تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
نجم القاهرة إسكندرية أسوان| حفلة مارينا لمحمد فوزي

نجم القاهرة إسكندرية أسوان| حفلة مارينا لمحمد فوزي

كتابة: مصطفى شوربجي 14 دقيقة قراءة
تصوير: مُهرة

#جو عام

في هذا الديتوكس نقدم أول التحيات الموجهة إلى نجم القاهرة إسكندرية أسوان: محمد فوزي.

يحيي مصطفى شوربجي صانع البهجة في أفراح وحفلات النوبيين، وبعد تحية شوربجي، سنكون على موعد قريب مع تحيتي هاني المصطفى وهيثم الشاطر للنجم نفسه الذي تحوّل إلى ظاهرة حاضرة بقوة ودلع، ليس عندما يفرح النوبيون في أسوان أو القاهرة أو الإسكندرية، بل في أفراح الجعافرة وغيرهم. هي تحيات تحتفي بالبهجة الحيّة التي يصنعها فوزي، ولكنها لا تغفل الكلام الكبير عن سماع الموسيقى وإنتاجها والميدلي وفلسفة الوسيط وفنون الارتجال، والهوية النوبية أيضًا. 

ولنقرأ تحية شوربجي ونحيي معه الإمبراطور أبو زيزو: «أهاا يا أمبيسا»

#سماع

منتصف تسعينيات القرن الماضي، سطّع نجم مارينا، كانت دُرة العقد وأحدث قرى الساحل الشمالي ظهورًا، بعدما سبقتها شقيقاتها الأكبر ماربيلا ومراقيا.

الودعاء الطيبون من موظفي البنوك وشركات التأمين والبترول اختاروا الهدوء والسكون في ماربيلا ومارقيا. أما النخبة فهي في سعي دائم للتمدد غربًا حفاظًا على تمايُز مُتخيّل، تركت مواقعها القديمة في العجمي واتجهت نحو مارينا السهر والصخب.

نشأ في مارينا مجتمع مخملي مُغلق على أصحابه، يخفي وراء أسواره حكايات وأسرار تثير فضول الفضوليين.

صدرت كتب، وخصصتُ أبواب ثابتة في الصحف والمجلات وظيفتها الوحيدة إخبارنا بما فعله المارينز هذا المساء.

بمرور الوقت تحولت مارينا من مجرد مصيف، إلى المصيف بألف لام التعريف، وهوية دالة على موقعك في سلم الطبقات.

وبالتوازي مع قرار اختيار مسرحها الروماني لإقامة حفلات موسم الصيف، التي كان ينظمها التلفزيون المصري تحت اسم «ليالي التليفزيون» ويحييها كبار مطربي الوطن العربي الرسميين، اكتملت عوامل تدشين أقوى براند مصري خلال صيفية التسعينيات «مارينا».

***

صيف عام 1997 أحيا محمد فوزي حفله الأشهر على الإطلاق، سُجل الحفل وطُرح في الأسواق على شريط كاسيت، تصدرت الغلاف صورة فوزي وجوارها عنوان تسويقي جذّاب، طُبع بفونت أبيض ثقيل، أظننا نجحنا في تخمينه.

caption

حقق الألبوم انتشارًا كاسحًا، وبات علامة فارقة في مسيرة صاحبه.

أثناء رحلة البحث لكتابة هذا النص، صادفت منشورًا على فيسبوك لأحد الأصدقاء يحكي فيه عن ذكريات ألبوم «حفلة مارينا»، فاهتممتُ بمتابعة التعليقات، حتى وصلت لتعليق يذكر صاحبه أنه كان حاضرًا هذا الحفل الشهير الذي أُقيم بالفعل في منتجع مارينا.

ياللهول!

تعجبتُ، وتعجب ناشر البوست، فثمة اعتقاد راسخ وشائع أن «حفلة مارينا» مجرد عنوان يجاري تريند تلك الأيام، وأن الحفلة المسجلة المعنونة بـ«حفلة مارينا» لم تعبر حدود الأقصر ربما.

شعرت حين رأيت هذا التعليق بألم انهيار الثوابت وغدر المسلمات.

هل حقًا أُقيمت «حفلة مارينا» في مارينا؟

***

صيف عام 2000 كنت فتى يُناهز العشرين، أقف على حافة مسرح مركز شباب الجزيرة بالقاهرة -المقر التاريخي لأفراح نوبيي التسعينيات- حين همس مَن بجواري «المسرح بيجهز عشان محمد فوزي طالع».

تساءلتُ بداخلي مستفهمًا: محمد فوزي، الاسم يستدعى لأول وهلة صورة المطرب والمؤلف الموسيقي البارع، أيقونة الموسيقى المصرية في خمسينيات القرن العشرين. لكن قطع تساؤلاتي صعود فوزي آخر على المسرح، قلب الدنيا رأسًا على عقب.

كان هذا لقائي الأول بالمغني النوبي ابن قرية بلّانة، المولود في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، المُلقب وسط محبيّه بعدة ألقاب «أبو زيزو» أو «الإمبراطور» أو أخيرًا: «الريّس».

***

نعود لمنشور «حفلة مارينا» الذي جذب إليه تعليقات كثيرة محملة بالنوستالجيا والتناقض في نفس الوقت.

«-الحفلة كانت يوم شم النسيم، ومحمد قبلها كان عنده فرح في إسكندرية، وأخدناه تاني يوم على مارينا، وكان معانا شلة فنانين التسعينيات عماد الشفيع وهاني السوداني.  

-لأ، الألبوم دا مش متسجل من حفلة، دا كان فرح أخونا عيد محمد خير شنينة في سنة 97.

-لأ يا حبوب، فرح أخونا عيد كان في 99 تقريبًا، أنا حضرت الفرح في أرمنا، حتى بالأمارة كان في شارع (1).

-ياااه، الحفلة دي أيام عز محمد فوزي، كان صوته لسه بخير، والأورج الياماها 64، والله زمان.»

وهكذا، تضاربت الآراء بشدة حول ألبوم صدر قبل نحو ربع قرن، ولا نعلم يقينًا حتى تلك اللحظة، هل كان ألبوم حفلة مارينا مُسجلًا من حفلة حقيقية أُقيمت في قرية مارينا السياحية بالعلمين، أم كانت ليلة فرح أخونا المواطن محمد عيد خير شنينة الذي أُقيم في شارع (1) بقرية أرمنا النوبية؟

***

نهايات القرن العشرين حدث تغيّر نوعي في شكل أداء الأغنية النوبية.

حتى تلك الآونة، كانت الأفراح النوبية تتم إما بالطريقة التقليدية، حيث يقف المغني وسط ضاربي الطار منتصف حلقة الرقص، ليؤدوا الأغاني والأهازيج بشكل جماعي وسط الحضور، أو عبر الشكل الحداثي حيث يُنصب مسرح، تعتليه فرقة موسيقية كاملة تضم عددًا من العازفين على آلات غربية متنوعة مثل أكورديون، كمان، ساكسفون، جيتار، بونجز، ويُستعان بعدد من المطربين لتقديم ألوان مختلفة من الغناء الأسود: نوبي، عربي جعفري، عربي سوداني، أو خليط من كل ما سبق، حسبما يرغب أصحاب الفرح.

لكن هبط علينا ذات يوم شابان من النوبة السودانية لإحياء ليلة فرح في قرية أبوسمبل، فأتوا بما لم يأتِ به الأولون، عازف ومطرب وبينهما كيبورد.

تبادل عماد أباظة ومعتصم حسن العزف والغناء، وقدما ليلة فرح جديدة كليّةً، وضجّ ليل القرية الهادئة لأول مرة بالنغمات الكهربائية لجهاز الكيبورد المدعم بسماعات ضخمة.

جهاز الكيبورد -بفضل طفرات تقنية متلاحقة- أصبح قادرًا إلى حد بعيد على إنتاج أصوات باقي الآلات الموسيقية، بتكلفة مادية أقل كثيرًا، وإن لم يكن بنفس الكفاءة والروح بالطبع.

كما أن تلك الطفرات التقنية حوّلت العزف على الكيبورد إلى مهارة سهلة يُمكن لأي فرد اكتسابها.

أصبح في الإمكان إحياء ليلة فرح أو حفلة بواسطة فنان واحد فقط يجيد الغناء والعزف في نفس الوقت، خصوصًا لو كان قادرًا على أداء كافة الألوان الفنية فيما يُمكن وصفه بالـ«وان مان شو».

العامل الاقتصادي حسم الأمر، وودعنا بحزن عهد الفرق الموسيقية النوبية، وشرع عدد من المطربين النوبيين المصريين في محاكاة الموضة الجديدة التي ابتدعها عماد أباظة ومعتصم حسن.

ظهر اسم فهمي عبد الخالق، المطرب التوماسوكي -نسبة إلى قرية توماس- الذي وقف خلف الكيبورد عازفًا ومؤديًا بالقاهرة والإسكندرية.

بينما تولى الفنان البلانوكي -نسبة إلى قرية بلّانة- عبده جَرّوب المهمة ذاتها في قرى النوبة بأسوان وما حولها.

جَرّوب وفهمي نجحا في البداية، لكن مشروعهما افتقد شيئًا. انزوى فهمي سريعًا، وغادر جَرّوب للعمل بالخليج، ليتسلم الراية من بعدهما محمد فوزي الذي تعلم العزف على الكيبورد بجوار معبد أبو سمبل حيث كانت نشأته الأولى.

***

بدأ فوزي رحلة صعود عنوانها الذكاء والمثابرة ووضوح الهدف، مدركًا بشدة حدود إمكانياته، ومساحة الحركة المتاحة أمامه كمطرب أفراح يُعيد تقديم أغاني كبار الفنانين، وانصاع تمامًا لقوانين التطور وأحكام السوق، فأصبح الوريث الشرعي الوحيد لمدرسة الوان مان شو، حيث نجح في صنع وجبة غنائية طويلة وشديدة التنوع في ثوب جديد، سريع، وراقص.

 كما استطاع تطوير مهاراته في العزف على الكيبورد، وتمكن من استخدام المؤثرات الصوتية والغيارات الإلكترونية لخلق حالة من التمبو العالي والزخم تُشعل ساحات الرقص، فيما يُمكن وصفه بالمعادل الجنوبي لفكرة المهرجان.

خرج فوزي من حيّز بلانة إلى باقي القرى النوبية الفاديجكية، وامتداداتها في أسوان والأقصر، معتمدًا على رصيد معتبر من الأغاني النوبية الفاديجيكة.

ثم خطا أرضًا جديدة بنجاحه في الغناء بالنوبية الكنزية (الماتوكية)، معتمدًا على أداء أغاني كبار فنانيها مثل صدقي وجزولي وحسن الصغير، مضيفًا إليها الحليّات الخاصة به، فأصبح فقرة مطلوبة بشدة في أفراح القُرى النوبية الكنزية، وهو أمر صعب لو تعلمون على أي فنان نوبي فاديجكي.

كموجة تزداد اتساعًا وانتشارًا بمرور الوقت، بلغت نجاحات فوزي أسماع نوبيي القاهرة والإسكندرية، فبدأوا في استدعائه لإحياء حفلاتهم وأفراحهم.

ودارت العجلة، وأصبحت أجندة فوزي مكدسة بالمواعيد لشهور وسنين بلا مبالغة، وتابعت بشكل شخصي في البيوت والمقاهي حوارات ومناقشات تصف لنا كيف تحوّل إلى ما يشبه الظاهرة.  

- فوزى جدوله مقفول وأهل الفرح اضطروا يحجزوا له طيارة ذهاب وعودة عشان يقدر يجي الفرح ويرجع في نفس اليوم.  

- العروسة مُصممة على محمد فوزي، وميعاد الفرح هيتحدد حسب مواعيده، حتى لو هيتأجل سنة بحالها.

- خال العريس شغّال في الكويت، وكان واعد ابن أخته من زمان إن محمد فوزي هيبقى هديته يوم الفرح.

- اتفقوا مع فوزي خلاص، بس مش حيعلنوا الخبر، عشان هيلمّ ناس من الشرق والغرب، والفرح ممكن يبوظ.

وصلنا إلى لحظة يضطر فيها أهل الفرح إلى إخفاء أمر تعاقدهم مع فوزي، فالإعلان عن ذلك يُنذر بتحول الفرح إلى كرنفال شعبي ضخم، يفقد الفرح خصوصيته ويصبح أهل البيت أغراب في ليلة عُرسهم.

لأن العشرات من الشباب من كافة الأطياف، سيزحفون زرافات ووحدانًا إلى مكان الفرح، ممنين أنفسهم بقضاء سهرة ممتعة من الرقص والغناء مع فوزي، تمتد من منتصف الليل حتى شروق شمس اليوم التالي، كبديل مجاني عن دفع تذكرة صالة الديسكو باهظة الثمن، لاسيما أن فوزي سيحقق نفس النتيجة، وسيصل بهم حتمًا إلى النيرفانا. 

*** 

بفضل علاقات المصاهرة والجيرة التاريخية التي تربط بين النوبيين وقبائل وادي العرب والجعافرة والعبابدة والبشارية، تسربت ظاهرة فوزي إلى مساحات أرحب وأوسع، وبفضل مرونته الهائلة في التطور والتكيّف مع كافة الألوان، نجح في اختراق تلك المناطق الجديدة، معززًا نفوذه الفني في تلك الأوساط.

ثم اتسعت موجة الانتشار أكثر فشملت عموم الأسوالية والقبائل الصعيدية في محافظات قنا والبحر الأحمر والأقصر وأسوان.

في وقت قياسي، تمكن أبو زيزو من تأسيس إمبراطورية جماهيرية تمتد عبر محيط جغرافي وثقافي وغنائي واسع المدى، متربعًا على عرش صناعة الفرح في تلك الأنحاء، بوصفه بابا المجال، ليصبح النجم الأعلى أجرًا دون منافس خلال العشرين سنة الأخيرة تقريبًا.

أزعم أن الفضل في ذلك يرجع إلى نشأة فوزي بقلب مدينة أسوان، ما أتاح له معايشة يومية لكافة الأطياف، وفرت له إلمامًا عميقًا بالخلفية الثقافية والذائقة الفنية لتلك المكونات، ناهيك عن امتلاكه ذاكرة فولاذية تسع عشرات الأغاني النوبية والمصرية والعربية والسودانية والخليجية فضلًا عن الأغاني الأجنبية الشهيرة. 

***

في الدقائق السبع الأولى من الفيديو السابق المُسجل من ليلة فرح جعفرية، يتحدى فوزي قدرتك على الاحتفاظ بثباتك أمام وهجّ أدائه على الكيبورد المطعّم بصيحاته الحماسية: «هيييا»، والموجهة لعائلة الفرح: «أيوة يا عتامنة»، ولكابوهات حلقة الرقص: «حسن أبو عووووومر».

تلك الصيحات التي تُعدّ فقرة أساسية في الأفراح التي يحييّها فوزي، حيث جرت العادة أن يقف أحدهم بجواره -كما بالفيديو المصاحب- ليهمس بأسماء العائلات والشخصيات الشهيرة في بيت الفرح، ومن ثم يطلقها فوزي بأدائه المميز. 

سبع دقائق على الكيبورد دون غناء، برزت فيها قدرات فوزي على اللعب، واستخدام التقنيات المُتاحة في خلق حالة ممتدة من الاندماج والنشوة.

الفرح حدث جلل عند أصحابه، وخبرة السنين أكسبت فوزي مهارات المرونة وحسن التفاعل مع مشاعر الناس المفرطة في تلك اللحظات، والقدرة على تفهم متطلباتها وغرائبها، حتى رأيناه يرتدي وشاحًا أبيض مطرز بكلمة «إنجكشن» ويبدو أنها اسم شهرة العريس. 

الفرحة عارمة، وشلالات الكرم الفائض عند أهلنا من الجعافرة، أبت إلا أن تتوزع الفرحة على الجميع بالتساوي، مَن بقى، ومَن غادر؛ رأينا بانرات بصور أحبائهم الراحلين عن دنيانا، حاضرة في ساحة الاحتفال خشية أن يفوتهم نصيبهم من الفرحة. 

في محادثة شخصية مع الموسيقي فادي صالح، مؤلف وملحن أغنية «أبو جلابية»، علق قائلًا حول «حفلة إنجكشن»: «بعيدًا عن شهرته وغنائه لبعض الأغاني ذائعة الصيت، أتخيل أن بعد 10 دقائق لعب على الكيبورد، الناس بتحب حالة موسيقى الترانس اللي تتميز بجماليتها الإنتاجية، واللي بتجمع بين إيقاع سريع، وخطوط مزج متكررة، ومجموعة من المؤثرات كلها إلكترونية مُولدة من الكيبورد نفسه، ويمكن تشبيه المنتوج دا بشغل عبد السلام، عازف الكيبورد في المهرجانات، ويعيبه فقط عدم استخدام إيقاعات حيّة».

 

«قطعن كلامن شافن بلابل

مروا دخلوا الروض المقابل

غنوا قالوا حليل بنت بابل

 فيها لينا الشفا والأنين..»

في الجزء الثاني من الفيديو، يؤدي فوزي بمزاج عالٍ جزء من أغنية «يا غصون الروض الأمالك» وهي قصيدة شعرية كُتبت كلماتها في ثلاثينات القرن الماضي.

ليعيد فوزي تقديمها بطريقته الخاصة، ونكتشف معه أن أبياتها الثقيلة جرت بخفة وسلاسة على ألسنة الصغار قبل الكبار، كما تمايلت أجسادهم على الموسيقى المُعاد توزيعها كأنها خرجت للنور اليوم، وليس من مائة عام تقريبًا.

*** 

ميدلي (medley) في التعريف الموسيقي تعني مقطوعة موسيقية تتكون من سلسلة من الأغاني الشهيرة ذات التأثير.

يرى البعض أن الميدلي أداة محدودي الموهبة، ممَن يبحثون عن الانتشار بأقل مجهود، اعتمادًا على ما حصده غيرهم من نجاحات، فكل ما عليهم فعله، هو وضع قائمة ذكية بأغنيات ساحقة النجاح لفنانين معروفين وإعادة غنائها مرة أخرى. 

فوزي حالة استثنائية لا ينطبق عليها قانون الميدلي، فمع اتفاقنا أنه لم يؤسس مشروعه الفني الخاص، واكتفى بإعادة تقديم الأغاني الناجحة لكبار الفنانين، لكنه بثّ حياة أخرى في تلك الأغاني، وتمكن من تسريبها ونشرها في بيئات جغرافية وثقافية مختلفة، ربما لم تكن لتصل إليها إلا بصوته، ما وفّر لها شعبية وجماهيرية مضاعفة، وربما كانت تلك المهمة التي أداها بكفاءة واقتدار منذ لحظة السطوع الأولى لنجمه، هي النواة الأساسية للإجابة عن سؤال لماذا فوزي. 

«أغلى من لؤلؤة بضة صيدت من شط البحرين

لحن يروي مصرع فضة ذات العينين الطيبتين

كتراب الحقل، كحفنة ماء، كعناق صديقين عزيزين

كملابس جندي مجروح، مطعون بين الكتفين

ذات الخطوات الموزونة، كصدى الأجراس المحزونة..»

بالعودة لحفلنا الأشهر «حفلة مارينا»، نكتشف أنها ميدلي طويل تجاوز الساعة، عبارة عن مزيج منسوج ببراعة لعدد من الأغاني الشهيرة، افتتحه فوزي بعزف وأداء تاريخي لرائعة الفنان القدير مصطفى سيد أحمد «والله نحنا مع الطيور» الأغنية الثقيلة كلمةً ولحنًا. ثم أتبعها بأداء جرئ لأغنية «أغلى من لؤلؤة بضة، صيدت من شط البحرين» التي كتبها شاعر بحريني في رثاء شهيدة جزائرية أمازيغية خلال حروب الاستقلال، ولحنها وغناها موسيقار السودان الكبير عبد الكريم الكابلي.

أغاني لا يُتصور أبدًا أن تُقدم في حفل راقص أو ليلة فرح، لكن فوزي حررها من إطارها الجاد شبه النخبوي، وقدم منها نسخة رشيقة راقصة، مطعّمة بتوزيعات وابتكارات فريدة للوقفات والمؤثرات الصوتية، مانحًا إياها روح جديدة، فضبطنا أنفسنا نهتف معه بنشوة في ساحات الرقص «وين يلاقينا الخطر، لو بقينا مع الطيور، الما بتعرف ليها خرطة». هل تخيّلت جمال المشهد؟

***      

حدثني صديق ذات يوم عن كواليس مشاركته في إطلاق أغنية جديدة لفنان نوبي شاب يقدم منتجًا فنيًا جادًا ومختلفًا، فأسررتُ له: «خلوا بالكم الأغنية ممكن تتسرب، وفوزي يغنيها ويصبغها بلونه». 

فباغتني قائلًا: «ياريت فوزي يغنيها، فوزي دا التلفزيون، مين يكره أن أغنيته تتذاع في التلفزيون؟»

وهنا نضع أيدينا على بُعد آخر مهم لتفسير ظاهرة فوزي.

الأمر هنا لا يتعلق فقط بإعادة تقديم الأغاني القديمة، وتحويلها لتريند جديد، ينتشر في بيئات مختلفة، لكن الرد الواثق السريع لصديقي، لفت انتباهي إلى حقيقة تحوّل فوزي من مجرد مؤدٍ للأغاني إلى فاترينة عرض أو وسيط  Middleware ينقل إليك إبداعات الفنانين الآخرين اعتمادًا على شعبيته الجارفة.

هل صادفت فنانًا ينتج أغنية جديدة، ويتمنى أن يؤديها فنان آخر ليمنحها فرصة الانتشار؟

لما لا، وترحال فوزي الأبدي بين قرى ونجوع جنوب الوادي، وحضوره على مسارح المدن الكبيرة وشوارعها، يؤمن لقوائمه المختارة من الأغاني حالة فريدة من الشيّوع المجاني في طول البلاد وعرضها.

أمّنت على كلام صديقي، متذكرًا عشرات الأغاني التي اكتشفتُها للمرة الأولى عبر فوزي، قبل أن أبدأ رحلة بحث عن النسخة الأصلية من كل أغنية ومبدعها الأول.

***             

صيف عام 2010 أثناء إحدى زياراتي للبلد، كنت شابًا يناهز الثلاثين، أقف داخل مركز شباب النوبيين بالفوّزة، حين رأيت كلمة «وجوجاااااا» محفورة بآلة حادة على السور الإسمنتي للمركز.

«وجوجا» هي لزمة فوزي الشهيرة، التي كان يلقيها تلك الأيام بين مقاطع أغانيه، والتي تُشير في تقديري لحالة الصخب والانتشاء بالموسيقى، وسَكرة الغناء، قبل أن يستبدلها حاليًا بلزمة جديدة «أهاااا يا أمبيسا» والتي أخذت نصيبها هي الأخرى من الشهرة، كعادة كل ما يرتبط بفوزي.

بدا لي وقت رأيت «وجوجا» محفورة على الجدران، أن ظاهرة فوزي قد بلغت أوج تألقها وعنفوانها، وأدركت بعد مرور عشر سنوات على لقائنا الأول بمركز شباب الجزيرة، مدى سطوته على المشهد الغنائي غير الرسمي في تلك الأقاليم البعيدة، والذي لم يُترجم بالظهور عبر «ليالي التليفزيون».

وتأملتُ بتقدير وإعجاب شديدين كيف استطاع فوزي فرض نفسه كهوية غنائية في تلك المناطق، وكيف صار جزءًا أساسيًا من ثقافة المكان، وكيف صارت أغانيه خلفية موسيقية مصاحبة لدوران عجلة الحياة في جنوب الوادي بالكامل.

وقراءة بسيطة في مبادئ وأساسيات علم الأنثروبولوجي ستؤكد ما ذهبنا إليه، لأن ألعاب فوزي العجيبة على الكيبورد قد تداعبك وأنت تتناول وجبة فلافل ساخنة شهية في مطعم بسيط بجوار محطة قطار كلابشة. وستخرج من سماعات توك توك ينتظر زبائنه وقت العصاري أمام حاجز بلّانة الإسمنتي الشهير المُزيّن بعبارة «بلد كريم ورب غفور».

وصوت فوزي المُجهد جراء صداحه المتتالي الذي لا يتوقف كل ليلة، ربما ينبعث من كاسيت عربة الكبوت، ويصاحب رحلتك بين الرمادي وأدفو. وبالتأكيد قد يمنحك شيئًا من الونس حين تنتظر دورك في مكتب بريد قتة أو وادي خريط. وغالبًا واحدة من حفلاته الطويلة، ستكون خلفية مسلية لك أثناء لعب الدومينو قرب منتصف الليل على مقهى في العطواني أو الشيخ هارون أو الكلح.

تلك المشاهد تتكرر بتفاصيل متشابهة في جزيرة العوامية، والحبيل والمَريّس، والطوّد أو المحاميد أو جزيرة راجح أو سكن الدريسة أو الكرنك.

الناس هناك يحفظون عن ظهر قلب أغنية «لو باقي ليلة» وقد يجهلون اسم صاحبها الفنان السعودي الراحل عبد الرب إدريس، فقط لأن فوزي اعتاد غنائها بصوته في الأفراح.

غناء فوزي سيطاردك في إسنا والبياضية، الطوناب ووادي عبادي، الكاجوج والشطب، الريدسية والفوّزة، الطويسة والمنصورية وفارس وبنبان، أبو الريش والأعقاب قبلي وبحري، كما أنه حاضر بقوة في أقصى الشرق بحلايب وشلاتين.

لا بد وأنك صادفت فوزي وقد ملأ غناؤه شوارع محرم بك وسيدي بشر وكوم الدكة، أو عين شمس وإمبابة والمعادي وفيصل.

***

«قل لي كيف.. كيفن أسيبك

في دنيا ما تعرف حبايب

وأنسي السنين.. أنساها كيف

ما أظنني قادر..»

تلك الدقائق الأربعة المصورة من فرح مكدّس بالبشر في حي إمبابة 2016، كفيلة بتقديم إجابات موجزة ومبهرة عن قدرة فوزي على زرع الشوارع بالفرح والبهجة، وكيف اكتسب هذا الألقّ والحضور وسط جمهوره، بعدما منحهم فرصة سماع أصواتهم وغُناهم المختلف هنا في قلب المدينة.

دقائق قليلة لكنها كاشفة عن دوره العظيم في إسعاد البشر عبر الغناء معهم لا لهم، حين يشاركهم الغناء، وحين يحييّهم بتشبيك أسمائهم في نسيج أغانيه، فنظل نسمع تلك النسخة من «مصيري كيف» في العشي والإبكار مُزينة في نهايتها بتحيته الخالدة لأحمد عنتر، ما بقي اليوتيوب وما بقت الدنيا.

في النهاية، لا يسعنا القول إن فوزي يمتلك خامة صوتية عظيمة، ولا ندّعى جودة أداؤه التطريبي، لكنه بالتأكيد حالة فريدة تستحق الدراسة والتوثيق.

فقد ارتفع فوق العديد من الحواجز الهوياتية والثقافية واللغوية، وانطلق مغردًا صانعًا البهجة والفرح فوق مساحات مهولة من التنوع، ومشكلًا الذائقة السمعية لفئات عديدة من المصريين.

وحين يشدو النوبيين «مصيري كيف»، ويغني غيرهم «ووه نور ماليك إسكى»، فأعلم أن فوزي قد مرّ من هنا. 

وانتظروا تحيتين أخريين لنجم القاهرة إسكندرية أسوان، وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن