فيها حاجة وحشة: الحرية مقابل الجنسية
بعد ما يزيد على عامين من الحبس الاحتياطي، أفرجت السلطات المصرية عن الناشط المصري الفلسطيني، رامي شعث، ثم رحَّلته إلى العاصمة الأردنية عمان، ومنها إلى العاصمة الفرنسية باريس التي وصل إليها في 8 يناير وسط هتافات حشد من المؤيدين استقبله وزوجته عند خروجهما من مطار شارل ديجول.
لكن، ثمن الإفراج عنه لم يكن مدعاة للاحتفال، إذ جُرد شعث من جنسيته المصرية كشرط لإطلاق سراحه.
«لا يجب أن يختار الإنسان بين حريته وبين جنسيته، ولد ونشأ رامي مصريًا، وكانت مصر وستبقى وطنه، ولن يغير التنازل القسري عن جنسيته ذلك أبدًا»، هكذا قالت أسرة شعث في بيان لها عقب الإفراج عنه.
طوال عامين ونصف العام من حبسه قادت زوجة شعث، سيلين ليبرون شعث، وهي مواطنة فرنسية تم ترحيلها من مصر عند اعتقاله، حملة للإفراج عنه. وكان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد طالب بإطلاق سراح شعث بشكل مباشر خلال مؤتمر صحفي عُقد في ديسمبر 2020 مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، عقب محادثات ثنائية في قصر الإليزيه في باريس.
على مدى الأشهر الستة الماضية، كان جهاز الأمن الوطني يتواصل مع عائلة شعث لبدء عملية تنازل رامي عن جنسيته، والترتيب لترحيله، بحسب مصدر مطلع على نقاشات حول إطلاق سراحه، تحدث إلى «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويته. وأضاف المصدر أن هذه الإجراءات وصلت إلى ذروتها في الأول من يناير، عندما قدم محامي شعث وثيقة رسمية للمحكمة الإدارية العليا، تفيد بأنه سيتنازل عن جنسيته المصرية.
أُفرج عن شعث يوم 6 يناير، بحسب إفادة العائلة، وتم تسليمه لممثل السلطة الفلسطينية في مطار القاهرة الدولي، حيث استقل طائرة متجهة إلى العاصمة الأردنية عمان، ومنها إلى باريس.
وتستند هذه الممارسة المثيرة للجدل إلى قرار جمهوري يُعرف بالقانون 140، أصدره السيسي في نوفمبر 2014 يسمح بإعادة السجناء الأجانب إلى أوطانهم، وفقًا لتقدير الرئيس، لقضاء مُدة الحبس أو إعادة محاكمتهم هناك.
صدر القرار الجمهوري بعد خمسة أشهر من الحُكم على ثلاثة من صحفيي قناة الجزيرة القطرية: الأسترالي بيتر جريست، والمصري الكندي، محمد فهمي، والمصري باهر محمد، بالسجن مُدد تتراوح بين سبع إلى عشر سنوات بتهم تتعلق بالإرهاب في قضية بارزة أثارت إدانة دولية، وتعرض الحكم لانتقادات من قِبل جماعات حقوق الإنسان والحكومات الغربية والأمم المتحدة. وبحسب المحامي نجاد البُرعي، الذي ترافع عن فهمي في القضية، صدر القانون 140 للسماح بالإفراج عن جريست وترحيله إلى بلاده. بعد أقل من ثلاثة أشهر من صدور القرار، تم ترحيل جريست بالفعل.
في ذلك الوقت تقريبًا، تخلى فهمي عن جنسيته المصرية على أمل ترحيله إلى كندا. وقال فهمي لـ«مدى مصر» حينها إن بعض كبار المسؤولين زاروه في محبسه وأخبروه أن التخلي عن الجنسية المصرية هو «السبيل الوحيد للخروج من السجن». رفض فهمي في البداية، لكنه قال إنه شعر بوطأة الضغوط عليه، وأراد الخروج من السجن. لم تنجح هذه الخطوة، ولم يُفرج عنه إلا مع باهر محمد، بعد أن حصلا على عفو رئاسي في سبتمبر 2015، بعد إعادة المحاكمة. استعاد فهمي الجنسية المصرية منذ ذلك الحين.
عام 2015، أُجبر محمد سلطان، الناشط المصري الأمريكي الذي حُبس لأكثر من 640 يومًا، على التنازل عن جنسيته مقابل إطلاق سراحه وترحيله إلى الولايات المتحدة بعد مناشدات مباشرة من إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما.
شهدت قضية سلطان تطورًا إضافيًا. خلال زيارة لواشنطن في يوليو 2021، أصرّ رئيس المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، في مباحثاته مع المسؤولين الأمريكيين على وفاء الولايات المتحدة بوعدها في 2015، بأن يقضي سلطان بقية عقوبة السجن المؤبد في سجن أمريكي إذا أطلقت مصر سراحه، وفقًا لمجلة بوليتيكو. حتى أن كامل سلّم أعضاء الكونجرس ما بدا أنه اتفاق مُوقع بين مسؤولين مصريين وأمريكيين يوضح مثل هذا الترتيب. وقالت مصادر لـ«بوليتيكو»، إن أحد موظفي وزارة الخارجية الأمريكية قد وقّع هذه وثيقة في مطار القاهرة في اللحظات الأخيرة قبل مغادرته بصحبة سلطان إلى الولايات المتحدة، حيث كان كل هَم المسؤولين الأمريكيين ينصب على إخراج سلطان من مصر، رغم أن الوثيقة غير قابلة للتنفيذ بحسب القوانين الأمريكية.
على أي حال، لا يزال إجبار المصريين على التخلي عن جنسيتهم من أجل الترحيل أمرًا مثيرًا للجدل إلى حد كبير، ويمكن القول إنه إجراء غير دستوري.
المحامي جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، يقول إن القانون 140 مُخالف للدستور لأنه يخلق امتيازًا لغير المصريين. كانت الفكرة هي الانصياع للحكومات الأجنبية وتلميع صورة النظام، لكن القرار ينتهك مبدأ أن الجميع متساوون أمام القانون، وهو مبدأ فوق دستوري. أوضح عيد أنه لا يرغب في استمرار حبس المعارضين، بل يقول إنه يجب إطلاق سراحهم جميعًا، وليس الأجانب فقط.
صحيح أن القرار لا يُجبر أي شخص على التخلي عن جنسيته، إلا أن الاختيار بين التخلي عن الجنسية والحرية ليس اختيارًا في الواقع. قال حسين بيومي، محامٍ في منظمة العفو الدولية، لـ«مدى مصر» إن الأصح القول إن شعث وسلطان قد أُجبرا على التنازل عن جنسيتهما المصرية، وهو ما يصفه بـ«غير الدستوري».
«هذه الممارسة التي نشهدها الآن في مصر لمُقايضة الجنسية بالحرية تتعارض مع الدستور وقانون الجنسية، وهي أيضًا انتهاك صارخ لشروط القانون الدولي المُتعلقة بإسقاط الجنسية. إنه تحايل على أحكام القانون المُنظم لمثل هذا الإجراء»، يقول بيومي.
ينص قانون الجنسية (رقم 26 لسنة 1975) على عدد من الشروط قبل أن تسحب الدولة الجنسية من المواطن المصري. ومع ذلك، لا ينطبق هذا القانون على حالة شعث أو سلطان لأنهما -تقنيًا- تنازلا عن جنسيتيهما من تلقاء نفسيهما. ومع ذلك، أكّد كل من سلطان وشعث أنهما لم يكن لديهما خيار في هذا الشأن.
بعد إطلاق سراح شعث، غرد سلطان على تويتر: «أن تُخَير بين حريتك وجنسية بلدك هو اختيار سهل فالحرية تأتي أولًا دائمًا وأبدًا، ولا يُنقص من انتمائك لبلدك لأنه في القلب. أما النظام الذي يشترط التنازل عن الجنسية للتمتع بأبسط حقوق المواطنة في الحرية والحياة، فهو نظام يؤكد على فلسفته القمعية: أن تكون مواطنًا يعني بالضرورة ألا تكون حُرًا».
تقارير ذات صلة
مخاطر قانون إجراءات جنائية مَعيب | حوار مع عصام الإسلامبولي
ما هو قانون الإجراءات الجنائية الجديد؟ وما علاقته بأزمة الحبس الاحتياطي؟
السجون الجديدة وتحديث الانتهاكات
يرى سامر أن السجن الجديد يلعب على الحالة النفسية للسجين، حيث تنقطع علاقته بخارج الزنزانة
حوار | مساعدة وزير الخارجية الأمريكي: صارحت المسؤولين المصريين بالمخاوف الحقوقية التي أوقفت الإفراج عن 75 مليون دولار من المعونة العسكرية
«الجزء الأكبر من المحبوسين احتياطيًا، وبحسب المسؤولين المصريين أنفسهم، أشخاص لم يرتكبوا أي جرائم عُنف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن