«مقتل الأنبا إبيفانيوس»: عدالة ناجزة أم قاصرة؟ قراءة في قضية انتهت بإعدام «سريع»
في الرابعة والنصف، فجر الأحد الموافق 29 يوليو 2018، كان الراهب جبرائيل المقاري، مسؤول أعمال الكهرباء بدير القديس الأنبا مقار بوادي النطرون في محافظة البحيرة، في طريقه للقداس الأسبوعي بدار الصلاة، حين اكتشف، في الممر الذي يصل بين قلايات الرهبان والكنيسة، جسدًا لراهب ملقى على وجهه على الأرض، والدماء تحيط برأسه.
توجه جبرائيل للقداس لإبلاغ زملائه. وفي الطريق، أبلغ طبيب الدير، أفرايم المقاري، الذي توجه لموقع الجثمان، ونقله بمساعدة رهبان آخرين إلى عيادة الدير. في تلك الأثناء اكتشف الرهبان أن الجثمان لرئيس الدير، الأنبا إبيفانيوس. وفي العيادة اتضح لأفرايم أن إبيفانيوس قد تنيح (توفي) ووجد إصابات بالغة في رأسه، منها كسر في عظام الجمجمة من الخلف. بنهاية القداس، كان الرهبان بالدير، قد تناقلوا الخبر، أبلغ أحدهم الكنيسة، ثم أبلغ آخر مديرية أمن البحيرة، وتوجه نائب مأمور مركز شرطة وادي النطرون، المقدم هشام يوسف، ليحرر محضرًا في التاسعة صباحًا، بعد اكتشاف الواقعة بحوالي خمس ساعات، بحسب أوراق القضية، التي اطلع عليها «مدى مصر»
بحسب التحقيقات، قُتل إبيفانيوس في حوالي الساعة الثالثة فجرًا، على بعد حوالي 50 مترًا من قلايته (مكان إقامته بالدير) في طريقه إلى الكنيسة، طوله حوالي 30 مترًا، مظلم، بلا كاميرات مراقبة. هذا الممر هو أحد الممرات الواقعة بين مجموعة من البلوكات السكنية، وتحيط به تكعيبات خشبية على الجانبين.
في الأيام التالية، جرت التحقيقات على قدم وساق، داخل الدير ثم في النيابة، واستمعت النيابة إلى أقوال ما يقرب من 145 راهبًا بالدير، وقدم اللواء خالد عبد الحميد، وكيل الإدارة العامة للمباحث الجنائية، تحرياته للنيابة في 9 أغسطس. أفادت التحريات ارتكاب الراهبان أشعياء المقاري، واسمه بالميلاد وائل سعد تواضروس، 37 سنة، وفلتاؤوس المقاري، واسمه بالميلاد ريمون رسمي، 36 سنة، جريمة القتل. وجهت الاتهامات رسميًا بالقتل للراهبين في 11 أغسطس. وقبل ذلك بستة أيام شُلح أشعياء من الرهبنة بقرار من الكنيسة، لأسباب تتعلق بسلوكيات الرهبنة، بحسب بيان الكنيسة وقتها.
انتهت التحقيقات بعد 20 يومًا من الحادث، وأحيلت القضية إلى المحكمة في 19 أغسطس 2018، لتبدأ المحاكمة في 23 سبتمبر. وبعد حوالي سبعة أشهر من المحاكمة، صدر حكم محكمة الجنايات في أبريل 2019 بإعدام الراهبين، وأيدت محكمة النقض، في يوليو 2020، إعدام أشعياء، وفي 9 مايو الماضي، نُفذ حكم الإعدام، بينما خففت عقوبة فلتاؤوس إلى المؤبد.
ركزت التحقيقات وشهادات الشهود بدرجة كبيرة على أشعياء، باعتباره المتهم الأول بتنفيذ الجريمة، وبسبب خلافه السابق مع القتيل، فيما تناولت التحقيقات وشهادات الشهود بدرجة أقل الراهب الثاني المتهم، فلتاؤوس المقاري، خاصة وأنه بحسب أوراق القضية، كان شريكًا في الجريمة يراقب الطريق للمتهم الأول خلال الحادث، رغم نفيه ذلك. حاولنا الحصول على معلومات إضافية من محامي فلتاؤوس، ميشيل حليم حنا، عن ظروف محاكمته، لكنه فضّل عدم التعليق على قضية أصدر فيها القضاء حكمه، مشيرًا إلى أنه يسعى حاليًا للإفراج الصحي عن موكله، حيث قدم قبل ثلاثة أشهر طلبًا بذلك إلى النائب العام، وهو في انتظار الموافقة على إجراء كشف طبي لموكله من قبل أطباء بالطب الشرعي ومصلحة السجون، حسبما أوضح لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن موكله مصاب بشلل تام في ظهره منذ محاولة انتحاره في أغسطس 2018، وأنه مودع مستشفى سجن العرب.
لكن، على مدار السنوات الثلاث التي شهدت وقائع المحاكمة، وجه العديد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية التي تابعت مسار القضية، انتقادات عدة لإجراءات القبض والتحقيق ثم المحاكمة، والتي رأتها تلك الانتقادات تنطوي على ثغرات عديدة ملأتها سيناريوهات موازية لمحاولة تفسير جريمة قتل صادمة، فيما أثار تنفيذ حكم الإعدام بحق أشعياء شكوكًا أكثر في مجريات التعامل مع هذه القضية. في هذا التقرير نستجمع خيوط القضية وما يحيط بها من تساؤلات، بحسب أوراقها الرسمية، ونستجمع الروايات العديدة الموازية والانتقادات الحقوقية، خاصة مع أشعياء، عبر مصادر ذات صلة.

في الثامنة من صباح الأحد، 9 مايو الماضي، فوجئت أسرة أشعياء باتصال من مصلحة السجون يطالبهم بالحضور لاستلام جثمان نجلهم، بعد تنفيذ حكم الإعدام بحقه في سجن دمنهور، فجر ذلك اليوم. «كلموني قالولي تعالى استلم أخوك» يقول صامويل، شقيق أشعياء.
في اليوم السابق لتنفيذ الحكم، السبت، كان صامويل، يزور شقيقه في السجن، ولم يبلغه أحد بموعد تنفيذ الإعدام، كما لم يُبلغ محاميه أيضًا، حسبما قال الاثنان لـ«مدى مصر» بما يخالف القانون.
خلال زيارة صامويل الأخيرة لشقيقه -مثل كل الزيارات منذ سجنه- يتواجد خمسة أو ستة أشخاص من الأمن الوطني، يسجلون كل كلمة تقال في الزيارة، وكأنها قضية سياسية، على حد قول الشقيق.
علم صامويل لاحقًا من أب الاعتراف الذي رافق أشعياء وقت تنفيذ الحكم أنه أصر على براءته من جريمة القتل حتى اللحظات الأخيرة. يُفصّل صامويل «قال إنه مارتكبش الجريمة دي، وقاله دمي ودم إبيفانيوس في رقبة كل اللي سلمونا».
في اليوم التالي لتنفيذ الإعدام، ظهر أب الاعتراف، القمص داوود جرجس، في فيديو يعزي أسرة أشعياء، ويحكي لحظاته الأخيرة، واعتبره شهيدًا.
بحسب الشقيق، كثير من رجال الدين والأساقفة وشعب الكنيسة اعتبروا -بشكل غير رسمي- أشعياء مظلومًا وشهيدًا، بينهم أساقفة كبار مثل مطران البحيرة الأنبا باخوميوس، الذي أحضر سيارة نقل الموتى واشترى له ملابس الكهنوت لمراسم الدفن، فيما قاد مطران أبو تيج في أسيوط صلاة الجنازة في كنيسة مارمرقس في أبوتيج، مسقط رأس أشعياء، وأقيمت الجنازة بمراسم الرهبنة، وفي 16 يونيو أقيم أربعين أشعياء في دير أبو مقار في أبوتيج.
يقول صامويل «شعب كتير حضر في الجنازة وفي الأربعين، من أسيوط ومن مصر [القاهرة].» الآن، يعتبر كثيرون الراهب أشعياء «شفيعًا للمظلومين» حيث بدأت الأسرة في تلقي رسائل عن «كراماته» بحسب شقيقه.
لكن، الكنيسة كان لها رأي آخر. في 21 مايو، أصدر المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بيانًا يدعم ما انتهى إليه مسار التقاضي، منتقدًا ما وصفه بالتشكيك في الإجراءات والخطوات القضائية ونشر المغالطات والأكاذيب وتشويه صورة الكنيسة وأبائها، كما انتقد البيان أيضا إطلاق «ألقاب ومسميات كاذبة مثل قديس وشهيد» على الراهب أشعياء بعد تنفيذ الحكم.
وأضاف البيان أن مراسم جنازة أشعياء باعتباره كاهن مخالفة للقانون، ووصفها بأنها تصرفات ما كان يجب أن تحدث، مضيفًا أنه بهذا التوضيح أغُلق ملف هذا الموضوع الحزين، ومحذرًا ممن «يقلبون الحقائق وينشرون الأكاذيب ويشيعون المذمة بين صفوف المؤمنين.»
بالرغم من موقف الكنيسة الحاسم في دعم الحكم القضائي الذي أدان الراهبين بقتل إبيفانيوس، إلا أن خبراء بالأمم المتحدة ومجموعات حقوقية وقانونيين أشاروا إلى نواقص مقلقة في إجراءات المحاكمة ودليل الجريمة، إلى جانب سوء المعاملة في أثناء الاحتجاز، وجوانب أخرى أثارت تساؤلات حول القضية.
بحسب الخبراء، بُني الحكم بشكل كبير على اعتراف قدمه أشعياء للمحققين أثناء احتجازه وإخفائه قسريًا بعد القبض عليه في أغسطس 2018، بدون حضور محاميه معه التحقيقات، بينما خلت القضية من شهود على الجريمة أو كاميرات مراقبة، أو أي أدلة مادية أخرى قدمت للمحكمة.
أحد الرهبان شهد برؤية آثار تعذيب على أشعياء بعد الحادث بيومين، في الوقت الذي كان فيه قيد التحقيق من قبل رجال الأمن في إحدى غرف الدير، يقول سدره. في أثناء المحاكمة، تراجع أشعياء عن اعترافه، وأخبر المحكمة أن الاعتراف جاء تحت التعذيب، ومع ذلك لم يلتفت القاضي لما قاله المتهم. وفيما قالت التحريات إنه كان هناك أمر ضبط وإحضار صدر في 9 أغسطس بحق أشعياء، وقبض عليه في اليوم التالي من أحد الكمائن بالبحيرة، كان بالفعل في حوزة الأمن الوطني في الفترة من 2 إلى 11 أغسطس، بحسب سدره، الذي أضاف «طب لو اعترف خلاص في النيابة، هينكر ليه في المحكمة؟»
بحسب أوراق القضية، في 2 أغسطس حاول أشعياء الانتحار بتناول مبيد حشري. وفي 6 أغسطس حاول الراهب فلتاؤوس الانتحار أيضًا مرتين، وفي الثانية منهما ألقى بنفسه من الدور الرابع في عيادة الدير، بعدها أودع فلتاؤوس مستشفى قصر العيني وخضع للتحقيق هناك. وقال أشعياء في التحقيقات إن محاولة انتحاره جاءت نتيجة ضغط ضابط المباحث، خالد عبد الحميد، عليه وتهديده بصور وتسجيلات له مع سيدات، قد تجرده من الرهبنة. أما فلتاؤوس، فنفى في التحقيقات حضوره القداس يوم الحادث وأكد على بقائه في قلايته وقت ارتكاب الجريمة، وقال إنه علم عن الحادث من الراهب أشعياء، ونفى ارتكابه الجريمة.
في 12 أغسطس، أعاد أشعياء تمثيل ارتكاب الجريمة، وصُور هذا التمثيل، وتم تقديمه لاحقًا كدليل إلى المحكمة، بحسب أوراق القضية. وقال سدره إن الفيديو كان واضحًا فيه أن تمثيل الجريمة جاء عبر توجيهات وتلقين من المسؤولين لأشعياء، مضيفًا أنه وفريق الدفاع شاهدوا الإسطوانة المسجل عليها الفيديو، بعد أن أوشكوا على التقدم بطلب لرد المحكمة لأنها رفضت إعطائهم نسخة من الفيديو، وبعد إلحاح سمحوا لهم بالإطلاع عليه فقط.
بحسب أوراق القضية، الدير به ثلاث كاميرات مراقبة فقط، ﻻ توجد أي منها في موقع الحادث، ووجدت فلاشات وأجهزة DVR الخاصة بتلك الكاميرات معطلة أو فارغة. قال مسؤول الكاميرات بالدير، بحسب التحقيقات، إن شخصًا ما من وزارة الداخلية أو النيابة طلب منه فك أجهزة DVR وهو غير متخصص في ذلك، إﻻ أن النيابة وجهت له تهمة إتلاف أدلة.
في يوليو 2020، ذهب سدره إلى محكمة النقض، التي بدأت نظر القضية، مستعدًا لتقديم مرافعته، وبعض الأدلة والمستندات، فطلب منه القاضي أن يترافع في حدود قبول النقض من عدمه دون الدخول في موضوع القضية، أي نظر النقض شكلًا فقط، لكن المحكمة نظرت موضوع القضية، وخففت حكم فلتاؤوس، وأيدت إعدام أشعياء حسبما أوضح سدره لـ«مدى مصر».
كان متوقعًا من محكمة النقض، مثلما تفعل في قضايا الإعدامات، أن تعيد القضية لدرجة تقاضي أدنى أو تنظر القضية موضوعيًا وتعيد المحاكمة، لكنها في قضية الأنبا إبيفانيوس أيدت إعدام أشعياء في ثلث الساعة، بحسب مدير البرامج بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، شريف عازر، الذي أوضح أنه من حق المحكمة التقدير، وأن ما فعلته محكمة النقض قانوني، لكنه غير معتاد مع أحكام الإعدام.
«محكمة النقض ألغت ضمانات أساسية للمحاكمة العادلة وعجَّلت بتنفيذ حكم الإعدام. دافع المحكمة لفعل ذلك يبقى غير واضح، ويمكن فقط اعتباره مثال آخر على المعاملة غير العادلة» هكذا وصف تقرير من خبراء الأمم المتحدة، صدر في أكتوبر الماضي، مسلك «النقض». طالب التقرير بوقف إعدام أشعياء، استنادًا على شكوك في سلامة المحاكمة، من بينها عدم التحقيق في أقواله حول اعترافه بالقتل تحت التعذيب، إلى جانب التمييز ضد الراهبين بشكل عام في المحاكمة والسجن، وأيضًا طالب بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام بشكل عام.

بخلاف تقرير خبراء الأمم المتحدة، بين حكم النقض في يوليو 2020 بتأييد الإعدام، وحتى تنفيذه في مايو الماضي، استمرت المطالبات بوقف تنفيذ الحكم. يقول سدره إنه تقدم في أبريل الماضي بالتماس، اطلع عليه «مدى مصر»، للنائب العام لإعادة النظر في الحكم، استنادًا على ظهور وقائع وأوراق جديدة لم تكن معلومة عند الحكم، وأًحيل إلى نيابة دمنهور، قبل ثلاثة أيام من تنفيذ الحكم.
«القضية مليانة عوار. القضية دي خدت منحنى مش بتاع أي قضية، معرفش المقصود إنهاء الموضوع وقفله بسرعة؟ منع تكشف حقائق أخرى؟ عمري ما شفت كده في حياتي. محكمة الجنايات كانت بتأجل من السبت للخميس، الجنايات بتأجل بالشهور ... إلا إذا كان سرعة إنهاء الموقف وراه حاجة تانية» يقول سدره، مضيفًا «الرياسة الكنسية كبرت دماغها من الموضوع وألقت بالموضوع للقضاء.»
«المفروض قضية بالشكل ده مايكونش فيها إعدام. الإعدام كان النهاية الكابوسية لقفل القضية»، هكذا علق عازر، مضيفًا أن الحكم تم تنفيذه بشكل سريع، في أقل من عام، رغم أن هناك قضايا يستغرق تنفيذ أحكام الإعدام فيها ثلاث وأربع سنوات، كان تنفيذ الحكم بهذه السرعة أمرًا صادمًا لعازر، مشيرًا إلى أن تلك هي أول حالة إعدام لرجل دين مسيحي في العصر الحديث، معتبرًا أن الكنيسة تركت أشعياء للأمن حين قامت بشلحه. ما حدث مع الراهب السابق جاء بنتيجة عكسية، فقد أصبح شهيدًا وقديسًا الآن، بحسب عازر.
استند الالتماس الذي قدمه سدره، على مسلك محكمة النقض، وكذلك تقرير الأمم المتحدة الذي انتقد تأييد حكم الإعدام، وأيضًا تقرير مماثل صدر عن منظمة العفو الدولية في ديسمبر الماضي أشار لحالة أشعياء، الذي أدين وحكم عليه بالإعدام بعد محاكمة ظالمة، بحسب التقرير. وفي أبريل الماضي جددت المنظمة مطالبتها، وأشارت إلى «تعرَّض أشعياء لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاختفاء القسري والتعذيب والمحاكمة الجائرة» ونشرت استغاثة لرئيس الجمهورية تطالبه بإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة.
بعد تأييد الحكم، طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بتعليق عقوبة الإعدام في هذه القضية بشكل خاص. وكانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات واحدة من المنظمات التي اشتبكت مع هذه القضية، خاصة خلال حملتها «أوقفوا عقوبة الإعدام في مصر» واعتبرت الحملة أن المحاكمة شابها الكثير من «الانتهاكات»
يضيف عازر أن «العناصر المحيطة بالقضية دي تثير الشك. على الأقل ماينفعش فيها إعدام» مشيرًا إلى انتهاكات شملت اختفاء أشعياء قسريًا، ومنعه من مقابلة أسرته ومحاميه لما يقرب من الشهر، حيث سُمح له بمقابلتهم للمرة الأولى في 28 أغسطس بسجن دمنهور. وأيضًا، تجاهل المحكمة ما قاله عن اعترافه تحت التعذيب، إلى جانب «حرمانه» عمليًا من النقض بمسلك المحكمة غير المعتاد في مثل هذه القضايا.
حُرم أشعياء أيضًا لفترات من الصلاة (توفير قس له في السجن للصلاة والتناول) وكان هناك تعنت في الزيارات أحيانًا، كما منعت خطاباته التي كتبها داخل السجن وحاول توجيهها لجهات وأفراد في الكنيسة، وحتى عند تنفيذ الإعدام لم تُبلغ أسرته مسبقًا بما يخالف القانون، بحسب عازر.

تطرق سدره أيضًا إلى جوانب أخرى في القضية تشكك في إدانة الراهبين بقتل إبيفانيوس، موضحًا أنه حتى أركان الاشتراك في الجريمة التي حُكم على أساسها على فلتاؤوس غير متوفرة، مضيفًا أن الممر المظلم الذي قُتل فيه إبيفانيوس يمر به 45 راهبًا في طريقهم للصلاة، يرتدون نفس الملابس، فكيف تمكن الراهبان من التعرف على إبيفانيوس ومراقبة الطريق؟ يتساءل سدره.
تساءل سدره أيضًا عن سبب عدم التحقيق مع 500 عامل يدخلون الدير، وتعطل جميع الأجهزة الخاصة بالكاميرات، كما اعتبر أن هناك أمرًا مريبًا في نقل الراهب زينون، وهو أب الاعتراف للرهبان الثلاثة (المتهمين والقتيل) لدير آخر ثم مقتله أثناء نظر المحكمة للقضية، على حد قوله. وأضاف أنه في المحكمة نفى 36 راهبًا ارتكاب أشعياء الجريمة، وكانوا مسجلين في القضية باعتبارهم شهود إثبات، مشيرًا إلى أن أحد الرهبان شهد بأنه ذهب مع أشعياء لإحضار زوار وعادا للكنيسة بعد موعد حدوث الواقعة، وهو مسجل في دفتر البوابة، ولم يتم النظر في ذلك.
في الالتماس الذي قدمه سدره للنائب العام، أورد فيه تقرير من خبير طبي قضائي معتمد من وزارة العدل، يفيد بأن الضربات التي تلقاها المجني عليه هي جروح قطعية نافذة لا يمكن حدوثها، بأداة الجريمة، بل تحتاج أداتين، كما أن الإصابات التي وجدت بيد أشعياء اليسرى، لا يمكن أن تكون ناتجة عن استخدام تلك الأداة، وهي ماسورة حديد، لأن المتهم يستخدم يده اليمنى، وهو ما يناقض تقرير الطب الشرعي التشريحي بالقضية الذي اعتبر الإصابات بالأنبا إبيفانيوس ناتجة عن ماسورة حديدية مفرغة، وأن إصابة يد أشعياء تسببت فيها حافة الماسورة أثناء ارتكابه القتل، بحسب الالتماس وبحسب ما أوضحه سدره.
وأضاف المحامي أن «الماسورة اللي اتقتل بيها إبيفانيوس متعملش كل الإصابات دي في الرأس. كبيرة الأطباء الشرعيين قالت في المحكمة إن الطبيب الشرعي خانه اللفظ في وصف الإصابة، وده مُسجل في جلسة المحكمة» التقرير الطبي ظهر بعد أربع جلسات في المحكمة، رغم أن النيابة طلبت هذا التقرير في التحقيقات، ولا تجوز قانونًا الإحالة بدون تقرير الطب الشرعي، التي تفيد بأن الدماء الموجودة على أداة الجريمة* هي دماء إبيفانيوس. سُمح لسدره بالاطلاع على التقرير دون الحق في الطعن عليه، على حد قوله. وفي التحقيقات مع أشعياء قال إن إصابة يده اليسرى كانت بالخطأ نتيجة تقطيعه البصل.
في أوراق القضية لم يكن هناك حديثًا عن أداة الجريمة إلا في تقرير الطب الشرعي واعتراف أشعياء، الذي قال فيه إنه ألقى بها في مكان الحادث. ورغم ذلك قال ضابط تحريات المباحث الجنائية، في 13 أغسطس، إن أشعياء أرشد إلى مكان الأداة (ماسورة حديد طولها 90 سم) في برجولة خشبية مجاورة لمكان الحادث بعد اعترافه.
ذكر الالتماس أيضًا أن تحريات القضية استندت على النية المسبقة لدى الراهبين لقتل أسقف دير الأنبا مقار، حيث فشلا في محاولتين خلال أسبوعين سابقين على يوم الحادث، وكانا في يومي أحد، أي أيام القداس، إلا أنه في الأحد الأول «راحت عليه نومة» وفي الأحد الثاني ظل بمسكنه ولم يذهب للصلاة، فيما تحصل الدفاع على شهادة تحركات أفادت بوجود أسقف الدير القتيل في أستراليا خلال تلك الفترة.

يقع دير وادي النطرون، المسجل كأثر، في مواجهة مدينة السادات على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، أمام الكيلو 94، وهو واحد من أربعة أديرة بصحراء وادي النطرون، وأحد أقدم الأديرة القبطية. بحسب تقرير المعاينة الفني الرسمي للقضية، تبلغ مساحته حوالي أربعة آلاف فدان، رغم ما تداول إعلاميًا وعلى لسان الشهود أن مساحته حوالي 2700 فدان. للدير أنشطة زراعية، منها البنجر والزيتون، وتجفيف التين والبلح والعنب، بالإضافة إلى الإنتاج الحيواني من الدجاج والبقر وعسل النحل.
بحسب أوراق القضية، تشغل المباني 15 فدانًا فقط من مساحة، بينها كنائس وقلالي الرهبان ومبانٍ إدارية واستراحات عمال، أما باقي الأراضي فهي مزارع. هناك قوة تأمين شرطية على باب الدير الرئيسي، وهناك بابان آخران، أحدهما يؤدي إلى الكنيسة الرئيسية والآخر يؤدي إلى القلالي القديمة والمزارع. يحيط بالدير سور ارتفاعه تسعة أمتار.
ارتبط اسم الدير بالأب متى المسكين، الذي انتقل إلى الدير في الستينيات وأعاد الدير والرهبنة فيه إلى الحياة، وتوسع الدير وتم ترميمه، وارتفع عدد الرهبان به لأكثر من 150 راهبًا. توفي متى المسكين في 2006، لتصبح مسؤولية الدير بالكامل في يد أسقف أسيوط ورئيس الدير، الأنبا ميخائيل، والذي انسحب من رئاسة الدير لخلافات داخله بين أبناء مدرسة متى، وأتباع البابا شنودة الثالث. وأشرف شنودة شخصيًا على الدير حتى وفاته في 2012، ثم عاد ميخائيل لمدة عام، قبل انتخاب الأنبا إبيفانيوس رئيسًا له.
الخلافات الفكرية داخل الدير كانت حاضرة في مقتل إبيفانيوس، حيث عزا البعض ارتكاب الجريمة إلى تلك الخلافات.
بحسب أوراق القضية، بعض شهادات الشهود من الرهبان قالت إنه لم تكن هناك خلافات بالأساس، أو أن الخلافات كانت بسيطة وفكرية ولا علاقة لها بالقتل، لكن بعضهم وصف الخلافات بأنها كانت حادة وتعد دليلًا على القتل أو في أبسط حال التحريض عليه. الخلافات، بحسب كثير من الشهود، تعود إلى تنصيب إبيفانيوس رئيسًا للدير في 2013، الفكري واللاهوتي منها يتعلق بتبعية إبيفانيوس لمدرسة متى المسكين، فيما يتبع عدد آخر من الرهبان مدرسة شنودة الثالث، ومن ضمنهم أشعياء وفلتاؤوس. وأشار البعض إلى جهات خارجية على خلاف مع الأسقف القتيل، دون تسميتها. كان هناك دفع في التحقيقات للتركيز عن خلافات إبيفانيوس وكلٍ من أشعياء وفلتاؤوس.
حكى بعض الشهود عن أسباب مختلفة للخلاف الذي تقرر بسببه نُقل بسببه أشعياء في فبراير 2018، تتعلق بمخالفات مالية أو مخالفات لقواعد الرهبنة، ما دفع بصدور قرار كنسي بنقله لمدة ثلاث سنوات، لكن الصلح تم، ولم ينفذ قرار النقل، وبقى أربعين يومًا ملتزمًا قلايته. وشرح فلتاؤوس في التحقيقات أن الخلاف كان بسبب تشدد إبيفانيوس في منع زيارة أهل الرهبان في الدير، فيما قال رهبان آخرون إن الخلاف كان أشد بين إبيفانيوس ورهبان آخرين، وصلت لدرجة رفضهم الصلاة خلفه لسنوات.
الخلافات التي أشار إليها الشهود كانت بين إبيفانيوس وعدد من الرهبان، نتيجة سفر إبيفانيوس المتكرر، وطريقة إدارته للدير، وخلافات كهنوتية، وأخرى حول الزيارات ومواعيدها. وشملت تلك الخلافات أسماءً عدة، كثير منهم في مجموعة الواتساب المسماة «صوت صارخ في البرية» التي أُنشئت للحديث عن أمور الدير بأريحية، ومنها انتقاد رئيسه. لكن، مع ذلك ركزت التحقيقات على الخلافات بين أشعياء وإبيفانيوس، بسبب سلوك الأول «غير المنضبط» بحسب ما ذُكر في أوراق القضية.
«مفيش ورق بيقول حاجة عن الخلاف الفكري، اللي أثار ده الشهود، وهل الخلاف الفكري يؤدي إلى قتل؟ طب ما كانوا بتوع شنودة يموتوا بتوع متى المسكين كلهم أو العكس» يقول سدره، موضحًا أن استخدام هذا الأمر في الأغلب «شماعة نداري بيها» مشيرًا إلى أن الخلاف الفكري ليس باعثًا على القتل، على حد قوله.
يرى سدره أنه كانت هناك نية للإساءة إلى سمعة المتهمين لتسهيل تصديق ارتكابهما جريمة القتل، من ضمنها الخلافات مع إبيفانيوس والخلافات العقائدية وتسريب مكالمات هاتفية خاصة بين الراهبين وبين أشعياء وأحد التجار، حسبما قال شقيق أشعياء والمحامي. كما ذكرت التحقيقات حديث بعض الرهبان عن اعتداء فلتاؤوس سابقًا على راهبين، مرة بالقول ومرة بالفعل. ويرجح عازر أن المكالمات التي تم تسريبها، سُربت من النيابة لشيطنة المتهمين.
وفيما يستبعد المحامي موضوع الخلاف الفكري، يرجحه عازر باعتباره الأكثر منطقية، ربما يكون وصل للقتل في رأيه، معتبرًا أن البابا تواضروس ربما رأى أن الردع سينهي الخلافات العقائدية بين مدرستي شنودة الثالث ومدرسة متى المسكين، التي يتبعها البابا. ومع ذلك، نفى شقيق أشعياء انتمائه لمدرسة شنودة، وقال إنه كان متوافقًا مع تيار إبيفانيوس، مضيفًا «لو كان الكلام ده صح.. إن الحرس القديم حرض الرهبان على التخلص من إبيفانيوس كممثل لتيار متى المسكين، طب ما قالوش ليه عالمحرضين وهم خلاص هيتعدموا؟» مؤكدًا أن الخلاف كان فقط على إدارة الدير، وأن هذا كان مضمون جروب «صوت صارخ في البرية»
يضيف الشقيق أن أشعياء كانت لديه نية شراء أرض وبناء دير خاص به في وادي النطرون أيضًا «بس فشل واتنصب عليه ودي كانت المشكلة اللي بسببها اتجازى في فبراير اللي قبل الحادثة، بس اتحلت والأنبا إبيفانيوس دفعله الفلوس.»
فيما افترض البعض أن يكون القتل له علاقة بخلافات على أراضٍ محيطة بالدير. ذكر بعض الرهبان في التحقيقات محاولة أحد الأشخاص القفز فوق سور الدير قبل أسبوع من الحادث. وقالت تحقيقات الشرطة عنه لاحقًا إنه غير مستقر نفسيًا، كما ذكر بعض الشهود أن هناك بلطجي أراد الاعتداء على أرض الدير، كما أشار مصدران آخران، فضلًا عن عدم ذكر اسميهما، لـ«مدى مصر» لشكاوى متكررة من قبل الأنبا إبيفانيوس من تعدي أعراب على أراضي الدير بشكل متكرر، كان آخرها قبل الحادث بأيام، ونشر موقع «الدستور» في نوفمبر 2018، خطابًا كان قد أرسله إبيفانيوس لوزارة الآثار للسماح للدير في 22 يوليو، قبل أسبوع من مقتله، ببناء سور حول المنطقة الأثرية التي تحيط بالدير، أو في حال عرض الأرض للاستثمار أن يشتريها الدير.
الأراضي المحيطة بالدير مملوكة للدولة، بعضها تابع للقوات المسلحة، ولكن ظلت مساحات من الأراضي في نزاع يعود إلى 2014 من قِبل أباطرة الأراضي في المنطقة، وكان هذا النزاع جزءًا من نزاع أكبر في وادي النطرون له علاقة باستصلاح الأراضي، وصل إلى القضاء، وثبت تورط مسؤولين حكوميين فيه. بينما خُصصت أجزاء من الأراضي المملوكة للدولة المحيطة بالدير لجهات عدة، ثم أعيد تخصيصها لجهات أخرى، أكثر من مرة، كان أبرزها قرار رئاسي في ديسمبر 2018، بإعادة تخصيص أرض مملوكة للدولة في محيط الدير بمساحة حوالي 1400 فدان، لصالح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة.
* تصحيح: أوردنا بالخطأ في نسخة سابقة من التقرير ضمن تصريحات المحامي إيهاب سدره أن تقرير الطب الشرعي أفاد بأن الدماء الموجودة تحت أظافر أشعياء هي دماء إبيفانيوس. والصحيح أن التقرير أفاد بأن الدماء الموجودة على أداة الجريمة هي دماء إبيفانيوس.
- أوردنا بالخطأ أن قرار نقل الراهب أشعياء نفذ في فبراير، والصحيح أنه تم التراجع عن القرار لاحقًا وبقى بالدير.
تقارير ذات صلة
«الدفع شرط للتعيين»: الأكاديمية العسكرية تفرض رسومًا على القضاة المتدربين تصل إلى 120 ألف جنيه
الرسوم مقابل إقامة المتدربين والمتدربات داخل الكلية الحربية والمقار التابعة لها طوال فترة التدريب
السيسي يقر قانونًا يمكن «الداخلية» من عدم تنفيذ أحكام القضاء
المجلس الأعلى للشرطة «سيد قراره»
عسكرة «الدستورية».. ما وراء تعيين رئيس «القضاء العسكري» نائبًا لرئيس المحكمة
في 7 يوليو الجاري أصدر السيسي قرارا بتعيين اللواء صلاح الرويني نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية العليا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن