موت عزيز
سلوان #7
#جو عام
«سلوان» لا تقلب المواجع -لا سمح الله- أو تنكأ قشورًا غطت جراحًا قديمة، بل تقرؤون في هذه السلسلة خلاصات تجارب كُتبت بحساسية وتقليب على جمر النار كما تقول الست أم كلثوم، دون تركيز على الإيلام، بل أُعدت كضفيرة، حيث نقدم كل خبرة عميقة برؤيتين متداخلتين بنشر ديتوكسين كل ويك إند، وفي طلعة السلسلة الأخيرة، تكتب سلمى الديب، محررتها، عن مصاحبة المشاعر التي تتوالد بعد فقد عزيز، وهو ما يتلاقى مع ما يكتبه بلال حسني عن مراكمة أحزان الفقد ومصاحبتها لدرجة أنها صارت منه.
في «سلوان» لا نقدم مشاعر مؤلمة أو نعيد آثارها على أصحابها أو مَن مروا بها أو نجوا منها، حتى يكون اسم السلسلة على مسمى، لكن يحتمل أن تسبب قراءة بعض المواد آثارًا نفسية أو تذكر بما لا يُستحب استعادته، لذا لزم التنويه.
#سلوان
أقرر يوميًا الهروب من الألم، نجحت محاولاتي لمدة 18 عامًا حتى التحقت بكلية الطب، فأصبح الألم رفيقًا يوميًا منذ 2013، في التعامل مع الألم داخل حدود تجربة الطب لدينا عدة أسئلة وسُلَّم، نعم اللفظ صحيح، سُلَّم، ويكون السؤال هو ما نوع الألم الذي تشعر به؟ هل هو وخز؟ تنميل؟ كالنبض؟ حاد؟ وما هي درجته من 1 إلى 10؟ 1 أقل ألمًا و10 هو أقصى ألم اختبرته في حياتك، أما السُلَّم والذي يُطلق عليه «سُلَّم الألم» أو pain ladder وهو التدريج بين أنواع مسكنات الألم بداية من الباراسيتامول وصولًا إلى الأعلى؛ المورفين.
تعاملت مع السرطان بذلك المنطق في سنوات الدراسة، مرض لعين يحدث للآخرين وأقدم الدعم لمَن يعيشون التجربة، أحيانًا تلعن العلم والطب ودراستك تلك حين تعي الحالة جيدًا وانعدام الجدوى من العلاج، تتمنى لو في تلك اللحظة كنت تعمل في أي مهنة غير أن تكون طبيبًا، تردد جميع الأدعية وتتوسل إلى الله أن يشفي أحبتك وتكون مدركًا في الوقت ذاته أنه بحكم دراستك ومعرفتك فالذي تطلبه هو معجزة!
عندما توفي والد صديقتي بالسرطان، لم أكن أفهم ما تقوله بشأن ألم الفقد، لأني اعتقدت أن هذا يحدث للآخرين فقط، لكني حاولت بكل جهدي الفهم والإنصات والتواجد، هكذا تكون الصداقة، وهكذا كانت تجربتي معها، حتى صفعتني نتائج تحاليل جدي بسرطان في الكبد متغلغلًا لدرجة لا ينفع معها الدعاء بالشفاء واليقين في الاستجابة.
لم تجد حيلتي في إبعاد الألم عني، أصبحت الأشياء تحدث لي، أنا واحدة من أهل المريض وتحتاج إلى الدعم، كيف يطلبه الناس؟ هل أصلًا يمكن طلبه؟ كلها أسئلة لم أعِ بوجودها رغم محاولاتي لتقديم الدعم لأصدقائي الثكالى بسبب ذلك المرض اللعين الذي يفتك بأحبتهم.
في أخلاقيات الممارسة الطبية يركز الأطباء على شرح المرض والأعراض والمضاعفات للمريض، ومناقشة أساليب العلاج المُتاحة في جميع الحالات إلا في حالة عدم قدرة المريض على اتخاذ تلك القرارات بسبب علة مرضية، هكذا تعلمت في أثناء إعدادي لمعادلة الطب في بريطانيا، فتركز أخلاقيات المهنة على تلك الموافقة ومحاولة فعل الأمر أكثر من مرة في حالة تعذره بالبداية، وفي حالة عدم قدرة المريض على أخذ قرار ما، لا يعني ذلك عدم قدرته على أخذ قرارات أخرى، لكن هذا بالطبع يحدث للآخرين فقط.
قرر أبي وأخوته ضرورة إخفاء خبر إصابة جدي بالسرطان عنه وعن جدتي، خوفًا من وقع ذلك الخبر عليهما، وأنا حتى اليوم، وبعد عامين من التشخيص وعام ونصف من الوفاة لا أعلم إذا كان هذا القرار جيدًا أم لا، لكني أفكر بعقلين: سلمى الطبيبة وسلمى الإنسانة، في الواقع لم تكن هناك خيارات علاجية أصلًا يمكن الاختيار بينها، فالأمر تجاوز هذه المرحلة بكثير، لكني حائرة بين الألم الذي قد يجلبه وقع هذا الخبر على جدي وحقه في أن يعرف سبب مرضه، وحتى يومنا هذا لا أعرف ما الأفضل له، لكني أعرف أن غيابه حولني، منذ ذقت ألم فقده وأنا أتغير كل يوم بسبب ذلك الألم.
****
كان جدي رجلًا عصاميًا يحكي دائمًا عن أول عمل له؛ بيع العسلية، والتي كانت البداية ليهوى التجارة ويفتح فرشة يبيع عليها الخضراوات والفواكه، ويتطور ذلك مع الزمن ليصبح من مُلَاك الأراضي الزراعية وخاصة جنائن الموالح، وهكذا ترسخت صورته في عقلي أيضًا، ذلك الرجل البسيط الذي لم يتعلم بشكل نظامي، بل يوقع ويمضي ويختم ويحفظ الأرقام ويكتبها، لكنه علّم كل مَن اقترب منه دروسًا في الحياة تعلمها هو على مدار عمره، مجرد أن ترافقه في يومه ستتعلم، لم يكن يلقن الصغار دروسًا، بل كان قليل الكلام، تعلمت منه المرونة، كان يغير طريقته في التعامل مع الصغار بشكل يلاحظه كل مَن حوله، كان مرنًا أكثر من أبي نفسه، (ربما هذه الصفة يكونها الأجداد مع الأحفاد جميعًا، ولكني كنت أرى مرونته أكثر من جدتي مثلًا على سبيل المثال).
يغير جدي شريط الكاسيت من أم كلثوم لجواهر كلما ركبت معه سيارته، فلم أكن طفلة تستسيغ أم كلثوم أبدًا، لكن طبعًا أحببت جواهر بسببه، لتصبح «هقابل حبيبي على الكورنيش» مرتبطة بجدي دائمًا وأبدًا، وامتدت مرونته لتقبل قراراتي العنيدة التي لا تلائم المجتمع القروي الصغير، في حين غضب كل مَن يخصه أمري ومَن لا يخصه أيضًا، كان هو موجودًا، لا يدعم ولكن لا يتدخل، لم يغير الشريط لجواهر كما كان يفعل في صغري ولكن لم يتأفف من تغييري كما تأفف غيره.
أدرك قيمة الذكريات تلك، وأعلم أنها سبب الألم، أحاول مع حبه ليبقى أطول، مع ذكراه لتدوم.
***
استيقظت في يوم وفاته قلقة، لا أعرف سبب قلقي، لكني كنت قلقة إلى حد لم أستطع التعامل معه، بعد محاولات فاشلة لتهدئة نفسي اتصلت بصديقتي وطلبت منها أن تأتي ونفعل أي شيء، ارتديت ملابس رياضية على أمل أن أذهب لـ«الجيم» بعد أن أهدأ قليلًا، ونزلنا من بيتي، دقائق واتصل بي عماد يسألني أين أنا، كان جدي في ذلك الوقت قد توفي، وأبلغوه كي يبلغني، كنت حينها في شارع بيتنا على بعد أمتار، طلب مني أن أعود بالسيارة، استغربت طلبه، سألته هل ستخرج معنا؟ لكنه أخبرني أنه يريد بعض الأشياء من السيارة، عدت إليه وطلب أن يقود هو، استغربت طلبه، تركت له مقعد السائق وعلى بعد أمتار من المنزل، ركن السيارة، وطلب مني النزول. لم أفهم تصرفاته وفي تلك اللحظة جن عقلي، لماذا يتصرف بهذا الشكل الغريب وأنا بالفعل في حالة من القلق لم أختبرها مسبقًا، ثم فجر عماد القنبلة على رأسي وأخبرني بالوفاة، ولم أعرف ماذا حدث بعدها لبعض الوقت.
غبتُ عن الوعي لحظات لا أعرف مدتها، وبلغة الطب ما حدث لي هو «إغماء وعائي مبهمي»، ومن أسبابه الاضطرابات العاطفية الشديدة، وهو ما حدث لي.
رغم يقيني بأن الموت سيحدث في لحظة ما، فإن جسدي كله لم يستوعب ما قاله عماد، فانفصل وعيي بالكامل للحظات عدة، ثم عدت لأن الفرار لن يفيد.
قطعنا الطريق إلى المدينة الصغيرة، والتي تبعد ثلاث ساعات عن القاهرة، بكينا أنا وأخوتي، وهربنا، وحاولنا نكران ما حدث، لكن المحاولات لم تفلح.
أتجنب الغرفة الموجود بها جدي، لا أريد أن أراه ميتًا، لن يتفاعل معي، والحمد لله أن محاولاتي لتجنبه نجحت في اليوم الأول، في صباح اليوم الثاني باءت تلك المحاولات بالفشل، تطلب مني ماما أن ألقي عليه النظرة الأخيرة وأقبله، أقول لها لن أستطيع رؤيته بهذا الشكل. «بس دي آخر مرة يا سلمى»، فأقبله وحُزن الدنيا كله داخلي، لا أعرف ماذا أقول؟ هل أخبره أني أحبه؟ هل أصمت؟ لن يخبرك أي شخص عما يجب فعله عند موت من تحبه، كيف تودعه، ومهما أخبروك، ستكون للتجربة وزنها.
أحاول الهرب بعقلي، أفكر في الأشياء التي يجب فعلها بحياتي العملية، في الامتحانات المقرر لها بعد شهر وكم المهام التي يجب إنجازها، يقطع تفكيري صوت الميكروفون الذي يمر في المنطقة معلنًا وفاة الحاج محمد محمد الديب، عميد عائلات الديب، مهما حاولت الهروب ثمة مشتت يقطع تفكيري وخيالاتي، حضنت أمي عندما سمعت النعي وانفجرت أنا وهي في البكاء، كأننا علمنا الآن خبر موته.
يتعامل الطب بمؤسساته مع الألم العضوي، حتى رغم تخصصي في العلاج النفسي لم أقو على تطبيب ألمي، لكن فقد جدي علمني دروسًا كل يوم كتلك التي علمها لي في حياته، ربما كان الدرس الأهم هو أن ألم الفقد بسبب حبي، وكان ذلك كفيلًا بتغيير مشاعري تجاه ذلك الألم. أبكي كل يوم لعماد، قبل النوم أخبره أني أفتقد جدي، حضر الفقد بشكل قوي في جلسات علاجي النفسي، من أنا؟ ولماذا أنا ضعيفة بهذا الشكل؟ هل أصلًا ما أشعر به ضعف؟ لماذا لا أقوى على العمل؟ متى سينتهي هذا الألم؟
أسئلة لم أجد لها إجابة، لكني سألتها، وجدت فقط إجابات لبعضها، أن هذا الشكل من الألم هو حزني الجديد، لم أعد أدبدب من الغضب، ربما نضج حزني لأنه على جدي.
في اللحظة التي أدركت أن هذا الألم هو بسبب حبي هدأت نفسي، لماذا أريد التخلص من الحب؟ لماذا أحاول أن أشفى من حبه وكأنه مرض يجب تطبيبه؟
أستيقظ يوميًا وأنا أتألم، لكني توقفت عن الشعور بالضيق تجاه هذا الألم، حاولت مرافقته واصطحابه معي.
وسلام.
كمّل ضفيرة سلوان بقراءة «ما نجا مني» هنا.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن