«ما وراء الطبيعة».. أسطورة الحبكات الضائعة
#جو عام
بروح مُتسامحة شاهد زميلنا أسامة يوسف، أمس، «ما وراء الطبيعة» بحلقاته الست بمجرد إتاحتها على منصة نتفلِكس، من إنتاجها مع «فيلم كلينك» و«دائرة ميم الإبداعية»، في أول معالجة درامية لعوالم سلسلة الراحل أحمد خالد توفيق التي يعرف أسامة عوالمها جيدًا. وبعد هذه المشاهدة المارثونية، لم يكتب ترشيحًا، بل نصًا يرشد كل مَن قرأ وأحب رفعت إسماعيل، وهو يراه مجسدًا -خارج الخيال- في قالب جديد مع الكثير من الفك والتركيب للحبكات القديمة.
#قراءة #مشاهدة
التساؤل الذي طالما شغل قراء سلسلة «ما وراء الطبيعة» عند ذكر تحويلها إلى مسلسل قد أُجيب عنه بالأمس، عندما تجسد دكتور رفعت إسماعيل على الشاشة بواسطة أحمد أمين، وأستطيع أن أزعم أن محاولاته كانت كافية لي شخصيًا، أنا الذي أعدت قراءة السلسلة بأكملها مرات ومرات، «من فرط الغموض والرعب والإثارة» كما وعد شعارها، ثم لأسباب عاطفية متعلقة بالعزيز، أبو الرفاع، أحد أقدم أصدقائي.
عندما أُتيحت الفرصة المناسبة لأمين، تجسد صديقي على الشاشة، بل انتزع مني -أحيانًا- ضحكات بصوت عالٍ مثلما اعتاد رفعت أن يفعل في الكتب، لكن هذا التجسد تشوش بمرور دقائق المسلسل، خاصةً بعد الحلقة الثانية، التي يزداد بعدها التباعد بين أحداث الكتب وأحداث المسلسل، وهو ما لم يكن من المفترض أن يمثّل مشكلةً في حد ذاته، لكن الأزمة كانت في طريقة بناء التصور الجديد للعمل، التي أثرت على تجسيد أمين للشخصية، خاصةً في ظل احتياجه للتفاعل مع الأحداث المُعاد صياغتها، بل وأثرت على نقل القواعد التي بُنيت عليها السلسلة، فنتج عن ذلك عملًا شديد الارتباك مقارنةً بما قرأناه في الكتب، بل وعلى عكس المُعتاد في هذه الحالة اضطرتني الحبكات الجديدة لمخالفة القواعد التي وضعها مخرج العمل، عمرو سلامة، ولجأت أنا ورفيق المشاهدة -ونحن من قراء السلسلة- للتعليقات والأسئلة الجانبية، لفك طلاسم الأشياء غير المفهومة. أنا آسف يا عمرو بس كنت مضطر.
لنأخذ خطوة إلى الوراء.
تتكون سلسلة «ما وراء الطبيعة» من 81 كتابًا، يحمل كل منها بمفرده حدثًا رئيسيًا، ينتهي على الأغلب بنهاية الكتاب، مع الكثير من الشخصيات والخطوط الدرامية الممتدة بين صفحاتها، دون تقيد بتسلسل زمني، فمعظم الوقت، تكون القصص عبارة عن ذكريات يحكيها رفعت بنفسه، من فترات زمنية مختلفة، وهو الأسلوب الذي سخر منه المؤلف نفسه، أحمد خالد توفيق، في المرات التي وضع فيها رفعت في مواقف خطيرة، قاطعًا إياها مخاطبًا القارئ أن الجميع على علم بأن الموقف سيمر بسلام، لأن رفعت يحكيها من موضع المُتذكِر. لكن حياة رفعت لم تكن محور الحدث، المهم هو «كيف نجا»، الكيفية هي الحبكة الرئيسية للسلسلة، وهو ما حمل رفعت صفات شيرلوك هولمزية، كشخصٍ موسوعي، قادر على ملاحظة الأشياء، والتعامل معها بشكل منطقي أغلب الوقت.
النمط السائد في سلاسل الكتب التي أصدرها أحمد خالد توفيق؛ «ما وراء الطبيعة»، و«سافاري»، و«فانتازيا»، هو تسويده لصفحات ليست بالقليلة في كل كتاب، لمنح القارئ خلفيات كاملة -قد تكون غير ضرورية- عن موضوع الكتاب. أذكر شرحه، على لسان أحد الأبطال في إحدى كتبه، لتواجد مصاصي الدماء في الثقافات المختلفة بصور مختلفة، حتى ولو اعتمد على الصورة الغربية في بعض القصص. يحكي طلبة الطب أنهم استطاعوا الإجابة على أسئلة في امتحانات الشفوي بفضل معلومات مذكورة في «سافاري». في «ما وراء الطبيعة»، يعمل رفعت إسماعيل طبيبًا لأمراض الدم، شيئًا محوريًا بُني عليه شخصية رفعت ذات المنهج العلمي، لكنها ذُكرت عرضًا في إحدى حلقات المسلسل الست.
المعادل المباشر لتقديم هذه الخلفيات في الدراما المصورة، هو استخدام سفير للمشاهد، الشخص غير العارف الذي يسأل من حوله ليمنحوه سياقًا يتلقاه المشاهد بشكلٍ مستتر. اختار صُنّاع العمل أن يكون رفعت هو ذلك السفير، بل ومنحوا شخصيات هامشية أفضلية علمية عليه بشكل مضطرب دراميًا، وإن كان كل ذلك قد يكون مفهومًا في سياق أن البناء الدرامي اختار أن تكون بدايات احتكاك رفعت مع عوالم ما وراء الطبيعة بالتزامن مع بدء أحداث المسلسل.. هكذا فَقَدَ رفعت جانبًا مهمًا في شخصيته، ولم يعد موسوعيًا. لكن ضررًا أكبر للشخصية حدث مع عملية إعادة بناء الأحداث.
الطريقة الأسهل لإجراء عملية اقتباس مباشرة عن السلسلة ستكون بإعادة ترتيب القصص وفقًا للتسلسل الزمني لها، لا بترتيب نشرها، وهو ما لم يكن اختيار صُنّاع العمل، الذين بنوا الموسم -الأول فيما يبدو- حول كتاب «أسطورة البيت»، الذي يحمل رقم 12، وهو -بالمصادفة- العدد الأول الذي قرأه مخرج العمل، عمرو سلامة، وفقًا للوثائقي الذي أنتجته Netflix عن صناعة المسلسل.
لذلك، جرت عملية الاقتباس اعتمادًا على تفكيك السلسلة على مرحلتين؛ الأولى كانت الشخصيات بخطوطها الدرامية، والثانية هي مواضيع أعداد السلسلة، ثم أضفوا عليها التعديلات المناسبة لرؤيتهم، قبل إعادة استخدامها في سردية جديدة، وهي الفكرة الجيدة نظريًا، والتي عابها التنفيذ، خاصةً في المرحلة الثانية، وفقًا للآتي.
تظهر ماجي، حُب رفعت منذ دراسته خارج البلاد، في كل حلقات المسلسل، رغم عدم ظهورها في أيٍ من الكتب المأخوذة عنها هذه الحلقات، لتصبح العنصر النسائي الرئيسي؛ تساعد رفعت دائمًا، وتجادله في حقها في مشاركته مغامرة بالصحراء لأن «إيه يعني، اللي هيحصلي هيحصلك».
أما هويدا، خطيبة رفعت، أخت زوجة صديقه عادل، تظهر في المسلسل أنها قريبته الصغيرة، مع التغاضي عن وجود عادل، صاحب الدور البارز في بعض الروايات، وعن وجود أي أصدقاء لرفعت من الأساس.
وتستمر هذه العملية مع كل الشخصيات، من حيث إهمال شخصيات متكررة الظهور، وتضخيم شخصيات هامشية، وتجسيد مختلف لشخصيات أخرى، مع محاولات تخيّل ماضٍ أُسري لرفعت، وعلاقة متوترة بأبيه وأخيه، لا تستحق النقاش.
الرؤية الجديدة المتمحورة حول حدثٍ لم يكن محوريًا في الكتب، والشخصيات التي تغيّر مكانها وحجمها، يحتاجان إلى مبررات ومسارات درامية مختلفة، وبالنظر إلى المنتج النهائي، لم يكن كُتّاب المسلسل منشغلين على الإطلاق بالحفاظ على ما جاء في كتبه، العكس هو الصحيح.
من أصل كتب خمسة رئيسية استُخدمت في هذا الموسم، التزم صُنّاع العمل بأحداث اثنين -إلى حد ما- وأعادوا استخدام عناصر من الكتب الثلاثة الأخرى في سرديتهم؛ ما تجيب الوحش بتاع الكتاب ده نحطه مع الناس التانيين دول في السياق التالت اللي هناك ده. أيضًا، لا مشكلة في ذلك. غيّر خالص التفسيرات المادية بتاعت القصة دي، وخليها خوارقية زي التانيين. أيضًا، لا مشكلة.
المشكلة تكمن في إهمال أهمية «كيفية» حلّ العُقد في بناء الأحداث الجديدة، بل وأحيانًا إهمال أسباب حدوث الأشياء، ودوافع قرارات الأبطال أحيانًا، بل وتغيّر مواقفها. فبدلًا من النسيج الدسم أغلب الوقت في كتب السلسلة، والاهتمام بتفاصيل الشخصيات وصفاتها التي تدفعها لاتخاذ قرارات ذكية أو حمقاء، وبدلًا من المجهود المبذول بين سطورها إما لإرساء قواعد العالم الخوارقي، أو لمحاولة فهمها بمنهجٍ تجريبي يناسب شخصية رفعت العلمية رغم كونه بطل سلسلة كتب عن أساطير، تحوّل المسلسل بعد عمليات الفك والتركيب التي جرت في نسيج الكتب إلى شيء مُسطح تمامًا، يُعلق على أحداثه «سنيدة» البطل لإسباغ منطق ما على ما يجري على الشاشة، دون جدوى أغلب الوقت. فقط، تستمر الأحداث في الحدوث، إلى أن نصل مرة أخرى للحلقة الأخيرة، الجيدة نوعًا ما، المعتمدة على «أسطورة البيت»، والتي يُمنح فيها المشاهد تفسيرًا مُقتضبًا لسؤال: «لماذا حدثت الأحداث؟» وسأترك لك تخمين ما إن نجحت هذه المحاولة أم لا.
الدافع الذي أعادني صغيرًا لقراءة الأعداد بعد الانتهاء منها كونها مثّلت رحلة دسمة شديدة الإمتاع، بينما كانت مشاهدة حلقات المسلسل رحلة إلى نهاية الحلقة، التي كنت أنتظرها كل مرة بفارغ الصبر، للا شيء سوى الخلاص.
[الجزء القادم يحتوي على حرق أحداث بدءًا من الحلقة الثالثة. لتفاديه، ستجد إشارة مماثلة للموضع الذي يمكنك مواصلة القراءة]
في الحلقة الثالثة؛ غيّر صناع العمل من أسباب وجود رفعت في الصحراء، وغيّروا أبطال القصة، لكن الحبكة اعتمدت على «الرمال المتحركة» للتخلص من «العسّاس»، وسبقها صراع طويل ومطاردات في الصحراء، تُبقي رفعت وحيدًا بعد موت كل مصاحبيه، تسبغه شخصيته الساخرة بملمح من لمحات الجنون وهو يغني أغنية متخيلة تُكتب عنه لتحذير الأطفال من العسّاس تقول «لقد أنذرنا الحمقى.. لكنهم لم يصدقوا حرفًا»، وعندما يظهر له العسّاس يحاول قتله بديناميت وبمسدسه دون فائدة. يحاول رفعت تجنب هذه الرمال، لكن الخوف والهلع واقتراب العسّاس منه يقوده إلى التخلي عن الحذر، والدخول فيها، لكن رفعت المسلح بالمعرفة ونصائح الآخرين، يتذكر الطريقة المثالية للتعامل مع الرمال، بالطفو عليها أفقيًا، على عكس الوحش الذي ينغرز فيها منفذًا كل ما حذر منه سفراء القراء في الكتاب: «وليتذكر كل مَن يسقط في هذه الرمال المخلخلة، أن عليه ألا يحاول الصعود في حركات هيستيرية تزيده غوصًا»، هذه النصائح هي الأقرب لما يحدث في الواقع بالفعل. في المسلسل، ينحني رفعت بينما يقفز العساس الضخم بمسار غير مفهوم ليقع في الرمال المتحركة ويغرق في مكانه كأنه سقط في بحر، بالإضافة إلى بعض التجويد لإيجاد background story للعسّاس، فرفعت يعود للكهف ويقابل العسّاسة زوجته التي تحمي طفلها «العُسعُس» الصغير، وتتركه الأم بعدما يظهر له نيته بعدم إيذاء حمادة، مستعينين بقواعد برامج عالم الحيوانات.
الحلول البصرية لتصوير العسّاس تدل على الاستسهال رغم «الصرف الباين»، فقد جاء وصفه في الكتب كالتالي:

ما الحل لهذه المعضلة البصرية بغض النظر عن جودتها؟ إجابة صناع العمل: خذ أول تشبيه ونفذه.
أهملت الحبكات الجديدة كثير من التسلسل المنطقي للأحداث، وفرغت القصص من محتواها الثري لتُستخدم في سردية جديدة، يكون فيها رفعت بطل «أسطورة الجاثوم» شديدة السوداوية، وهي التي تحكي في الأصل عن رجل يصارع مصيره المحدد سلفًا، لتسطح تمامًا وتتحوّل إلى قصة رجل يحارب شبحًا في أحلامه، وينتهي صراعهما بالصدفة. و«تُخورق» فيها أسطورة النداهة لتسع رؤية صُنّاع العمل، مع إهمال تام لإخراجها بشكلٍ مفهوم.
[انتهى الحرق]
حوّلت الحبكات الجديدة رفعت إلى شخصية أخرى، مضطربة بعض الشيء، تائهة، مرتبكة، وليس في ذلك أنسنة لرفعت، بطل الكتب الخارق. فرفعت لم يكن كذلك أبدًا، فهو نقيض البطل الذي يجمع الأمراض كهواية،ِ لكن تسلحه بالمنطق والعلم والملاحظات هو ما جعله مميزًا، لكن العمل الذي أمام أعيننا الآن -المليء بالثغرات- يظهره كبطل مسلسل أمريكي متوسط الجودة، يُلقي بعبارات رنانة تحت اسم «قوانين رفعت» غير الموجودة في الكتب، ويخوض مغامرات في عوالم رعب مختلفة بعض الشيء، وهي الثيمات المفضلة لنيتفلِكس، ويتحرك بشكل عشوائي تمامًا في سردية لا تهتم بالمبررات أو الدوافع، وإنما تستمر الأحداث في الحدوث.
بس الصرف باين والله يا جماعة، وأنا سعيد باللوحات الإعلانية الضخمة للمسلسل في الضواحي الأغنى بالقاهرة، وسعيد بالحقائب والخطابات الموقعة باسم رفعت إسماعيل المُرسلة لبعض المؤثرين، وأتمنى النجاح في تحقيق هدفٍ ضمني قيل على لسان بعض المشاركين في صناعة العمل، وهو إسعاد المشاهد العالمي، الذي أظن أنه سيسعد بالفُرجة على مشاهد فشيخة بصريًا لقرى مصر وللصحاري، لكنني -بصدق- غير مُتفائل برد فعلهم في حالة مشاهدة كينج كونج يغرق في الرمال في سياقٍ غير مفهوم.
و#سلام
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن