حين ننظر لها من البحر، يبدو منظر هضبة أم السيد في شرم الشيخ شاعريًا. زرقة مياه البحر الأحمر الداكنة تتبدل إلى اللون الفيروزي عند بداية الشعب المرجانية، التي كانت سبب شهرة هذه البقعة عالميًا كموقع للغوص. وعلى قمة الهضبة البنية المتموجة تمتد حدائق خضراء وفيلّات بيضاء. لطالما كان هذا الموقع الرائع اختيار أبرز الشخصيات لقضاء العطلات، مثل توني بلير وعائلة حسني مبارك.
الشروخ والصخور المنهارة تهدد أمن السكان أعلى الهضبة ومرتادي الشاطئ أسفلها. تصوير إيزابل إسترمان.
لكن إذا اقتربنا قليلًا سوف نرى وجه الهضبة المتشقق حرفيًا، حيث أصابتها شروخ طولية وعرضية في مواضع شتى، وامتلأ الشاطئ بأكوام الصخور المتهاوية. ومع أن معظم هذه الصخور قد سقط منذ عدة عقود، لكنها تذكرنا بما قد يحدث إذا لم يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لترميم الهضبة. ولقد أدى التآكل في سائر المواضع بالهضبة إلى اختفاء طرق السير على حافة الهضبة تقريبًا بحيث لم تعد تتسع للمشي.
ورغم ضرورة التحرك فورًا بأي شكل، تحولت كيفية الترميم والمستفيد منها إلى محل جدل عنيف.
أجزاء من الممشى البحري بالهضبة وقد جرفه التآكل. تصوير إيزابل إسترمان.
بدأت القصة، مثل العديد من القصص الأخرى في مصر، عندما بدأت هوجة التطوير ذي التخطيط والتنظيم السيء في أوج عصر مبارك.
هذه المدينة الواقعة في الطرف الجنوبي من شبه جزيرة سيناء كانت في يوم من الأيام قرية هادئة للصيد. وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي، الذي دام منذ عام 1967 وحتى 1982، بدأ تطويرها على نطاق ضيق لتصبح مكانًا سياحيًا. وفي العقود التي تلت تسليم الأرض قام نظام مبارك بتشجيع المستثمرين على ضخ مئات الملايين من الجنيهات لبناء الفنادق والفيللات الفخمة، والتي حولت شرم الشيخ إلى منتجع سياحي براق وواحد من أكبر مصادر الربح في مصر.
لكن مع الأسف، لم يصاحب هذا الازدهار في الاستثمار العقاري أية استثمارات في البنية الأساسية العامة. ولقد تمت أعمال التطوير على أساس بنية متهالكة وغير ملائمة أنشأها الاحتلال الإسرائيلي.
وطبقًا لآراء خبراء الجيولوجيا والتربة، فإن واحد من أهم العوامل التي تسببت في تهدم هضبة أم السيد هي تسريبات مواسير الصرف الصحي المصنوعة من الأسبست، والتي تعود إلى أيام الاحتلال. كما أن سكان المنطقة اضطروا إلى استئجار شركات خاصة لتوفير المياه بسبب سوء خدمات المياه البلدية، ويتم تخزين هذه المياه في خزانات غالبًا ما تقوم بتسريب محتواها فتمتصه الصخور. بالإضافة إلى ذلك، فإن الماء الذي يرشح إلى قلب الهضبة من حمامات السباحة وخراطيم الحدائق له دور في المشكلة أيضًا.

بقع داكنة تدل على الرطوبة التي تخللت الصخرة. تصوير إيزابل إسترمان.
يقول الخبير الجيولوجي فكري حسن إن هذه الهضبة كانت في يوم من الأيام جزءًا من قاع البحر، قبل أن تدفعها القوى التكتونية إلى أعلى. ويعد الجزء العلوي من الهضبة من بقايا الشعاب المرجانية القديمة، وهو متحجر لكنه قابل للتفتت، وأسفله هناك حجر رملي لين ويسهل تآكله. وحتى إذا لم يكن هناك سكان في المنطقة لتشققت الهضبة وتآكلت، لكن هذا الرشح المائي المستمر في قلب الصخرة من ِشأنه أن يعجل من هذه العملية بشكل كبير.
في مواضع شتى من واجهة الهضبة تبدو البقع الرطبة ظاهرة للعين. أما الأثر الأبلغ يمكننا أن نراه في رواسب الملح المتكلسة في الجزء المجاور لآبار التصريف الخاصة بمصنع تحلية المياه المالحة المحلي.
ولو كانت الصخرة على حالتها الطبيعية لكان البناء على بعد 20 مترًا من الحافة آمنًا بحسب خبير التربة ممدوح حمزة. "لكن إذا بدأت في تسريب المياه قد يتفتت الحجر الرملي الموجود بالأسفل ليتهاوى كل شيء".

يزعم السكان أن آبار تصريف مصنع تحلية المياه تسرب إلى واجهة الهضبة. تصوير إيزابل إسترمان.
ورغم أن المشاكل التي تواجهها الهضبة ليست جديدة العهد، فقد تفاجأ سكان منطقة الهضبة في شهر إبريل بمعدات الإزالة أمام منازلهم. ولقد عرفوا بعدها أن أعمال الحفر ستكون جزء من مشروع ضخم لترميم الهضبة بإشراف من وزارة الإسكان، والتي كلفت شركة المقاولون العرب التابعة للدولة بتخطيط أعمال الترميم وتنفيذها.
ولقد نجح السكان بقيادة هشام جبر، أحد مؤسسي منظمة «سينا ريف» وصاحب فندق ونادي «كاميل دايف»، في وقف أعمال البناء من خلال اعتراض طريق المعدات مستخدمين أجسادهم. ودعت منظمة «سينا ريف» «مدى مصر» إلى رحلة للتعرف على الأزمات التي يواجهها مشروع ترميم الهضبة.
قام السكان باختيار ممدوح حمزة، الخبير الجيولوجي الذي تربطه صلات جيدة بالنخبة السياسية في مصر، بعدما أثار حجم المشروع وأثره قلقهم. وكانت شركة حمزة الهندسية قد عملت من قبل على مشاريع بنية تحتية ومشاريع سياحية ضخمة مثل محطة ضخ توشكى، مترو القاهرة، وميناء دمياط لتصدير الغاز الطبيعي. وقام حمزة بمراجعة التصميمات ليكتشف أن المقترح المبدئي الذي قدمته شركة المقاولون العرب يتطلب إزالة 2.2 مليون متر مربع من الصخور من واجهة الهضبة. وبعدما أبدى حمزة انتقاده للخطة الأولى، قامت المقاولون العرب بتقديم مقترح بديل كان من شأنه أن يخلف 4.5 مليون متر مربع من الركام.
ويقول حمزة إن الحفر بهذا الحجم كان سيهدد استقرار الهضبة على المدى الطويل، وكان من الممكن أن يحدث ضررًا لا يمكن إصلاحه على الشعاب المرجانية أسفلها. كما كان سيؤدي إلى إهدار الموارد بشكل هائل. يقول حمزة: "هذا الحل مكلف للغاية، ولا حاجة له أيضًا، وكأننا نقتل ذبابة باستخدام مدفع آر بي جي".
رغم عدم ظهورها في الصورة، إلا أن تكلسات الملح واضحة للعيان حول هذا المدرج المسرحي الملاصق لمصنع تحلية المياه. تصوير إيزابل إسترمان.
لجأ حمزة إلى علاقاته الخاصة لينظم سلسلة من الاجتماعات مع رئيس الوزراء إبراهيم محلب، والذي كان قد عمل معه أثناء رئاسة محلب لشركة المقاولون العرب.
ويقول حمزة إن رئيس الوزراء "هاله" ما سمعه عن خطط شركة المقاولون العرب لاقتطاع مساحة من 10-20 مترًا من واجهة الهضبة وخلق ملايين الأمتار المربعة من الركام.
توقف العمل على الهضبة عقب اجتماع مجلس الوزراء بهذا الشأن في بداية شهر مايو إلى أن تكتمل دراسة الأمر. وكان العمل كله غير مكتمل عدا مرحلة واحدة لا تطل على البحر.
هذا الجزء من أعمال الترميم الذي لا يطل على البحر اكتمل بالفعل. كانت خطة المقاولون العرب الأصلية تطرح تنفيذ نفس الشيء على الهضبة كلها. تصوير إيزابل إسترمان.
في تلك الأثناء كان حمزة يعمل مع سكان المنطقة، حيث قام بتصميم خطة بديلة تسعى لتقليل الأثر البيئي والجمالي السلبي. ولقد قاموا سويًا بدراسة كل جزء من واجهة الهضبة على حدة لتحديد التدخلات الملائمة لكل قسم. ويقول حمزة أنهه في بعض الحالات كان ذلك يتضمن خفض أو رفع الصخور التي تبين أنها مهددة بالسقوط. وفي حالات أخرى طُرح استخدام مسامير تثبيت عملاقة لتثبيت الصخور المشروخة.
وبدلًا من تغطية الأعمال الهندسية بشبكات فولاذية وبالخرسانة المقذوفة كما جاء في مقترح المقاولون العرب، اقترح حمزة تكليف فنانين لتغطية الأعمال الهندسية بمنحوتات أصلية. ويصف حمزة اقتراحه بأنه "مثل ارتداء قفاز من الحرير على قبضة من الحديد".
وبناءً على اقتراح وزارة الثقافة قام حمزة ومنظمة «سينا ريف» بالتواصل مع النحات المصري القدير آدم حنين، والذي وافق على الإشراف على اختيار الفنانين ومشاريعهم.
ويقول حنين معلقًا: "أظن أنها فكرة رائعة وناجحة للغاية، خاصة إذا نجحنا في المشروع. وهي أيضًا فرصة جيدة لكي تعمل مجموعة من النحاتين على صنع المنحوتات سويًا والتجريب وبناء شيء جديد".
ويرى حمزة أن الأهم من ذلك هو أن تكلفة المشروع أقل من الاقتراحين المقدمين من المقاولون العرب. ففي تقديره سوف تبلغ تكلفة المشروع نحو 40 مليون جنيه مصري، حتى إذا تم الاعتماد على شركة المقاولون العرب للقيام بالأعمال الهندسية، وذلك بعد القيام بالدراسات الجيولوجية ودفع أجور الفنانين والمساعدين.
وكانت شركة المقاولون العرب قد قدرت تكلفة المقترح الأولي بقيمة تزيد عن 80 مليون جنيه من المال العام، بينما بلغت تكلفة المقترح البديل ما يزيد عن 800 مليون جنيه.
ويؤكد حمزة إن رئيس الوزراء قد أعطى موافقة شفهية على اقتراحه، وإن البدء في المشروع الذي سوف يتضمن دراسات على واجهة الهضبة والعمل مع الفنانين على موقع تجريبي في انتظار الموافقة الكتابية فقط.
لكن بينما تبدو على الحكومة المركزية علامات الاستجابة إلى اقتراح السكان، تأخذ الإدارة المحلية موقفًا مغايرًا.
فخطة الترميم المقدمة من المقاولون العرب تتطلب اقتطاع مساحة تبلغ من 10 إلى 20 مترًا من واجهة الهضبة، ما سوف يؤدي إلى خلق مساحة لبناء عقارات مطلة على البحر من الطراز الأول يمكن استخدامها للأنشطة التجارية والمقاهي. وإذا استمر العمل بهذه الخطة سوف يكون لدى محافظة جنوب سيناء المالكة للأراضي ولمستثمري العقارات فرصة كبيرة لجني الأموال.
وبحسب عباس البحراوي، المحامي الذي كلفته المجموعة نفسها من سكان الهضبة التي كلفت ممدوح حمزة، فهناك الآن أكثر من 40 قضية جنائية وإدارية مرفوعة ضدهم من قبل محافظة جنوب سيناء، وهو ما وصفه بالحملة لمضايقة وإرهاب كل من يتصدى لأعمال البناء.
ويعد محافظ جنوب سيناء خالد فودة من أشد المدافعين عن خطط التطوير الأولى. حيث حضر بنفسه عندما بدأ سكان الهضبة في احتجاجاتهم ليستنكر حقهم في إبداء الاعتراض. قال المحافظ أمام الكاميرا: "يهمكم في إيه؟ أنت ماتعدلش على المقاولين العرب وماتعدلش على دكاترة كبار عظام عملوا الدراسة".
ويوضح البحراوي أن الأسلوب نفسه قد انعكس على عدد القضايا المتزايد ضد السكان المعارضين للخطة. ويقول: "هم يفعلون لذلك ليرغموا الناس على التوقف عن أية إجراءات يتخذونها ضد الحكومة. هم يريدون حبسهم لإسكاتهم".
تلك القضايا تتركز حول الحدائق الصغيرة التي زرعها السكان في المساحة العامة الموجودة بين ممتلكاتهم وحافة الهضبة. وطبقًا لحديث رفائيل المعري، أحد سكان المنطقة والمتطوع في منظمة «سينا ريف»، فإن هذه الزراعات موجودة منذ 15 أو 20 عامًا، وتمت زراعتها طبقًا للإرشادات التي حددها مجلس المدينة السابق.
أحمد شريف يواجه تهم جنائية لقيامه بزراعة حديقة عامة صغيرة أمام منزله. تصوير إيزابل إسترمان.
ورغم سقوط الدعوى منذ ثلاث سنوات بالتقادم، إلا أن المحافظة قامت بتوجيه تهم جنائية للبناء على أراضٍ تابعة للدولة، ورفعت قضايا إدارية تدعو لإزالة الحدائق الصغيرة بالقوة. ويقول البحراوي أن الملاك الذين تمت محاكمتهم غيابيًا ـ ومنهم من مات أو غادر البلاد أو باع فيللته منذ زمن طويل ـ صدر بحقهم أحكام تترواح بين السجن عامين وثلاثة أعوام وضعف الغرامة المسموح بها قانونًا. ولقد تمت إحالة القضايا التي يعمل عليها إلى أقسام متخصصة في وزارة العدل.
أدت هذه الحملة القضائية الشرسة إلى حدوث انقسامات بين السكان بالطبع. يقول البحراوي إن هناك مجموعة آثرت الصمت والعمل سرًا بدلًا من مواجهة المحاكم. وقد وافقوا على إزالة الحدائق بأنفسهم مقابل خطاب رسمي موجه للمحكمة يفيد بأن المشكلة قد تم حلها. ويضيف أن هذه الخطابات لم تأت أبدًا، وصدرت أحكام ضدهم.
ويوضح البحراوي أن المجموعة التي اختارت مواجهة هذه التهم ما زالت صامدة حتى الآن. ولقد قاموا بدورهم برفع دعاوى مضادة ضد المحافظة، اعتراضًا على المعاملة غير العادلة. فمن بين كل سكان الجزء العلوي من الهضبة لا يوجد سوى ثلاثة منازل لديها الحق في شراء الأرض عند حافة الهضبة، وهى تخص رئيس الوزراء السابق أحمد شفيق وجيرانه المجاورون مباشرة.
يقول البحراوي: "إن جميع موكليني أقوياء، وسوف يتخذون كافة الإجراءات الممكنة ضد الحكومة لحماية حقوقهم".
على عكس سائر السكان، يمتلك أحمد شفيق الفيللا ومساحة الأرض ما بين سور بيته وحافة الهضبة. تصوير إيزابل إسترمان.
لكن في نهاية الأمر، أيًا كانت نتيجة النزاعات القضائية وأعمال البناء، سوف يكون على الحكومة والسكان التعامل مع مشاكل المياه التي تعد أساس الضرر الذي أصاب الهضبة.
ويوضح حسن عالم الجيولوجيا قائلًا: "هذه المشكلة لا تخص هذا المكان فحسب، بل هي موجودة في أماكن أخرى أيضًا. ولقد سبق أن تعاملوا معها. وإن نطاق الاستجابة معروف، فهذا ليس مرض مجهول". ولكي يكون الحل فعالًا حقًا يجب أن يبنى على أساس دراسات جيولوجية تقنية تبحث استهلاك وصرف المياه في المنازل.
يزعم السكان أنهم باستخدام نظام الري المؤقت يمنعون المياه من التسرب إلى الهضبة. تصوير إيزابل إسترمان.
ويضيف قائلًا: "أظن أنه سيكون من المجدي على المدى الطويل، للمنتجعات وللسكان وللجميع، أن يتم إتباع منهجًا صديق للبيئة، كاستخدام الطاقة الشمسية، والتقليل من استهلاك المياه، وفصل المواد الصلبة عن المياه. الأمر يتطلب تغيير نهج العيش المتبع بشكل شامل. لا يمكنك العيش في شرم الشيخ بنفس الطريقة التي تعيش بها في القاهرة. هذا جنون".
قد يكون من الصعب إقناع كبار ملاك المنتجعات والعقارات، لكن السكان الذين يحاولون منع مشروع المقاولون العرب يقولون إنهم على استعداد لفعل أي شيء لوقف التآكل على قمة الهضبة، حتى إذا أدى ذلك إلى اقتلاع حدائقهم الصغيرة وتغيير عاداتهم.
يقول أحمد شريف أحد سكان المنطقة: "نحن لا نريد أن تنهار منازلنا".
تقارير ذات صلة
«تكييف التهمة» يحدد المستقبل السياسي للطنطاوي
اعتبرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن القضية هي جزء من حملة استهداف منظم للطنطاوي
تحليل إخباري: رئاسة السيسي الثانية…طريق غير معبّدة وتحديات حاسمة
الرئيس لم يكن ليقبل «بأن تتم منازلته على حكم مصر لأن هذا يحوّله لرئيس سياسي يمكن منافسته على السلطة»
نواب لم يزكوا السيسي.. ماذا ينتظرون؟
«25/30» (16 نائبًا) ينتظر مرشحين آخرين، «النور» (9 نواب) ينتظر رأي الحزب، حزب شفيق (4 نواب) للسيسي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن