من كتيب في مكتبات الكنائس إلى «الجنايات».. قصة مايكل فهمي المتهم بالاعتداء الجنسي
حين اشترت مريم* كتاب «ثانوية عامة في يد المسيح» من مكتبة الكنيسة التابعة لها خارج القاهرة، كان عمرها 17 عامًا. الكتاب، صدر في 2001، واطلع «مدى مصر» على نسخة «بي دي اف» منه، ويبدأ بصورة تجمع كاتبه، الذي يعرّف نفسه بأنه «الشماس الدكتور مايكل فهمي»، وزوجته مع البابا تواضروس الثاني، وكان يُوزع في مكتبات الكنائس حول الجمهورية، ويحتوي على ارشادات «روحانية» و«دينية» و«نفسية» لطلاب الثانوية العامة، ودعوة للانضمام لفريق المؤلف «الكورال القبطي الأرثوذكسي» Open Arm.
يعرف فهمي نفسه في نهاية الكتاب بأنه «طبيب بشري، أخصائي الأمراض الجلدية والتناسلية والعقم والأمراض الجنسية.. ومتخصص في المشورة النفسية والروحية والمشكلات النفسية السيكولوجية وخاصة في المشاكل الزوجية والجنسية..وهو خادم ومتكلم في اجتماعات الشباب والخدام..وقائد كورال الفريق القبطي الأرثوذكسي Open Arm.. كما قام بتسجيل الكثير من الحلقات في التليفزيون والراديو».
في 13 يونيو المقبل، يُنتظر أن تبدأ الدائرة العاشرة بـ«جنايات شمال القاهرة» محاكمة فهمي، وزوجته سالي عادل، في اتهامهما بخطف ست فتيات قاصرات عن طريق التحايل، وهتك عرضهن بالقوة بإيهامهن باحتياجهن لعلاج وفحص خاصٍ. وسبق أن أوضحت النيابة العامة أن نقابة الأطباء وإدارة العلاج الحُر أفادا بـ«عدم تسجيل المتهم بأي درجة علمية أو منشأة طبية خاصة، وعدم الاستدلال على عيادة مصرح له بها»، بحسب بيان رسمي صدر في 13 أبريل الماضي.
في نهاية كتاب فهمي هناك اختبار نفسي، من صفحة واحدة، مقسّم لجزأين، الأول من 25 نقطة حول كيفية التعامل مع المشكلات، باختيارات محددة سلفًا تبدأ بـ«غير موافق تمامًا» وتنتهي بـ«موافق تمامًا»، مرورًا بـ«موافق» و«سيان». أما الجزء الثاني فهو خمسة أنماط للشخصية للاختيار بينها ما بين الاستشاري والتفاوضي والانعكاسي والآمر الصريح والمستتر، مع الإشارة إلى وجود درجات لكل نمط. لكن الاختبار دون إجابات، وفي الصفحة الأخيرة رقم هاتف لمعرفة نتيجته. في إشارة داخل الكتاب يفسّر المؤلف سر غياب النتيجة بعدم رغبته في حرق الاختبار، بل يريد أن يرى اهتمام مَن سيجرون الاختبار وسعيهم لمعرفة أنفسهم.

أجرت مريم الاختبار ثم اتصلت بمؤلف الكتاب. كانت لديها مشكلة عطلتها في الدراسة، وفهمي ساعدها في تجاوز الامتحانات، «كان بيتابع معايا خطوة بخطوة»، حسبما قالت، وبعدها طلب منها أن يبدآ العلاج لحل مشكلة نفسية لديها، وذلك مع امتناعه عن إخبارها ماهية تلك المشكلة وطريقة علاجها. طلب فهمي من مريم السفر إلى القاهرة، تقول لـ«مدى مصر» إنها ذهبت لأنها تثق فيه، فكتبه تُباع في مكتبات الكنائس، كما أنه يتحدث في التليفزيون، وهو خادم بأسقفية الشباب، تضيف عن حادث الاعتداء «استقبلني في محطة القطر وقالي فيه عيادة تحت الإنشاء هنروحها، ولما رُحت اتفاجئت أنه بيت سكني، اتكلمنا وقالي إن العلاج بالحقن الشرجية، وحالتي سيئة جدًا، واقنعني بأن العلاج ده بدل الكهربا».
في هذا التقرير نستجمع، عبر مصادر ذات صلة بالقضية، خيوط قصة مُعتدٍ جنسيًا، لم يكن عضوًا رسميا بالكنيسة، بل خادمًا بأسقفية الشباب حتى وقت قريب. وكتابه يُباع في مكتبات الكنائس، كما وجد فريقه للكورال المسيحي طريقه لعدد من الكنائس لعمل البروفات والعروض. واستضافته بعض الكنائس لإعطاء محاضرات، وكان ضيفًا منتظمًا لسنوات في عدد من القنوات المسيحية برفقة قادة من المجتمع الكنسي للتحدث في مواضيع مختلفة. اعتاد أن يعرّف نفسه، ادعاءً، باعتباره أمين عام خدمة الشباب بأسقفية الشباب، دون أن يصحح أي مسؤول كنسي هذا الادعاء، إلى جانب استغلال علاقاته بكهنة وأساقفة كبار، وادعائه القرابة من قيادات كنسية، لطرح نفسه كشخص محل ثقة.
استمر التواصل بين مريم وفهمي هاتفيًا، وبعد حوالي ستة أشهر خدمت معه مريم في فرقته للكورال المتجول بين المحافظات، وعرفها فهمي بمتطوعين آخرين مشترطًا عدم التواصل مع أب منهم دون إشرافه. استمرت عضوية مريم في الكورال أربع سنوات، حتى انتبهت أن أمرًا ما «مش مظبوط» على حد قولها، خاصة مع الحدة التي عاقبها بها حين تواصلت مع أخريات دون علمه.
فهمي لديه طريقة ماكرة في التعامل مع ضحاياه، يوضح مايكل رؤوف، محام بعض المجني عليهن «هو كان بيدمج علاقة الطبيب والمريضة، بالخادم والمخدومة، بالأب وبنته. مكانش معرف البنات إن سالي مراته، وكانت عادة بتظهر كأنها سكرتيرته، و[البنات اكتشفت] ده بعد كده، وهو كان بيستغل إن أغلب البنات عندهم مشاكل مع آبائهم ويلعب ع النقطة دي: بتتكسفي من بابي؟ فين حضن بابي؟ فين بوسة بابي؟ احكيلي كل حاجة».
يبدو الكتاب كفخ أجاد فهمي صنعه لإيقاع العديد من الضحايا/الناجيات، راشيل* أيضًا تعرفت على فهمي عبر «ثانوية عامة في يد المسيح» وعُمرها 16 عامًا، قبل امتحانات الثانوية العامة. وقتها، كان لدى راشيل مشكلة في دراسة مادة معينة، ورجحت أنها لسبب نفسي، ولأن فكرة الطبيب النفسي لم تكن مرحبًا بها في أسرتها، لجأت إلى فهمي الذي كانت تتابع منشوراته علي فيسبوك، وتوطدت علاقتهما هاتفيًا، واستطاع أن يقنعها بأنه بمثابة أب لها، ومحل ثقة، وبدأ تدريجيًا في استغلال ثقتها فيه ومشكلاتها مع أسرتها، وقلّب راشيل عليهم، « لو فيه أي مشكلة بلجأله أول واحد، وابتدى واحدة واحدة يخرجني بره دايرة أهلي، ويشجعني أعمل اللي عايزة اعمله، ويقولي أنا في ضهرك ماحدش هيقدر يعملك حاجة» توضح راشيل.

«أنا بابا فمش محتاجين بابا، أنا خادم فمش محتاجين حد من الكنيسة، أنا دكتور فمش محتاجين دكتور، وأنا صاحب فمش محتاجين صاحب، أنا صورة ربنا على الأرض»، تقول راشيل لـ«مدى مصر»، مضيفة أنه بعد الامتحانات طلب منها السفر إلى القاهرة حتى يشخصها، وأمام قلقها قال لها إن المقابلة ستتم في مكان عام، رغم ذلك استقبلها في محطة القطار واستدرجها إلى ما أسمّاه عيادته، التي وصفتها راشيل بأنها مكان مهجور في منطقة شعبية.
وهناك تحت دعوى أنها ابنته، تتذكر راشيل أنه «ساب الكرسي بتاعه وقعدني على رجله، وقلتله إني مش مرتاحة، فشدّينا مع بعض لحد ما سابني، وبعدين قالي محتاج اكشف عليكي، فكشف باطنة عادي»، لاحقًا أخرج فهمي حقنة شرجية بدعوى «العلاج»، ففزعت راشيل ورفضت، وقررت الرحيل، حاول تهدأتها مخبرًا إياها أنه لن يعطيها الحقنة، وأخذ منها كل مالها كأجر للكشف، تاركًا فقط مقابل تذكرة القطار، وأعطاها سيديهات له، احتوت على مقابلات تلفزيونية له مع كبار الكهنة ومؤتمرات ومحاضرات بالكنائس.
عادت راشيل إلى منزلها متعبة، فتحت السيديهات اكتشفت أنه مشهور، ولديه علاقات بكهنة في الكنيسة، فشعرت أنها ربما بالغت في شكها، فبقيا على تواصل هاتفي، وظل يلح عليها بضرورة البدء في العلاج لأن حالتها متأخرة، وقد تنقل إلى مصحة نفسية، وبعد ثلاثة أشهر، سافرت راشيل مرة أخرى للقاهرة، واصطحبها إلى منزله، الذي قال عنه إنه عياده تحت الإنشاء، وطلب منها خلع كل ملابسها للكشف عليها، لكنها رفضت، وبزعم أنه يعالجها، اعتدى عليها جنسيًا باستخدام يده وحقنة شرجية. تكرر الاعتداء مرتين في خلال سنة، وأمام حدة فهمي ورفضه إخبارها طبيعة العلاج، قابلت راشيل طبيب آخر وسألته عما قام به فهمي، فقال لها إنه لا يوجد ش اسمه علاج نفسي بالحقن الشرجية، وكان أقصى ما ظنته أنه محتال. أمام أسئلتها المتكررة، كان فهمي يحتد عليها ويخيفها، تقول: «كرهني وكره أسألتي وقطعنا علاقتنا ببعض».
بحسب مريم وراشيل، نجحت بعض الفتيات في التواصل مع بعضهن في 2016، وبدأن بشكل جماعي في فهم ما تعرضن له من انتهاك، وبدأن أيضًا في النصف الثاني من 2017 في التحذير من فهمي بشكل محدود سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو داخل كنائسهم مطالبات بمنع بيع كتابه الفخ في مكتبات الكنائس، لكن لم يكن لهذه المحاولات نجاحًا كبيرًا، بل تلقت الفتيات رسائل سب وتهديدات بسبب محاولاتهن تلك، بعضها من فهمي نفسه، وبعضها رسائل هاتفية من أرقام مجهولة. وفي نهاية 2017، توجه عدد من الضحايا لمقابلة أسقف الشباب الأنبا موسى، تقدموا له بشكوى، ورحب بهم وأخبرهم أنه مقدر ولديه علم بالأمر ووعد بالتصرف، لكنه لم يتخذ أي إجراء. وفي يناير 2019 توجه عدد من الضحايا لمقابلة البابا تواضروس الثاني، بعد وساطة شخص مقرب منه من خارج الكنيسة، استمع اليهن البابا، وطلب منهن، بحسب مريم وراشيل، أن يرسلن له الشكاوى مكتوبة، حتى يتمكن من تعيين محام لهن، ولكن الوعد لم يُنفذ.
منذ 2018، بدأ عدد من الضحايا في البحث عن محامين، ولكن إما طلب المحامون منهن أموالًا كثيرة، أو اعتذروا عن القضية، أو لم تثق الضحايا في قدرات هؤلاء المحامين المهنية والتنظيمية. مع الموجة النسوية ضد العنف الجنسي التي بدأت في يوليو 2020 تشجعت كثير من الناجيات في الإدلاء بشهادتهن و/أو اتخاذ إجراءات ضد المعتدين، ثم ترددت أخريات من عواقب الإبلاغ بعد التحولات التي جرت في قضايا مثل «اغتصاب الفيرمونت» و«تحرش ميت غمر» الجماعي. «اللي حصل في قضية أحمد بسام زكي كان دافع ليا أني ممكن آخد حقي، فاتشجعنا أننا ممكن نبلغ» توضح راشيل.
خلال السنوات الماضية، لم تتخذ الكنيسة إجراءات ضد فهمي، بحسب مصادر هذا التقرير، عدا بعض التحذيرات الشفهية الفردية غير المباشرة هنا وهناك. حاول «مدى مصر» التواصل مع الأنبا رفائيل، أسقف كنائس وسط القاهرة، عبر سكرتاريته، والذي، بحسب المصادر، حذّر من فهمي قبل سنوات بشكل غير مباشر، إلا أننا لم نتلق ردًا على أسئلتنا حتى نشر التقرير، كما حاولنا التواصل مع الأنبا موسى، لكنه لم يكن مُتاحًا كذلك. كما حاول «مدى مصر» مقابلة البابا تواضروس لسؤاله عن هذه القضية وقضايا أخرى، لكن «الوقت الحاضر لم يكن مناسبًا»، بحسب رده على طلبنا.
بدأت البلاغات القانونية ضد فهمي في أكتوبر الماضي بحسب رؤوف، محام بعض المجني عليهن، واستمرت حتى مارس الماضي. لكن قبل البلاغات وتحديدًا في سبتمبر الماضي، بدأت صفحة نسوية تسمى «اتكلمي Speak Up» في النشر عنه بشكل مُجهل، وطلبت الصفحة من الضحايا التواصل معها، وكانت الصفحة أحد أهم الجهات التي تبنت الحملة ضده لشهور، وكان لذلك تأثيرًا كبيرًا بحسب راشيل ومريم.
اتسعت الحملة ضد فهمي، وبدأت ناشطات نسويات في جمع شهادات ضده، إحدى ناشطات «اتكلمي Speak Up» تحدثت إلى «مدى مصر»، مُفضّلة عدم ذكر اسمها، موضحة أنها تلقت أكثر من سبعين شهادة، أغلبها من الصعيد، ما بين اغتصاب شرجي أو حقن شرجي بطريق الإجبار أو التحايل، فضلًا عن إجبار على جلسات نفسية وابتزاز ونصب. تكشف بعض الشهادات وقائع جرت ما بين 2008 وحتى 2019، بحسب الناشطة النسوية، مؤكدة أنه منذ 2018، كانت هناك تحذيرات كثيرة شفهية ضده مصدرها قساوسة، ومؤكدة أيضًا على إبلاغ البابا تواضروس بالشكاوى عدة مرات، فبالإضافة إلى مقابلة يناير 2019، تقول المصدر: «في 2018، كان فيه مؤتمر لأقباط المهجر وإحدى الحاضرات سألته لو وصله موضوع مايكل فهمي، وهو قال أيوة». وأضافت أنه في إحدى العظات الحيّة لتواضروس، في يناير الماضي، ضغطت ناشطات وفتيات برسائل كثيرة تخص فهمي، فكان رد البابا، أن الشخص المذكور، هو شخص علماني ليس كاهنًا، وأن الكنيسة أخذت الرأي القانوني الذي أفاد أن مَن تعرضن للتحرش هم مَن يجب عليهن الإبلاغ، «لأن الشخص المتهم لا يعمل جوه الكنيسة، ماتغركش أنه بيخدم في الحتة الفلانية، وأنه خد بعض الصور ويايا زمان، لأنه في وقت من الأوقات كان لسه متزوج، وجه يزورنا في كينج مريوط وخد صورة هو ومراته، أول حرف من اسمها سين، هو ثبت انه غلط والغلط ده تكرر، أصحاب الشأن يتحركوا رسميًا بالشكوى»، مضيفًا أن النائب العام بدأ بالفعل في التحقيق، وأن هذا الشخص مخطئ، و ليس من المفترض به الخدمة في الكنيسة مجددًا أو دعوته لإلقاء كلمات.
الكنائس عادة ما يكون بها عشرات الخدام، ومن الممكن لأي شخص أن يكون خادمًا في كنيسة، أي أنه يقدم خدمة، قد تكون في تعليم الأطفال في مدارس الأحد، أو المشاركة في تنظيم فاعليات، أو مساعدة أسر الكنيسة الفقيرة مثلًا. الخادم بصفة عامة ليس له رتبة كهنوتية، بل هو متطوع، وليس هناك إجراءات تعيين ثابتة له، أو تجرى عنه تحريات بالضرورة.
تقول الناشطة النسوية بحملة «اتكلمي Speak Up» أن المجلس القومي للمرأة تواصل مع القائمات على الحملة في سبتمبر من العام الماضي، وأمام ما حدث في قضية «اغتصاب الفيرمونت» وقتها، شعرت الفتيات بقلق فرفضن التواصل، وكان رد المجلس على الناشطات بالحملة «لأ دي حاجة تانية». ثم عاود المجلس التواصل معهن في ديسمبر الماضي، بحسب المصدر النسوي، وأوضح رؤوف أنه بالفعل توجه مع إحدى المجني عليهن إلى «القومي للمرأة» وقتها للتقدم بشكوى، بناء على طلب المجلس الذي لم يحرك الشكوى حتى الآن.
في نوفمبر الماضي، وبحسب رؤوف والنيابة العامة نفسها، بدأت نيابة النزهة الجزئية التحقيق في بلاغين اتهما فهمي بخطف مقدمة كل بلاغ بطريق التحايل وهتَكَ عرضها في واقعة منفصلة، أحد البلاغات يخص واقعة جرت خلال 2011، والآخر حول واقعة تعود إلى 2012. وكان مقدمتا البلاغ وقت الواقعتين قاصرتين، ثم استدعت النيابة فهمي وزوجته، وحققت معهما في ديسمبر الماضي، وأنكرا الاتهامات، وأُخلي سبيلهما، بسبب عدم كفاية الأدلة وقتها. أحالت نيابة النزهة، لاحقًا، البلاغات للنيابة الكلية وطلبت استكمال التحريات والبحث لتقوية الأدلة، ومع مرور الوقت بدون تطورات، بدأت ناشطات ومجنيات عليهن في الكتابة مجددًا عن اعتداءات فهمي الجنسية، وإرسال رسائل عدة لصفحة النيابة العامة على مواقع التواصل الإجتماعي، حتى أصدرت النيابة العامة بيانها الأول في يناير الماضي، تطلب كل من لديه/ا شهادات أو أدلة التوجه للنيابة.
يضيف رؤوف أن بيان النيابة شجع أخريات على الإبلاغ، خاصة بعدما اطمأنن لسرية بياناتهن، وما بين يناير ومارس الماضيين، تقدمت أربع من المجنيات عليهن ببلاغات، ليصبح الإجمالي ست، وحققت فيها جميعًا نيابة حوادث شرق القاهرة الكلية. والبلاغات بحسب رؤوف تتهم فهمي «بالخطف عن طريق التحايل وهتك العرض بالقوة»، وتتهم الزوجة بـ«المشاركة وتسهيل ارتكاب الجرائم»، وهو ما أقرّته النيابة العامة في بيانها الثاني في 13 أبريل الماضي الذي أعلنت فيه القبض عليهما وإحالتهما للجنايات.
تعتقد مريم أن المؤسسة الكنسية قصرت في اتخاذ إجراءات مبكرة ضد فهمي، مثل سحب كتابه من المكتبات، والتوعية ضده وضد الاعتداءات الجنسية بشكل عام، فيما تعذر راشيل الكنيسة في قضية فهمي، خاصة وأنه خادم وليس كاهنا، وأنه كان شخصا ماكرا نجح في اقناع الجميع بأنه مثال رائع ومحل ثقة، على حد قولها، وأن الكنيسة ليست جهة قضائية، ولكنها مع ذلك كان لديها أمل في موقف أكثر جدية من المؤسسة الكنسية تجاه قضية فهمي.
رغم استغلال فهمي لعلاقاته بالكنيسة ودوائرها والإيحاء بأنه مصدر ثقة، إلا أن الكنيسة الأرثوذكسية ممثلة في البابا أعلنت أن لا سلطة لها على فهمي لأنه علماني، لكن كيف تتصرف الكنيسة في حال كان المتهم غير علماني، بل أحد كهنتها، لفهم ذلك علينا العودة إلى واقعة جرت في 1999، حين كان عُمر سالي زخاري، المقيمة في أورلاندو بولاية فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية، 12 عامًا حين تعرضت لاعتداء جنسي على يد كاهن في كنيستها القبطية الأرثوذكسية، ويدعى رويس عزيز خليل، حسبما قالت لـ«مدى مصر». تم اتخاذ إجراء ضد خليل من قِبل الكنيسة بعد 21 عامًا من الحادث، بعد حملة الكترونية ضده وضد كهنة آخرين متهمين باعتداءات جنسية، بدأتها زخاري في يوليو الماضي، ونتج عنها تجريد من الكهنوتية في يوليو 2020، ودشنت زخاري حملة تحت عنوان «حركة الناجية القبطية» لتسلط الضوء على الاعتداءات الجنسية من رجال دين في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية حول العالم.
بحسب زخاري، استضافت أسرتها الكاهن المعتدي في منزلهم بشكل مؤقت ككاهن بديل، واستغل ثقة الأسرة به، واعتدى جنسيًا على زخاري بالقوة، وهددها حتى لا تخبر أحدًا بالأمر. تقول زخاري: «كان أبسط أني أدعي إن مفيش حاجة حصلت، محستش أني مرتاحة احكي، ومكنتش فاهمة اللي حصل، كمان مفيش مجال قوي لحكي حاجة زي دي، هو قعد سنة في الكنيسة، وبعد خمس سنين من الحادثة كانت الناس بتتكلم عنه ومفتقداه فأنا انفجرت وحكيت لزوجة كاهن آخر وبنتها، ونصحتني الزوجة أروح لأب الاعتراف بتاعي». كان عمرها في ذلك الوقت 16 عامًا، طلب أب الاعتراف من زخاري النسيان والغفران، وحين رفضت قال لها إن تخبر قس كنيستها، الذي كان لديه علم بالأمر، وبوجود أكثر من ضحية، وقال لها إنه أرسله إلى مصر، وسيتصرف معه البابا شنودة وقتها.
في 2006، حكت زخاري الحادث لأسرتها، ومنذ ذلك الحين «اتواصلنا مع كل الأساقفة ومع البابا شنودة وبعدين البابا تواضروس، مش هتتخيلي كم القساوسة اللي اتواصلت معاهم». لكن في 2010، فوجئت زخاري بترقية خليل إلى قمص من قِبل أسقفية المنيا، فحاولت زخاري الإبلاغ في قسم الشرطة في أورلاندو، لكن الجريمة كانت قد سقطت بالتقادم.
وفي أكتوبر 2019، وبضغط من بعض الكهنة، الذين أرادوا إثبات براءة خليل، فتح البابا تواضروس الثاني تحقيقًا في الأمر، استلم توصياته فبراير من 2020 بحسب زخاري، التي تسربت لها توصيات التحقيقات لاحقًا بالصدفة، واطلع عليها «مدى مصر»، وجاء فيها إشارة لقرار بابوي في فبراير 2014 بمنع خليل من ممارسة الأعمال الكهنوتية، بعد ثبوت الشكاوى ضده، وأوصى التحقيق بمثوله أمام المجلس الإكليركي، ليثبت براءته أو «يفرز من درجة الكهنوت المقدس».
بعد تسرب توصيات التحقيق، تواصلت زخاري مع البابا والعديد من الأساقفة لمطالبتهم بتجريد خليل، ثم جاءها الرد عبر أساقفة في ايبارشية شمال أمريكا أن خليل لن يُعاقب، فقررت اللجوء لمواقع التواصل الاجتماعي، وبعد ستة أيام فقط من حملتها، صدر قرار تجريده من الكهنوتية. «الموضوع أخد أيام لتجريده بعد حوالي 21-22 سنة من الحادثة و17 سنة من النضال». في حملتها جمعت زخاري شهادات اعتداءات جنسية ضد 30 كاهنًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر والولايات المتحدة وكندا واستراليا وبريطانيا. في سبتمبر 2020، أقر البابا سياسة ضد التحرش والاستغلال الجنسي والجسدي قدمتها إيبارشية شمال أمريكا، والملزمة لكل الكنائس ورجال الدين والموظفين والخدام التابعين للإيبارشية، هذه السياسة بحسب زخاري وبحسب نسخة اطلع عليها «مدى مصر»، تمّ تبنيها في مارس 2013 ولكنها ليست ولم تكن منشورة، ولم تكن زخاري على علم بها للجوء لها على سبيل المثال.
نادرًا ما تلقت زخاري دعمًا من داخل المجتمع الكنسي، لكن أحد أعضاء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية القلائل الذين قدموا دعمًا لها ولضحايا فهمي، تحدث إلى «مدى مصر»، مفضلًا عدم ذكر اسمه، وقال إن «مصر من أكثر البلاد اللي بيحصل فيها تحرش، وده وضع ماينفعش نسكت عليه سواء على مستوى الكنيسة أو على مستوى المجتمع، لازم يكون فيه تصديق للبنات، ومنع وتدخل من الكنيسة، دي مسؤولية مدنية. محدش قال إن كل القساوسة كده، ولا كل الكنيسة كده، لكن عندنا مشكلة نعالجها بدل ما تبقى زي الـcancer. ما ده كان بيحصل في الكنيسة الكاثوليكية واخدوا موقف، كل كنايس الغرب عندهم سياسات لمكافحة التحرش وآليات للتبليغ، إحنا محتاجين سياسة لمكافحة التحرش في مصر، وتكون فعّالة، دي مسؤولية أمام الله، وأمام شعبنا».
«اللي حصل السنة اللي فاتت مع سالي زخاري وحالة مايكل فهمي بيدعوا الكنيسة يكون عندها مدونة سلوك أو سياسة لمكافحة الاعتداء الجنسي، يكون فيها تعريف واضح لحدود العلاقة بين أعضاء الكنيسة وشعبها، ويكون فيه مسار واضح للشكوى، وضمان للضحايا بعدم الضغط عليهم بل تشجيعهم، وضمان ألا تكون هذه الآلية بتغني أو بتخل من حق الضحايا في اللجوء للقضاء الطبيعي» هكذا اتفق الباحث ومسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية، إسحق إبراهيم، مع عضو الكنيسة في ضرورة وجود آلية إدارية داخل الكنيسة، حسبما قال لـ«مدى مصر».
المشكلة، والتي لا تبرر عدم وجود سياسة في رأي إبراهيم، في تعامل الكنيسة مع هذه القضايا بحساسية شديدة، منبعها التخوّف من استغلال الأمر في التنمر أو الإساءة للأقباط، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهناك قطاع كبير من المسيحيين يضع صورة مثالية جدًا لرجال الدين، لذلك يرفضوا التعامل مع تلك القضية.
مريم وراشيل تنتظران من القضاء توقيع أقصى عقوبة على فهمي، وتعتقدان أن سياسة مكافحة التحرش داخل الكنيسة، ربما كانت ساعدتهما، وأن لجنة كنسية متخصصة في الاعتداءات الجنسية وجودها مهم للتحقيق في أي شكاوى اعتداء جنسي واتخاذ إجراء بشأنها. وتقول راشيل: «فضح القضايا دي بيدّي مصداقية إن الكنيسة بتتكلم وبتاخد إجراء مش بتدفن راسها في الرمل، ومش معناه إهانة للكنيسة بالعكس، على الأقل يتم إيقاف أي متهم لغاية ما يحصل محاكمة». لكن مريم أكثر تشاؤمًا، فهي تعتقد أن تفعيل سياسة لمكافحة التحرش داخل الكنيسة سيأخذ وقتًا طويلًا، لأن هناك حاجة في البداية للاعتراف بوجود هذه الاعتداءات من الأساس.
*أسماء مستعارة
تقارير ذات صلة
اعترافات غير مطلوبة| حوار بين 9 نسويات
مؤسسات ومجتمعات بين الهشاشة والراديكالية في سياق العنف الجنسي
«الابتزاز الإلكتروني».. الوصم في غياب «منظومة عدالة متكاملة»
تشجعت كثيرات للإبلاغ عن تعرضهن للابتزاز الإلكتروني مع بدء الحركة النسوية ضد العنف الجنسي قبل عامين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن