى في صور أخرى.
انتظروا نجيب الخيال الذكوري، ونواجيب أخرى في طور البحث، وربنا يقوينا على القراءة والكتابة و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن