في أوراق رضوى عاشور: بين منازلة الورم.. واندلاع ثورة يناير
الحلقة الثانية عشر والأخيرة من برنامج قراءة «شهود عيان»
«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.
راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضًا أهم الأحداث.
راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى.
في الحلقة الأولى تناولت «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية. وفي الثانية مذكرات هدى شعراوي، وفي الثالثة «الأيام» لطه حسين التي لا يمكن تجنبها، و«مذكرات عريان يوسف سعد» أقدم سجين سياسي في الرابعة. أما في الخامسة والسادسة تناولت مذكرات خالد محيي الدين، ثم مذكرات رفعت السعيد في السابعة. وفي الثامنة، كتاب نادية كامل «المولودة»، عن مذكرات والدتها نايلة كامل. وفي التاسعة مذكرات د. محمد أبو الغار. ثم على حلقتين قدمت مذكرات الكاتب والصحفي أحمد عباس صالح الذي كان جزءًا من ظاهرة الطيور المهاجرة. وأخيرًا اخترتُ مذكرات الروائية الراحلة رضوى عاشور، بجزئيها «أثقل من رضوى» و«الصرخة» لأنها عاصرت وشاركت في الحدث الأبرز والأكثر تأثيرًا، أعني ثورة 25 يناير 2011.

أظن أن أهم ما يميّز الروائية والأستاذة الجامعية الراحلة د. رضوى عاشور (26 مايو 1946- 30 نوفمبر 2014) هو أن اختياراتها وكتاباتها، لم تتناقض يومًا مع أفكارها ومواقفها السياسية وظلّت نموذجًا نادرًا للاستقامة والتوافق الشخصي بين السلوك والممارسة العملية من ناحية، والأفكار التي عبّرت عنها في سائر كتاباتها، وفي عملها الأكاديمي.
تشرفتُ بالتعرف عليها في وقت مبكر، في النصف الثاني من سبعينيات القرن المنصرم، ضمن عدد كبير من المثقفين، عند تأسيس «لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية»، التي بدأت نشاطها بعد زيارة السادات لإسرائيل. لعبت اللجنة دورًا محوريًا وأساسيًا في عرقلة قطار التطبيع مع إسرائيل، ويعود لها الفضل في أن يتحول الموقف من الصلح الذي أبرمه السادات مع إسرائيل، إلى موقف أخلاقي ضد التطبيع في المحل الأول، بل أن الموقف الثابت والصلب من التطبيع الذي اتخذته -وما زالت تتخذه- الأغلبية الساحقة من المثقفين والكتاب والفنانين في مصر يعود إلى العمل المتواصل والدؤوب لهذه اللجنة التي كانت كل جهودها تطوعية، ولم تكتف بإصدار البيانات وحملات التوقيع على بيانات الإدانة والكشف عن المتورطين في التطبيع، بل أصدرت أيضًا مجلة غير دورية وبعض الكتب ذات الصلة.
كذلك ضمّت اللجنة شخصيات وقامات كبرى مشهود لها بالمواقف الوطنية الناصعة، وفي مقدمتهم الراحلة الكبيرة د. لطيفة الزيات، التي تحملت المسؤولية الأولى وتولت أمانة اللجنة، قبل وبعد اعتقالها ضمن حملة سبتمبر 1981، والتي اعتقل خلالها السادات نحو ألف وخمسمائة شخصية، من مختلف التيارات السياسية والفكرية، ولم يُفرج عنهم إلا بعد اغتيال السادات في أكتوبر 1981، وتولي حسني مبارك الرئاسة.
وظلت العلاقة مستمرة بينها وزوجها الشاعر الفلسطيني الراحل، مريد البرغوثي، وبيني طوال السنوات التالية، ولقد شرُفت بتلك العلاقة وتابعت أعمالها الروائية والأكاديمية، وكتبتُ عن بعضها في صحف مختلفة. وسيرتها الذاتية التي صدرت في ثلاثة أجزاء، يفصل بينها سنوات، تعد من أكثر السير ارتباطًا بالأحداث السياسية، بل أعتبر الجزئين الثاني والثالث من أهم الأعمال التي تناولت ثورة 25 يناير وأكثرها كشفًا وتحليلًا للثورة المغدورة.
وكانت رضوى عاشور حصلت على الماجستير من مصر حول أعمال لورانس داريل، وفي وقت مبكر، ثم حصلت على الدكتوراه من الولايات المتحدة عام 1975، في الأدب الإفريقي الأمريكي. وكان كتابها الأول «الرحلة» عن هذه التجربة تحديدًا. يمكن اعتبار ذلك الكتاب هو الجزء الأول من سيرتها الذاتية، وكعادتها في أعمالها السيرية تحرص على أن تنأى بنفسها عن البوح الذاتي الشخصي، وتولي عنايتها للواقع والحياة.

كذلك توالت أعمالها الروائية والقصصية التي وضعتها في المكانة التي تليق بها كواحدة من أكثر كتاب جيل الستينيات تأثيرًا، مثل «خديجة وسوسن»، و«سراج»، و«أطياف»، و«قطعة من أوروبا»، و«فرج»، و«الطنطورية»، إلى جانب ثلاثيتها الروائية «غرناطة» عن ضياع الأندلس، فضلًا عن سيرتها الذاتية في جزئين، صدر الأخير بعد رحيلها مباشرة، وقبل أن تنهيه بصفحات قليلة.
إلى جانب هذا وذاك، انخرطت في السلك الأكاديمي وأشرفت على عشرات وعشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه في الأدب الإنجليزي في كلية الآداب جامعة عين شمس .
أما الدور الذي لعبته بدءًا من تسعينيات القرن الماضي في حركة 9 مارس، لاستقلال الجامعات، والمشكّلة من أساتذة الجامعات لردّ ومجابهة العدوان المتواصل الذي كان يشنّه نظام مبارك، فقد كان أيضًا دورًا محوريًا، وكانت الحركة جزءًا من حركات وانتفاضات عديدة مهّدت الطريق إلى الحدث الأكبر وهو 25 يناير.
وهكذا تعددت وتوالت الأدوار التي لعبتها.
لقد سقط مبارك
أما آخر أعمالها التي صدرت في حياتها فهو «أثقل من رضوى» (دار الشروق- 2013) التي اعتبرها الناشر الجزء الأول من سيرتها، بينما أعتبرها الجزء الثاني، لأن الجزء الأول«الرحلة» أقرب للسيرة الذاتية لأنه يسجل رحلتها للولايات المتحدة للحصول على الدكتوراه.
في« أثقل من رضوى» يتوقف القارئ معها عند إحدى العمليات الجراحية التي أجريت لها في أمريكا، وقبل أن تفيق من أثر البنج تمامًا، قال لها تميم البرغوثي ابنها وابن الشاعر مريد البرغوثي إن مبارك سقط، فلم تستطع إلا أن تبتسم، وهي التي عاشت مثل أغلب أبناء جيلها والأجيال التالية، تسعى من أجل أن ترى ذلك اليوم الجلل.
وبعد ما يقرب من خمسة أشهر أجرت خلالها أربع عمليات جراحية في الرأس، تعافت بل وتمكنت من العودة، والأكثر أهمية أنها نزلت ميدان التحرير مساء 26 مايو 2011 الذي كان بالمصادفة يوم ميلادها.
بين هذا وذاك تقدم عاشور سبيكة محكمة ومتماسكة، مضفورة برهافة نادرة لرحلة الانتصار على المرض وإلحاق الهزيمة به، دون أي افتعال لبطولة زائفة، وفي الوقت نفسه تقدم مشاهد آلام ولادة الثورة المصرية في طريق لم يكن خاليًا يومًا من الدم ورصاص القناصة ودهس الحافلات، وهي أيضًا، هذه السبيكة، تتضمن بقع ضوء متناثرة هنا وهناك، للبيت الكبير، بيت عائلتها، والجامعة التي أمضت الكاتبة بين أروقتها ومقاعدها وفصولها ما يقرب من أربعة عقود طالبة ومعيدة وأستاذة.
وكما أشرتُ من قبل فإن «أثقل من رضوى» ليست السيرة الذاتية الأولى للكاتبة، فقبل ثلاثين عامًا أصدرت «الرحلة.. أيام طالبة مصرية في أمريكا»، وهي سيرة للسنوات التي أمضتها في دراسة الدكتوراه. ولا مقارنة بين هذه وتلك، فالرحلة مقصورة على تجربة محددة، بينما الأخيرة جدارية شاهقة، تحتل الثورة المصرية القسم الأعظم من صفحاتها، على الرغم من أنه لم يُقدّر للكاتبة أن تشهد اندلاعها، حيث كانت في الولايات المتحدة، على موعد مع عدد من العمليات الجراحية في الرأس، لمحاصرة ورم خبيث كان قد انتشر بالفعل.
لم تختر الكاتبة أن يتخذ كتابها شكلًا دائريًا، حسبما قررت في نهاية هذه الفصول من السيرة الذاتية، فهناك ضرورات الواقع وما جرى بالفعل. وكل ما في الأمر أنها كانت تعاني منذ سنوات من ورم مزعج صغير خلف الأذن اليمنى، وعندما ينمو تستأصله بواسطة عمليات جراحية، ثم يعاود الظهور بعد عامين أو ثلاثة.
وأثناء الفحص الدوري، ظهرت شكوك حول طبيعة الورم، ما استدعى ضرورة سفرها للولايات المتحدة حيث تبين أن الورم خبيث وانتشر بالفعل وفي مرحلة متقدمة. وعلى مدى الفصول الممتدة حتى الفصل العاشر، قدّمت تجربة فريدة، حيث تروي بالتفصيل كيف أجرت أربع عمليات جراحية دقيقة لاستئصال أجزاء من عظام الجمجمة وجزء من غشاء المخ.
مخاوف اللعب في الرأس
وفي تناولها لتجربة المرض، لم تستغرق في آلام ومخاوف لا يمكن الاستهانة بها، كما لم تسرف في ذرف الدموع والسقوط في الكوابيس، بل تتأمل التجربة بثبات وتأن، دون استبعاد المخاوف المشروعة وليس الرعب.. فاللعب في الرأس يحمل كل الاحتمالات التي لم يدخر الأطباء والجراحون في أمريكا وسعًا في إعلامها به.
لغة عاشور حاسمة وواضحة، لكنها ليست جهمة أو مكتئبة، والإيقاع يتسم بالهدوء، ربما للإفلات من تهديد الاحتمالات المطروحة، والسرد دافئ ولكنه يحتمي من المأساة بابتعاده عن الغنائية والعاطفية، لأن ما يجري من تفاصيل وأشعة وتقارير أطباء لا يترك مجالًا لتأويلات المجاز واللغة المثقلة.
أما بعد عودتها إلى مصر بعد الثورة بأربعة أشهر، فإن الإيقاع تزداد سرعته، فقد تم فك أسر الكاتبة، واللغة تتحرر وتدب فيها الحياة. ولأن مسكنها لا يفصله عن ميدان التحرير إلا أمتار قليلة، انخرطت واستغرقت في الاشتراك في المسيرات والتظاهرات، وكل ما كانت تفعله، هو أن تدهن الجزء المجروح من الرأس بمرهم، وتعتمر قبعة كبيرة زيادة في الحرص، وتحمل علما تفوق ساريته طولها وتتوجه إلى الميدان.
كما عكفت على مدونات الثورة وشبكات التواصل والمنصات المختلفة، و كتبت عن صبية الألتراس الصغار، وصعود «أحمد الشحات» فوق البناية التي تحتلها السفارة الإسرائيلية، لإسقاط العلم الإسرائيلي في مشهد جلل، وفي حماية الآلاف المحتشدة حول مبنى السفارة التي لم يكن ممكنًا مجرد الاقتراب منها من قبل. سجّلت عاشور كيف تم نقل الصخور والأحجار الضخمة العازلة لمنع الحشود وعزلها عن بعضها البعض، ويبادر الثوار بتغطيتها على الفور برسوم الجرافيتي، فتفقد الهدف والغرض من إقامتها وتصبح جزءًا من المشهد الثوري. سجّلت أيضًا مذابح محمد محمود 1 و2، ومجزرة ماسبيرو، ومشرحة زينهم التي نُقل إليها عشرات الشهداء الذين سقطوا في الميادين، وهجوم قوات الأمن على المستشفيات الميدانية واعتدائها على الأطباء والمرضى على السواء، وتوصلت لاسمي طارق معوض ومايكل كرارة حاملي العلم في الصفوف الأولى، ومالك مصطفى الذي فقد إحدى عينيه على يد قناص في محمد محمود ومدوناته..
تشكل هذه الفصول بإيقاعها السريع اللاهث واحدة من جداريات الثورة الشاهقة، وإذا كان كثير من الكتاب والنقاد يرون ضرورة الابتعاد عن الأحداث الكبرى وقت وقوعها، والنأي الزمني والنفسي عنها لتأملها والنجاة من الانخراط العاطفي فيها، إذا كان ذلك كذلك، فإن مقاطع سيرة عاشور المتماسة مع أحداث الثورة، خَلَتْ من التورط العاطفي الساذج، والهتاف عالي الصوت، وكانت صادقة على نحو موجع من فرط ما أوردته من وقائع تتجاوز المجاز ذاته.
وأخيرًا.. عنوان السيرة «أثقل من رضوى» مستمد من مَثَل عربي قديم دلالة على الرسوخ، لأن جبل رضوى يتشكل من سلسلة من الجبال الممتدة إلى الشرق من ينبع بالحجاز، بها جداول ماء وشعاب وأودية ووعول وغزلان، بل أن بعض فرق الشيعة تعتقد أن الإمام الغائب محمد بن الحنفية مقيم في جبال رضوى حتى تقوم الساعة.
وهكذا فإن مقاطع السيرة هي سلسلة من الجبال وجداول المياه، سواء في رحلة إلحاق الهزيمة بالورم عبر منازلته، أو إلحاق الهزيمة بالنظام القديم ووارثيه، عبر تضحيات المصريين اللامحدودة والمستمرة..
ارتجاع الورم

أما الجزء التالي من السيرة «الصرخة» فقد أصدرته دار الشروق عام 2015 بعد رحيلها. وحسبما أشارت مقدمة الكتاب، فإن النص نُشر كوثيقة كما هو بدون تدخل. فهناك رؤوس أقلام أو عناوين فصول وبعدها صفحة بيضاء، كانت عاشور تأمل في تتبعها أو الكتابة عنها وسبقها الموت. كذلك أشارت المقدمة إلى أن الكاتبة تعرّضت لسبع جلسات إشعاعية بين مايو وأكتوبر 2014 أثناء كتابة النص.
على أي حال، تستكمل الكاتبة ما يتعلق برحلتها مع المرض، فتورد مثلًا ردها على أسئلة الجراح الذي تعامل معها في الدانمارك: «أنا في السابعة والستين. أعي مدى شراسة هذا الورم السرطاني وضعف إمكانية الإفلات منه. أنا بطبيعتي مقاتلة، ولكنني بلغت قدرًا من النضج يسمح لي بالتمييز بين معركة يمكن أن تحقق أهدافها، ومعارك دون كيشوتية لا جدوى من خوضها. إن كان ارتجاع الورم سيتكرر بهذا المعدل ألا تقتضي الحكمة المضيّ في مسار آخر؟ أعني ترك الأمور على ما هي عليه والانتفاع بالوقت المتاح في إنتاج ما يمكن إنتاجه، ربما إتمام كتاب جديد أو مراجعة رسالة دكتوراه يحتاج صاحبها أو صاحبتها إلى إشرافي. أم يكون هذا المسار شديد الخطورة؟ باختصار سؤالي هو: ما هي فرص الإفلات؟ أيهما أكثر حكمة: إجراء جراحة جديدة أو الإحجام عنها؟ سأكون ممتنة لنصيحتك».
تعمدتُ أن أورد هذه الفقرة الطويلة، ليتبين القارئ إلى أي حد كانت رضوى عاشور مقاتلة حقًا وقادرة على منازلة وحش كهذا، قادرة على المواجهة والصراحة والوضوح.
من جانب آخر، تستخدم الكاتبة المعالجة السردية التي استخدمتها في «أثقل من رضوى» وهي المزج برهافة نادرة بين الكتابة عن سلسلة العمليات الجراحية التي أجرتها بالخارج، وبين مسارات الثورة بالداخل والهزائم والعثرات التي بدأت. فهناك مثلًا جراحة استغرقت 13 ساعة في مؤخرة الرأس في مستشفى بالدانمارك، وأخرى 14 ساعة لقص بعض أجزاء من الأنسجة المحترقة وكحت مساحات من الجرح الغائر.
وبعد عودتها تتناول ما جرى بعد فض اعتصام رابعة والنهضة واستقالة البرادعي. ثم توالت الأحداث المروّعة من بينها مثلا رسالة د. هاني الحسيني الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة وزميلها في حركة استقلال الجامعات على البريد الإلكتروني، تتضمن شهادته عما رآه ظهر 18 نوفمبر 2013 في حرم جامعة القاهرة وفي كلية الهندسة، حيث أطلقت الشرطة الغاز والخرطوش داخل الجامعة، وقُتل طالب بكلية الحقوق وآخر بكلية الهندسة.
وتنقل عن الناشطة منى سيف على صفحتها في موقع فيسبوك في 9 ديسمبر 2013 زيارتها لعلاء سيف المحبوس آنذاك بصحبة أمها د. ليلى سويف وشقيقتها سناء ومنال بهي الدين زوجة علاء آنذاك وابنه خالد للاحتفال بعيد ميلاده.. كما تنقل عن سناء مثلًا: «سجونكم ما بتخوفش!..ولو ظلمكم بيوجع، بييجي يوم نفتكر كل تنتوفة حلوة في الحلم اللي مخلّينا مكمّلين ومصّرين نهزم كابوسكم».
وفي الوقت نفسه، وعلى مدى أكثر من فصل تعود بنا إلى الوراء، إلى علاقتها بليلى سويف ووالدتها جدة علاء الأستاذة الجامعية فاطمة موسى، التي كانت واحدة من أساتذة رضوى. يقودها هذا -وفق التداعي الحر- كما وصفته، باعتباره المنطق الغالب في كتابها، إلى الحديث عن نساء العائلة من الجدات والعمات والخالات اللائي لعبن أدوارًا حاسمة في حياتها.
وهكذا كتبتْ أنها «تمترست» بالحديث عن نساء العائلة للابتعاد قليلًا عن الحديث عن «عودة الداخلية بأدواتها كافة وباستشراس أكثر حدة وعنفًا، لأنها تصفّي حساباتها مع الثورة والثوار: تطلق الغاز بكثافة. تضرب وتسحل وتعتقل وتعذّب وتصيب وتقتل».
يا ليلة العيد
ضفيرة رضوى عاشور التي تتجاور فيها وتمتزج رحلتها في منازلة الورم ومواجهته، مع ثورة يناير، ومع طفولتها ونساء حياتها، تتسع أيضًا لنقل صفحات من رسالة كتبها علاء سيف من سجن طرة في 24 ديسمبر 2013. أعيد هنا بعض ما نقلته رضوى: «الفكرة مرعبة، قدّامي جنايتين وواضح إنهم قرروا أن لازم ناخد أحكام، وواضح أن حال الثورة بائس لدرجة أن ينفع ناخد أحكام، يعني الزمن يمكن يفضل واقف عندي وبيتحرك عندكم لسنين، يعني خالد (ابن علاء) ها يكبر من غيري، يعني قُدّامه أدوار برد كتير هاينام من غير حُضني».
ويضيف قبل أن ينهي رسالته «أنا كويس، قهرة الروح دي أنتم عارفين إني كنت عايش معاها برّه زي ما أنتم عايشينها. كل يوم فيه خبر يعصر القلب وفيه تخاذل بيكتم النَفَسْ أنا بس هنا عندي وقت كتير مش عارف أعمل بيه إيه فمركّز مع القهر بزيادة».
أما رضوى فتعلّق أنها بعد أن انتهت من نقل رسالة علاء، وصلها خبر إصابة طالب في المجمّع النظري بجامعة الإسكندرية بطلق ناري بين عينيه أودى بحياته. ليس في الأمر ميلودراما زائدة أو غرام بالفواجع، لكنها مسارات الثورة المغدورة التي كان متعينًا تصفيتها بكل تلك الوحشية.
تعود بعد ذلك لتطورات الورم الذي «عاد بهمّة ونشاط مستقرًا في ذات المكان وكأنه لم يُستأصل عدة مرات من قبل، وعززه نتؤ مستجد في المساحة بين أسفل الحاجب الأيمن والأذن المجاورة له، وفي مكان ما غير مرئي ولا منظور وافد جديد في تلافيف الفص الخلفي من المخ». وهكذا كان عليها أن تواجه رحيلها الذي بات مؤكدًا، ولا يفصلها عنه إلا أسابيع قليلة وربما أيام.
من ناحية أخرى، رضوى لديها منطق آخر يجعلها تنتقل للحديث عن أغنية أم كلثوم «يا ليلة العيد»، حيث حضرت الاحتفال بسبوع بهية ابنة مالك عدلي وأسماء علي، وهما من أنبل أبناء الثورة وأكثر المدافعين عنها بسالة. وكما كتبت رضوى: «وكان مالك وأسماء أجّلا الاحتفال بسبوع ابنتهما البكر ثلاثة أشهر حتى يخرج علاء من السجن. فحملا الصغيرة لنحتفل بها ونضعها في الغربال، و`ندق لها الهون` كما تقتضي الطقوس المتوارثة. كما حملت نوارة نجم [ابنة الشاعر أحمد فؤاد نجم] وليدتها فاطمة الزهراء، وحمل مالك مصطفى وفاطمة عابد وليدتهما إيمان. ثلاث بنات وُلدن واحدة وراء الأخرى في غضون أسابيع، وأرضعتهن نوارة فصرن الآن وإلى ماشاء الله، أخوات في الرضاعة».
وتضيف: «أعرف أن نوارة ومالك مصطفى ومالك عدلي واجهوا الموت معا في التحرير وفي محمد محمود وفي المشرحة. منح الله كلا منهم بنتا، فقررت نوارة بعبقرية تخصها أن ترضعهن جميعًا».
وأخيرًا تحلّ أجيال جديدة، ويستمر ركب الثورة. دائما هناك شمس جديدة تشرق كل يوم.. كل يوم..
رحلت رضوى، وكنتُ من بين من شيّعوها حتى مستقرها الأخير..
تقارير ذات صلة
ما رآه سعد زهران في الأوردي: سلخانة التعذيب لتركيع المخالفين (2-2)
الحلقة الثالثة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
في شهادة تأخرت ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة
حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)
الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن