تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
لماذا يغضب الأطباء من قانون المسؤولية الطبية؟

لماذا يغضب الأطباء من قانون المسؤولية الطبية؟

كتابة: مصطفى حسني 6 دقيقة قراءة

وافق مجلس الشيوخ بشكل نهائي، قبل أيام، على مشروع قانون «المسؤولية الطبية وحماية المريض»، الذي يحدد ضوابط وعقوبات الأخطاء الطبية التي يرتكبها الأطباء، إلى جانب الاعتداءات التي تقع على الأطباء والأطقم الطبية.

مشروع القانون أثار الكثير من الاعتراضات والتخوفات بين الأطباء بسبب العقوبات التي تتضمن حبسهم، لكن «الشيوخ» والحكومة رفضا التراجع عنها أو قبول اقتراحات بعض أعضاء المجلس بحذف عقوبات الحبس واستبدالها بالتوقف عن ممارسة المهنة.

ونص مشروع القانون (المادة 27) على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تجاوز مائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين لمقدمي الخدمة الطبية إذا تسبب خطأهم في وفاة متلقي الخدمة. وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنين وغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا كان مقدم الخدمة متعاطيًا لمسكر أو مخدر عند ارتكابه الخطأ الطبي، أو تقاعس وقت الواقعة عن مساعدة من وقعت عليه الجريمة أو عن طلب المساعدة له مع تمكنه من ذلك.

كما منح مشروع القانون (المادة 29) النيابة العامة حق حبس الأطباء احتياطيًا في الجرائم التي تقع نتيجة تقديم الخدمة.

من جانبها، رفضت نقابة الأطباء عددًا من مواد مشروع القانون، لما تضمنه من تقنين للحبس في القضايا المهنية، وذلك في أثناء المناقشات التي أجرتها لجنة الصحة بمجلس الشيوخ وشارك فيها النقيب العام للأطباء، أسامة عبد الحي، ونقيب الأسنان، إيهاب هيكل. وتمسك نقيب الأطباء خلال الاجتماع بمجموعة من المطالب التي لم تستجب لجنة الصحة بمجلس الشيوخ لأي منها وهي:

  • رفض حبس الأطباء في القضايا المهنية، وإقرار وقوع المسؤولية المدنية على الطبيب حال التسبب في ضرر للمريض نتيجة خطأ، طالما يعمل في تخصصه ويلتزم بقواعد المهنة وقوانين الدولة، على أن تكون العقوبة في هذه الحالة تعويضات لجبر الضرر وليس الحبس.
  • وقوع المسؤولية الجنائية على الطبيب فقط حال مخالفته لقوانين الدولة، أو عمله في غير تخصصه، أو قيامه بإجراء طبي ممنوع قانونًا.
  • عدم جواز الحبس الاحتياطي في الاتهامات التي تنشأ ضد مقدم الخدمة الصحية أثناء تأدية مهنته أو بسببها، حيث إن مبررات الحبس الاحتياطي غير متوفرة في القضايا المهنية.
  • ضرورة أن تكون اللجنة العليا للمسؤولية الطبية هي الخبير الفني لجهات التحقيق والتقاضي، وتتلقى كافة الشكاوى المقدمة ضد مقدمي الخدمة الطبية بجميع الجهات المعنية وذات الصلة بتلقي شكاوى المواطنين بشأن الأخطاء الطبية.
  • تحمُل صندوق التعويضات الذي يقترح القانون تأسيسه تغطية كامل قيمة التعويضات، وليس المساهمة فيها كما نصت مسودة القانون.

بعد إقراره من مجلس الشيوخ، تنتقل مناقشة مشروع القانون إلى مجلس النواب قبل إقراره لينتظر تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي ثم البدء في تنفيذه. عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعد سعيد، تشير إلى أن القرار النهائي سيصدر من لجنة الصحة بمجلس النواب، مضيفة «يا إما هنوافق على القانون أو هنحذف منه مواد. بعد كده، القانون هيروح للجان التانية لإضافة تعديلات».

لكن مجلس النقابة العامة للأطباء دعا إلى جمعية عمومية طارئة، الجمعة 3 يناير 2025، لإعلان رفض مشروع القانون بصيغته الحالية.

عضو مجلس نقابة الأطباء السابق والأمين العام الأسبق، محمد بدوي، قال لـ«مدى مصر» إن النقابة كانت تسعى منذ سنوات عديدة لإقرار قانون يوفر حماية حقيقية للإجراءات الطبية، بحيث «ميكونش مشرط الدكتور يتعامل معاملة سلاح البلطجي»، موضحًا أن القانون يجب أن يفرق بين الخطأ الطبي والإهمال، «لكن للأسف، القانون لما صدر حمّل المسؤولية كلها للطبيب وحده، من غير حتى ما يشمل المؤسسة الطبية».

ويضيف بدوي «المفترض أن القانون يقسم المسؤولية الطبية بشكل واضح ما بين المسؤولية الواقعة على الطبيب، والجهة العلاجية، وطبيب التخدير، والتمريض. ده كله غير موجود في القانون»، مبديًا تخوفه من أن يتسبب القانون في زيادة نسب ما يُطلق عليه «الطب الدفاعي»، أي أن يمتنع الطبيب عن علاج المريض خوفًا من المسؤولية والتعرض للحبس، لأن «القانون ما بيفرقش ما بين الخطأ والإهمال».

يتفق الأمين العام الأسبق لنقابة الأطباء، إيهاب طاهر، أن الأزمة تتمثل في الخلط بين الخطأ الطبي والإهمال الطبي الجسيم، مشيرًا إلى أن الإهمال الطبي الجسيم «بيكون لما طبيب يشتغل في غير تخصصه، أو يجري عملية من غير سند علمي، أو يكون تحت تأثير المخدرات على سبيل المثال، كده الطبيب مكانه السجن، وهذه جرائم تخص قانون الجنايات [الإجراءات الجنائية]. لكن لو أنا طبيب، ببذل كل جهدي طبقًا للأصول العلمية الصحية، وفي النهاية حصل خطأ غير مقصود تسبب في ضرر للمريض، مادخلش السجن».

ويرى طاهر أن البديل من المفترض أن يكون حصول المريض على تعويض عن الضرر، بالإضافة إلى عقوبات تأديبية إذا كرر الطبيب الخطأ، مثل فصله عن العمل أو إعادة تدريبه، موضحًا أنه «لذلك نقول إنه لا يجوز حبس الأطباء في الأخطاء الطبية غير المتعمدة. الطبيب يدخل السجن فقط في حالة تعمّد إيذاء المريض».

عقوبة الحبس في القانون ليست لمقدمي الخدمة الطبية فقط، إنما أيضًا لمتلقيها، حيث نص مشروع القانون على معاقبة «كل من أهان بالإشارة أو القول أو التهديد أحد مقدمي الخدمة أثناء تأدية مهنته أو بسبب تأديته لها بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تجاوز عشرة آلاف جنيه». لكن بدوي يرى أن الغرض من هذه العقوبة هو تمرير القانون. «اتحطت في القانون عشان يرضوا الأطباء ويمرروا القانون»، يقول بدوي، مضيفًا أنه ضد عقوبة الحبس في المطلق، «فيه عقوبة بديلة، بدل ما تبقى أسهل حاجة الحبس، سواء للطبيب أو المريض».

لم يكن مشروع القانون الحالي هو الأول من نوعه فيما يخص تنظيم المسؤولية الطبية. فبحسب بيان صادر عن «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، تداول المعنيون بالملف الصحي، منذ عام 2015، نسخًا متعددة لمقترحات بهذا القانون الذي طال انتظاره وتكررت المطالبة به. وأكدت المبادرة مشاركتها في العديد من جلسات الاستماع، وتقديمها عدة نسخ واقتراحات، دون أن يظهر القانون أو يُطرح مشروعه للنقاش.

مسؤول ملف الحق في الصحة بـ«المبادرة» وخبير إصلاح القطاع الصحي، علاء غنام، أشار إلى أن المشروع مطروح في نقابة الأطباء منذ 20 عامًا تقريبًا، وأن «المبادرة» أجرت بحثًا منذ ما يقارب عشرة أعوام عن الحاجة لقانون المسؤولية الطبية «لأنه ليس من المنطقي إن الأخطاء الطبية تروح لقانون العقوبات، المفترض إن القانون الجديد يحل المشكلة وليس يعقدها».

قبل إصدار هذا القانون، كانت المادتان 238، 244 من قانون العقوبات، المتعلقتان بالقتل والجرح الخطأ، هما المنظمتان لعقوبات المسؤولية الطبية. وبحسب بدوي، فإن الهدف الأساسي من إقرار قانون جديد هو حماية الأطباء من الحبس الاحتياطي إلى حين صدور قرار اللجنة الفنية، لكن الصيغة الحالية لم تحقق هذا الهدف، وجعلت القانون مماثلًا لما كان معمولًا به من قبل.

وأوضح بدوي أن القانون يعطي رئيس النيابة سلطة حبس الأطباء بشكل مباشر دون إلزامه بما يصدر عن اللجنة الفنية المختصة بتحديد الفوارق بين الجريمة والخطأ الطبي، وبهذا يتم فصل اللجنة عن أي إجراء قضائي، مشيرًا إلى أن معظم الدول لا تقرر عقوبات الحبس على الأطباء في حالة الخطأ طالما أنه ليس هناك قصد جنائي أو تعمد الضرر، محذرًا من أن عدم وجود بيئة آمنة للأطباء قد تدفع المزيد منهم للهجرة إلى خارج مصر.

ويتفق غنام على ضرورة أن يكون قرار اللجنة الفنية العليا ملزمًا في تحديد الخطأ الطبي والإهمال، وليست النيابة العامة.

من جهته، أشار رئيس جمعية الحق في الدواء، محمود فؤاد، إلى أن الهدف الأساسي من القانون حماية حقوق المريض، وبدأ النظر فيه بعدما رفعت النيابة الإدارية تقريرًا لرئاسة الجمهورية أوضح أن هناك 553 خطأ طبيًا في المستشفيات الحكومية.

وطالب فؤاد لجنة الصحة في مجلس النواب بضرورة إضافة بند يخص شركات الأدوية في حالة حدوث مضاعفات من الأدوية أو المستلزم، وأن يتم خصم نسبة منها لصندوق التعويضات، موضحًا أن شركات الأدوية شريك أساسي في كل الخطوات التي تتم بواسطة الفريق الطبي، مضيفًا «هناك العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية غير مطابقة للمواصفات الطبية، لذلك نحن أمام طرف أساسي في قانون المسؤولية الطبية، وهي شركات الدواء، خاصة أنها جزء أصيل داخل غرف العمليات».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن