تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن «السيد في حقل السبانخ» والمستقبل في أدبنا

عن «السيد في حقل السبانخ» والمستقبل في أدبنا

هذا النص ضمن العدد 11# من «مُنتهى الأدب»

كتابة: هدى عمران 11 دقيقة قراءة

قراءة «السيد في حقل السبانخ» لصبري موسى، والتي نُشرت لأول مرة في حلقات متسلسلة بمجلة صباح الخير بين عامي 1981- 1982، تطرح أسئلة تتخطى الرواية نفسها إلى أفكار تشغلني عن الأدب العربي، ليس فقط الذي كُتِب سابقًا، لكن أيضًا الذي يُكتَب حاليًا، خاصة في لحظة كبرى كالتي نعيشها، وأبرزها سؤال عن العقلية العربية الأدبية، وكيف تتخيل المستقبل، عن هواجسها العميقة، في هذا النوع الأدبي، هل هي متجذرة في فقدان الاستمرارية الحضارية، والتوجس من الحداثة، والخوف من الذوبان الثقافي؟ أسئلة تخص الشرق والغرب وكيفية كتابة أدب مستقبلي دون مساءلة البنى الجندرية والبناء السردي الذكوري.

تبدأ «السيد في حقل السبانخ» بهومو، العامل في حقل السبانخ، المولود في العام الثاني والثلاثين من القرن الرابع والعشرين، تنقلب حياته، بسبب حدث عابر، حين يتخلف عن طابور العمل، فيهيم على وجهه في أرض المعمورة الجديدة، وحين يكتشف النظام غيابه، بسبب بلاغ مُقدم من زوجته، ويُحقق معه، يكتشف هومو أنه يملك الحرية الفردية، فيقرر أن يُفعِّلها، وينضم لمجموعة من البشر التواقين للعودة إلى حياة الطبيعة، فيعودون إلى الأرض، التي تدمرت مع الحرب الإلكترونية الأولى في القرن الحادي والعشرين، (أو الحرب النووية الإيرانية الأمريكية مثلًا). 

هكذا يطرح صبري موسى سؤالًا عن مصير البشرية في الزمن القادم، مُصدرًا روايته بأنها «عن المستقبل» . فيدخلنا إلى هذا الحدث العابر، بدَخلة أدبية مَعلَمة، تشي بأن المؤلف درس هذا العالم، وعاش معه، حتى ما إذا جاء ليكتب، اختار دخولًا سلسًا وذكيًا، فلا ادعى الإبهار أو المفاجأة. ووصل إلى ذروة مفاجآته السعيدة، بوصول الأحداث ناحية وصفه لمؤسسة الزواج الحديث داخل النظام المستقبلي، ليَعِد القارئة بأنه سيقدم وجبة أدبية مُفْتَخرة. لكنه يخيب ظن القارئة في الربع الأخير من الرواية، منزلقًا ناحية مناظرات فكرية وشروحات حول القرن العشرين في الأنثروبولوجيا والتاريخ والسياسة والعلاقات الجندرية، فيحوّل النص عن أدبيته إلى رسالة وسؤال صارخ، يود طرحه بقوة، غرضه نقد الأسس التي يقوم عليها عالم القرن العشرين، من خلال رواية تدور أحداثها بعد ذلك بأربعة قرون. ثم يهوي بشكل مُدوٍ عند النهاية التي تناقض كل وعد قدمه ككاتب، فلم ينتصر لفكرة البطل، ولم ينتصر للحرية في مواجهة النظام، ليستمر هومو معلقًا بين عالمين.

لماذا نكتب؟ ولماذا رواية عن المستقبل؟

في حين يضج التراث الأدبي العالمي بكتب عن المستقبل، بدأت أهمها مع القرن الـ19، يخطو الأدب العربي مترددًا في هذا النوع. يمكن أبرز التجارب، التي حاول الكثيرون تقليدها، كانت 1984 لجورج أورويل، وعالم جديد شجاع لألدوس هيكسلي المكتوبة في 1932، والتي تسير «السيد في حقل السبانخ» على خطاها، فكلتاهما تصوّران مجتمعًا مستقبليًا خاضعًا لنظام شمولي متطور تكنولوجيًا، حيث تُلغى الحرية الفردية لصالح الاستقرار الجماعي. في هذا العالم، يُنتج البشر في مصانع بطريقة صناعية (عبر التلقيح الاصطناعي)، ويُبرمجون نفسيًا منذ الولادة على تقبّل وضعهم الطبقي والاجتماعي دون مقاومة.

في حين حذر هكسلي في روايته الإنسان من هيمنة التكنولوجيا، والاستسلام الطوعي للسعادة المصطنعة والخضوع الناعم، وكتب جورج أورويل 1984 بدافع الخوف من القمع العنيف والمراقبة الشمولية، فإن دافع موسى تقديم هذا النوع النادر في الأدب المصري آنذاك، خلافًا لمحاولات قليلة اتسم أغلبها بطابع التسلية، متلمسًا مسارًا أكثر عمقًا، مستعيرًا أسئلة مستعارة من أدب الغرب حول المستقبل، كالهواجس من طغيان التكنولوجيا، أو من السلطة التقنية التي تُقصي الفرد وتتعامل معه ككائن وظيفي محض وسط مجتمع شمولي. 

تطرح «السيد في حقل السبانخ» سؤالًا حول «النجاة من سلطة الجماعة عبر الحرية الفردية»، وهو هاجس غذّته الرأسمالية في سياق صراعها الأيديولوجي مع المعسكر الشرقي، حتى أصبح شعارًا ثقافيًا متكرّرًا في الأدب والفكر الغربيَّين. ومن المفهوم أن يشغل هذا الهاجس بال كُتّاب ومثقفين نشأوا في ظل أنظمة شمولية عانت مجتمعاتهم من القبضة الحديدية للاتحاد السوفيتي وحلفائه. لكن موسى الذي كتب حقل السبانخ في مصر الثمانينيات، في سياق بدأت فيه السلطة تتبنى تدريجيًا خطابًا أمريكيًّا ليبراليًا اقتصاديًا، ومهتمًا بتسويق فكرة الفردانية بوصفها النجاة من شمولية المشروع الاشتراكي، سيمتد أثره إلى التسعينيات وما بعدها، لم يوجّه نقدًا صريحًا أو استشرافًا لِما نعيشه حاليًا، لما قد تُخلّفه الفردانية مضافًا إليها القمع السلطوي والهيمنة النيوبرالية على مجتماعتنا من آثار كارثية. كما لم يلتفت، بشكل مباشر أو ضمني، إلى الخطر القادم المتمثل في صعود التيارات الإسلامية المتطرفة، والتي ستعيد تشكيل المجتمع في العقود اللاحقة، رغم أنه كان يكتب عن المستقبل.

أظن أنه لم يفكر في سؤال: «لماذا أكتب؟»، بقدر رغبته في كتابة هذا النوع الجديد في الأدب العربي. فدار به السرد ليحكي عن مجتمع المستقبل، ليجد نفسه غارقًا في الكتابة عن الماضي، بتاريخه ولغته وآلياته. عاد موسى في الربع الأخير من النص للوراء، ظنًا منه أنه حين يكتب عن المستقبل -كحيلة رقابية وطموح لاستشراف مستقبلي متخيل- سينتقد السياسة في الحاضر. لكن عودته طالت نقد الأنظمة الشمولية للمجتمعات العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار الأوروبي، أي -غالبًا- استقي نقده من معارضة جمهورية يوليو، لا ما بعدها. 

وتتشابك الفكرتان: فكرة «نجاة حرية الفرد»، وفكرة «العودة لنقد دولة يوليو» غالبًا مع الأدب المصري المنتج حتى لحظتنا هذه، (فحرية الفرد مضادة لسلطة الجماعة)، لم تشغل فقط بال موسى، لكن أيضًا شغلت الكثيرين، وظلت حاضرة بقوة في أدب كثير من الكُتَّاب المصريين، حتى في كتابات ما بعد الربيع العربي. من المفهوم أن هذه الفكرة قد تكون هاجسًا كبيرًا في الإنتاج الثقافي، لأن الفنان يسعى إلى توكيد فرديته وحريته، ويقاوم السلطة، لكن المدهش تعلق «السيد من حقل السبانخ» وغيرها بلحظة ماضوية محددة، هي لحظة يوليو. ذلك يطرح أسئلة حول كونها اللحظة الوحيدة التي تبلورت فيها سلطة وطنية واضحة يمكن تفكيكها وتحليلها؟ أم هل هناك قصور يمنع هذه السرديات مواجهة مصير مجتمعاتنا الحالي، حيث لم نعد في قبضة دول متماسكة، بل في منطقة تتحلل فيها السلطة وتتفكك الدول، لصالح قوى عابرة للقوميات، شركات متعددة تسعى إلى تضخيم الذات الفردية، وعزلها عن الجماعة، لتسليعها واستثمارها ماديًا؟

الزمن 

رغم انتقادات القارئة الموجهة لرواية «السيد من حقل السبانخ»، فإنها تظل تجربة أدبية جادة ومبكرة انشغلت بفكرة الزمن، الأمر الذي يدفعنا إلى طرح أسئلة أعمق حول الأدب العربي وجنس «أدب المستقبليات» تحديدًا. فما الذي يجعل الكتابة عن المستقبل أمرًا جوهريًا؟ ولماذا لم يتبلور هذا النوع في الأدب العربي كما هو الحال في نظيره الغربي؟

إن سؤال المستقبل ليس محض خيال علمي أو هروب من الحاضر، بل يتصل اتصالًا وثيقًا بكيفية إدراك الإنسان للزمن، ويبدو أن الإنسان الغربي، استمد هذا الإدراك، من جذور دينية، أخذت صبغة حداثية بعد ذلك، فأنتج أدب مستقبليات أو أدب خيال علمي غربي مكتوب في القرن الـ 19 ومطلع القرن العشرين اعتبر التقدم العلمي هو الوَحش القادم (فرانكشتين لماري شيلي 1818) لأنه مثل تهديدًا للاهوت. ثم حدث التصالح بعد ذلك، في فترة ما بعد الحداثة واعتُبر العلم هو الأب الطيب (رواية أشياء مسكينة 1992 لألاستير جراي). لكن في المقابل، يبدو أن الأدب العربي لم يعِ بعد طبيعة زمنه، أو لنقل: لم يُنتج تصورًا واضحًا عن الزمن خاصًا به. فزمن الحداثة الغربية زمن علماني، مادي، وظيفي؛ بينما في السياقات الإسلامية والعربية، ظل الزمن دائريًا، مشبعًا بالرمزية، روحانيًا وباطنيًا، يُقاس لا بوحدات مادية بل عبر التحولات النفسية والروحانية. الزمن في المخيال العربي والإسلامي ليس مفتوحًا على مستقبل أرضي بقدر ما هو ممر إلى المطلق. ولهذا، فإن فكرة «المستقبل الأفضل» أو «الخلاص الأرضي» لم تكن مركزية في الوعي العربي كما هي في الغرب. وهنا قد نفهم لماذا ظل الأدب العربي، في عمومه، أقرب إلى الحنين منه إلى التنبؤ، وإلى التأمل في الماضي أكثر من المغامرة في استشراف الآتي.

في هذا السياق، يلفت عبد الله العروي في كتابه «الإيديولوجيا العربية المعاصرة (1967) النظر إلى إشكالية عميقة حين يرى أن المجتمعات العربية تعيش حالة أسماها «فصام زمني» في «زمن غير زمنها». فقد حاول العرب الالتحاق بالحداثة الغربية، لكنهم فعلوا ذلك من خارج شروطها التاريخية الخاصة. فالحداثة الأوروبية كانت ثمرة تحولات كبرى مرت بها أوروبا عبر قرون: من عصر النهضة، إلى الإصلاح الديني، فالثورات البرجوازية، والثورة الصناعية، ثم التنوير. هذه المراحل كوّنت لدى الغرب تصورًا جديدًا للزمن قائمًا على القطع مع الماضي، وعلى التقدم بوصفه حركة خطية ومستمرة.

أما في السياق العربي، فيقول العروي إن هذه المراحل لم تحدث داخليًا، بل جرى التعرف عليها من الخارج، إما عبر الاستعمار أو من خلال النخبة المثقفة التي تعرّفت إلى «الزمن الحديث» كمنتج جاهز. فحاولت المجتمعات العربية استنساخ مخرجات الحداثة (مثل الدولة الحديثة، التعليم العصري، العلوم، وحتى الأدب المستقبلي) دون المرور بنفس الشروط التاريخية المنتجة لها. بالتالي، أصبحت المجتمعات العربية «تعيش في زمن غير زمنها»، أي أنها تتبنى أدوات ومفاهيم حداثية (كالزمن الخطي، والفرد، والمستقبل، والدولة)، بينما ما زالت البنية الثقافية والاجتماعية محكومة بزمن تقليدي دائري، تتكرّر فيه الأساطير، وتُعاد فيه تفسيرات الماضي لا باعتباره تجربة جرى تجاوزها، بل باعتباره معيارًا يجب العودة إليه.

لكن في مقابل الكتابة التابعة التي تستورد أدوات الزمن الغربي دون مساءلتها، تواجهنا إشكالية من نوع آخر: الكتابة «بالطريقة العربية» عن المستقبل، أي استخدام أشكال وأساليب سردية تراثية عند تناول موضوع زمني يفترض القطع أو التحوّل. هنا لا تبدو المشكلة في الانغلاق على الذات فحسب، بل في افتقاد الحس التاريخي. فالكتابة التي توظّف الزمن التراثي -بمنطقه الدائري، أو رموزه الأسطورية- كإطار سردي لمعالجة المستقبل، قد تبدو للوهلة الأولى «أصيلة»، لكنها تكرّس قطيعة من نوع آخر: قطيعة مع الحاضر ومع فكرة الزمن كتاريخ متحوّل وككائن حي.

بهذا المعنى، تبدو الكتابة المستقبلية العربية أحيانًا منقطعة عن الحداثة الغربية، نعم، لكنها أيضًا غير قادرة على صوغ حداثة بديلة، نابعة من ذاتها. أي أننا أمام مفارقة مزدوجة: لا نُجيد استيراد الحداثة، ولا نُتقن بناء زمن حديث خاص بنا. لهذا، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى كتابة عن المستقبل، بل إلى مساءلة الزمن نفسه: ما هو الزمن العربي الحديث؟ هل يمكن تصوّره بطريقة لا تنقطع عن التراث، ولكن أيضًا لا تغرق فيه؟ وكيف نكتب المستقبل من داخل هذا الزمن، لا كإعادة إنتاج لماضٍ مثالي، ولا كترجمة لحلم غربي لا يشبهنا؟

حين نعود إلى «السيد في حقل السبانخ» المكتوبة في ثمانينيات القرن العشرين، نجد أنها استدعت تصورًا زمنيًا غربيًا مسيحيًا وهواجس علمية غريبة عن السياق العربي. لقد تبنّت الرواية رؤى مستقبلية مأخوذة من أدب الخيال العلمي الغربي، دون أن تتجاوزها أو تنسجها في نسيج محلي. ولم تستطع، في المقابل، الانفتاح على تحولات عصر ما بعد الحداثة، حيث صار العلم أكثر قربًا للإنسان، بل ظلت تدور في فلك رؤى ماضوية تنتمي إلى زمن يوليو. الرواية لم تنشغل بالخطر القادم من تحوّلات المجتمع المصري نفسه، كصعود الفردانية الليبرالية أو التطرف الديني، رغم أنها كُتبت بعد سياسات الانفتاح وتحوّلات السبعينيات. كأنها اختارت الهروب إلى زمن مستعار، بدلًا من مجابهة الزمن المحلي بتعقيداته.

تصور ذكوري عن المستقبل؟

في هذه الرواية، تحضر شخصية نسائية واحدة فقط وسط عالم كامل من الرجال: «السيدة ليالي»، زوجة البطل هومو. يمنحها موسى دورًا فاعلًا وخاضعًا في الوقت نفسه، إذ يجعلها تتمتع بحرية جنسية داخل مؤسسة الزواج، معتبرًا ذلك رؤية «تطورية» تجاه المرأة. كما يصوّرها أكثر انسجامًا من البطل نفسه مع مجتمع المستقبل الآلي.

حين نتأمل هذه الرؤية، يصعب تجاهل البنية الأبوية والذكورية العميقة التي تحكم الشكل السردي للرواية. ليس فقط لأن موسى جعل من الرجل محور الحكاية والحركة والتطور، بل لأن النساء غائبات تمامًا عن مواقع السلطة والمعرفة. فالشخصيات التي تناقش البطل وتقوده إلى اتخاذ قراره الحاسم -القرار الذي يشكّل الحدث الرئيسي في الرواية - هي جميعها شخصيات ذكورية، تنتمي إلى طبقة التكنوقراط التي تمثل السلطة الجديدة.

أما النساء، ففي أقصى حضور لهن، لا تتجاوز أدوارهن موقع «الزوجة». هذا الانسحاب من الفعل، وهذا الحصر في الهوية العائلية، يتماشى تمامًا مع السردية الأدبية الأبوية التي تجعل من البطل الذكر مركزًا للسرد، وتمنحه مسارًا تصاعديًا من النمو والتحول وتحقيق المصير. وهي سردية قائمة على منطق السلطة: تُنتج النظام والخلاص، وتقصي كل ما قد يهدده من تشتت أو دائرية أو فوضى، صفات طالما نُسبت مجازًا إلى «الأنثوي»، واعتُبرت لا عقلانية أو هامشية.

في المقابل، تختلف الكتابة النسوية في جوهرها عن هذا النمط. فالزمن في كثير من الأدب الذي يُكتب من منظور نسوي-غير ذكوري، ليس خطيًا بل دائريًا، لا يسير من نقطة إلى هدف، بل يدور، يتكثف، يتشظى. التجربة الشعورية تُقدَّم فيه على الحدث الخارجي. والبطولة تتلاشى لصالح الحضور الداخلي، تسعى إلى التذكر، التبدد، والانقطاع. هذا النوع من الكتابة لا يشرح ولا يبرّر، بل يؤوّل، يوحي ويقترح، ويتورّط في الكثافة لا التفسير، وهو ما قد يسميه البعض تمييزًا سطحيًا بين «الشعري» و«السردي»، بينما هو في الحقيقة تحطيم لهيمنة النمط الذكوري في السرد.

لكن «حقل السبانخ»، رغم بدايتها التي تنطوي على طابع شعري قوي (حين يُلقى البطل إلى العالم الجديد فجأة، دون مقدمات تفسيرية)، سرعان ما تعود إلى السردية الذكورية الكلاسيكية: تشرح، وتُبرّر، وتُحلل الماضي والحاضر والمشاعر والقرارات، كما لو أن كل شيء يجب أن يُفهم من خلال العقل والمنطق، لا من خلال الشعور أو التأويل.

هذا التناقض بين البداية الشعرية والبنية السردية التفسيرية لاحقًا، يُعيدنا إلى سؤال مركزي: هل يمكن لكتابة تتنبأ بالمستقبل أن تبقى مأسورة بأشكال سرد ماضوية؟ وهل يمكن أن نتخيّل مستقبلًا جديدًا دون أن نُبدّل الطريقة التي نكتب بها الزمن، والهوية، والعلاقة بين الأدوار والسلطة؟

في النهاية، أظن أن قراءة «السيد في حقل السبانخ» لصبري موسى، لا تنفصل عن أسئلة أوسع من الرواية ذاتها، بل تتقاطع مع هواجس جوهرية تتعلق بمصير الأدب العربي حين يكتب عن المستقبل. فرغم طموح الرواية إلى استشراف ما سيأتي، فإنها تكشف عن مأزق أعمق في بنيتنا الثقافية: كيف نكتب عن الزمن ونحن لم نحسم علاقتنا به بعد؟ هل نعيد إنتاج رؤية ماضوية مغلفة بطلاء خيالي أم نستورد سرديات الحداثة الغربية دون مساءلة جذورها التاريخية؟ ونتخيل تطور جندري دون مساءلة مواقع السلطة والمعرفة؟ 

هذه الأسئلة لا تخص الرواية وحدها، بل الأدب العربي كله، حاليًا، في لحظة فارقة من التاريخ، نواجه فيها حقيقة الهيمنة الغربية السياسية والثقافية على مشروعنا الأدبي الحديث. علينا أن نتواجه مع أزمة العقلية الأدبية العربية، وافتقارها إلى رؤية متماسكة للزمن الحديث، غير مستقاة من الآخر، وغير منغلقة في التراث. في محاولة لاستيعاب الزمن الذي نكتب منه، وموقعنا داخله، هل علينا أن نسأل من نكون، قبل أن نسأل: إلى أين نذهب؟

عن الكاتب

هدى عمران

هدى عمران، شاعرة وروائية مصرية، تحضّر الماجيستير في العلوم السياسية، مهتمة بالنقد الثقافي والأنثروبولجيا السياسية، تعمل حاليا في التحرير الأدبي.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن