نساء تحت التأثير.. عن «بنات ألفة» لكوثر بن هنية
فهم دراما البلد الصغير من خلال عيون أسرة استثنائية
يُعرض العديد من الأفلام الوثائقية/ التسجيلية في دور السينما كل عام. لكننا لا نصادف كثيرًا شيئًا مثل «بنات ألفة». في هذا الفيلم الهجين، تلتقي المخرجة الفرنسية التونسية كوثر بن هنية بألفة، الُأم التي رأت ابنتيها الكبيرتين تختفيان في الهواء، يأكلهما الذئب، يبتلعهما الظلام.
***
ما طبيعة هذا الظلام الذي تعلنه لنا المخرجة في التعليق الصوتي في بداية الفيلم؟ لا تجيب بن هنية على الفور، لا لتخلق تشويقًا مبتذلًا، بل بالأحرى لتلفت انتباهنا: ما يهمّ هنا هو فهم المسار الذي قاد هذه الأسرة من النساء إلى هناك.
تختار المخرجة أن تروي هذه القصة الحقيقية المُرعبة منذ البداية. من خلال تعريفنا بالأبطال أولًا. ألفة الحمروني، أمّ تونسية لأربع فتيات، عُرفت إعلاميًا عام 2016، بعد ظهورها المُكثف في وسائل الإعلام المختلفة، مستنجدة بالدولة التونسية لإنقاذ بناتها الأربع بعدما هربت بنتاها الكبيرتان، رحمة (17 عاما) وغفران (16 عاماً)، وتزوجتا من داعشيَين. امرأة فقيرة صارمة في الخمسينيات من عمرها، ترهبها الكاميرا لكنها كشفت في المقابلات عن طبيعة متمرّدة وعاطفية وعنيفة. بناتها الأربع: الأصغر، آية وتيسير، ما زالا مراهقتين، تجلسان إلى جانبها. فيما الكبيرتين، رحمة وغفران، غائبتان، وحلّ محلهما ممثلتين (نور قروي وإشراق مطر).
يتجهّز مسرح العملية تحت عين المخرجة. تلتقي العائلة الحقيقية بالممثلتين، لنشهد ولادة هذه العائلة المُعاد تشكيلها من خلال السينما: تكتشف النساء بعضهن البعض، يروّضن بعضهن البعض. وتنضم إليهن النجمة التونسية هند صبري (ستلعب دور ألفة في إعادة بناء أصعب لحظات حياتها). ليلة زفافها مثلا: رفضها النوم مع زوجها، أختها التي تتدخل لتحريض الرجل على اغتصابها، غضب ألفة، الدمّ على الملاءة البيضاء معروض كتعهُّد بالعذرية.
بعد ولادة البنات الأربع ينتهي الأمر بألفة إلى ترك هذا الزوج العنيف الذي لم تحبّه يوما. تقع بجنون في حبّ رجل آخر يتضح أنه مدمن مخدرات ومسيء وينتهي به المطاف في السجن. تكافح وتسافر للعمل في ليبيا ثم تعود بعدما نبّهها جيرانها إلى أن بناتها في حالة سيئة. تحوّلت الكبرى وصارت من «عبدة الشيطان»، شعرها أزرق ولباسها يتوسّطه دمية المسيح الدجال، والصغرى تقلّدها. مثل النساء في عائلتها قبلها، تغضب ألفة وتضرب وتهين وتحاول حبس بناتها، بينما في الخارج، تونس ما بعد ثورة 2011 ترى الحزب الإسلامي يوسّع سلطته.
على الأريكة المجاورة لها، تقول ابنتاها الأصغر والمخرجة والممثلات لألفة: «من حقّنا أن تكون لدينا رغبات، أن نتصرّف في أجسادنا كما نشاء». تجيب ألفة: «كلا، جسد المرأة ملك لزوجها». على مدار مقابلات وإعادات تمثيل وتبادلات حميمة بشكل متزايد بين هؤلاء النساء السبع اللائي يطاردهن شبح الشقيقتين الغائبتين وممثل وحيد (مجد مستورة) يجسّد كل أدوار الرجال، يتتبع الفيلم بقوة تاريخ السيطرة العلمانية والمؤسسية والدينية والسياسية على أجساد النساء ومصائرهن. يسرد حكاية المعاناة الموروثة والعنف المتوالد من جيل إلى جيل. يذكّرنا أحيانا بفيلم «انتحار العذراء» (1999، صوفيا كوبولا)، ويروي أيضا مرحلة المراهقة وما يطبعها من حاجة المرء لتجاوز حدود عالمه، وقابلية الإنكسار التي تتعرّض لها الشابّات عند سن البلوغ. يتحدث عن محنة الأمهات اللواتي يعشقن العلاقات السيئة والعشّاق المخيّبين، ومحنة البنات المُعنَّفات، والحبّ رغم كل شيء. وسينتهي بالطبع بقول ما جرى لرحمة وغفران. لكن قبل كل شيء، بالتذكير بإمكانية كسر دائرة العنف والقمع.
إذن، كوثر بن هنية تحقق في اختفاء فتاتين صغيرتين في تونس. لكن بدلًا من تصوير المأساة، اختارت تحويلها إلى فيلم وثائقي تخييلي. التحقيق الذي تجريه بن هنية مميز جدًا بالفعل، وقد أشاد به النقاد: فهي توثق قصتها وتتخيّلها في آنٍ. لا شك أن هذا هو السبب وراء حصول فيلمها على جائزة السعفة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي في «مهرجان كان السينمائي» الأخير، أو «بافتا» البريطانية، أو وصوله للائحة القصيرة لجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي. هو فيلم متفرّد، نصفه وثائقي ونصفه خيالي، يعيد بناء أحداث حياة ألفة، في بوتقة أختية بطلتها أم وبناتها الأربع في تونس ما بعد الثورة. في جانب كبير منه، يقدّم الفيلم نفسه كجلسة علاجية therapy session، عمل جماعي قائم على ديالكتيك الأختية-الندّية. ما الهدف؟ فهم دراما البلد الصغير من خلال عيون أسرة استثنائية.
يعيد «بنات ألفة» البناء، أي أنه يهدف إلى إعادة كتابة، عبر سردٍ حميم، للدائرة الجهنمية من العنف الذي عانت منه وأعادت إنتاجه نساء -ألفة، في هذه الحالة- والتي دفعت اثنتين من بناتها للالتحاق بتنظيم داعش. بعبارة أخرى، يصوِّر مادته الوثائقية بشكل روائي. لديه ممثلون محترفون يعيدون مشاهد العنف التي تعرَّضت لها ألفة وبناتها حين تكون عواطف الأشخاص المعنيين أقوى من أن تُحتوى أو يُعاد تقديمها أمام الكاميرا. على سبيل المثال، في المشهد المذهل وشديد الإرباك الذي يكاد يفتتح الفيلم فعليًا، يُعاد تمثيل أول لقاء جنسي (أو ما يُفترض به أن يكون كذلك) لألفة في ليلة زفافها على زوجها الأول، عندما تأمر أختها العريس باغتصاب ألفة المترددة لكي يُظهر للضيوف الملاءة الملطخة بالدماء، ويثبت عذريتها، كما يقتضي العُرف. عنفٌ ذكوري أعادت إنتاجه أخت ألفة، وكذلك ألفة نفسها، التي عكست مساره حين شرع زوجها الأول في مسعاه، فضربته حتى سالت دمائه ومسحت بها أخيرا الملاءة البيضاء ليخرج على المنتظرين رؤية الأخيرة ملوثة بالأحمر.
وهكذا، منذ بدايته، يتبيّن «بنات ألفة» عملًا منسوجًا من مادة وثائقية استاتيكية تميل نحو الملاحظة وتقليب الذكريات والأوجاع. وبشكل متناظر، هو فيلم مدفوع بطاقة مرنة خيالية، جاهزة لتحريك الخطوط وتنعيم الحواف الحادة للماضي وأحداثه. توازن القوى هو جوهر الفيلم، ونحن، كمتفرجين، بحاجة إلى التشكيك فيه من أجل اكتشاف جوانبه الإشكالية.
في مقابلة سابقة مع المخرجة، كشفت أن فيلمها وُلد من عملية طويلة من الشكّ والتساؤل. «استغرق الأمر مِني وقتًا طويلًا للعثور على الشكل المناسب لرواية هذه القصة. عندما اتصلت بهن، كنت ذاهبة لعمل فيلم وثائقي أكثر تقليدية. لكنه لم ينجح. تُهت في منتصف الطريق. جرَّبتُ الكثير من الأشياء... أردت أن أنقل مدى تعقيد القصة. أدركت أنه لكي أفهم أصل المأساة، كان عليّ أن أعود إلى ماضي العائلة ]…[ كان لديّ أرشيفات، لكن الشيء الأكثر أهمية هو ذكرياتهم. كيف تصوّر ذكرى في شكل وثائقي؟ كان هذا هو السؤال الكبير».
من وجهة نظر سينمائية بحتة، عندما يعتبر غالبية النقاد أن العملية التي يتبعها الفيلم أصلية، علينا الردّ بأن هذه القصة ليست مغامِرة في براعتها، وتنفيذها أقرب إلى التكرار. ثمة مشهد في غرفة نوم حيث تختلط الممثلات وبنات ألفة في لوحة تذكّرنا بشكل لافت بقصص الفتيات الصغيرات المسجونات، من «انتحار العذراء» إلى «موستانج»، كما تحاكي العملية السينمائية للفيلم «نسخة مؤكدة» لكياروستامي، أو حتى سينما ألمودوفار. إلا أنه يمكن الدفاع عن منطق المرجعية هذا من خلال تصميم الميزانسين، المُطعَّم به المشروع الوثائقي/ التسجيلي، فموضوعه يتغذى من طاقة السينما، التي تعمل بمثابة متنفس لبنات ألفة، وطريقة لتحرير الأسيرات من جميع أشكال السيطرة.
في أفضل لحظات الفيلم، تتوازن هذه المادة والطاقة: في إطارٍ مغلق منمّق، يهيمن عليه اللون الأسود والأزرق الملكي، إعداد مسرحي يتكوّن من لقطات ثابتة لألفة وبناتها يشهدن أمام الكاميرا، على مستوى الوجه. يميل الفيلم إلى عكس الركود ومنطق الحبس الذي تعيشه هؤلاء النساء. يعمل هذا المختبر بمثابة جلسة تحليل نفسي وعلاج جماعي للحكم على منطق ونماذج العنف التي يقوم بها مجتمع مثل ذلك (مكوّن من النساء) يعيد إنتاج دائرة القهر والإخضاع فيما يتعلق بعلاقة ألفة ببناتها. يُظهر «بنات ألفة» المدى الذي تمكّنت فيه ألفة من إعادة إنتاج الميكانيزمات الذكورية دون تعديل أو استحياء، وهو ما يمثل بلا شك الاهتمام الرئيسي للفيلم. من وجهة نظر المخرجة، يصبح سلوكها متزامنًا مع تأثيرات الربيع العربي وامتداداته، غير المتوقّعة والمشهودة. خدمت هذه الثورة في النهاية نوعًا معينًا من الإسلاموية الراديكالية: ومن المفارقة أنها دفعت اثنتين من بنات ألفة للانضمام إليها من أجل تحرير نفسيهما من أغلال الأمّ.
إنها هذه الحركة المضادة المزدوجة التي بدأت من خلال التخييل الروائي لتوثيق حياة ألفة، والتي أفاض الفيلم في توضيحها على أساس منطق الأضداد الذي يجسّده كل شخص (سجن/ تحرير؛ خضوع/ تحرّر؛ استعباد/ فك ارتباط)، التي تفضي في النهاية إلى أفلمة سينمائية إشكالية وضارة التأثير، في أفضل الفروض. لا تهدف كوثر بن هنية لمجرد تسجيل المأساة عبر إعادة إنتاجها بشكل مماثل على خشبة مسرحها. وبدلًا من هذا، تريد مواجهة الضائقة التي تعيشها هؤلاء النساء من خلال إنهاء استعمار العقل، وتحطيم موادها الوثائقية من خلال تأثير طاقتها التخييلية.
وهنا بالضبط تكمن هذه اللحظة من الفيلم التي تأخذ فيها طاقته (التخييلية) الأسبقية على مادته (الوثائقية) من أجل زعزعتها، وإخلال توازنها بشكل إشكالي. من خلال استثمار قوة الكذب في قول الحقيقة، قوة السينما، تحاول المخرجة عكس مسار الأحداث. تتطفّل الطاقة المتعدّية للخيال على المادة الوثائقية، وتقلبها من خلال ممثلي/ات الفيلم. في البداية، كان هؤلاء الممثلون/ات حريصين على الاندماج مع شخصياتهم. في العديد من مشاهد التدريبات المصوّرة، على سبيل المثال، تقوم الممثلة التي تلعب دور ألفة (هند صبري) بتقليد حركاتها وإعادة إنتاج سلوكها، قبل إعادة تمثيل دراما حياتها. لكن سرعان ما توقّف جميع الممثلين في الفيلم عن التظاهر. لم يعودوا يتصرّفون. تغيَّرت قواعد اللعبة التمثيلية. بل أصبحوا مخرجي دراما: يتدخّلون، ليس في كيفية صنع الفيلم، بل ليصنعوا لأنفسهم فيلمًا عن كيفية إدارة حياة المرء بكرامة. يعطون دروسًا. يحكمون على ألفة.
الميزانسين المنمّق لـ«بنات ألفة»، الهادف إلى جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين من خلال هدفه الجمالي والرحيم، يكشف عن جانبه السلبي. من ناحية، رغبة الفيلم في أن يكون أنيقًا وصادمًا تجعله مزيّفًا. تتحوّل طاقته التخييلية إلى حلقة تلفزيونية سيئة وزاعقة، تستدعي، بقليل من التجاوز، بعض ما أدمنته المذيعة المصرية ريهام سعيد في الإصرار على الظفر بلحظات مؤثرة من مضيفيها سعيًا لاستعادة التقييمات المتدهورة لبرنامجها، فقط لتجدها مرة أخرى في صيغة الاعترافات الذاتية. رغبة كوثر بن هنية في جعل القبيح جميلًا قادتها إلى خلق برنامج ريهامي سعيدي على طريقتها: عمَّمت فيلمها، نشرته على الملأ، استثمرت في لحظاته الصعبة والمربكة. استحدثت «نظامًا» استبداديًا لإضفاء الطابع الديمقراطي على الوعي. يهدف عرضها إلى تشكيل «الوقت العقلي المتاح» للمتفرّج، وإعداده لبرنامجها الليبرالي المفترض، وجعله قابلًا للتسويق في العقل؛ لطمأنته بقيم عقيدتها الفولتيرية المفترضة. ومن ناحية أخرى، فإن هذا الأسلوب المسرحي للتصفيح (أو خلق فضاء مغلق يفترض به إمداد المرء بالشجاعة أو القدرة على الاعتراف) لا يصبح مكان الكشف الذي ترغب فيه المخرجة. وبدلًا من ذلك، تضيق الحلقة على ألفة ويصبح هذا الفضاء موقع محاكمتها، رغم (بافتراض حُسن النية الكامل) أن الهدف المبدئي طمأنتها وحثّها على التحدث. للمفارقة، طاقة الفيلم تسجنها. استجوابها يستحيل تحضيرًا لقاعة المحكمة. كوثر بن هنية، التي أرادت إدانة جميع أشكال التطرّف (السياسي والديني والاجتماعي.. إلخ)، أصبحت هي نفسها متطرفة من خلال التأثير المخادع للحكم على تعليم بنات ألفة من خلال ممثلاتها. بعبارة أخرى، «أسلمت» ليبراليتها بشكل جذري تمامًا، مثلما باركت نفسها بنفسها عبر إضفاء الديكتاتورية على حياة ألفة، بطريقة كأي طريقة أخرى تُظهر أن التطرف يُمارَس أيضًا من/ وفي المركز.
ولهذا كانت المادة الوثائقية للفيلم مجرد ادعاء. لم تترك بيئة الفيلم أي شيء للحالة الطبيعية، لأن الأمر لم يكن يتعلق بتقديم حساب، بل بتقديم حسابات. كان مسرحه مصنوعًا من دمى، صوت وضوء، ولكن قبل كل شيء من قطعات مونتاجية جافة تهدف، من حيث طريقة العرض، إلى ضرب الرؤوس واستخلاق ثنائيات ومفارقات على طريقة مانشيتات الجرائد الصفراء. ثورة، حرية أسلمة، دولة، داعش، نساء.. إلخ. عبر سعيها لتحرير آية وتيسير من جميع أشكال الاستبداد، تقوم كوثر بن هنية بسجن والدتهما بطريقة مختلفة: تقول، ضمن ما تقول، إنه بفعل تأثير ضغوطات الحياة والتنشئة والعمل، قادت تربية ألفة بناتها إلى الانضمام إلى داعش. تحمّلها مسؤولية أشياء أكبر منها. في حين أن ألفة ليست مانوية على الإطلاق، تسبّب رغبة كوثر بن هنية البسيطة في اللعب إلى جانب الخير أكبر قدر من الضرر. رغم ذلك، كنّا نأمل في فيلم ذي مطلب خيّر، خطاب «قوي وودود» (بتعبير مونتين) للتعبير عن ألم وصعوبة أن تكون امرأة أو بلدًا صغيرًا جميلًا ومنكوبًا مثل تونس. لكن كوثر بن هنية لم ترغب في الاقتراب قدر الإمكان من الحقيقة فحسب، بل أرادت تجسيدها. وواثقة من مطرقتها، حكمتْ وأدانتْ.
ومع ذلك، فلقاء شخص آخر، آخر عظيم مثل ألفة، التي تبدو بعيدة كلّيًا عن أجندة المخرج الليبرالية، لن تنتهي أبدًا إلى مسحه تمامًا أو انضوائه كاملًا تحت رؤية ما. على العكس من ذلك، فإن الوصول إلى الآخر، من خلال عدسة وثائقية/ تسجيلية، كان يعني التعامل مع ألفة كطريق/ اتجاه يستحق الخوض والاستكشاف، مما كان سيعطي الفيلم طاقته. مقابلة شخص ما لا تعني التحدث معه لإقناعه، في النهاية، بأفكارك عنه. يتعلق الأمر بالتفكير معهم وتجاههم. ولهذا، لم تكن ثمة علاقة في الفيلم بين المخرجة وموضوعها، بل غزوًا، وفكرًا دونجوانيًا.
أخيرًا، ربما من النافل القول أنه في حالة مثل «بنات ألفة»، يمكن لصانع الفيلم في حالة راودته أي شكوك أخلاقية أو مهنية بشأن ما يفعله أو يحاول التقاطه، أن يتوقف عن التصوير، أن يمتنع عن النبش في المؤلم واللامتجاوز، أن يعتبر أن المناقشة تدخُّل في شؤون الآخرين. ولهذا، كان ينبغي على كوثر بن هنية، في حالات ومواضع كثيرة من فيلمها، أن تملك أخلاقية بسيطة: أن تتوقّف. وبالتالي يمكن أن تكون كوثر بن هنية اجتماعية للغاية، ولكن بطريقة سلبية للغاية. يمكنها أن تكون حنونة تجاه موضوعها، ولكن دون إحسان. في نهاية «بنات ألفة»، لا يتبق سوى شيء واحد لمشاركته: أن نكره صدق كل إخلاص، أو بتعبير أفضل، صدق كل إخلاصٍ يدّعي إقناع عقول الآخرين أو السيطرة على إرادتهم، للعثور على الحقيقة أو إصلاح العالم. أن يكون لديك رأي هو أن تُباع لنفسك كما للآخرين، أن تصبح إعلانًا حيًا لرؤية شخص آخر، أن تضيع في كثافة الفراغ، أن تذوب في سراب العدم، معتقدًا أنك في الكُلّ العظيم.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن



