تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
غزلان المنتزه

غزلان المنتزه

#95 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: محمد أشرف أبو عميرة 5 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

هذا الويك إند، يصحبنا محمد أشرف أبو عميرة معه في رحلة العائلة الصيفية إلى المنتزه التي  تزامنت هذه المرة مع دخول المنطقة السكندرية خطة تطوير. يشاركنا أبو عميرة تمرينًا يستلهم فيه حكايات والده وأسلافه عن غزلان المنتزه لتقديم حكاية أحدث عن المكان ربما يسردها مستقبلًا على أسماع الجيل القام من آل أبو عميرة.

#دليل #قراءة 

اعتاد أبي دون أن يشعر كلانا بالملل من الحكي أو الاستماع باهتمام، أن يروي لي خلال زيارتنا السنوية للمنتزه، كيف -حسبما رَوى له جدي وأعمامه- أن الغزلان كانت تركض في تلك الحدائق قبل يوليو 1952 ثم اختفت، كما أن الأشجار التي أراها كانت مثمرة، لكن صارت بلا ثمار بعد شهور من 52، فيما بَقيت المناظر الخضراء الممتدة على مرمى الأعين. تعلقت بالمنطقة، وأحببت السير على الكوبري الموصل من الحدائق إلى قصر الحرملك الذي بُني للملك فؤاد في عشرينيات القرن الماضي ليكمل مع قصر السلاملك سرايا المنتزه.

أتخيّل فاروقًا يجلس وسط «جزيرة الشاي» وهو كشك أُنشئ له خصيصًا في 1936 على جزيرة منفصلة عن الحدائق يربط بينها وبين المنتزه كوبري، مُشاهدًا الغزلان تجري منطلقة في الأفق الممتد. بالتأكيد يسعده التمتع بكل هذا المُلك، ويتذكر عباس حلمي الثاني -صاحب «السلاملك»- بكل خير. أسرح متخيلًا غزلان المنتزه الرشيقة تجري في سعادة، محاولًا معرفة مصيرها، هل استقرت في معدة أحدهم، أم قُيدت حركتها في حديقة الحيوان، أم نفقت لعدم الاهتمام بها؟ ثم يقطع خيالاتي صوت فاروق وهو يطلب من أحد خدمه قطف ثمار الفاكهة. وفي الخامسة مساءً، يجتمع مع حاشيته ليتخذوا أهم القرارات التي تخص المملكة المصرية، وهو مكان ممتاز للتفكير واتخاذ القرارات، إن سرحت معه مثلي.

هذه المنطقة تبلغ مساحتها نحو 370 فدانًا، كأنها إسكندرية صغيرة معزولة تخص الملك وحده، يمكنه لعب الفروسية، والتنزه بسيارته، والسباحة لكثرة شواطئها.. هذا غير عادل، لكنه ممتع بالتأكيد لمَن يملكه.

لكن لم يدم المُلك وأصبحت المنتزه للجميع، عدا «الحرملك» الذي أُتيح للعامة فترة مؤقتة فقط بعد 52، ثم صار ضمن القصور الرئاسية. وفي كل الليالي تكون أضواء القصر مُغلقة، وحين كنت أراها مُضاءة كنت أسمع نميمة تفيد بأن أحد أفراد عائلة مبارك هناك. بالقرب من الشواطئ تستقر الكبائن المبنية في خمسينيات القرن الماضي، أحاول تصور كيف رضي صفوت الشريف بمكان لا تتجاوز مساحته 30 مترًا، لكنه حب التملك أو التشبه بفاروق.

أُحب فِعل الذكريات خاصة عندما تتعثر أموري مع الواقع، وهذا كان أحد دوافعي لتلك الزيارة خاصًة بعد بدء تنفيذ مخطط تطوير منطقة المنتزه منذ شهور، وحسب المُعلن ستضم بعضًا من ملامح المدن الاصطناعية الحديثة مثل مرسى يخوت عالمي، وعجلة دوارة ارتفاعها 65 مترًا ستُعرف بـ«إسكندرية آي» اشمعنى لندن يعني، وحديقة مُعلقة، وأخرى استوائية، فضلًا عن تطوير الحدائق الملكية والمباني الأثرية.

كما اختفت الثمار والغزلان قديمًا، لاحظت انحسار المساحة الخضراء مقابل التراب عند مدخل المنتزه. كما أُزيلت مساحة واسعة من الرقعة الخضراء وحُفر مكانها عميقًا ما يُوحي بأن مبنىً ما سيُنشأ هنا أو ستُوضع تجهيزات الحديقة المُعلقة. فيما تنتشر عشرات الجرارات، ومواقع العمل، والكرفانات، لكن بَقيت مساحات خضراء لم تختف بعد.

من أعمال تطوير المنتزه
تصوير: محمد أشرف أبو عميرة

قلّت زحمة المنتزه، وإن بقت بعض المشاهد المعتادة مثل مجموعات لعب الراكت، والأسر التي تَشوي طعامها، والعشاق حول الأشجار أو أمام «الحرملك» لكن يمكن تلخيص حالة المنتزه الآن بأنها باهتة.

انتقلت إلى مكان آخر يطل على البحر، قبل أن أسمع صوت ارتطام. سيارة سقط نصفها في حفرة أحدثتها عمليات التطوير، بينما ظل نصف السيارة الآخر في الهواء، هو مشهد كارثي سيظل في ذاكرتي عما يحدث على هامش التطوير. اتضح أن شقًا بالأرض يمتد بالعرض لمسافة كيلو مترًا وهو في نهاية طريق ممهد يقود إلى سور البحر، لكنه غير مرئي لسائقي السيارات في ظل غياب أقماع أو لافتات تنبيهية. خرج السائق سريعًا من سيارته من الباب الخلفي لكن محاولات إنقاذها تضمنت بعض الفشل. أخبره أحد موظفي شركة المنتزه أن يطلب مساعدة من سائقي الجرارات القريبة لسحب السيارة لكنهم امتنعوا بحجة انتهاء مواعيد عملهم. ثم ظهرت سيارة شرطة، ترجل منها ضابط مستفسرًا «هو كان سرحان ولّا إيه؟» ثم نصح بعدم الإبلاغ عن الواقعة «بلاش يبلغ أحسن ما يجيب لنفسه مصيبة» رحل الضابط لتحضر سيارة نقل مدنية داخلها ضباط من الجهة المُشرفة على أعمال التطوير، أمر بإنهاء الموقف سريعًا ثم غادر المشهد لتستمر حيرة السائق، حتى طلب موظف «المنتزه» سيارة نصف نقل حتى تسحب السيارة الواقعة. بعد عملية الإنقاذ، لاحظتُ وضع كسر بلاط في رمال الحفرة.. يبدو هذا تطبيقًا لجماليات إعادة تدوير المخلفات، لكنه لن يمنع تكرار وقوع سيارات أخرى.

أمام موقع الحفرة أرى البحر الذي أحب مشاهدته أكثر من نزوله، لكرهي ملحه ورمله. المفارقة أن المنتزه يبدو جزءًا من حالة عامة تحصر بحر الإسكندرية ليكون منظرًا للمشاهدة لا العوم؛ شواطئ المنتزه الخمسة مغلقة حاليًا، واحد منها يستقر صندوق قمامة على مدخله لمنع الناس من النزول. ولا يستطيع أحد العوم إلا نزلاء فندق فلسطين ومشتركي شاطئه الخاص.

يحدثني صديقي محمد شحاتة، ابن المدينة، عن امتناعه عن نزول البحر الآن بسبب حالة الشواطئ العامة التي لا يهتم أحد بها أو بنظافتها، والبديل المُتاح أمامه هو الشواطئ الخاصة بالفنادق.. لذا يضطر للسفر خارج الإسكندرية قاصدًا البحر الأحمر، وهو ما يشعره بالغربة.

يشترك معي شحاتة حاليًا في الاستمتاع برؤية البحر لا نزوله، لكن حتى هذا الأمر أصبح مهددًا، قبل سنوات كانت أمامه شواطئ كثيرة بالإسكندرية يمكنه الجلوس على صخورها متأملًا البحر، لكن هذا يحدث بصعوبة الآن بسبب التهام الكافيهات للشواطئ فعليًا، حيث يتحول البحر إلى منظر يخلو من مجاورة صياد أو مركب يهم لرزقه.

لا أعلم ماذا سأحكي عن المنتزه لابني مُستقبلًا، فلا غزلان يمكن الحكي عنها أو تخيّلها، ولا خضرة قد تبقى لأن أحدًا فضّل بناء «إسكندرية آي» التي ستدور بنجلي حتى يشاهد البحر، والمدينة، من بعيد.

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن