مُتعة المشي.. عما كسبناه مما فُقد في ترجمة «عوليس»
هذا النص ضمن تقليب #16 من «مُنتهى الأدب»
«إذا ما شددتَ الرحال إلى إيثاكا، فلتتمنّ أن يكون الطريق طويلًا حافلًا بالمغامرات، مليئًا بالمعارف». ظلَّ هذا المقطع من قصيدة إيثاكا لكفافيس يتردد في رأسي وأنا أقرأ كتاب «لم يُعثَر عليه».
إيثاكا موطن عوليس، الذي خاض رحلة طويلة ومثيرة للوصول إليها خلّدها هوميروس، وضربت الكثير ممَن كتبوا عن أوديسة أوديسيوس/ أو رحلة عوليس، وبسببها صُكّت المقولة الشهيرة: «المهم الرحلة، وليس الوصول».
وهذا بالضبط ما يقدمه محمد فرج في كتابه؛ رحلة لا تفضي إلى شيء، لكنها تورطك فيها لدرجة تتمنى معها أن تطول أو أن يصل الكاتب لمبتغاه.

يبحث فرج -أو يتمشى كما كتب على غلاف كتابه- عن الدكتور طه محمود طه، مترجم رواية الإيرلندي جيمس جويس، الذي قضى عشرين عامًا ينحت في العربية مفردات تضارع كلمات الرواية العصية التي لا تعطي نفسها للقراء طوعًا، المحفوفة بالأفخاخ اللغوية، المُتخمة بالفن والمعارف والخيال رغم أن أحداثها تقع في يوم واحد وتحاكي فصول «أوديسة» هوميروس، بل ووضع لها قاموسًا ولأدب جيمس جويس موسوعةً.
«أوديسة ترجميّة» جعلته ينال عن جدارة لقب «الراهب»، لكن الرجل لم يكتفِ بذلك بل تصدّى لرواية جويس الأخيرة والأكثر وعورة «فينيجانز ويك» حتى خسر بصره وأُسدل عليه ستار النسيان ولم ينل حظه من التقدير ومات وأعماله التي أفنى فيها عمره غيرَ مقروءة ولا مفهومة ولا متاحة ومنسية وضائعة.

مصير قاسٍ يذكّر بمصير بطل نوفيلّا بلزاك «العمل الخالد المجهول» التي تحكي عن فنان عجوز قضى عشر سنوات من عمره على تحفته السرية، وحين عرضها على اثنين من رفاقه الفنانين (أحدهما شاب والآخر تلميذه المشهور) لم يجدا فيها إلا تكتلات وفوضى لونية طمست تفاصيل عمل فني، كان من الممكن أن يكون فذًا وخالدًا لولا جنون وشطح الأستاذ الذي لم يحتمل نقدهما فأخرجهما من بيته، وفي اليوم التالي مات كمدًا. تمامًا مثل طه الذي ضاعت ترجماته.
لكن ما الذي دفع فرج للبحث عن طه؟ بصراحة لا يبدو متأكدًا في كتابه. هو يقول إن حوارًا نشرته «أخبار الأدب» مع المترجم أثار فضوله حينما قرأه وهو طالب في الجامعة، ومن ساعتها علِق الرجل بذهنه وصارت لديه الرغبة في الاطلاع على منجزه. وكذلك جويس، الأصعب بين كُتّاب تيار الوعي، ولم يكن فرج قد قرأ له غير «صورة للفنان في شبابه»، وكان يبحث عن «عوليس» ولم يجد منها سوى نسخة إلكترونية طبعها في محل عمله وحاول قراءتها لكنه فشل.
وجدها مُطلسَمة، لم يفهم مُفتَتحها الغامض، الأمر الذي أشعل شغفه وزاد من التحدي في معرفة السر وراء هذا العمل الذي استغرق جويس سبع سنوات في كتابته، وترجمه طه في عشرين.
إنه سؤال الأدب إذن هو ما حرّكه إلى رحلة البحث هذه. ما الذي كتبه جويس ليصل لتلك المكانة ويفعل ما فعل مع طه؟ أي بهار أدبي استُخدِم في هذه الوصفة؟ وهل هذا هو الأدب؟ وإن كان كذلك، فكيف يكون بهذا القدر من الاستغلاق؟ لم تُطرح هذه الأسئلة بشكل مباشر في الكتاب لكنها ظلت تتردّد من تلقاء نفسها مع الاستمرار في القراءة.
ورغم أن الأدب هو المحرك الأساسي للتمشية، إلا أن فرج يخوض رحلته متسلّحًا بالأدوات الصحفية الجديدة المعجونة بالسرد الأدبي، والمعنية بخلق نوع من الحميمية مع القارئ في أثناء البحث والتقصي وصنع المغامرة. لم ينظر ويحلل ويقارن بين نظريات الأدب والترجمة أو يتجه مباشرة إلى آرائه وانطباعاته حول العمل الأدبي، بل اختار أن يبدو الكتاب وكأنه روبورتاج مطول لصحفي يبحث عن المترجم الذي نذر حياته لترجمة جويس، ومن بعد موته اختفت غالبية ترجماته وانقطعت أخباره.
ثمة مغامرة هنا، وعملية بحث عن شخص مفقود، حبكة ليست جديدة، غير أن الجديد فيها أن الكاتب غير متأكد تمامًا ويشك في ميكانيزم الذاكرة، وفي ما يلقاه في الأرشيف وطيلة الوقت يتساءل ويتأمل كثيرًا.
هذه التساؤلات تُحيل القارئ لشاهد وسيط يشارك ويطرح هو الآخر الأسئلة بجوار الكاتب، وتُنشِئ حالةً من اللايقين التشاركي تقرّب بين الطرفين، فكلاهما لا يعرف ويتساءل، ما يصنع حالة من الحميمية والتعاطف مع الباحث الذي كلما وصل إلى خيط فقده.
بهذا الشك الذي يحمله الصوت الداخلي للسارد، يفتح فرج الباب للتخييل، لإعادة تمثيل الواقع حسب آلية عمل الذاكرة. هنا هو لا يوثّق ولا يسجّل ما جرى بالحرف، بل يعيد تركيبه داخل إطار من السرد يحيل مصادره والوقائع الحقيقية وكأنها شخصيات وأحداث روائية.
أمين المهدي، ناشر «عوليس»، المثقف المنبوذ لأرائه التطبيعية، أسير نظرية المؤامرة، المُعادي للنظام الحالي، الذي يُلقى القبض عليه وقت جائحة كورونا وبعدها يموت دون أن يلتقي بفرج، ودون التأكد من إن كانت ترجمة «فينيجانز ويك» في حوزته أم لا.

ابن المترجم الذي رأى أن والده أضاع عمره ومجهوده بلا طائل ودون عائد مادي لائق، لذلك ظل يُفاوض الكاتب، الذي يعمل على إعادة الاعتبار الضائع بمبدأ البائع صاحب البضاعة، وليس بصفته صاحب إرث فني، يدرك قيمته، كل ما يعرفه أنه غالٍ لكنه لا يدري سبب ذلك.
الناشر والمحرر الشاب اللذان يسعيان وراء الابن للحصول على حقوق نشر ترجمات أبيه، ويزاحمان فرج عند لقائه بالابن دون فهم حقيقي لأدب جويس العازمان على نشره.
الكاتبة الصحفية إكرام يوسف، التي تروي سردية انتشرت وسط اليسار المصري عن المهدي وتورّطه في التطبيع مع إسرائيل، وانقطاع الصداقة بينه وبين الباحث والسياسي أحمد عبد الله رزة، وعدم نشرها للكتاب الذي ترجمتْه عند دار أمين المهدي.
نبيل عبد الفتاح، المثقف الهادئ، الذي يكشف دون انفعالات، الجانب المجهول عن أمين المهدي. وكذلك بهاء عبد المجيد، أستاذ الأدب الإنجليزي الذي تأجل لقاء بينه وبين فرج، حتى غيّبه الموت وقت جائحة الكورونا.
بين هذه الشخصيات ينتقل فرج ثم يتوقف ليوسّع كادر القصة، كاشفًا من البداية عن السياق العام البوليسي الذي يعمل فيه، مع مشهد تفتيش الهواتف المحمولة في وسط البلد للبحث عن المعارضين والناقمين على الأوضاع، وبعد ذلك عند اعتقال أمين المهدي وموته بعد خروجه من السجن، وفي أجواء ممرات الأرشيف الحكومية المكدسة بالصناديق المحشوة بالأوراق.
جو كافكاوي بامتياز كما في قصص فرج «خطط طويلة الأجل» و«مياومة» و«شيء ما أصابه الخلل» بأجوائها الحلميّة، وبطلها الموظف الذي يفشل في إتمام المهمة الموكَلة إليه.
لا يخيّل فرج الوقائع لأغراض خيالية، ولكن لإعادة تشكيلها وتقديمها للقارئ لاستقرائها من جديد، وفي ذات الوقت يربطها بقصاصات الجرائد التي حصل عليها من الأرشيف لتأكيد واقعية الأحداث.
ورغم أن فرج يفشل في العثور على طه، ولهذا جاء عنوان الكتاب «لم يُعثَر عليه»، إلا أنه ينجح من خلال وقائع رحلته، أو تمشيته، في الكشف عن السياق الثقافي العام الذي نُشرت فيه ترجمة «عوليس»، وكيف أن أحدًا لم يلتفت إليها حتى جابر عصفور، مدير المشروع القومي للترجمة حينها، والذي قال في ندوة إنه لم يستطع تجاوز صفحاتها الأولى، كما غضّت عنها البصر جائزة الدولة التقديرية، بينما ظلت ترجمة الرواية غير مُتاحة وأسيرة دار لم تقدمها جيدًا ولم تُعِد نشرها ولم يحتفَ بها ثقافيًا لسمعة ناشرها السيئة. كذلك نكتشف أن كل ما يخصه في الأرشيف ضاع بسبب عوامل الإحلال والإبدال، ورغم أن فرج يؤكد أن ترجمته لـ«فينجانز ويك» حقيقة، لكن مصيرها مجهول الآن.

في الأخير يظهر لنا الوسط الثقافي في مصر وهو يسير في حركة عشوائية تحكمها الأهواء الشخصية، والتوجّهات السائدة، والخلافات والشائعات دون قراءة حقيقية، ودون فعل فني صادق، وأن ما يدفع عجلة الأدب والفن هم أصحاب المشاريع المخلصين المجهولين أمثال طه وغيره.
ربما من أجل هذا الإخلاص للفن والمتعة كتَب فرج كتابه، كما يظهر في رسالته إلى الدكتور طه التي ختمه بها، في محاولة لأنسنة المترجم وجعله ليس مجرد موضوع بحث بل صديق أو رفيق تمشية طويلة.
في نوفيلا بلزاك، يقول الفنان الشهير للفنان الشاب إنه يحسد العجوز على النشوة التي أصابته وهو يصنع العمل الذي خرب منه، وفي الكتاب يقول فرج -الذي استمتع بقراءة «عوليس»- لمترجمها إنه متأكد من استمتاعه بصحبته مع جويس، وبالتأكيد كان جويس نفسه مستمتعًا هو يكتب أعماله، بل إنه جعل من روايته «فينيجانز ويك» سرًا تمامًا مثلما فعل الأستاذ العجوز.
مجموعة من المهاويس بقراءة هذا النوع من الأدب، مشى ورائهم قراء من نوع فريد بإمكانهم الصمود حتى نهاية النص رغم كل العراقيل.
لكننا فور أن ننتهي من الكتاب، نجد أنفسنا أمام سؤال الأدب مرة أخرى. لماذا ألغز جويس أدبه؟ وأحب أن تُستغلق نصوصه إلا على نوعية من القراء قادرةٍ على ألعاب القراءة الصعبة؟ ولماذا يفعل الكاتب ذلك؟
ورد في الكتاب عن جويس أنه كان يرى أن الروايات لا بد أن تُقرأ بصوت عالٍ، وأنه سجّل بصوته مقطعًا من رواية «فينيجانز ويك». حين سمعتُه استشعرت حجم البناء الصوتي الذي صنعه جويس. فهو يقرأ كما لو كان ينطق بلسان أوروبي حوى أصوات الجيرمان والفايكنج والأنجلوسكسون والفلامش واللاتينية وأصوات أخرى غير أوروبية. وكأنه يعيد الروائي لوظيفته الأولى بوصفه الراوي الذي كان يتحلّق حوله الناس قديمًا ليسرد لهم السير والملاحم والأساطير، هنا يتحوّل النص إلى أداء صوتي يشحذ الذهن ويوقظ اللاوعي.
لإدراك ما يفعله جويس وسبب استغلاقه؛ لنتخيل روائيًا عربيًا قرّر العمل على رواية يُعيد فيها سرد حكاية من التراث العربي، من خلال كتابتها بلغة عربية تحوي لهجات العرب القديمة وعامياتهم الدارجة ومفردات من غياهب القواميس، ومشتقات جديدة كنوع من الكوميديا السوداء.
مشروع كهذا، يصعب على قارئ العربية صاحب اللسان الأم قراءته، فما بالنا إذا تُرجم إلى لغة أوروبية مثلًا، كم من الوقت يلزم لإنجاز ترجمته، وهل سيفهمه القارئ الأوروبي ابن الثقافة البعيدة إن قرأ الترجمة؟
لنتخيل أنه صمد حتى النهاية وفهمه بل وفُتن به، وهو أمر سيكون نادر الحدوث. سيجعل هذا منه ومن غيره قراء من طراز خاص، لهم نفس طويل وبإمكانهم تجاوز كل هذا التعقيد حتى الوصول إلى ما وراءه من مغزى ومتعة، مخلصين للقراءة وحب الفن.
هؤلاء على أيديهم تُولد النصوص مرة أخرى - كما يذكر فرج، وهو نفسه واحدٌ منهم، ممن قرؤوا عوليس في غير لغتها واستمتعوا بها- وتتحول القراءة من مجرد طقس ترفيهي إلى أوديسة واعرة لكنها شيقة وحافلة بالتوقُّفات والتأملات والاستخلاصات وصولًا إلى إيثاكا الرحلة أو لذة النص.
وتحت قصة البحث المثيرة عن المترجم، يسرد «لم يعثر عليه» رحلة قراءة فرج لـ«عوليس»، ويقدم رحلات طه التي استخلص منها مفاتيح الولوج إلى عالم جويس. هذه الرحلات مثل طرف خيط مربوط في عتبة النص كي لا نضيع في متاهاته الداخلية، وتحمل في طياتها الدعوة لدخول عوالم الرواية وإنتاج قراءة تخصنا نحن أيضًا.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن