في المؤسسة العقابية بالمرج.. غاب «المشرف» و«الأمين» فمات 6 أطفال «اختناقًا»
«إحنا رخاص وملناش تمن بالنسبة لكم»، هكذا عبّر ع. س، أحد الاخصائيين الذين تواجدوا مع الأطفال الـ19 الذين شهدوا حريق في أحد عنابر المؤسسة العقابية للأحداث بالمرج، عن شعورهم لحظة الحادث، الخميس الماضي، الذي أسفر عن وفاة ستة من زملائهم خنقًا.
«تسيطر عليهم حالة ضعف نفسي وكره لأنفسهم وللمؤسسة»، يوضح الاخصائي حالة الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 إلى 17 عامًا، والذين يقضون عقوبات تتراوح ما بين ستة أشهر وسنتين بسبب ارتكابهم لجرائم مختلفة ما بين السرقة أو تعاطي مخدرات أو حيازة سلاح أو هتك عرض أو غيرها.
ما ذكره الاخصائي عن الأطفال امتد أيضًا إلى العاملين التابعين لوزارة التضامن الاجتماعي بالمؤسسة، التي يديرها الى جانب «التضامن» وزارة الداخلية، خاصة بعد أن وجهت النيابة العامة لأربعة من الاخصائيين التابعين لوزارة التضامن تهمة الإهمال الجسيم، وقررت حبسهم على ذمة التحقيقات 15 يومًا، وهو ما اتفقت ستة مصادر بالمؤسسة وبوزارة التضامن، منهم أربعة شهود على الحادث تحدثوا لـ«مدى مصر» منفردين، على أن الأربعة المحبوسين استُخدموا «كبش فداء» للطرف الشرطي المسؤول عن الأمن والسلامة بالمؤسسة.
كان حريق شب في أحد عنابر المؤسسة العقابية مساء الخميس الماضي، ما أسفر عن وفاة ستة من نزلائها تتراوح أعمارهم ما بين 16 و18 عامًا، وإصابة 19 آخرين بإصابات طفيفة لم تطلب نقل أيًا منهم للمستشفى بحسب شهود عيان بالمؤسسة تحدثوا لـ«مدى مصر».
وعقب معاينة النيابة العامة المبدئية لموقع الحريق، اعتبر المحققون أن الحريق قد يكون ناتجًا عن ماس كهربائي بسلك التليفزيون امتد إلى السخان ومنه إلى المراتب والمفروشات الموجودة بالعنبر ما أسفر عن انتقال النيران في جميع أركان العنبر.
***
بحسب روايات منفردة لأربعة من الاخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الذين شهدوا الحادث، اندلع الحريق بعد الساعة السادسة مساءً، وقبل العلم بوجود الحريق بدقائق، كان الاخصائي الاجتماعي المسؤول عن العنبر أخذ إذن ساعتين وانصرف من العنبر، وفور العلم بالحريق اتصل به زملاؤه الاخصائيون وطلبوا منه أن يعود، وهو ما فعله الاخصائي وحضر خلال عشر دقائق، خصوصًا أنه كان ما زال داخل المؤسسة ولم يغادرها. وبعد عودته، انتظر الاخصائي أمام العنبر إلى جانب باقي الاخصائيين وموظفي الخدمات المعاونة، حتى جاء الضابط المسؤول عن فتح العنبر وأمين الشرطة الموجود بحوزته مفتاح العنبر، وفتح أبواب العنبر لإغاثة الأطفال بعد ما يقرب من 20 دقيقة من بدء استغاثتهم من النيران.
وأوضح شهود العيان، الذين اشترطوا عدم ذكر أسمائهم خشية من المساءلة القانونية بسبب الحديث للإعلام بدون إذن، أنه بمجرد فتح باب العنبر شاهد الموجودون من رجال الشرطة والاخصائيين والعاملين ورجال الإطفاء الأطفال متكدسين في دورة المياه المواجهة لباب العنبر.
يقول الشهود أيضًا إنه بعد خروج الأطفال من العنبر في حالة إعياء نتيجة استنشاق الدخان، أُسعفوا داخل العنبر المواجه لهم في المؤسسة ولم تتطلب حالة أي منهم الذهاب إلى المستشفى، غير أنه تلاحظ غياب ستة أطفال، وبتواصل عمليات الإطفاء في العنبر الذي تزيد مساحته عن 100 متر، عُثر على جثث خمسة منهم، فيما كان السادس لا يزال حيًا وحمله المسعفون إلى سيارة الإسعاف غير أنه لفظ أنفاسه الأخيرة بمجرد وصوله إليها.
وقد نقلت الصحف في البداية عن رجال الأمن وجود الجثث الست في حال احتراق وتفحم، قبل أن تعلن النيابة العامة أن سبب الوفاة الثابت في تقرير الطب الشرعي هو الاختناق، وأن الجثامين لم تتعرض للاحتراق وجميعها بحالة سليمة ومعلوم هوية كل جثة، في تضارب للروايات.
وحسب المصادر الأربعة، فقد عثر المحققون وقت المعاينة المبدئية للحادث على سخان كهربائي (سوستة) داخل العنبر إلى جانب الأجهزة الكهربائية المسموح بها (تليفزيون -ثلاجة -مراوح -سخان مياه). وأفاد المدير الشرطي للمؤسسة والوكيلة الاجتماعية، خلال التحقيق المبدئي، بمخالفة وجود السخان في العنبر للائحة، معتبرين أنه كان على الاخصائيين الاجتماعيين أن يبلغوا الجانب الشرطي لمصادرة هذا السخان من العنبر، وهو ما وجهت على إثره النيابة للاخصائيين تهمة «الإهمال الجسيم الذي أدى إلى وفاة الأطفال الستة».
وبحسب مدرب للاخصائيين بالمؤسسة، «كلمة ماس كهربائي هي كلمة متداولة لوصف الحوادث المُعتاد حدوثها في المؤسسة لإبعاد أي شبهة تقصير عن الجانب الشرطي في مهامه الخاصة بالحماية والتأمين». ويشير المدرب إلى اتساع مساحة العنبر وعدم وجود أسرة خشبية أو حديدية وإنما مصاطب مبنية بالطوب ومتباعدة عن بعضها وعدم وجود حوائط أو فواصل يجعل السيطرة على أي حريق ناتج عن ماس كهربائي في أحد الأجهزة الكهربائية الموجودة بالعنبر سهلًا، ويقلل من فرص احتمالية انتقال النيران إلى باقي العنبر.
واتفق الاخصائيون الاجتماعيون والنفسيون الأربعة مع المدرب في عدم منطقية تسبب ماس كهربائي في الحريق، موضحين أن شبكة الكهرباء بالعنبر، وبقية العنابر السبعة الأخرى بالمؤسسة، مُجددة منذ أقل من سنة، وفي حال حدوث ماس أو «قفلة» بالكهرباء ٬ سيفصل الزر الموصل بها لوحة الكهرباء الموجودة بالعنبر ولن يحدث حريق، وحتى في حال حدوث حريق بأحد مصادر الكهرباء، من السهل السيطرة عليه.
ورجح المدرب والاخصائيون الأربعة أن يكون الحريق ناتجًا عن وضع أحد الأطفال الموجودين داخل العنبر المحترق للسخان الكهربائي فوق أحد المراتب، بغرض تسخين الطعام أو الخبز، ما ساعد في انتقال شرارة لهب منه إلى المرتبة المصنوعة من الإسفنج القابل للاشتعال، ونقل الأطفال النيران من مرتبة إلى أخرى خلال محاولتهم إطفاء الحريق، خاصة في ظل عدم وجود طفايات حريق أو نظام إطفاء ذاتي بالسقف داخل العنابر، كما أوضحت المصادر أن العنبر به 45 مرتبة ومفروشات وبطاطين وجميعها تحتوي على مواد تصنف كسريعة الاشتعال.
لم يستطع الأطفال الـ19 تقديم رواية متماسكة لأسباب اندلاع الحريق داخل العنبر خلال تحقيقات النيابة معهم بعد إسعافهم، خوفًا من توجيه اتهامات لهم تُزيد من مدة عقوبتهم، بحسب الاخصائي النفسي، الذي أوضح أن عددًا منهم رفض ذكر وقائع الحريق، فقال بعض الأطفال أنهم كانوا نائمين، وانقسمت روايات الأطفال الـ19 ما بين أن الحريق نتج عن انفجار في فيشة الكهرباء الخاصة بالتليفزيون وانفجار السخان «السوستة»، في حين اتفقوا جميعًا على مصدر وجود السخان داخل العنبر، وذلك بقولهم إنهم حصلوا عليه من غرفة الاخصائي الاجتماعي.
«هل حد سأل نفسه مين المسؤول عن فتح أو غلق العنبر على الأطفال؟» يتساءل مصدر يشرف على عمل المؤسسة بوزارة التضامن لـ«مدى مصر»، مفسرًا بأن الجميع اعتبر أن غياب الاخصائي الاجتماعي وقت وقوع الحريق هو دليلًا على تقصيره في عمله، وربما سببًا في وقوع الحادث. ويشدد المصدر على أن الجميع تغافل عن مسؤولية الطرف الشرطي في الحادث، رغم أن وجود سخان بالعنبر هي مخالفة تتحملها الشرطة لأنها المسؤولة عن الأمن والرقابة والتفتيش ومعها سلطة الضبط القضائي، وفتح باب العنبر لإغاثة الأطفال من الحريق هو مسؤوليتهم أيضًا. ويلفت المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أنه لم يستدع أيًا من المسؤولين عن العنبر من الطرف الشرطي للتحقيقات بداية من أمين الشرطة إلى الضابط النوبتجي وحتى مدير المؤسسة.
يفسر المصدر اتهام موظفي «التضامن الاجتماعي» كأمر ينم عن جهل لطبيعة العمل داخل المؤسسة التي تعرف بوصفها سجن. يشرح أن المؤسسة العقابية تديرها بالأساس وزارة الداخلية ودور الاخصائيين الاجتماعيين بها يقتصر على تقديم الرعاية الاجتماعية والرياضية والصحية للنزلاء في الأوقات المسموح بها خلال ساعات النهار، على أن يُحتجزوا داخل العنبر بعد تفتيشهم بحلول الخامسة مساءً بواسطة أمين الشرطة المسؤول في حضور الضابط النوبتجي والتأكد من عدم حيازتهم لأشياء يمكن استخدامها كأسلحة أو ممنوعات، ثم تُغلق أبواب العنبر بواسطة أمين الشرطة على النزلاء والاخصائي الاجتماعي من الخارج.
وتحدد اللائحة المنظمة لعمل المؤسسة العقابية الطبيعة الخاصة لها كـ«سجن للشباب ممَن لا تقل أعمارهم عن 15 عامًا ولا تزيد عن 18 عامًا قوامه الرعاية الاجتماعية للنزلاء»، يقضي فيه هؤلاء الشباب الذين يعتبرهم القانون أطفالًا مدة العقوبة الصادر بها حكم قضائي في جنحة أو جريمة ارتكبوها أو مدة انتهاء التحقيقات في قضية موجه لهم اتهامات فيها. وتشترك وزارتا الداخلية والتضامن في إدارة المؤسسة بنسبة تواجد 70 لرجال الشرطة في مقابل 30 للموظفين التابعين لوزارة التضامن، ويتولى الجانب الشرطي مسؤولية الأمن والحراسة والتفتيش على العنابر في حين تتولى «التضامن» الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية والرياضية للنزلاء.
ويوضح أحد الاخصائيين الاجتماعيين آلية عملهم داخل المؤسسة: «حسب اللائحة أنه كاخصائي اجتماعي غير ملزم بالتواجد داخل العنبر في غير الساعات المحددة للأنشطة بداية من الثامنة صباحًا وحتى الخامسة عصرًا»، مضيفًا «ليا حق في التواجد بعد تلك الفترة داخل المبنى الاجتماعي لأن خروج الطفل من العنبر يكون نادرًا في غير حالات الطوارئ الطبية»، وفي الحصول على إذن ساعتين مرتين شهريًا، وهو ما حدث مع المشرف المسؤول عن العنبر الذي شب فيه الحريق.
ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو أن الاخصائيين الاجتماعيين يتواجدون مع النزلاء طوال الـ24 ساعة، وذلك بتقسيم اليوم إلى 12 ساعة صباحية يتناوب عليها مشرفين كل منهم يقيم مع النزلاء لمدة ست ساعات، يتبعهم مشرف يقيم خلال النصف المسائي من اليوم بالتبادل مع مشرف رابع كل ثلاثة أيام، وذلك لإدارة كل الأنشطة واصطحاب الأطفال إليها؛ العيادة في حال وجود شكوى طبية لأحدهم، أو إلى مستشفى خارجي في حال حدوث ما يستوجب، أو إلى الورش لتعلم الحرف المختلفة أو للفصول الدراسية أو لمعسكرات النشاط الرياضي والثقافي وغيرها.
وهو ما اتفق الاخصائيون الأربعة على أنه أكثر من المطلوب منهم، مشيرين إلى أن جميع الاخصائيين بالمؤسسة بعد واقعة القبض على زملائهم الأربعة أبلغوا الوكيلة الاجتماعية بأنهم سيلتزمون بدورهم في اللائحة بالتواجد داخل العنبر وقت الأنشطة فقط، وأنهم لن يقبلوا بتقييد حريتهم والإقامة داخل عنابر مغلقة عليهم من الخارج مع النزلاء خلال ساعات الليل.
وأكد الاخصائيون على أنه في حال ارتكاب الطفل لمخالفة لها علاقة بحوزته لأحد الممنوعات سواء ولاعة أو أي شيء يمكن استخدامه كسلاح لإيذاء الغير، فإن الجهة المسؤولة عن ضبطها واتخاذ قرار بشأنها هي الشرطة بوصفها السجان، مشددين على أنه إذا كان الحريق شب بسبب وجود سخان داخل العنبر بشكل مخالف أو بسبب وجود ولاعة مع أحد الأطفال فالجهة الأولى بالمساءلة القضائية هي الشرطة المسؤولة عن التفتيش على العنابر، وليس الموظفيين المدنيين باعتبارهم الحلقة الأضعف.
حاول «مدى مصر» التواصل تليفونيًا وعبر رسائل نصية مع الوكيلة الاجتماعية للمؤسسة فاطمة عبدالباسط، للتعليق على الواقعة غير أنه لم يتلق ردًا حتى موعد كتابة الموضوع، وهو ما تكرر مع المدير الشرطي للمؤسسة الذي حاول «مدى مصر» الوصول إليه عبر التليفون الأرضي للمؤسسة ولم يتلق ردًا أيضًا.
وبمجرد حدوث الواقعة، ألقت قوات الأمن القبض على الاخصائيين الاجتماعيين الأربعة الذين يعملون مع الأطفال الموجودين بالعنبر المحترق على مدار الأسبوع، ودعت النيابة العامة وكيلة المؤسسة التابعة لوزارة التضامن للمثول أمامها أمس، الثلاثاء. ومن جانبها، تعهدت وزيرة التضامن الاجتماعي نيفين القباج، التي زارت المؤسسة بعد وقوع حادث الحريق بساعات قليلة واستمعت إلى رواية الاخصائيين والموظفين التابعين لها عن الواقعة، بمحاسبة المسؤولين التابعين لها، في حال تورطهم في حادث الحريق. فيما تقدمت النائبتان، سكينة سلامة عن «القائمة الوطنية»، وأميرة العادلي عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، بطلبي إحاطة لمحاسبة المسؤولين بـ«التضامن» عن الواقعة، دون أي إشارة لمسؤولية وزارة الداخلية.
تقارير ذات صلة
تقرير «القومي لحقوق الإنسان».. تحسُن نظري مُحاط بالقصور والتناقضات
بجانب القصور في الأداء، يناقض التقرير الواقع المُعاش في نقاط كثيرة في إطار إشادته بتحسن أداء الدولة
«بدر 3».. حيث يواجه السجناء الموت البطيء
السجناء محرومون من أشعة الشمس والزيارة والحد الأدنى من حقوقهم
السجون الجديدة وتحديث الانتهاكات
يرى سامر أن السجن الجديد يلعب على الحالة النفسية للسجين، حيث تنقطع علاقته بخارج الزنزانة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن