تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كواليس إقالة رئيس هيئة الدواء من منصبه

كواليس إقالة رئيس هيئة الدواء من منصبه

كتابة: مصطفى حسني 7 دقيقة قراءة

وقع الرئيس عبد الفتاح السيسي الأسبوع الماضي، قرارًا بعدم التجديد لأول رئيس لهيئة الدواء، تامر عصام، وتعيين علي محمد عبد السلام الغمراوي، الذي كان يشغل منصب العضو المنتدب لشركة سيديكو ورئيس شركة نوڤارتس للعناية الصحية OTC، بديلًا له.

وتأسست الهيئة في 2019 لتحل محل الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية، والهيئة القومية للبحوث والرقابة على المستحضرات الحيوية، والإدارة المركزية لشؤون الصيادلة، لتصبح مسؤولة عن كل ما يخص الدواء في مصر.

مصادر رسمية متعددة تحدثت لـ«مدى مصر» خلال الأسبوعين الماضيين كشفت عن كواليس عدم التجديد لأول رئيس للهيئة، وأهم الأزمات التي عاشتها صناعة الدواء خلال السنوات الأخيرة.

أجمعت المصادر على أن قرار عدم التجديد لعصام كان من ضمن أسبابه المباشرة إحالة خمسة من قيادات الهيئة للمحاكمة العاجلة في شبهات قضايا فساد، نوفمبر الماضي.

كان رئيس هيئة النيابة الإدارية، المستشار حافظ عباس، قد أصدر قرارًا بإحالة خمسة من قيادات هيئة الدواء المصرية للمحاكمة العاجلة، وهم مدير عام الإدارة العامة لمراقبة الأسواق بالإدارة المركزية للشؤون الصيدلية بالهيئة، والمدير السابق لإدارة التفتيش على مصانع الأدوية، ونائب مدير عام شؤون التفتيش على مصانع الأدوية بالهيئة، ومدير إدارة التفتيش الصيدلي بوزارة الصحة والسكان، ورئيس الإدارة المركزية للعمليات بالهيئة. جاء ذلك على خلفية ارتكابهم مخالفات جسيمة في أثناء تأديتهم مهام وظائفهم شكلت مساسًا بصحة المواطنين، تضمنت التقاعس عن ضبط مكملات غذائية مغشوشة، والتقاعس عن عرض تقارير تفتيش دورية على أحد مصانع دواء رغم احتوائه على مخالفات جسيمة، وعدم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

يعتبر محمد فاضل، مفتش صيدلي بوزارة الصحة، أن استبدال رئيس هيئة الدواء يمثل «إقالة وليست مجرد عدم تجديد»، خصوصًا أن القرار جاء من رئيس الجمهورية، و«استهدف تامر عصام، بدليل أن الدكتور أيمن الخطيب ظل في منصبه، نائبًا لرئيس الهيئة».

وفقًا له، تقدم مجموعة من مفتشي الدواء إلى النيابة الإدارية بملفات فساد تدين تامر عصام، أحيلت إلى رئاسة الجمهورية لتكون سببًا رئيسيًا في قرار الإقالة، إلى جانب الضعف الذي طال الرقابة الدوائية، وانخفاض عدد مفتشي الدواء من 2000 إلى 600 فقط، «ما تسبب في الكثير من الكوارث بعهده، وظهور الكثير من أصناف الأدوية المغشوشة».

مفتش صيدلي آخر بوزارة الصحة، اشترط عدم ذكر اسمه، أشار إلى أن إحدى المخالفات التي اكتشفها مفتشو الدواء كانت وجود مواد خام منتهية الصلاحية منها مضادات حيوية شراب للأطفال في أحد مصانع الدواء، الذي كانت تديره مديرة تفتيش المصانع بالهيئة قبل توليها منصبها، وهي مخالفات راجعتها النيابة وانتهت إلى وقوعها في أثناء إدارتها للمصنع ثم تغاضت عنها بعد توليها إدارة تفتيش المصانع بالهيئة. هذا إلى جانب تجاهل العديد من تقارير المفتشين مخالفات في المواد الخام تخص ستة مصانع من بينها المصنع الذي كانت تديره.

كما انخفضت معدلات تصدير الدواء خلال فترة تولي عصام، بحسب مصدر مسؤول بشعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، تحدث إلى «مدى مصر» بشرط عدم نشر اسمه.

إلى جانب الاتهامات بشبهات الفساد في الرقابة على الدواء، ترى بعض المصادر أن أهم الأزمات خلال سنوات تولي عصام رئاسة الهيئة، تسبب فيها ما وصفته بـ«مجاملته» لمجموعة محددة من الشركات، اقتصرت اجتماعاته مع أطراف الصناعة عليهم، بحسب مصدر مسؤول ثانٍ في شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية.

يقول المصدر الأول في شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية إنه على مدار أربع سنوات، كان عصام يرفض تمامًا مقابلة باقي شركات الدواء. «كل مرة بيختار مجموعة صغيرة تصل إلى سبع شركات دواء -نفس الأسماء- علشان يقعد معاهم»، مضيفًا أنه وجه الدعوة له أكثر من مرة لعقد اجتماعات مع رؤساء شركات الدواء، لكنه «كان يرفض تمامًا»، ما تسبب، بحسب المصدر، في ابتعاد عصام عن معرفة مشكلات شركات الدواء أو التحديات التي تواجه صناعة الدواء.

أضاف المصدر أن المرة الوحيدة التي زار فيها عصام اتحاد شعبة الأدوية كانت مع رئيس هيئة الشراء الموحد ومديري الشركة «المتحدة للصيادلة»، بهدف دراسة تعثر الشركة المتحدة للصيادلة، وذلك بحضور الـ30 شركة الأعلى مبيعًا في مصر.

إحدى الشركات التي اتُهم عصام بمجاملتها، وذكرت في إحدى الشكاوى التي قُدمت ضده،  هي شركة «فاركو»، خصوصًا مع وجود علاقة نسب تجمعه بأحد أعضاء مجلس إدارتها، بحسب مصدرين أحدهما من شعبة الأدوية والآخر من المفتشين الصيدليين بالوزارة الذي قال إن «شركة فاركو للأدوية هي التي دفعت بقوة لكي يتولى تامر عصام رئيسًا للإدارة المركزية للشؤون الصيدلية، وبعدها رئيسًا لهيئة الدواء».

يضيف فاضل، المفتش الصيدلي بوزارة الصحة، أن المجاملات شملت كذلك شركة «إيفا فارما» التي تحتكر رعاية مؤتمرات الهيئة، وفقًا له.

أحد آخر المواقف التي ظهر فيها هذا كان في نوفمبر الماضي، حين نظمت شركة «ماركيرل» للصناعات الدوائية مؤتمرًا لترويج منتجها الجديد «روكسوتوب»، وخلال المؤتمر، ألقى عصام كلمة للترويج للمنتج الجديد، وسط استياء عدد كبير من العاملين في صناعة الدواء. وهو ما وصفه فاضل بـ«أمر غير منطقي إطلاقًا» لأنه يعني أن «هناك مصالح متبادلة بينه وبين الشركة ومنها مجاملات للشركة من حيث التسعير العالي، وسرعة تسجيل الدواء وتسهيلات في التراخيص».

إلى جانب هذا، يتهم فاضل، عصام بالخضوع لضغوط شركات الدواء وقت توليه رئاسة الإدارة المركزية لشؤون الصيادلة، حين اتخذ قرارًا بزيادة أسعار 3000 صنف مرة واحدة. «الدواء كانت تزيد تسعيرته كل ستة شهور وكان مجرد ثلاثة أصناف، بس مش آلاف زي ما بيحصل آخر فترة»، يقول فاضل، ما اعتبره خضوعًا غير مسبوق للوبي شركات الدواء.

يضيف مدير مركز الحق في الدواء، محمد فؤاد، أن السنوات الأخيرة شهدت نقصًا كبيرًا في عدد كبير من أصناف الدواء، ومنها أدوية استراتيجية، كما اشتكى مديرو الشركات من نقص المواد الخام.

لهذا ظهرت شواهد على احتمال إقالة عصام خلال الشهور الأخير قبل صدور القرار. يقول فؤاد إنه خلال الشهرين الأخيرين اجتمع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ومعاونوه ورئيس الإدارة المركزية مع رئيس هيئة الدواء، تلاه اجتماع مع وزير الصحة، وهو «أمر غريب»، بحسب تعبيره، لأن الوزارة ليست مسؤولة عن الدواء، لكن «يبدو أنه لم تعد هناك ثقة بالرجل».

كما تدخلت وزارة الصحة لحل أزمات الدواء في الفترة الأخيرة وصدر قرار بتشكيل لجنة بها مجموعة من وزارة الصحة وهيئة الدواء لبحث أوجه النقص، والعمل على حل المشكلات، في مؤشرات على وضع سوق الدواء الصعب.

يقول مصدر مسؤول في نقابة الصيادلة إنه اجتمع مع الكثير من صناع القرار وعدد من العاملين في صناعة الدواء، وشهدت الاجتماعات تلميحات بإقالة عصام. «آخر اجتماع سمعت فيه خبر الإقالة كان قبل إقالته بأسبوع»، يقول المصدر، معتبرًا أنها كانت متوقعة رغم تأخرها بسبب النقص التام في أدوية حيوية، ومنها أدوية الجلطة والصرع على سبيل المثال. «وده كان عامل مشكلات للحكومة بجانب تحقيقات النيابة الأخيرة واتهامها خمسة قيادات بالفساد»، يقول المصدر، «كان هدفنا من الهيئة أن يكون هناك أب شرعي للدواء، وذلك لم يحدث وأزمات الدواء كفيلة بأنها تطيح برئيس الهيئة».

يقول فؤاد إن هناك تحقيقًا يُجرى مع عصام. «منذ تعيين تامر عصام في 2020، فشل في تقديم مردود إيجابي، والنيابة الإدارية حققت مع خمسة قيادات هم الأهم في الهيئة، وهو السادس، وبات مصيره بيد رئيس الوزراء بسبب مخالفات إدارية».

تعتبر عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعد، أن رحيل عصام ليس إلا «بداية تغييرات كبيرة قادمة في الحكومة، والكثير من الوزارات»، مضيفة أن أهم الملفات التي يجب أن يعمل عليها رئيس هيئة الدواء الجديد بصورة عاجلة «أن يتم صرف المضادات الحيوية بالروشتات، والتعامل مع الاسم العلمي للدواء وليس التجاري، وتشجيع الصناعات المحلية، والتعاون مع شركات الدواء، وتوفير الأدوية الناقصة، وزيادة المراقبة الدوائية لتقليل الغش».

يؤكد المصدر المسؤول في نقابة الصيادلة أن أزمة نقص الدواء غير المسبوقة تمثل أهم التحديات التي تنتظر رئيس هيئة الدواء الجديد. «مينفعش دواء يبقي ليه تسعيرتين، دي كارثة، لو فقد الدواء قيمته كسلعة جبرية يعتبر كارثة وفوضى في سوق الدواء»، يقول المصدر.

لكن أزمة ارتفاع سعر الدواء خلال السنوات الأخيرة لن تحل بتعيين رئيس جديد لهيئة الدواء، لأن المشكلة الأهم هي الارتفاع القياسي في سعر الدولار، وبالتالي ارتفاع جميع مدخلات الصناعة، كما يشير مستشار غرفة صناعة الدواء، محمد بهي، «نحن نتحدث عن انفلات في سعر الدولار أدى إلى ارتفاع في كل مدخلات صناعة الدواء لأنها مستوردة»، مضيفًا «الفارق الوحيد أن الدواء مسعر جبريًا، ولا يتحمل تلك الزيادة، والنقص الشديد في الأدوية نتيجة أن شركات الدواء تريد زيادة أسعار الدواء ومفيش شركة عايزة تخسر».

يتفق فؤاد مع أن أزمة الدواء هي بالأساس أزمة اقتصادية كان لها تأثير بالتبعية على الدواء، وعلى الصناعة المرتبطة بسعر الصرف. «بمجرد توافر الدولار، جزء كبيرة من أزمة نواقص الدواء ستحل»، يقول فؤاد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن