تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
قروض محدودي الدخل تصل منتهية الصلاحية

قروض محدودي الدخل تصل منتهية الصلاحية

كتابة: سارة سيف الدين 9 دقيقة قراءة

خلال عام من أزمة «كورونا»، تراجعت معدلات نمو قطاع القروض متناهية الصغر إلى 17% فقط، فيما كان معدل النمو في العام السابق 62%، وجاء ذلك التراجع بسبب انخفاض أعداد المستفيدين الجدد، والذي هبط بمقدار الثلثين، فماذا حدث؟

أرجع المحللون هذا التباطؤ في معدلات النمو إلى أزمة «كورونا»، إذ زاد معدل التعثر نتيجة لما خلفته الأزمة من تبعات اقتصادية، فأحجمت المؤسسات عن تقديم قروض جديدة، وركزت جهودها على تحصيل أقساط القروض التي تتعرض بالفعل لمخاطر عالية بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة.

يعد التمويل متناهي الصغر جزءًا من استراتيجية أعم تبناها «البنك المركزي» تحت عنوان «الشمول المالي»، والتي انطلقت بشكل مكثف منذ المؤتمر الدولي لـ«الشمول المالي» الذي عُقد في 2017 لأول مرة في مصر، بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسي، ووفقًا لتعريفات الشمول المالي فهو استهداف إتاحة الخدمات المالية المصرفية وغير المصرفية لكافة الشرائح المجتمعية المختلفة بتكلفة تتناسب مع قدراتهم المالية.

على رأس هذه الخدمات، جاءت خدمة القروض الصغيرة ومتناهية الصغر، أو كما لطفتها لغة الأسواق المالية إلى «خدمة الائتمان الصغير»، الساحر الموفر لرأس المال -في صورة قرض- لنشاط إنتاجي ما، لأسرة من تلك الأكثر فقرًا، باعتبارها تؤدي إلى «تحسين مستويات الدخول للأسر الأكثر فقرًا»، و«رفع كفاءة إدارتهم للأزمات على نحو أفضل». ومن ثمّ تعمل تعويذة السحر وتتدرج دخولهم، وتسد العجز، ثم تكفيهم، تم تفيض، ويُصبح لديهم فائض سيُسمى مدخرات يستطيعون الاجتزاء منها دون التعرض لدخولهم الدورية لمواجهة أزمة ما ليمروا منها بسلام، خصوصًا للحلقات الأضعف في الاقتصاد مثل المرأة. بحسب الأرقام الرسمية، استحوذ النساء على 60٪ من إجمالي هذه القروض.

لكن أزمة «كورونا» جاءت خلال العام الماضي، لتمثل اختبارًا حقيقيًا للدور المُفترض، نظريًا، لهذه القروض الصغيرة.  ولكن بين أسعار الفائدة «الجنونية» وسوء الرقابة على جهات الإقراض، كان ما حدث على أرض الواقع مخالفًا لكل هذه التوقعات المثالية.

***

تعمل تسع شركات، بالإضافة إلى حوالي ألف جمعية أهلية، في مجال الإقراض متناهي الصغر في مصر كلها. ويبلغ عدد زبائنهم قرابة ثلاثة ونصف مليون زبون، بإجمالي محافظ أي مُخصصات للنشاط تدور في السوق بقيمة 23 مليار جنيه، حتى سبتمبر 2019، بحسب موقع الاتحاد المصرى للتمويل متناهى الصغر. ويعملون جميعًا تعمل تحت مظلة قانون تنظيم نشاط التمويل متناهي الصغر الذي صدر في 2014.

 ووفقًا للقانون تعد الهيئة العامة للرقابة المالية، هي المشرف والمراقب على القطاع ومحدد القواعد المنظمة له وبالأخص حماية العملاء، وفي ضوء القانون أيضًا، حددت الهيئة في قرارها رقم (158) لسنة 2014 أن يقتصر عمل الشركات على تمويل نشاطات اقتصادية، وليست استهلاكية، أي تكون قادرة على توفير دخل، كما استحدثت الهيئة وحدة مستقلة تختص بالتفتيش والرقابة على المؤسسات.

من جانبه، أطلق البنك المركزي مبادرة في 2015 بقيمة 200 مليار جنيه لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة، بسعر فائدة متناقصة (أي فائدة تُحتسب على ما تبقى من قيمة القرض بعد كل قسط وليس على الإجمالي الأصلي) قيمتها 5% فقط. وفي مايو 2017، تقرر ضم مشروعات التمويل متناهي الصغر إلى المبادرة، وأوضح «المركزي»، أن البنوك وفرت تمويل لشركات وجمعيات التمويل متناهي الصغر، بحوالي 14 مليار جنيه بما مكنها من الوصول إلى ما يقرب من أربعة ملايين مقترض.

يبدو أن ذلك، من الناحية النظرية على الأقل، يخلق نشاطًا للتمويل الإنتاجي واثقًا من قدرة المقترضين على السداد ومواجهة احتمالات أضعف بالتعثر، وبسعر فائدة مُدعم. لكن من الناحية العملية، يظهر أن القروض غالبًا ما تذهب إلى غرض استهلاكي، بما يُخالف القانون.

زاهية، الأرملة الخمسينية من الفيوم، هي واحدة من المقترضين. تزرع زاهية أنواعًا من الخُضر في حيازة زراعية صغيرة لا تتجاوز القيراط، أحيانًا بمساعدة أبنائها الخمسة، ثلاثة متزوجات وأخرى عروس وولد. تبيع محصولها في السوق المحلية، بما يُساهم بمتوسط 400 جنيه شهريًا، تكفيها للوفاء بتكاليف الطعام. من جانبه، يجني ابنها أحمد 700 جنيه من عمله في مطعم مشويات في مركز «طامية» بمحافظة الفيوم، والعروس تعمل بشكل موسمي في الزراعة لدى الغير، ولا تتكسب من وراءها الكثير.

سمعت زاهية من إحدى نساء السوق عن مُقدمي القروض الصغيرة، عندما كانت تشتكي لها من تدبير تكاليف تزويج واحدة من بناتها. في ظل خيارات محدودة للغاية، لم تُفكر زاهية مرتين. ذهبت بصحبة ابنها إلى منفذ لشركة تقدم القروض الصغيرة.

ببطاقتها وبطاقة أحمد، بصفته ضامن، وفاتورة كهرباء، جلست مع الموظف لتبدأ إجراءات القرض، ليسأل الأخير عن مشروعها الإنتاجي، وهو شرط أساسي للحصول على قرض من هذا النوع. أجابت زاهية بنفي وجود مشروع إنتاجي، لكن هذا لم يمثل مشكلة للموظف.

في خضم الحديث، التقط الموظف خيط ما اعتبره مشروعًا إنتاجيًا. كعادة النساء في الأرياف، تربي زاهية ثماني دجاجات وديكًا، يتمشّوا أمام بيتها. أنقذتها الفرخات الثماني وسجلهم الموظف في أوراق اعتماد القرض كمشروع تفريخ، لتحصل على عشرة آلاف جنيه، بعد أن ألصقت بصمتها على إيصال أمانة بالمبلغ، وبُلغت أنها ستدفع 1185 جنيه قسط ثابت كل شهر، لمدة عام، أي بفائدة قدرها 42% خلال سنة واحدة.

بحلول أبريل 2020، تمكنت زاهية من تسديد ستة أقساط، اعتمادًا على دخل ابنها بشكل أساسي وبعض المساعدات من شبكتها الاجتماعية وعمل ابنتها. وبسبب التزامها في السداد، كاد موظف الإقراض أن يُجدد لها القرض، أي أن تحصل على خمسة آلاف جنيه إضافية، لكن جائحة «كورونا» عطّلت كل شيء.

بدأت الحكومة تطبيق عدد من الإجراءات الاحترازية للسيطرة على معدلات العدوى، وفقد ابنها، الممول الأساسي لأقساط قرض زاهية، عمله. بدأت زاهية التعثر في السداد. ومع تهديدات موظف الإقراض بتقديم إيصالات الأمانة إلى الشرطة، دفعت ابنها إلى الاختفاء، ظنًا أن تهديد الحبس، إن كان جادًا، سيقع على ابنها، ولن يطالها هي لأنها امرأة في الخمسين.

ذهب الابن إلى أخته المتزوجة في إحدى القرى القريبة، لكنه علم أن الشركة، أو «البنك» كما يسمونها، قدمت الإيصالات إلى القسم لتُحتجز والدته. عاد أحمد مُسرعًا، وحاول الحصول على قيمة القسط من الأقارب والجيران، لكن الأزمة كانت تطال الجميع ومساهمتهم لم تكف كامل قيمة القسط وغرامات التأخير المتراكمة.

***

لم تكن السهولة التي حصلت بها زاهية على القرض حالة فردية. حاول «مدى مصر» مُحاكاة عملية الحصول على قرض متناهي الصغر عبر التواصل مع موظفي تمويل من خمس شركات إقراض تعمل في محافظات مختلفة، وذلك لطلب قرض بقيمة خمسة آلاف جنيه. أوضحنا عدم وجود مشروع فعلي قائم، ولكن لم تختلف استجابة أي من الموظفين على الطلب. جميعهم أكدوا أن المبلغ سيصرف بمجرد التواجد في منفذ الشركة مع إحضار البطاقة وبطاقة الضامن وإيصال كهرباء لإثبات مقر الإقامة.

لم يستعلم الموظفون عن كيفية سداد القرض، الذي تراوحت أسعار فائدته بين 30-50% على أقساط لمدة 12 شهر. جميعهم اتفقوا على نحو يعكس أن تلك ممارسة منهجية، أن وجود طيور بهدف التجارة أو بيع أدوات تجميل عبر منصات إلكترونية، يمكنها أن تمثل المشروع الإنتاجي المفقود لاستيفاء الأوراق.

تحدث «مدى مصر» إلى حسام*، الذي يعمل أخصائي إقراض منذ عامين، بإحدى شركات القروض الصغيرة بالمنوفية. راتبه الأساسي 1500 جنيه، يُضاف إليها 500 جنيه بدل تنقلات، هو إجمالي راتبه الأساسي. لكن الجزء الأهم من دخله يتمثل في العمولات التي يحصل عليها مقابل كل قرض جديد (200 جنيه على كل قرض). ولأن عمله في الشركة يشترط مستهدف 50 قرضًا شهريًا، يصل دخله إلى 12 ألف جنيه على الأقل، حيث تمثل العمولات 85% من إجمالي دخله. ولهذا تعتبر هذه العمولات الدافع الأساسي للموظفين للبحث عن زبائن، وبيع المزيد من القروض، واتباع كل السبل التعسفية والعنيفة لتحصيل الأقساط رُغمًا عن أنف التعثر.

يحكي حسام أن «كورونا» تسبب خلال العام الماضي في خسارة كثيرين لدخولهم، ما انعكس طرديًا على نسب التعثر عن السداد. لكن التعثر حتى ولو جراء «كورونا» لم يكن مقبولًا. ولأن سمعة الموظف في عمل تعتمد من نسبة سداد عملاءه، يضطر إلى اتخاذ كل ما يمكنه من إجراءات للتأكد من سداد الأقساط في موعدها.

يسأل حسام عن المقترض/ة والضامن/ة في محيط سكنه، ليكتشف محيطه العائلي والاجتماعي، تفتيشًا عن «نقطة ضعف» العميل، بحسب تعبيره، لتُصبح ورقته إذا تخلف عن موعد السداد. «بأروح لنقطة ضعفه، الأب أو الأم، الزوجة، الأبناء، وأرقد له عند الباب، وأقوله: مش هحلّك إلا لو معايا القسط»، يقول.

يُضيف أنه إذا لم يُؤخذ على محمل الجد، يلجأ إلى محصلي ديون، ويقوم عملهم على عمل فضيحة للمتعثرين والتشهير بهم وتهديدهم، ما ينتهي في العادة بـ«دفع القسط خلال ساعة، [حيث] يذهب المتعثر/ة إلى الجيران والأقارب وأصحاب أي عمل سابق، ويُجمع القسط وغرامة التأخير من كل هؤلاء».

يعمل محصلو الديون، على هذا النحو الذي يذكره حسام، بالمخالفة لما تنص عليه قواعد «الرقابة المالية» التي تُوجب إخطار العملاء وموافقتهم في حالة وجود طرف ثالث مسؤول عن تحصيل الديون؛ وكذلك إبلاغهم ببيانات الطرف الثالث، وهو ما لا يحدث.

وإن لم يُجد تهديد المحصلين، تدخل العلاقة غير الرسمية مع أفراد الشرطة على الخط، حيث يُحتجز الضامن أو المتعثر بشكل غير قانوني، دون تحرير محضر رسمي لكي لا يطول أمد المشكلة، من أجل التفاوض، ليس على القسط فقط، ولكن على إجمالي الأقساط المتبقية وغرامات التأخير. ودومًا يلجأ المتعثر/ة إلى المعارف لتجميع باقي الأقساط ثم يُفرج عنه/ا، بحسب حسام من واقع خبرته.

***

يقول محمد حكيم، عضو مجلس إدارة جمعية «شباب مصر» الأهلية بالفيوم، لـ«مدى مصر» إن نموذج الإقراض الصغير يعمل وفق منطق «السبوبة»، والتي قد تكون مقبولة حين تُقرض أحدهم ليمول مشروعه الصغير فيربح ويُعطيك «سبوبتك». لكن الشرائح الأكثر فقرًا، والتي تواجه أزمة في تمويل الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب وملبس وتكاليف زواج، تضطر لاستخدام هذه القروض لتغطيتها.

تتفق الرئيسة السابقة لقطاع البحوث بالبنك الأهلي، سلوى العنتري، مع رؤية حكيم. في دراستها، الصادرة العام الماضي، عن انعكاسات الشمول المالي على النساء، والتي كشفت أن 80% من الأسباب الرئيسية لاقتراض النساء كانت غير إنتاجية، وجاء في مقدمتها الزواج بنسبة 23% وسداد الديون بنسبة 21%.

تُشير العنتري في حديثها إلى «مدى مصر» إلى أن ما يُفاقم الوضع هو مستويات الفائدة الجنونية. على الرغم من الفائدة المتناقصة المدعومة التي تبناها «المركزي» لهذا النوع من القروض، إلا إن نسب الفائدة الإجمالية على المقترض تتراوح على الدوام بين 30-50٪، طبقًا لما حدده موظفو القروض في شركات الإقراض التي تواصل معها «مدى مصر». السبب في هذا، بحسب العنتري، يرجع إلى ثلاثة عوامل. الأول، هو أن شركات الإقراض تعتمد على فائدة مقطوعة (أي تحتسب على إجمالي قيمة القرض مع كل قسط) وليس منقوصة. والثاني، تعدد حلقات الوسطاء، وذلك بأن يمر القرض من البنك إلى إحدى الشركات (والتي قد تُقرض جمعية صغيرة لتتولى هي الإقراض)، قبل أن تصل إلى المقترض النهائي. أما العامل الثالث، فيتمثل في بنديّ المصروفات الإدارية وهوامش الربح لهذه الشركات.

ومع عدم كفاءة الرقابة من قبل «المركزي» على تطبيق البنوك سعر الفائدة المُيسر عند تقديم قروض للشركات والجمعيات، كذلك بالنسبة لرقابة «الرقابة المالية» على كيفية تطبيق الشركات والجمعيات للمبادرة، تتسبب حصيلة هذه الأسباب معًا، في وصول الفائدة إلى هذه المستويات «الجنونية».

سقطت زاهية ضحية لكل هذه التعقيدات، واستمر احتجازها في قسم الشرطة حتى توصل ابنها إلى أحد فاعلي الخير، الذي اصطحبه واتفق مع الموظف على مصالحة عرفية لدفع القسط وغراماته، وتكفل بثلاثة أقساط أخرى، ليتبقى قسطّين على زاهية أن تُسددهما. وخرجت السيدة الخمسينية بعد أن قضت أسبوعين في الحجز.

بعد كل هذا العناء التي مروا به، اضطر الابن إلى العمل كسائق «توك توك» خلال الثلاثة الأشهر التي تكفل بها فاعل الخير، ما ساعد زاهية وابنها على إدخار القسطيّن المتبقيين بجانب تسديد الديون الأصغر للأهالي.

  • *اسم مستعار
عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن