تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
غيوم في سماء المصالحة المصرية التركية الهشة

غيوم في سماء المصالحة المصرية التركية الهشة

كتابة: إحسان صلاح، عمر سعيد 10 دقيقة قراءة

رغم بطء وصعوبة التحرك في ملف ترميم العلاقات المصرية التركية، إلا أن التطورات المستمرة تشير إلى اتفاق الطرفين على ضرورة إتمام شكل من أشكال المصالحة، حتى إذا استغرق تحقيقها بعض الوقت.

آخر ملامح هذه الصعوبات جاء قبل أيام عندما أصدرت الخارجية المصرية بيانًا، أدانت فيه قرار أنقرة إعادة فتح جزئي لجزيرة فاروشا التي تنتمي لقبرص. ورغم أن هذه الجزيرة فعليًا مهجورة، فإن مصر كانت سريعة في إصدار البيان والتذكير بأن هذا التحرك يخالف قرارات مجلس الأمن.

بحسب مصدر حكومي مصري، جاء البيان كتذكرة لأنقرة أن «المشاكل بيننا لم تحل بمجرد إيقاف عدد من البرامج التليفزيونية التي كانت تروج للعداء ضد الدولة المصرية ورموزها»، وطمأنة لكل من اليونان وقبرص للتأكيد أن «أي قنوات اتصالات بين مصر وتركيا لا تعني تراجع مصر عن الالتزام بالمواقف الثابتة في علاقتها مع اليونان وقبرص طالما لم تذهب أي من البلدين بعيدًا بدورهما عن الالتزام بثوابت العلاقات مع مصر.»

وقف البرامج الذي أشار إليه المصدر جاء إبان زيارة غير معلنة قام بها وفد أمني مصري إلى تركيا لاستئناف المفاوضات مع نظرائهم الأتراك واستمرت لمدة ثلاثة أيام أواخر يونيو الماضي. على هامش هذه الزيارة، أوقفت السلطات التركية ثلاثة من المذيعين المصريين المعارضين عن العمل في الفضائيات التي تُبث من تركيا، في تطور كبير في أحد أهم أوجه الخلاف التي تثير غضب الجانب المصري. ولم تقتصر التعليمات التركية على الإعلاميين، وإنما امتدت كذلك لإصدار تعليمات للبعض بالامتناع عن التدوين على شبكات التواصل الاجتماعي كذلك.

مصدر مطلع مقرب من قيادة جماعة الإخوان يعيش في تركيا أشار إلى أن الجانب التركي يحاول منح المصريين بعضًا من مطالبهم قبل كل زيارة يقوم بها أحد الطرفين إلى الآخر لاستكمال المفاوضات. وعلى الرغم من أن القاهرة تعتبر الاستجابة التركية لمطالبها بطيئة، بحسب مصادر حكومية رسمية، إلا أن المصدر الإخواني يرى أن الأتراك «هيوافقوا على أي حاجة المصريين عايزينها» من أجل التوصل إلى اتفاق فيما يتعلق بترسيم حدود شرق المتوسط.

وعلى الرغم من أن العلاقات التجارية بين البلدين ظلت متينة طوال الأعوام الماضية، إلا أن إنهاء الخلاف السياسي واستئناف العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل يتحرك إلى الأمام، لكن ببطء وترقب، لحلحلة عدد من الملفات الأساسية الملحة، بحسب المصادر المختلفة التي تحدثت إلى «مدى مصر» خلال الأسابيع الماضية.

معتز مطر، أحد المذيعين المصريين الموقوفين، أعلن في بيان عن وجود «[الـ]تطورات بشأن التقارب بين تركيا والنظام المصري، وقلت لحضراتكم إن كان الطلب الرئيس هو إن صوتنا يتغير ونتجاهل السيسي واثنين من معاونيه.. وهو ما لا أقبله. وقلت إننا لن نكون عبء على تركيا [...] قررنا نكون في إجازة مفتوحة ونكمل في يوتيوب [...] هذا البرنامج يقلق استقرار مصر. النهاردة بمبدأ الشفافية بعلن أنه لأول مرة يطلب مننا رسميًا وقف البرنامج تليفزيونيًا أو من خلال السوشيال ميديا.»

كانت القاهرة أبلغت وفدًا تركيًا رفيع المستوى، يترأسه نائب وزير الخارجية التركي، في مايو الماضي بمطالب واضحة من بينها إغلاق القنوات التي تبث من الأراضي التركية وليس مجرد وقف البرامج، وذلك في الزيارة التي وُصفت حينها، من مسؤولين مصريين على صلة بالمباحثات، كـ«زيارة مصارحة واستطلاع، ليتمكن الطرفان من الاطلاع على المطالب وكيفية صياغة ما يتم الاتفاق عليه»، بحسب المصدر الحكومي.

وبحسب المصدر نفسه، أبلغ الجانب المصري الوفد التركي وقتها «بما لا يدع مجالًا للالتباس» أن هناك جملة من المطالب لن تتنازل عنها القاهرة إذا أرادت تركيا فعليًا استعادة العلاقات الثنائية لمستوى التمثيل الدبلوماسي الكامل، بعد أن تم تخفيضه إلى مستوى القائم بالأعمال في عام 2013.

واعتبر المصدر وقتها أن «[وقف المذيعين] خطوة جادة يجب أن تتلوها خطوات جادة أخرى» مؤكدًا أن مصر لن تتحرك نحو إعادة سفيرها إلى أنقرة أو الاستجابة لأي من المطالب التركية، سواء المتعلقة بملفات التعاون الاقتصادي الرسمي أو ترسيم الحدود البحرية المصرية التركية، قبل أن تتخذ السلطات التركية الخطوات التي تعتبرها القاهرة «لازمة»

هذه الخطوات اللازمة، إلى جانب المطالب المتعلقة بوقف الإعلاميين المصريين في تركيا، تتمثل كذلك في وقف تحركات جماعة الإخوان المسلمين المصرية على الأراضي التركية، سواء كانت تحركات سياسية أو قانونية أو مالية، وأي أشكال تنظيمية أخرى مثل ما يُسمى بـ«المجلس الثوري المصري»

وأضاف المصدر أن القاهرة تتوقع أن تتحرك السلطات التركية في اتجاه إنهاء وجود عدد من الأشخاص المدانين بأحكام نهائية في جرائم عنف بحق أشخاص ومسؤولين في مصر، على الأراضي التركية. «لن يكون من المقبول الدخول في أي تسوية في هذا الصدد سوى بواحدة من اثنتين، إما التسليم لمصر أو الرحيل عن تركيا، وفي الحالة الأخيرة سوف نتابع الأمر مع أي عاصمة تتجه إليها تلك العناصر» بحسب تعبيره.

يتصادم هذا المطلب مع الأمر الواقع الذي يعيشه عدد كبير من أعضاء جماعة الإخوان والمحسوبين عليها والمقيمين في تركيا بسبب حصول قطاع منهم على الجنسية التركية، وهو ما يجعل مسألة تسليمهم إلى مصر أو طلب رحيلهم عن تركيا مسألة شائكة. أحد الشباب المقربين من جماعة الإخوان المسلمين تحدث إلى «مدى مصر» من تركيا، حيث يعيش، اعتبر أن الوضع لا يدعو للقلق لأن موجة التجنيس الكبيرة تجعل مسألة التسليم مستبعدة.

لكن هذا الاطمئنان لا يتشارك فيه الجميع هناك. شاب آخر من المقيمين في تركيا تحدث إلى «مدى مصر» مشترطًا عدم ذكر اسمه قال إن «نعم هناك تجنيس، لكنه لا يطال الجميع، هذا في الوقت عينه الذي يعاني فيه الشباب من انتهاء صلاحية جوازات سفرهم المصرية، مع صعوبة التعامل مع القنصلية المصرية هنا، وبالتالي يصعب حتى الحصول على إقامة طويلة.»

وأضاف الشاب أن البديل الوحيد المتاح لتجاوز عقبة انتهاء صلاحية جواز السفر هو الحصول على إقامة إنسانية، باعتبار أن ثمّة مشاكل أمنية في مصر تمنع العودة، لكن حتى هذا النوع من الإقامة لم يحصل عليه الغالبية بعد، كما أنك مغادرة تركيا تصبح مستحيلة عندما تنتهي صلاحية جواز السفر.

لكن، الشاب شكك كذلك في إقدام السلطات التركية على تسليم المطلوبين إلى مصر، مشيرًا إلى أن أحد المطلوبين على ذمة عدد من القضايا من بينها قضية اغتيال النائب العام هشام بركات في 2015، وهو حاصل على أحكام قضائية متنوعة بين الإعدام والمؤبد، سأل السلطات التركية إذا ما كان عليه الرحيل، لكنه تلقى تطمينات في المقابل مع تأكيد على وقف أي نشاط له من الأراضي التركية.

وفي مقابل المطالب المصرية المتعلقة بالمعارضين المقيمين في تركيا، قدمت تركيا كذلك مطالب مماثلة تتعلق بوجود جماعة فتح الله كولن، والتي يعتبرها النظام التركي واحدًا من أكبر أعدائه، في مصر، وتنتظر تصرفًا مثيلًا لما أقدمت عليه تجاه الإعلاميين الثلاثة.

وتمتلك حركة «الخدمة» التابعة لخصم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، فتح الله كولن، والذي تتهمه السلطات التركية بالوقوف وراء محاولة الانقلاب في العام 2016، عددًا كبيرًا من المؤسسات التعليمية والدعوية في مصر، من بينها مجموعة مدارس صلاح الدين الدولية والتي تأسست في العام 2009 في القاهرة الجديدة، بالإضافة إلى شركة أفق التعليمية، ولها فروع في القاهرة والإسكندرية وبني سويف، وعدد من دور النشر والشركات التجارية والمراكز الثقافية المعنية بتعليم اللغة العربية للطلاب الأتراك.

لكن، المصدر الحكومي يشير إلى وجود فارق بين الحالتين. بحسب رأيه، فإن المحسوبين على فتح الله كولن والمؤسسات التابعة له في مصر لا علاقة لهم بأي نشاط سياسي، إلا أن مصر تعترض على وجود كيانات لها نشاط سياسي في تركيا.

إلى جانب هذه الملفات، يمثل الوجود التركي في ليبيا أحد أهم نقاط الخلاف. وزير الخارجية التركي اعتبر في مايو الماضي أن وجود القوات التركية في ليبيا شرعيًا «نظرًا لوجود اتفاقية أمنية مشتركة بين تركيا وليبيا.» الأمر ذاته أكده أردوغان، والذي أعلن أول الشهر الحالي أن «[القوات التركية] موجودون في ليبيا وأذربيجان وسوريا وشرقي المتوسط وسنواصل وجودنا [...] تركيا ستنتزع حقوقها المشروعة وستقوم بأعمال التنقيب في كافة بحارها لا سيما شرقي المتوسط ومحيط قبرص.»

بشكل عملي، بدأ المسؤولون المصريون والأتراك، على الأقل منذ يناير 2020، التنسيق بشكل غير معلن فيما يخص مجريات الأمور الليبية على الأرض من أجل تفادي المواجهة المباشرة والحفاظ على الاهتمامات الأمنية المشتركة، بحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى «مدى مصر» خلال العام الماضي.

يقول المصدر الحكومي إن «إصرار تركيا على عدم سحب المليشيات من ليبيا وإصرارها على إبقاء قواتها هناك، هو مؤشر هام لا يمكن للقاهرة أن تتغافل عنه.»

تعتبر القاهرة أن ما تقوم به تركيا في ليبيا يتجاوز مجرد كونها محاولة للهيمنة على مقدرات وموارد دولة جوار مباشر لمصر، كما يتجاوز التهديد الأمني الذي تطرحه ليبيا على الحدود الغربية لمصر مع وجود فئات كبيرة من المقاتلين الأجانب الذين جلبتهم تركيا هناك.

الأمر، بحسب أحد هؤلاء المسؤولين، «يتعلق فعليًا برؤية تركيا لدورها في الإقليم، أو بالأدق برؤية أردوغان لدوره في الإقليم، فما تقوم به تركيا تحت أردوغان في ليبيا هو مجرد جزء أو تفصيلة من تحرك أوسع يقوده أردوغان بصبر وإصرار -رغم لحظات تراجع يضطر لها في بعض الأحيان لتثبت دوره كعنوان أوحد للدول العربية والإسلامية، أو ربما كعنوان منافس لإيران لأن في الحقيقة تركيا لا تتنافس كثيرًا مع إيران في الدول العربية التي تبسط إيران سيطرتها عليها، وإنما تنسق مع إيران كما نري في سوريا.»

بالنسبة للقاهرة، كما يضيف المسؤول نفسه، فإن طرح تركيا لنفسها كلاعب إقليمي أقوى من مصر، ليس مقبولًا، وأن مصر يمكن أن تقبل التنافس مع تركيا على الدور الإقليمي ولكنها لا تقبل بالخضوع لسيطرتها.

«لهذا فما تقوم به تركيا في ليبيا بالنسبة لنا لا يتعلق فقط بالسعي للسيطرة على الموارد أو تثبت وجود ممثلين للإسلام السياسي في السلطة أو نشر للمقاتلين المسلحين، بل هو فعليًا تثبيت للهيمنة» بحسب تعبيره. 

ويضيف المسؤول نفسه أن إدراك تركيا مؤخرًا أنها لن تستطيع أن تقوم ببسط نفوذها على ليبيا كجزء من بسط نفوذ أوسع في الإقليم «تصورت تركيا في لحظة أنه يمكن أن يشمل مصر» وأن «حلم [إردوغان] استعادة الامبراطورية العثمانية بصورة حديثة لم يعد وارد التحقيق» أسهم في تغيير السياسية التركية في ليبيا وفي اتخاذ أردوغان خطوات يمكن أن تسهم في إعادة إطلاق العلاقات المصرية التركية.

لكن، الاطمئنان المصري من تغير المواقف التركية ليس نهائيًا. تُصر القاهرة على التأكد من أن تركيا ستلتزم بما تتوافق عليه مع القاهرة دون تراجع في المستقبل، خصوصًا مع استمرار الإشارات التركية التي تدفع الجانب المصري لاعتبار أن «هناك في تركيا من يصر على المراوغة» بحسب تعبير المصدر الحكومي.

آخر هذه الإشارات تمثل في منشور كتبه مستشار الرئيس التركي، ياسين أقطاي، في مايو الماضي عقب تنفيذ أحكام إعدام 17 متهمًا في القضية المعروفة بـ«أحداث كرداسة» كما عاد وكتب مقالًا في صحيفة «يني شفق» التركية، قال فيه إن جهود المصالحة بين البلدين لا بد ألا تغفل تدهور ملف حقوق الإنسان، وأن «ليس من صفات ومقومات الدولة القوية أن تقوم بإطلاق أحكام إعدام عشوائية جماعية على متهمين.»

لهذه الأسباب، يتحرك ملف المصالحة ببطء شديد. امتنعت مصر عن إرسال سفير إلى أنقرة كما اتضح من حركة التنقلات الدبلوماسية بداية الشهر الحالي، التي لم  تتضمن إرسال سفير إلى أنقرة، في الوقت الذي اشتملت فيه على ترشيح سفير مصري إلى الدوحة، الحليف الإقليمي الأبرز لتركيا.

يرى دبلوماسيون غربيون يعملون في القاهرة أن المسعى التركي باتجاه مصر هو في المحصلة الأخيرة مسعى ملتبس، لأن أردوغان قرر التحرك نحو مصر في ضوء ثلاثة متغيرات أساسية. أولها، وصول جو بايدن للبيت الأبيض، وهو رئيس أمريكي لا يدعم نظيره التركي بالصورة التي عرفها أردوغان خلال حكم دونالد ترامب. وثانيها، أن الوضع الاقتصادي في تركيا متراجع، مما يجعل على الرئيس التركي أن ينظر في آفاق تحسين علاقته بكل جيرانه وخاصة مصر، التي يحتاج لأن يرسم الحدود معها فيتمكن من التنقيب عن الغاز. وأخيرًا، لتخفيف الضغط السياسي الواقع عليه داخل البلاد، وحتى من داخل حزبه، لإنهاء حالة التوتر الإقليمي التي أدخل تركيا فيها.

وبحسب المصدر نفسه، فإن «المشكلة دائمًا في مضاهاة ما تتعهد به تركيا وما تقوم به، وإذا نظرنا إلى ما تتعهد به إزاء سوريا وليبيا وما تقوم به، سيكون علينا أن نعترف أن هناك مساحة كبيرة تفصل أقوال أردوغان عن أفعاله.»

المهم، بحسب تعبير أحد المسؤولين الحكوميين المصريين، أن «تسير الأمور في الاتجاه الصحيح بصورة مستمرة، وألا تكون هناك خطوة للأمام وخطوتين للخلف.»

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

#العلاقات المصرية الأمريكية

حوار | مساعدة وزير الخارجية الأمريكي: صارحت المسؤولين المصريين بالمخاوف الحقوقية التي أوقفت الإفراج عن 75 مليون دولار من المعونة العسكرية

«الجزء الأكبر من المحبوسين احتياطيًا، وبحسب المسؤولين المصريين أنفسهم، أشخاص لم يرتكبوا أي جرائم عُنف»

لينا عطاالله 5 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن