ماذا يعني تعيين الدبيبة رئيسًا للحكومة الليبية بالنسبة لمصر؟
في الفترة التي سبقت التصويت المقرر إجراؤه في جنيف في 5 فبراير الماضي لتعيين سلطة تنفيذية ليبية انتقالية بعد حرب دامية استمرت لمدة عام في العاصمة طرابلس، كان المسؤولون المصريون يعربون عن قلقهم بشأن مدى هشاشة الوضع السياسي والأمني المستقبلي في جارتهم الغربية.
أُجري التصويت تحت إشراف «منتدى الحوار السياسي الليبي» الذي جمعته الأمم المتحدة، وتم تكليف السلطة التنفيذية التي تمخضت عنه بقيادة دفة البلاد نحو انتخابات في ديسمبر 2021.
انطلق «المنتدى» في أواخر 2020 وضم 74 ممثلًا من مختلف الاتجاهات السياسية المُعبرة عن المجتمع الليبي للعمل على الوصول إلى خارطة طريق لتوحيد مؤسسات الدولة التي تصدعت في أعقاب الانتخابات البرلمانية المتنازع عليها في 2014، وجولات القتال التي أججها الفاعلون الدوليون، وفشل حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في الحصول على تصويت بالثقة من برلمان الشرق.
لكن مصر لم تكن مقتنعة بأن العملية ستنجح، بحسب المسؤول المصري ومصدر سياسي من شرق ليبيا في الأيام السابقة للتصويت. مسؤول مصري قال لـ«مدى مصر» وقتها: «نتوقع فشل عملية جنيف».
أولاً، كان المسؤولون في القاهرة قلقين من أن «خليفة حفتر»، زعيم ما يسمى بالجيش الوطني الليبي الذي شن هجومًا استمر 14 شهرًا على طرابلس في إبريل 2019 بدعم إماراتي وروسي ومصري على مضض، قد يشن هجومًا جديدًا على قوات غرب ليبيا.
«نحن نحاول السيطرة استباقيًا على حفتر، لأننا لا نريده أن يشن هجومًا. نعتقد أن الوضع العسكري في الغرب متفجر تمامًا ونخشى أنه إذا شن الغرب هجومًا على الشرق، فإن الشرق سيرد أو سيُبادر بالهجوم زاعمًا أنه هجوم استباقي»، قال المسؤول المصري في الأيام التي سبقت التصويت.
وفقًا للمصدر السياسي الليبي، كانت مصر قلقة للغاية من إمكانية دفع الروس والإماراتيين حفتر إلى جولة أخرى من القتال، وهو القلق الذي ظهر في الأشهر الأخيرة.
أما الشاغل الثاني لمصر فقد تمحور حول دور «عقيلة صالح»، حليف حفتر ورئيس مجلس النواب الذي يتخذ من الشرق مقرًا له، والذي خرج من حرب طرابلس كشخصية بارزة في محادثات السلام. كان صعود صالح قد أحدث شرخًا في علاقته بحفتر، بعد أن تعرض حفتر للتهميش إلى حد كبير. وقال المصدران إن مصر قلقة من محاولة صالح إفساد العملية السياسية إذا لم يحقق هدفه برئاسة المجلس الرئاسي.
ومن أجل معالجة كلا الشاغلين، حاولت «القاهرة» ترتيب لقاء بين صالح وحفتر بحضور كبار المسؤولين المصريين المسؤولين عن ملف ليبيا لمناقشة خطة طوارئ في حالة تعثر عملية جنيف، سواء في الأيام التي سبقت التصويت أو إذا فشلت عملية تشكيل حكومة. ومع ذلك، لم يحضر حفتر للزيارة، بحسب المصدرين.
«فشل اجتماع حفتر وصالح قبل أقل من 48 ساعة من التصويت كان علامة على أن حفتر لن يدعم صالح»، يقول المصدر السياسي الليبي، «كانت هذه رسالة يمكن لمن كانوا يدلون بأصواتهم في جنيف قراءتها بسهولة».
على الرغم من النكسات في عملية جنيف، والتي تضمنت اتهامات بشراء الأصوات كشف عنها تحقيق أجرته الأمم المتحدة، فقد أدى تصويت الخامس من فبراير إلى تقليص عدد مطول من المرشحين إلى قائمتين فقط، ما يتطلب الحصول على الأغلبية البسيطة للفوز بالتعيين. وكان وزير داخلية حكومة الوفاق الوطني، فتحي باشاغا، هو المرشح الأوفر حظًا لمنصب رئاسة الوزراء في مجلس رئاسي مكون من ثلاثة أشخاص برئاسة رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، إلى جانب قائد المنطقة العسكرية الغربية، أسامة الجويلي، والسياسي الجنوبي، عبد المجيد سيف النصر. في مواجهة ما أصبح يُشار إليه بسخرية على شبكات التواصل الاجتماعي باسم «قائمة الديناصورات»، كان عبدالحميد الدبيبة، أحد رجال الأعمال المصراتيين البارزين في عهد القذافي، يسعى لتولي منصب رئيس الوزراء إلى جانب مجلس رئاسي يتزعمه السفير محمد المنفي، إلى جانب موسى الكوني وعبد الله اللافي.
في مفاجأة، أحبطت قائمة المنفي-الدبيبة مسعى باشاغا-الجويلي-صالح في تصويت نهائي بأغلبية 39 صوتًا مقابل 34.
قد لا تكون العملية في ليبيا محفوفة بالمخاطر اليوم كما تخيلتها «القاهرة» قبل شهر تقريبًا. أجرى الدبيبة جولة قصيرة لكن شاملة حول ليبيا وعواصم أجنبية بارزة، من بينها «القاهرة» و«أنقرة»، لحشد الدعم السياسي وإنشاء شبكات من العلاقات.
ومع ذلك، تم تجاهل خطة للإعلان عن حكومته الخميس الماضي التزامًا بمهلة الأسابيع الثلاثة التي حددتها خارطة طريق «منتدى الحوار السياسي الليبي» رغم تقدم الدبيبة بتشكيل وزاري إلى مجلس النواب بدون قائمة أسماء وزراء. وبحسب مصدر سياسي مقرب من الدبيبة، قرر رئيس الوزراء المكلف في مشاورات اللحظة الأخيرة تأجيل إعلان حكومته من أجل النظر في إجراء تعديلات على الحكومة الجديدة.
على خلفية التأجيل، أطلت العلاقة المتوترة بين حفتر وصالح برأسها. زار وفد مصري رفيع المستوى صالح في مدينة القبة الليبية قبل ساعات من إعلان الدبيبة المنتظر لبحث «الاستعدادات الجارية لتشكيل حكومة وحدة وطنية». وفقًا لمصدر مصري ثانٍ، كان معسكر حفتر يضغط من أجل توسيع تمثيله في مجلس الوزراء وشغل المناصب الدبلوماسية الرئيسية في الخارج. قد يكون الدبيبة في موقف صعب، بعد أن أوضح حفتر وأبناؤه أنهم سيعرقلون تشكيل الحكومة إذا لم يحصلوا على نصيبهم المنشود من التعيينات الوزارية والمناصب الدبلوماسية الرئيسية في الخارج من الحكومة الجديدة، وفقًا لباحث مصري على صلة وثيقة بالدوائر الرسمية الليبية.
أكد مصدر سياسي مقرب من حفتر على موقف المشير، وقال لـ«مدى مصر» إن أحد أبناء حفتر يحاول ترتيب مزيد من المشاورات مع الدبيبة وصالح في الأيام المقبلة لتأمين نصيب حفتر المنشود من السلطة.
من جانبه، يبدو أن صالح يحاول هو الآخر تأمين نصيبه من السلطة، وذلك عبر استغلال التسريبات المتعلقة باتهامات شراء الأصوات في التصويت وتأجيل الجلسة البرلمانية المرتقبة في 8 مارس الجاري لمنح الثقة للحكومة الجديدة.
لعبة شد الحبل بين صالح وحفتر هي مجرد واحدة من عدة ديناميكيات متضاربة يجب على مصر أن تتنقل بينها داخل المشهد السياسي الليبي الجديد. بينما يقول مصادر ومحللون لـ«مدى مصر» إن «القاهرة» ستتبنى موقفًا براجماتيًا تجاه حكومة الدبيبة في حال تنصيبها، وتتطلع إلى تحقيق أقصى قدر من التعاون الاقتصادي، فإن مصر ستواجه مهمة صعبة في موازنة التحالفات المتنوعة بشكل متزايد مع مصالحها الاستراتيجية وخطوطها الحمراء.
يأتي رئيس الوزراء الليبي الجديد بعد فترة شهدت تقلبات كثيرة. استفاد رجل الأعمال، الدبيبة، من علاقته الوثيقة وطويلة الأمد مع نظام معمر القذافي، ونجح مع ابن عمه «علي» في جعل عائلتهما واحدة من أغنى العائلات في ليبيا على خلفية سيطرتهما على مؤسسة تطوير المراكز الإدارية المملوكة للدولة والتي تم تخصيص مليارات الدنانير الليبية من أجلها، وتكليف الدبيبة بالتطوير الإداري وأعمال البناء في عهد القذافي، الشركة الليبية للتنمية والاستثمار، وشركة المقاولات الكبرى.
أصبح الدبيبة أيضًا مستشارًا مقربًا من نجل القذافي، سيف الإسلام، إذ عمل معه في مشروع «ليبيا الغد» الذي تم إقراره لتغيير البنية التحتية والنظام السياسي في ليبيا، وفقًا لمسؤول سابق في نظام القذافي.
عندما اندلعت الثورة الليبية، اختارت العائلة، وهي من مدينة مصراتة الغربية القوية والتي ناهضت القذافي بقوة مع اندلاع الثورة الليبية في 2011، أن تتبنى موقف المدينة المؤيد للثورة، لكنها عملت أيضًا على إبقاء خياراتها مفتوحة في حالة تمكن نظام القذافي من البقاء في السلطة.
«الدبيبة شخص دبلوماسي»، يقول مقاتل من مصراتة شارك في المعارك ضد القذافي لـ«مدى مصر». «لم يكن يريد أن يخسر أحدًا. كنا نعلم أنه كان مقربًا من القذافي، لكنه كان يدعم الثوار أيضًا. علمنا لاحقًا أنه كان يدعم مقاتلي القذافي كذلك. لم يكن مستعدًا للمقامرة على أي طرف قد يخسر».
في السنوات التي أعقبت الثورة، خضع الدبيبة لتحقيقات في تهم بالاختلاس، كما أصدر الإنتربول «مذكرة حمراء» ضد ابن عمه على خلفية تهم اختلاس وغسيل أموال وإساءة استخدام السلطة.
ومع ذلك، ونتيجة أعمال العنف والتشرذم السياسي والاجتماعي التي أعقبت الإطاحة بالقذافي، لم تتقدم التحقيقات مع عائلة الدبيبة، ووفقًا لمصدر مقرب من العائلة، فإن رئيس الوزراء المعين كان يعمل على مدار السنوات الأربع الماضية للعودة إلى الأضواء، والتواصل مع عدد من الشخصيات الإسلامية السياسية الليبية المقيمة في تركيا، مثل علي الصلابي.
قال المصدر المقرب من الدبيبة إن ابن عم الدبيبة دخل في تحالف مع شخصيات ليبية مرتبطة بقطر وتركيا لتشكيل كتلة السلام والمصالحة السياسية في عام 2018 التي حصلت على دعم من شخصيات ليس فقط من حكومة الوفاق الوطني في طرابلس ولكن من تيارات مختلفة في ليبيا. يضيف إعلامي مقرب من نظام القذافي أنه تلقى دعوة نهاية 2018 للسفر إلى تركيا لحضور ورشة عمل بعنوان «السلام والمصالحة» يترأسها الصلابي. يقول المصدر الإعلامي إن ابن عم الدبيبة كان يروّج للمبادرة بين عدة دوائر في ليبيا، من بينها تلك التي تعتبر من فلول نظام القذافي.
عندما تم اختيار الصلابي كعضو في «منتدى الحوار السياسي الليبي» العام الماضي، عمل كمحفز رئيسي لتأمين انتصار الدبيبة، وفقًا لمصدر مقرب من العائلة.
تسلط مزاعم الفساد المحيطة بشخصية مثل الدبيبة الضوء على الخلل الجسيم في عملية جنيف. بالنسبة لـ«إلهام سعودي»، مديرة «محامون من أجل العدالة في ليبيا» وعضو «منتدى الحوار السياسي الليبي»، التي امتنعت عن التصويت، كان ينبغي صياغة العملية على أنها تعيين لمنصب عام مع عملية تدقيق صارمة، بدلًا من إجراء تصويت. قاتلت كتلة من أعضاء «منتدى الحوار السياسي الليبي» من أجل معايير أقوى لشروط الترشح في العملية، والتي كانت ستشمل منع أي شخص تم التحقيق معه بسبب انتهاكات حقوق الإنسان أو الفساد، كما تقول. ومع ذلك، استقرت عملية الأمم المتحدة في النهاية على لغة كانت مجرد «موافقة على استبعاد المدانين بارتكاب انتهاكات، هو أمر بلا معنى»، ما فتح الباب فعليًا أمام مجموعة من المرشحين.
الآن بعد أن وصل الدبيبة إلى المنصب، هناك عدة عوامل قد تجعله يبقى لفترة أطول من الفترة المنصوص عليها لبقائه في منصبه حتى الانتخابات المرتقبة في ديسمبر القادم.
تنص خارطة الطريق التي طرحها «منتدى الحوار السياسي الليبي» على أن حكومة الدبيبة يجب أن تضع الأساس لإجراء انتخابات في ديسمبر 2021. ومع ذلك، لا يزال الأساس القانوني للانتخابات غير واضح. عقدت لجنة مشتركة من أعضاء مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة» مشاورات استضافتها مصر حول مشروع دستور لتوفير الأساس القانوني لإجراء الانتخابات. ومع ذلك، فشلت تلك العملية في تقديم اقتراح محدد بحلول الموعد النهائي في منتصف فبراير وستقع المهمة الآن على عاتق «منتدى الحوار السياسي الليبي».
بالنسبة لطارق المجريسي، الخبير السياسي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لا تزال هناك عدة عقبات أمام إجراء الانتخابات في العام الجاري. «تضغط الكتلة الإسلامية بقوة من أجل إجراء استفتاء دستوري على المسودة الحالية، لكن هذا أبعد ما يكون عن التأكيد، وإذا حدث ذلك فسيؤجل الانتخابات حتمًا بسبب آليات إجراء استفتاء ثم إجراء انتخابات للمناصب الناجمة عن تلك الآليات»، يقول. «إذا تم اللجوء إلى الاحتمال الآخر، وهو دستور محدود يحدد الحقوق الأساسية والمناصب الحكومية وعملية استكمالها، فإن الجدول الزمني للانتخابات سيبقى على المسار الصحيح. ولكن حتى ذلك الحين، لا تزال هناك حاجة إلى قانون انتخابي، ووقت مناسب للحملات الانتخابية، وضمانات لاستطلاعات الرأي، ودفاعات ضد التزوير الانتخابي. إنها عملية تسابق الزمن بالفعل. وإذا كان عليها محاربة السلطات الليبية أو الدول المتدخلة أيضًا، فإن الجدول الزمني الأخير للانتخابات سوف يتلاشى كذلك».
وبالفعل، أبلغ مسؤولون من عدة عواصم أجنبية عن عدم استعدادهم لإجراء الانتخابات في ديسمبر خلف أبواب مغلقة، بحسب الباحث المصري الذي تحدث إلى «مدى مصر» بشرط عدم الكشف عن هويته.
يشمل هذا مصر، بحسب المسؤول المصري الأول لـ«مدى مصر»، الذي قال إن «القاهرة» ليست مستعدة للتحرك نحو «انتخابات مُتعجلة» في ليبيا، وتفضل بدلاً من ذلك عملية انتقال طويلة المدى.
كما أن الدبيبة ليس حريصًا للغاية على إجراء الانتخابات في العام الجاري، في تقدير المجريسي. «ممارساته لبناء شبكة رعاية من خلال حكومة كبيرة وخطة عمل لعملية بناء مكثفة وطموحة هي دليل آخر على ذلك. يشير كل شيء حتى الآن إلى فكرة أن الدبيبة موجود ليبقى، وهو يرسم خططًا طويلة المدى».
كانت «القاهرة» من بين المحطات في جولة الدبيبة القصيرة للتشاور في الأسابيع الأخيرة. وأثناء وجوده في مصر في 18 فبراير، عقد اجتماعًا مع الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي. وفقًا لبيان صحفي صادر عن المتحدث باسم الرئاسة المصرية، أعرب الدبيبة عن رغبته في إقامة «شراكة شاملة مع مصر، بهدف تكرار نموذج ناجح من تجربتها التنموية الملهمة، والتي تحققت في السنوات الأخيرة تحت قيادة ورؤية الرئيس السيسي، وخصوصًا فيما يتعلق بإعادة الاستقرار والأمن والبدء في عملية التنمية والإصلاح».
عقد الدبيبة كذلك اجتماعات في «القاهرة» مع عدد من فصائل المواليين للقذافي رتبها مسؤولون مصريون، بحسب مصدر سياسي ليبي ثانٍ. ونشرت صور اللقاء على مواقع التواصل الاجتماعي وأكدها المسؤول المصري.

وبحسب المصدر السياسي الليبي، فإن مشاورات الدبيبة مع القذافيين كانت تهدف إلى تأمين ترشيحات من بين صفوفهم لإدراجها في حكومته، بشرط أن يكونوا قادرين على جذب الجمهور الليبي الأوسع.
بدأت مصر تخطب ود القذافيين في أعقاب محاولة حفتر الفاشلة للاستيلاء على طرابلس، وهو هدف سياسي يتقاطع مع مصالح روسيا.
وردًا على سؤال حول لقاءات الدبيبة مع القذافيين، قال المسؤول المصري إن الدبيبة «التقى بعدة مجموعات ليبية، ولم يقتصر فقط على الموالين للنظام السابق. يريد الدبيبة العمل مع أكبر عدد ممكن من الجماعات الليبية لمنح نفسه فرصة للنجاح، وخلق وضع يعود بالنفع على الجميع، والذي من شأنه في النهاية، أو هكذا يأمل، أن يجعل كل استخدام للسلاح والقوة -ببساطة- غير ضروري».
«بالطبع، مصر أيضًا تعمل مع القذافيين، ومع جميع الفصائل تقريبًا»، أضاف المسؤول، «إنهم مكون قبلي كبير ومؤثر للغاية ولا يمكن اختزالهم في الدائرة المباشرة للحاكم السابق لليبيا. لقد عملوا بجد، خاصة خلال العامين الماضيين، لترسيخ أنفسهم كلاعب قوي على الساحة الليبية، ولديهم نجاحات مع عواصم مؤثرة رائدة في المنطقة وخارجها. كما أن لديهم نجاحات قوية مع شركات الغاز والنفط وشركات الشحن والعديد من المستثمرين المؤثرين الآخرين الذين ينظرون إلى ليبيا اليوم باعتبارها منجم ذهب محتمل».
وكان التعاون الاقتصادي أيضًا أحد الاهتمامات المركزية في الاجتماع مع السيسي، بحسب المسؤول المصري المطلع على الاجتماع. يقول المسؤول: «كان تركيز الدبيبة على بناء علاقات مستقبلية قوية ترتكز على التعاون الاقتصادي»، مضيفًا أنه وعد بالاعتراف بكل المخاوف الأمنية المصرية، إلا أنه لم يقدم أي وعود واضحة بشأن القضاء على الميليشيات أو طرد المرتزقة.
دبلوماسيان غربيان أكدا على التعاون الاقتصادي، قائلين إن رئيس الوزراء المعين لديه أصدقاء رفيعي المستوى في مجتمع الأعمال المصري.
على الرغم من أن «القاهرة» فضّلت قائمة صالح-باشاغا، إلا أنها ستتعامل بشكل عملي مع الدبيبة، كما يقول الباحث المصري، مضيفًا أن تنمية العلاقات مع السلطة في «طرابلس» ستساعد مصر على تعزيز نفوذها، الذي بدأ يتضاءل في شرق ليبيا، بسبب التنافس مع الروس والإماراتيين والفرنسيين والبريطانيين على النفوذ.
«إقامة موضع قدم في طرابلس، إذا تم تنسيقه واستثمار رغبة بعض القوى النشطة في الغرب الليبي للانفتاح على مصر، سيعوض ما فقدته القاهرة في برقة مؤخرًا»، يقول الباحث.
أبلغ الرئيس المصري الدبيبة أن القاهرة منفتحة على العمل مع الحكومة الليبية الجديدة، إلا أنه أعرب أيضًا عن أن الخطوط الحمراء لـ«القاهرة» واضحة عندما يتعلق الأمر بأي توغلات أمنية.
ومع ذلك، قد يكون من الصعب على مصر المناورة بشأن هذه الخطوط الحمراء في الوقت الذي تحاول فيه الاستفادة من نفوذها في ليبيا في علاقاتها الدبلوماسية مع مجموعة من الجهات الفاعلة الأخرى، من بينها الإمارات العربية المتحدة وروسيا والولايات المتحدة. مسؤولون مصريون قالوا لـ«مدى مصر» إن «القاهرة» حريصة على الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة في الشؤون الليبية.
«تتعرض مصر لضغوط من الولايات المتحدة، مع برود الإدارة الجديدة تجاه السيسي والتي تفاقمت بسبب استعدادها لتطبيق عقوبات تستند إلى قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال قانون العقوبات كتحذير ضد الآخرين الذين قد يكونون قريبين جدًا من روسيا، كما حدث مع تركيا مؤخرًا»، يقول المجريسي.
أثار وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، مخاوف بشأن حقوق الإنسان ومخاوف بشأن شراء مصر المحتمل لطائرة مقاتلة من طراز «Su-35» من روسيا في مكالمة يوم الثلاثاء الماضي مع وزير الخارجية المصري، سامح شكري، وهو أول اتصال رسمي بين إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، ومصر.
«حافظت مصر دائمًا على علاقة جيدة مع القذافيين، لكن يبدو أنهم يلعبون على مختلف الحبال في وقت واحد»، يقول المجريسي، «[المصريون] يحسّنون علاقتهم مع تركيا و«طرابلس». وهناك توافق مع الموقف الروسي من القذافيين. ويرغبون في الاستمرار في رعاية العملية الاقتصادية من أجل التنازل عن ديون حفتر وفتح آفاق تكامل اقتصادي شامل أمام شرق ليبيا مرة أخرى (وهو أمر مهم بالنسبة للولايات المتحدة، إذ أنهم يشاركون في قيادة هذه العملية). أخيرًا، يرغبون كذلك في الحفاظ على الجيش الوطني الليبي وتجاوز رغبة حفتر في الاحتفاظ بهيكل القوات المسلحة الليبية المستقبلية»، يقول المجريسي.
يضيف أن «السؤال الأهم هو ماذا سيحدث عند تجاوز أحد الخطوط الحمراء المصرية الكبيرة على المسار الأمني أو المسار الاقتصادي أو ببساطة عندما يصبح الأمر غير مريح لأن طرابلس أصبحت تركية بشكل علني أو تشعر أنها فقدت تأثيرها على العملية السياسية ونالت ما تريده من المسارات الأخرى. حقيقة أن لدى مصر طموحات متشابكة مع العديد من التدخلات الأخرى تعني أن هناك كارثة على وشك الوقوع، ما لم يوجد شخص يحكم بين الأطراف المختلفة».
وبحسب المسؤولين المصريين، لا تستبعد «القاهرة» أي سيناريو، وتأمل في نجاح رئيس الوزراء الجديد في ليبيا، لكنها تراقب التطورات عن كثب. إعادة افتتاح السفارة المصرية في طرابلس، ربما عاجلًا وليس آجلًا، يهدف بشكل خاص لإبقاء مصر منخرطة بشكل كامل في الديناميكيات السياسية الليبية لحظة تفاعلها.
مراسل «مدى مصر» في طرابلس ساهم في هذا التقرير
تقارير ذات صلة
المهاجرون في ليبيا يدفعون ثمن أزمة حفتر المالية
مصادر: معظم المعتقلين في الحملة المناهضة للهجرة كانوا مصريين
مسيرة حفتر تتعثر تجاه طرابلس.. والتحديات تتصاعد
طالب ضباط مقربون من حفتر بتفسير ما حدث في غريان وأكدوا على ضرورة توفير قوات إضافية لاستعادتها
مصادر: حفتر يخطط لحملة عسكرية على طرابلس
الجيش الوطني الليبي لم ينسق مع مصر حول الهجوم المحتمل
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن