غروب الفشل
#86 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
في ديتوكس #86 نقدم دليلًا لتجاوز الفشل، والذي تصدى الرسام والشاعر عمر مصطفى لكتابته، لكنه فشل الأسبوع وراء الآخر، وفاته أكثر من ويك إند حتى تمكن من النجاح في الكتابة، وذلك لمعاناته في تذكر الماضي، واستعادة علاقته بأبيه الراحل، وصولًا لحكاية قديمة صنعت تروما لم يكن تجاوزها بالأمر الهين، وبالمثل كانت الكتابة عنها. وأخيرًا تشجع على مشاركتنا هذه التجربة التي اخترنا لها عنوانًا شاعريًا يتماشي مع حساسيتها وهو «غروب الفشل».
#دليل
أستطيع أن أقول إن هذه محاولة فاشلة للكتابة عن الفشل، من باب التواضع أو الطرافة المُشوبة بالخوف من الفشل، لكنها تجربة جادة للكتابة عن علاقتي بما يُسمى «فشل»، ومفهومه، وتأثيره، وبما يُعتبر مقابله، ذلك المُسمى «نجاح» أيضًا.
عرفتُ النجاح مبكرًا، طالب متفوق وهادئ في الأعوام الدراسية الأولى. أقرأ كثيرًا، وأرسم، وأنحت، ومريضًا أيضًا كنت. ومرضي أتاح لي فرصًا كثيرة للاختلاء بنفسي على الفراش، أتنفس بصعوبة وأتأمل. وكل هذا خلق بيني وبين كل من والديّ وأمي الثانية (خالتي) وجدتي علاقات مختلفة.
سكن التوتر علاقتي بأبي، لا أتذكر تحديدًا منذ متى سكنها، ربما في عامي الثاني من التعليم الإعدادي، فرغم تفوقي وهدوئي -وقتها- كنت متمردًا.
ومع زيادة تكنيكات التمرد، تعاظم غضب أبي، وتوترت علاقتنا، وفي المقابل اتسمت علاقاتي بسيدات عائلتي بالتوازن، فوالدتي حنونة جدًا وتتعامل مع العالم بقلبها، وجدتي -شفاها الله- سيدة قوية واظبت على حملي صغيرًا من سيدي بشر، حيث تسكن، إلى الطبيب في محطة الرمل، ثم تنهي تلك الرحلة بشراء الكتب والفشار، وخالتي -مثل أمي- علمتني وشجعتني كثيرًا.
استمرت الحال على هذا المنوال، كبرت بين سيدات داعمات وأب غاضب يصف كتاباتي التي يقرأها خلسة بالهرطقة، ويسخر من رغبتي في تعلّم الفن في إيطاليا حيث وُلدت في 1984.
وبعد النجاح، عرفتُ الفشل خلال دراستي للهندسة، حين فشلت في 13 مادة دراسية (أي أغلب المواد عدا الرسم والتصميم والإنجليزية)، وهو ما صدم أبي. حدث ذلك حين كانت حياتي مقسمة ما بين كفر الشيخ (حيث أسكن مع والديّ) والإسكندرية (عند جدتي وخالتي) وضاحية المعادي القاهرية (حيث أدرس في أكاديمية خاصة، لفارق صغير في المجموع). ثم تركت الأكاديمية والهندسة إلى مجال دراسة جديد هو نُظم المعلومات.
طورت نفسي في التصميم ثم بدأت بشائره عندما صممت أول بوستر، دعوة لحضور حفل ميتال. تركت الدراسة، وانقطعت علاقتي بكفر الشيخ نهائيًا، بعد قطيعتي مع أبي. ثم بدأت مع أحد أصدقائي تأسيس دار «ملامح» لنشر الكتب، وكنت مخرجها الفني، وصدرت عن الدار الكثير من الكتب بدءًا من 2007، وغالبية تلك الأغلفة كانت من تصميمي.
وسط كل ذلك، لم أتوقف عن الكتابة، بل واظبت على نشر كتاباتي على مدونتي التي أسستها في 2004، ثم صنفها علاء عبد الفتاح في قسم الفطاحل في «جردل علاء ومنال*»، واعتبرت هذا نجاحًا كبيرًا. كنت أكتب عن أحداث نعيشها، وأمنيات نحلم بها، وربما مرثيات وبكائيات.
لم أعتبر نفسي يومًا كاتبًا لهذه الدرجة، بل أكتب على هواي، بينما تزداد الأحداث حدة من حولي. ولم يكن جمهور المدونين ضخمًا، ولكن كل فرد من هذا الجمهور كان يتابع مدوِّنه المفضل بشغف، ولما اختُرقت مدونتي في 2008 وضاع كل ما كتبته، وكل تفاعل حدث في الأعوام الأربعة السابقة، لم أهتم كثيرًا، بل استمرت حالة عدم الانشغال بالنجاح أو الفشل، وكان يكفيني كتابتي لأشعار صارت أغنيات، وكنت أتظاهر أيضًا.
وحين قامت الثورة وشعرت بالنجاح، خطر لي -لأول مرة- أن أكلم أبي لأخبره هذا الشعور، دارت جملة «شفت إحنا نقدر نعمل إيه، وعلى فكرة أنا بقالي خمس سنين عايش من الفن» داخل رأسي، وودت الصراخ بها في وجهه. لكن لم أنفذ هذه الخاطرة إلا بعد عام.
عندما قابلت أبي، لم أصرخ بالجملة، بل كنت تغيّرت، وهو أيضًا تغيّر، وأكثر ما اعتبرتُه مهمًا هو أنه أصبح أقرب للتصوف، خلافًا لعهدي به كسلفي، وكان وقع هذا عليّ مثل مفاجأة مبهجة، بل صبّ تغيره في مصلحتي، فقد فرح بنجاحي الفني والمهني وبالثورة، وعندما قرأت عليه بعضًا مما كتبت أثنى على قصائدي، وتحدثنا عن الفن لأول مرة، وحكى لي عن متابعته لمسلسل «يوسف»، واستمتاعه بمشاهدة «الكبير»، وسماع الأغاني الصوفية.
وبهذا المنظور الجديد للعالم تحمس لتمويل بعض مشاريعي الفنية.. مصالحة رائعة، ولكنها لم تجر بالسلاسة اللازمة، بل أن شيئًا نقص. (لم أعرفه وقتها).
تغيرت طرق كتابتي، وأعددت مجموعتي الشعرية الأولى؛ «الحنث العظيم» (ميريت، 2016)، وكتبت أفلامًا توعوية قصيرة ومقالات. ثم أخذت الثورة مناحي مختلفة، وغادر أبي هذا العالم، بعد أن ودعني بطريقة لطيفة ونظرة مبتسمة.. وشعرت بأني لا أحمل له ضغينة في قلبي.

لكن بعد عام ونصف من رحيله، حدث موقف كشف لي جانبًا مطمورًا في علاقتي مع أبي، كنت وقتها أعمل على مجموعة لوحات زيتية وطلبت سماع رأي خبير، وبالفعل تحمّس صديق يعمل فنانًا تشكيليًا وهو صاحب جاليري أيضًا، والذي سوف أشير إليه بالحرف ميم.
حين جاء «م» إلى مرسمي مدح بعض اللوحات مُطلقًا على إحداها: Masterpiece، لكنه انتقد بشكل هجومي المجموعة التي كنت أعمل عليها، بل سخر من أسلوبي رغم علمه أن هذه المجموعة لم تكتمل بعد، ثم غادر مرسمي. وبعد قليل هاتفني معتذرًا، وبرر هجومه على اللوحات بضيق الخُلق المصاحب لبدايات الإقلاع عن التدخين؛ «معلش ببطّل يا مان». أحيا «م» داخلي شعورًا لم أدركه لحظتها، بل تعاملت مع الموقف كأنه مجرد اختلاف في الذوق، رغم شعوري بالغضب، ثم توقفت عن العمل على هذه اللوحات، بل عن الرسم لفترة.

وفي جلسة مع صديق أرجنتيني، يعمل كمعالج نفسي، وهو صديق لـ«م» أيضًا، سألني بإنجليزيته ذات اللكنة اللاتينية: «لماذا في رأيك أثر فيك هذا الموقف إلى هذا الحد؟ ماذا كان يمثّل «م» لك في هذه اللحظة؟ وما هو شعورك حينها؟».. هكذا لاحظت أن «م» حين حضر إلى المرسم كان يشبه أبي في مشهد كنت قد نسيته تمامًا: كنتُ في التاسعة عشر مع أبي في سيارته، عبرنا المزلقان الكبير لشريط القطار بكفر الشيخ، وبينما كنتُ سارحًا في مشهد غروب الشمس نظر لي وقال: «إنت فاكر الهرطقات اللي بتكتبها دي حاجة... فاكر نفسك هتبقى كاتب، وفاكر لو كنت كملت في كلية الهندسة كنت هتبقى مهندس!».
الهرطقات التي قصدها كانت بعض كتاباتي في نوتة صغيرة قرأها خلسة، وكانت أشعارًا صغيرة غاضبة، واختار هذه اللحظة ليقدم انطباعه على هيئة جمل صادمة في هجوم مفاجئ.
كانت كتاباتي، التي اعتبرها هو «هرطقات»، تهاجم جزءًا من كيانه وهو السلطة الأبوية، وأفكاره التي كانت سلفية إسلامية (قبل تحوله الصوفي بعد الثورة). هذا المشهد كان مطمورًا تمامًا، ولم أتذكره إلا حين جرى موقف «م». لاحظت أن الأخير يشبه أبي، كلاهما يحمل العلامة الفلكية نفسها، برج الأسد، وكلاهما كانا في سن واحد تقريبًا حين وصماني بالفشل، قديمًا في الكتابة، وقريبًا في الرسم.. هكذا فهمت أن موقف اللوحات القريب أحيا تروما موقف الكتابات القديم. أدركت أن التروما أثرت بعمق في علاقتي بما أنتج، فمهما كان حجم الإعجاب فهو غير كاف، وأحيانًا لا أصدقه، حتى عندما أكون وسط الجمهور في حفل ستُغنى فيه أغنيات كتبتُها ويهتف مَن حولي بأسماء تلك الأغاني طلبًا لسماعها لم يكن هذا يرضيني.
وقتها أدركت الشيء الناقص في مصالحة أبي، فإعجابه بقصائدي كان ينقصه إدراك وجود تروما، لكن ذلك أخذ وقتًا طويلًا حتى أصل إلى المشهد المدفون في ذاكرتي. كنت أحتاج لقبول أبي لي كما أنا، وأن يراني ناجحًا.
هذا الإدراك غيّر علاقتي بما أنتج، وساعدني على قبول الإعجاب بأعمالي، بل أصبحت راضي عن كثير منها، وبدأت أصدق كلمات الإعجاب التي أسمعها، وأتحدث عما أفعل بحب وثقة. كما فهمت الفشل وأهميته ونسبيته، فما يعتبره شخص ما فشلًا، هو ليس كذلك بالنسبة للآخرين، وما يعتبره الآخرون نجاحًا ليس ضروريًا أن يكون هكذا بالنسبة لي.
وبعد إدراك التروما، تركت القاهرة مرتحلًا إلى سيناء بحثًا عن هِبات جديدة.. مازلت أجرب، وأخرج من منطقة آمنة لأخرى مجهولة، بلا اهتمام بالنتائج، فهي على الله. المهم ننبسط:)
و#سلام.
*«جردل منال وعلاء» أسسه علاء عبد الفتاح ومنال بهي الدين، وكان يجمع التدوينات الجديدة من عدة مدونات ويعرضها بشكل تلقائي على مجمع المدونات المصرية، كأنها نشرة يومية بجديد المدونات والمدونين. (ثم انتقل هذا الجردل إلى مجمع مدونات أحدث عُرف باسم «عمرانية»). وخلال بحثنا لم نعثر على روابط تخص الجردل، الذي كان جزءًا مهمًا من أرشيف التدوين على الإنترنت خلال سنوات ما قبل الثورة. [للمزيد يمكن قراءة تدوينة من «عالقهوة»].
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن