عن الرئيس و«إعلامه».. ما جرى خلال 10 سنوات
في سياق المتابعة الإخبارية المُعتادة، كلّفت جريدة الوطن، التي تمتلكها الدولة عبر شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، أحد صحفييها بإجراء مقابلات مع المواطنين في الشارع حول قرار رفع أسعار المواد البترولية في 13 يوليو 2022، الذي شمل للمرة الأولى منذ 2019، تحريك سعر السولار ما تسبب في زيادة أسعار الطعام بصورة مباشرة. المقابلات التي أُذيعت من خلال خدمة البث الحي لقناة «الوطن» لم تخلُ من ردود فعل غاضبة من المواطنين بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة الجنيه، فضلًا عن انتقاد المسؤولين ومنهم الرئيس نفسه.
لم يتمكن الصحفي الشاب من التعامل مع الموقف في ضوء ما واجهه من انتقادات الشارع، ولم يتفاعل المسؤول عن البث الحي بإيقافه. بعد دقائق مربكة، جرى إيقاف البث وتوبيخ القائمين عليه. ثم قررت «المتحدة» وقف خدمة البث الحي لمواقع جرائدها، قبل أن تعيدها منذ شهور بضوابط.
غضب مسؤولي «المتحدة» كان كبيرًا، بحسب صحفية من الجريدة، وجرى توبيخ محمود مسلم، رئيس تحرير الوطن ثم جُرد من مهام رئاسة التحرير، وتعيين أحمد الخطيب مكانه، ليتفق مع «المتحدة» على إعادة البث المباشر وفق شروط.
واقعة «الوطن» تنتمي إلى محصلة عمل عشر سنوات، استطاعت فيها الدولة إسكات الكثير من الأصوات وتقليم الكثير من الأظافر، وتوسيع دائرة الامتلاك والسيطرة على الإعلام، مع الإنفاق على مشاريع إعلامية جديدة، كأن الرقابة والاستحواذ لم يكفيا. ومع ذلك، لم تصل إلى ما تبتغيه من خلق إعلام مؤثِر.
يقول عضو سابق في فريق تحرير جريدة «المصري اليوم» اليومية الخاصة: «الحقيقة مش بس الرئيس، بل معظم معاونيه كانوا شايفين إن الصحافة والإعلام والبرامج الحوارية دي كلها كانت سبب في حدوث ثورة يناير. هُمّا كانوا موافقين على الانفتاح الإعلامي لمّا كنا بننتقد مرسي. وقتها محدش كان بيقول لنا حاجة. لكن بعد كده على طول كل شيء ابتدى يتغيّر. وفي يوم كنت بتكلم مع واحد من أكبر معاوني الرئيس وأكثرهم انفتاحًا وقُلت لُه إن التضييق على الإعلام هيدّي مؤشر غلط لنوايا نظام 30 يونيو فلقيته بص لي وقال لي: 'إيه أهمية الإعلام.. إيه ضرورته يعني؟'»
ويوضح أن سؤال معاون الرئيس لم يكن استنكاريًا بل استفساريًا. موضحًا أن الاتصالات الهاتفية التي كان يتلقاها في البداية بصورة ودية للإعراب عن عتاب بسبب موضوع نُشر في الجريدة، تحولت مع الوقت إلى مكالمات لأصحاب رأس المال تجاوزت العتاب إلى صيغ التهديد والتوعيد.
ويقول مسؤول تحرير بجريدة الأخبار المملوكة للدولة إنه لم تعد هناك فروق بين الصحف المُسماة بـ«المُستقلة» أو المملوكة للدولة والمُسماة بـ«القومية»، لأن هناك «واتساب جروب» يضم رؤساء تحرير كل الصحف، مع أحد كبار المسؤولين في الفريق الإعلامي التابع لمكتب رئيس الجمهورية: «وعلى الجروب ده بتصدر كل الخطوط الحمراء والخطوط العريضة للتغطية الإعلامية المطلوبة»
ويضيف: «ده شيء بدأ من أواخر 2014 أو أوائل 2015. وقتها كان فيه جروب مع مسؤول قريب جدًا من رأس الدولة. الجروب ده مازال موجود، لكنه لم يعد فاعلًا، والجروب الفاعل اليوم هو مع المسؤول الجديد، وهو أحد الشباب المعاونين للرئيس»
ويوضح مسؤول التحرير: «في الآخر كل الجرايد بترسل صفحاتها للمراجعة قبل النشر. الترتيب ده بدأ من أواخر 2016، وحاليًا أصبحت فيه مجموعة عمل معنية بالرقابة على كل جريدة، والمجموعات دي لها مقر عمل في أحد المباني المملوكة للدولة في العباسية، وتقوم من خلال دائرة اتصال مباشر مع عدد من كبار المسؤولين بالمراجعة عند الحاجة. ولكن المجموعات دي بيكون عندها كل الخطوط العريضة، وممكن تشيل موضوعات حتى من الصفحة الأولى لصحف قومية كبرى أو تطلب تغيير عنوان»
يقول رئيس تحرير صحيفة «قومية»: «نتلقى تعليمات عن تغطية الصراع السياسي في تونس، تطالب بالاقتصار على إبراز وجهة نظر قيس سعيد، ودعمها بوصفها عملية إنقاذ تونس»، ويقول مدير تحرير في صحيفة «قومية» أخرى، إنه كانت هناك تعليمات واضحة فيما يتعلق بتغطية مظاهرات يوليو 2022 في سريلانكا وغيرها من الدول التي تشهد مظاهرات على خلفية الأوضاع الاقتصادية.
«إحنا بنكتب إيه ولّا بنقدر ننشر إيه يعني؟ الوضع صعب أوي أوي. لكن الناس قاعدة علشان الحد الأدنى من أكل العيش. أما الحلم الصحفي فانتهى تمامًا ولم يعد من الممكن أن نتكلم بأي قدر من الجدية عن صحافة مستقلة» هكذا وصف صحفي الوضع في جريدة «الشروق» اليومية، التي كانت بدايتها واعدة، ثم تراجعت بسرعة كبيرة، ومرت بأزمات مالية طاحنة، جاءت مع تراجع توزيع متوقع في ظل خواء المحتوى تفاديًا للغضبة الأمنية.
تحت عنوان «مش عايزين وجع دماغ»، بحسب نفس الصحفي، أوقفت «الشروق» في 2017، بعد محاولات ومفاوضات العمود اليومي والمقال الأسبوعي لكاتبها الأبرز فهمي هويدي، كما تحررت من كل المواد حادة النقد واحدة بعد الأخرى، ضمن سياسة تحريرية سعت لدرء أمر ذهاب الجريدة للدولة، التي كانت تقوم بالاستحواذ على الجرائد والقنوات.
وتحت عنوان «الباب اللي يجيلك منه الريح»، أوقف صلاح دياب ونجيب ساويرس المشاركين في تمويل «المصري اليوم»، مجلة «السياسي» التي كانت قد بدأت تصدر عن مؤسسة المصري اليوم، لنشر تحقيقات صحفية معمقة، وذلك بعد فترة وجيزة من الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في 2013. وعقب ذلك، اتجه ممولو «المصري اليوم» لمراجعة المحتوى الصحفي للجريدة، من خلال المراجعة المدققة لمقالات الرأي وحجب بعض الأخبار عن النشر «ورفع أخبار أخرى من الصفحة الأولى لتُدفن في الصفحات الداخلية»، بحسب تعبير أحد محرري الجريدة.
لكن ذلك لم يحمِ دياب، الممول الرئيسي للجريدة، من «غضبة الدولة»، خاصة في ضوء تواصله مع شخصيات سياسية عادت ثورة يناير ونظام مرسي دون أن تؤيد نظام 30 يونيو. قُبض على دياب ونجله في 2015 واحتُجزا لأيام بدعوى امتلاكه سلاح بدون ترخيص، ليُفرج عنه بوساطة إماراتية، في توقيت كانت روابط التفاهم بين القاهرة وأبو ظبي قوية، بحسب ذات المحرر. ثم قُبض على دياب الأب مُجددًا لمدة أطول في 2020 بسبب دعاوى بشأن استثماراته، غابت معها الوساطة الإماراتية في ظل تراجع كبير في العلاقات بين البلدين. وبعد الإفراج عنه خفّض دياب سقف الجريدة التحريري بمعاونة اثنين من أهم القائمين عليها: عبد المنعم سعيد، الذي لم يخف أبدًا رفضه لثورة يناير ودعمه اللامحدود لنظام 30 يونيو، وعبد اللطيف المناوي، رئيس التلفزيون خلال آخر أيام حكم مبارك.
النتيجة، بحسب شهادة هؤلاء وآخرين مطلعين على أرقام توزيع الصحف، أن الجرائد، بما في ذلك الصادرة عن مؤسسات صحفية عريقة، تعاني من تراجع التوزيع، حتى تلك التي كانت تعتمد على ارتباط اسمها بمؤسسات الدولة، لأنها ببساطة خلت من محتوى يجذب القارئ. ويقول أحد هؤلاء المصادر إن أعلى توزيع للصحف اليومية «القومية» لا يتجاوز 50 ألف نسخة، إلى جانب نصف هذا الرقم من الاشتراكات. أما أرقام توزيع الصحف اليومية التي كانت تُوصف بأنها «مستقلة»، فلا يزيد في معظم الحالات عن بضعة آلاف من النسخ. ويضيف أن تراجع أعداد التوزيع ليس سرًا وتسبب في قلّة الإعلانات المتراجعة بالأساس بسبب الوضع الاقتصادي.
الوضع لا يختلف جذريًا فيما يخص القنوات التلفزيونية. بحسب محرر عمل سابقًا ضمن فِرق إعداد البرامج الحوارية التلفزيونية، فإن هناك أكثر من «واتساب جروب» لرؤساء تحرير فِرق الإعداد ومقدمي البرامج وغيرهم، حيث تُرسل توجيهات مُحددة حول المطلوب تناوله إعلاميًا.
ويقول هذا المحرر وآخرين، ممَن عملوا في إعداد البرامج الحوارية إن مخالفة تعليمات فريق التوجيه والدخول في مواجهة معه تسببت في الإطاحة ببرنامج لميس الحديدي «هنا العاصمة» على قناة «سي بي سي» المملوكة لـ«المتحدة» في 2018، وذلك بعد استعراضها تعليقات حول تعديل الدستور، رغم كونها واحدة من أشهر المذيعات التي كانت في مقدمة صفوف دعم مظاهرات 30 يونيو.
ولم يكن برنامج الحديدي الوحيد، بل توقف قبله برنامج إبراهيم عيسى على «القاهرة والناس» الخاصة في 2017، والذي عُرف بدعمه الشديد لمظاهرات 30 يونيو وكل الخطوات التي جرت في أعقابها مثل قرارات 3 يوليو وتفويض 26 يوليو وفض اعتصام رابعة العدوية وترشح عبد الفتاح السيسي للرئاسة.
عودة الحديدي وعيسى في 2020، الأولى بـ«كلمة أخيرة» على «أون» المملوكة للشركة المتحدة، وعيسى في «حديث القاهرة» على «القاهرة والناس»، بحسب مصدر إعلامي مطلع وتربطه صداقة بالاثنين، جاء في إطار تفاهمات واضحة حول الخط المسموح به ومَن هو صاحب قرار الموافقة أو الرفض. يقول المصدر إن «الاثنين كان عندهما علاقات طبعًا في الأجهزة، وكل واحد منهما كان مفكر إنه مسنود بعلاقاته، ولكن تكليف (أحد رجال الدولة الشباب المقرب من السيسي) بملف الإعلام كان نهاية لكل اللي قبل كده وبداية لتحول في السياسة الإعلامية وده بتكليف واضح من الرئيس نفسه».
استمرت أعمال التقليم واحدة بعد الأخرى، حتى إنهاء الوجود التلفزيوني لمحمود سعد من على شاشة النهار الخاصة نهاية صيف 2021 رغم أن «باب الخلق»، البرنامج الذي أُطلق في 2018 بعيد عن السياسة ويُعنى بالموضوعات التاريخية. إلا أن الدائرة الإعلامية الأقرب للمكتب الرئاسي، وفقا لأحد العاملين في البرنامج، رأت فيه إسقاطات غير مقبولة حول معاناة الفقراء، وإشارات إلى النهايات التعيسة والحتمية للحُكام المفرطين في استخدام اليد الحديدية في قمع كل صوت معارض.

في روايات تكاد تكون متطابقة، يقول عدد من وزراء ومسؤولين شاركوا في الحكومات التي جرى تشكيلها بعد الإطاحة بمرسي، سواء خلال عام الرئاسة المؤقتة الذي تولاها رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور، أو مع مجيء السيسي رئيسًا في 2014 إن الأخير طالما كرر بصياغات متقاربة جدًا أنه يحسد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على إعلامه. بحسب تقدير السيسي، الذي شاركه مع عدد من محدثيه، فإن إعلام عبد الناصر كان الضامن لاصطفاف المصريين خلف الزعيم الراحل رغم هزيمة 1967 المروعة.
«كثيرًا ما كان السيسي يردد عبارات مثل يا بخت عبد الناصر بإعلامه، أو أنا عايز إعلام عبد الناصر»، حسب وزير سابق عمل خلال السنوات الأولى من حكم الرئيس، «كان اعتقاده أن مثل هذا الاصطفاف الذي يمكن أن يحققه الإعلام يقدر أن يساعده على تحقيق إنجازات استثنائية تحقق نقلة كبيرة للبلاد، بعيدًا عن أحاديث الديمقراطية التي لم يكن يراها أولوية.»
ويضيف: «أظنه كان مقتنعًا فعلًا أن التفاف الشعب حول عبد الناصر جاء من بوابة الإعلام. لم أظن أنه فكر كثيرًا في أن عبد الناصر، بالاتفاق أو الاختلاف معه، مثّل تجربة استثنائية في توقيت استثنائي جعله بالفعل، دون إغفال أخطائه الكثيرة، زعيمًا ملهمًا ليس فقط للمصريين، ولكن فعليًا لشعوب تبحث عن الحرية من الاستعمار الكولونيالي في خمسينيات القرن الماضي». ويقول المصدر نفسه وآخرين ممَن استمعوا لتمني إعلام عبد الناصر، أن السيسي لم يكن معنيًا كثيرًا فيما بدى باستحالة إرجاع عقارب الزمن للوراء، أو متفهمًا لمعنى فرق السنوات أو اختلاف أحوال العالم في الخمسينيات جملة وتفصيلًا عن الثورة التكنولوجية التي سيطرت على العالم في العقد الثاني من الألفية الثالثة.
وبحسب رواية أحد المطلعين على جانب من مناقشات أجراها السيسي مع الكاتب السياسي محمد حسنين هيكل، والذي دعم صعود السيسي للحكم، فإن هيكل قال للسيسي بكل حصافة ومباشرة عندما سأله الأخير عن سُبل استلهام تجربة «إعلام ناصر» إن «ما كان لم يُعد من الممكن أن يكون ثانية، والأزمنة لها أحكامها التي تفرضها على الجميع بما في ذلك الحُكام». ويقول المصدر نفسه إن هيكل «ابتعد» عن تقديم المشورة بعد نحو سنة من وصول السيسي للرئاسة، بل لم يكن مرتاحًا لمحاولة فرض رسالة «توعوية» واحدة على كل الجرائد والقنوات التلفزيونية الخاصة منها والحكومية، بل اعتبر هيكل ذلك إخفاقًا في إدراك دور الإعلام كوسيلة تواصل بين الحاكم والشعب في لحظات استثنائية في حياة البلد.
ويقدر البعض أن السيسي رأى بنفسه في الشهور السابقة على الإطاحة بمرسي، قدرة الإعلام على تحريك الرأي العام ضد الحاكم، من خلال العرض الدائم والمتلاحق لسوء إدارة البلاد وتوجيه انتقادات شديدة لجميع المسؤولين. وبحسب المحرر الذي عمل عن قرب مع بعض البرامج المسائية، فإن كثيرًا من المعلومات التي كانت البرامج تبثها انتقادًا لنظام مرسي كانت تأتي من دوائر الدولة، وهو ما يعني «أن السيسي رأى بنفسه قدرة الإعلام الموجه على تحريك الشارع وبالتالي كان المنطقي أن يسعى لأن يقوم الإعلام الموجه بالسيطرة على الشارع».
وبحسب أحد مذيعي «راديو مصر»، الذي أُطلق قبل ثورة يناير ضمن ثورة تحديث الإعلام التي تبناها جمال مبارك، كانت هناك اتصالات يقوم بها بعض الشخصيات في القطاع المعني بالإعلام في أجهزة الدولة، مع بعض مذيعي الراديو أثناء الشهور الأولى لحكم مرسي. ويضيف: «لكن الكل كان خايف. محدش كان عارف الدنيا هتمشي إزاي. الإخوان كانوا لسه واصلين للحكم وكان فيه حالة كده من إدعاء التأسلم في الوسط الإعلامي.. اللي تلبس حجاب وتقول أنا طول عمري نفسي اتحجب بس كنت خايفة علشان نظام مبارك مش بيحب المحجبات، واللي يقول إنه ابن المشروع الإسلامي. محدش كان عارف مين بيبلغ عن مين والناس مكنتش فاهمة الدنيا كانت رايحة على فين.»
ووفقًا لرواية شخصية سياسية إماراتية متنفذة، كان هناك قرار من أبوظبي بدعم إسقاط نظام الإخوان المسلمين في مصر، والذي اتُخذ بعد نحو خمسة شهور من وصول مرسي لقصر الرئاسة. الرسالة الأساسية التي نقلها مسؤول مصري للرئيس الإماراتي محمد بن زايد شخصيًا، بحسب ذات الشخصية، أن الإمارات سيكون عليها تقديم دعم مالي مباشر لتمويل نشاط إعلامي يهيئ الرأي العام لرفض استمرار هذا الحكم وهو ما كان. تتفق رواية هذه الشخصية مع رواية أخرى قدمها لـ«مدى مصر» أحد الذين عملوا في موقع «دوت مصر»، الذي أُطلق بتمويل إماراتي. مهمة «دوت مصر» كانت بسيطة، بحسب الرواية الإماراتية.. انتقاد الإخوان بلا توقف وبكل طريقة ممكنة. بدأ البث التجريبي لـ«دوت مصر» تحت رئاسة أحد أهم وجوه إعلام مبارك في سنواته الاخيرة، عبد الله كمال، الذي غيّبه الموت قبل إطلاق الموقع الرسمي في الذكرى الأولى لـ30 يونيو.

بالتوازي مع رقابة الدولة وتفاقم الرقابة الذاتية، شهدت السنوات الماضية عمليات استحواذ الدولة تحت مظلات متتالية على عدد من الجرائد والقنوات التلفزيونية، بهدف السيطرة الكاملة على سياساتها التحريرية. واحدة من تلك المظلات هي «إعلام المصريين»، التي تأسست لتستحوذ خلال نحو عامين على القطاع الأوسع مما كان يُعرف بالصحافة والقنوات المستقلة، بالإضافة إلى محطات راديو وشركات إنتاج درامي وأيضًا شركة خدمات أمنية. قام رجل الأعمال، أحمد أبو هشيمة، بتأسيس الشركة في 2016 بالاتفاق مع أجهزة الدولة، على أن يكون جزء كبير من تمويلها مستقدمًا من الأخيرة. وبعد نحو عام، استحوذت «إيجل كابيتال» على حصة أبو هشيمة في «إعلام المصريين»، لكن الشركة ظلت تقوم بنفس دورها في الاستحواذ على قنوات وصحف، إلى جانب إنتاج دراما تلفزيونية وبرامج رياضية.
وخلال ثلاث سنوات سعت «إيجل كابيتال» من خلال الميديا المملوكة لـ«إعلام المصريين» لإبعاد قلوب وعقول المصريين عن تداعيات سياسة التعويم، المتوازية مع الإفراط في الاقتراض الخارجي وغيرها من الملفات، التي أثارت توجس الرأي العام مثل التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وفيديوهات المقاول الهارب عن مصر محمد علي. لكن نسب المشاهدة المرصودة جاءت دون التوقعات.
بعد مظاهرات سبتمبر 2019 المحدودة ضد النظام، بدأت حملة قمع واعتقالات واسعة، مع الاستعانة بحليفي الأمس، إبراهيم عيسى ولميس الحديدي، اللذين انفردا بلقاء إعلامي مع السيسي فترة ترشحه للرئاسة في 2014، ثم استُبعدا لاحقًا لتجاوزهما الخطوط الحمراء، وجاءت عودتهما باتفاق بالابتعاد عن الدوائر المحظورة، والظهور لنصف أيام الأسبوع، كل على قناته، بحسب الترتيب الجديد الذي طالب به الرئيس نفسه بألا يظهر أي مذيع خمسة أيام في برنامج حواري مسائي على أي قناة. التزم عيسى والحديدي الحذر منذ عودة برنامجهما، توقف الأول عن أي إشارة للرئيس إلا بأدب شديد، كما حرصت الحديدي على عرض نشاطات الرئيس وابتعد برنامجها عن إلصاق أي مشكلة اقتصادية أو غيرها به.
لكن النجاح لم يكن مدويًا، رغم أن نسب مشاهدة برنامجي الحديدي وعيسى أعلى من نسب إعلاميين آخرين متفانين في الولاء يطلون على «صدى البلد» المملوكة لرجل الأعمال محمد أبو العينين، بحسب أحد الإعلاميين المطلعين.
وبحسب المصدر السابق، الذي قدّم النصيحة الفنية لشركة المتحدة، لم يكن من الممكن أن تتمكن الخطة الإعلامية لهذه القنوات من تحقيق أي اختراقات في مجال السيطرة على الرأي العام، لأن هذه الخطة الإعلامية كانت ببساطة تقوم على بث رسالة متكررة حول الإنجازات، دون السماح بأي سقف للحرية. ويقول إن الفكرة المسيطرة لإعادة خلق إعلام عبد الناصر، لم تُحقق نجاحًا إلا في مجالين تمكنت الشركة فيهما من تحقيق نجاحات متراوحة.
الأول هو المجال الرياضي، حيث تحظى القنوات والمواقع الخاصة بالرياضة بمتابعة ربما تكون الأعلى في كل الجرائد والمواقع والقنوات، ومنها «أون سبورت»، والتي كان هناك سعي لمنافسة «بي إن» القطرية من خلالها. وكان لدى «المتحدة» طموح في التوسع خاصة فيما يتعلق بالبرامج الرياضية في حال إتمام الشراكة مع الشركة السعودية للأبحاث والإعلام بتدخل تركي آل الشيخ، السياسي ورجل الأعمال السعودي، والذي عقد لقاءات مطولة حول الأمر مع عدد من كبار رجال الدولة، في وقت تزايدت فيه الخلافات السعودية-الإماراتية، وسعت فيه السعودية لتعزيز نفوذها بعد خروج متزايد للإمارات من مصر. لكن الاتفاق تعرقل لعدة أسباب، بحسب المصادر، منها السياسية والشخصية المتعلقة بآل الشيخ نفسه.
الإنتاج الدرامي والسينمائي، كان ضمن مساحات النجاح، سواء بصورة مباشرة أو بالاشتراك مع منتجين آخرين، فكان من نتائج ذلك فيلم «الممر» الذي حقق نجاحًا ملحوظًا كونه يستلهم أجواء حرب الاستنزاف، رغم أن قرار هذا الإنتاج لم يكن سهلًا لأنه لا يوجد ميل كبير لاستدعاء ذكريات الحرب مع إسرائيل، بحسب عاملين في مجال صناعة السينما والدراما. ويضيف أحدهم أن التفضيل كان يتعلق بإطلاق أفلام ودراما تلفزيونية تتعلق بالمواجهة مع الإسلاميين بوصفهم العدو الحقيقي. ويروي بعضهم أنه في اجتماع شارك فيه مسؤول قريب من دوائر السلطة قال الأخير بالنص إنه من الأفضل التوعية بأخطار الإسلاميين عوضًا عن التركيز على الصراع مع إسرائيل. ومن هنا كان إنتاج عدد من الأعمال الدرامية في ذات السياق مثل مسلسلي «الجماعة» و«الاختيار»، التي حققت أجزائها الأولى نجاحًا يفوق ما أُنتج حديثًا منهما.
ولكن، مشروع «إعلام المصريين» جاء موازيًا لتراجع الإمارات عن ضخ أموال في الإعلام المصري، مما أدى إلى توقف إطلاق قناة «دي إم سي» الإخبارية.
الإعلان المدوي لخسائر مالية كبيرة حققتها الشركة، جاء تاليًا على عملية تحقيق داخلي واسعة كشفت كوارث: «الصرف كان بالهبل. كانت فيه ميزانيات مفتوحة. كان مستحيل أن الأمور تفضل كده من غير محاسبة، خصوصًا إن كان فيه وشايات متعلقة بالأساس بإحساس البعض أنه لا يحصل على ما يستحق مقارنة بالآخرين»، بحسب أحد موظفي الشركة الذي يقول إنه في أحد الأيام جاء الى مكاتب الشركة «ناس قالوا أنهم من المخابرات، وأُجريت تحقيقات وجرى تفتيش كمبيوترات، ومشوا ناس وخلوا ناس، ورجعوا حققوا معهم. إحنا كموظفين كنّا عارفين طبعًا أن أكيد هيلاقوا بلاوي متلتلة».
وبين عامى 2019 و2020 سعت «إيجل كابيتال» إلى تعويض قلة تدفق أموال الدولة الداعمة للإعلام بعد تراجع الدعم المالي الإماراتي لمصر، مما تسبب في إيقاف إطلاق عدد من القنوات الإخبارية والوثائقية بعد عمليات إعداد وتوظيف مطولة انتهت إلى إهدار المواد التي جرى إعدادها، وتسريح مَن وُظفوا بعد مغادرتهم أعمال مستقرة لينتهي بهم الحال في سوق البطالة الإعلامي، وذلك بحسب مصدر صحفي مسؤول في صحيفة خاصة.
لا توجد رواية واحدة حول حجم الخسائر التي تعرضت لها «إعلام المصريين»، ولكن المُعلن هو أقل من مليار جنيه، بينما ما يتحدث عنه العاملون بالشركة هو أكثر من ذلك. الأكيد، بحسب روايات متطابقة، أن عدد من المتورطين في «الإهدار والفساد» اضطروا لإعادة مبالغ كبير كانوا قد تحصلوا عليها، واضطر بعضهم للذهاب عن موقعه المتنفذ.
وبحسب أحد أكثر المطلعين على الكواليس، فإن انهيار «إعلام المصريين» وتحويل الدفة إلى «المتحدة،٬ المملوكة أيضًا لأجهزة الدولة، جاء متوازيًا مع صراع كامن ظهر للعلن بين فريقين للتخطيط الإعلامي، أحدهما مرتبط بوزير الدولة للإعلام، أسامة هيكل الذي تعرض لهجوم غير مسبوق بما في ذلك من برامج تبث على التلفزيون الرسمي للدولة، بينما الفريق الآخر تابع مباشرة للمكتب الرئاسي والذي ببساطة لم يكن يعتبر أن لدى هيكل القدرة على إيصال صوت الرئيس.
كان هيكل رئيسًا لمدينة الإنتاج الإعلامي المملوكة للدولة في 2014، ثم شغل منصب وزير الدولة للإعلام في 2019. ويقول مصدر مطلع على ملابسات تولي هيكل منصبه الوزاري إن «الرجل أُبلغ على أعلى مستوى أن المطلوب منه تنشيط ماسبيرو، وإعادة إحيائه ليصبح تلفزيون الدولة كما كان في عهد عبد الناصر». ويضيف أن هيكل وافق على المهمة مطالبًا ببعض الصلاحيات التي تخص إعادة بعض آليات البرامج الحوارية لجذب المشاهد ثانية لهذه القنوات، فكانت فكرة إطلاق برنامج العاشرة تاليًا لنشرة الأخبار الرئيسية على القناة الأولى، ليقدمه وائل الإبراشي الذي كان يُنظر إليه على أنه أحد الوجوه القادرة على تقديم نقد في إطار الحدود المقبولة. لكن تنازع الخطة الاعلامية بين تلك التي هيكل والفريق التابع للمكتب الرئاسي أعاقت عمل الأول، بحسب ذات المصدر، حتى وصل الأمر لتعرض الوزير لانتقادات شديدة على التلفزيون الرسمي. وفي مارس 2021، نُشرت مطالبة أحمد الطاهري، بجريدة الوطن، بإقالة هيكل ليستقيل الوزير من منصبه بعد أسابيع.
بحسب عاملين في مجالي الصحافة والإعلام، ليس من الواضح إلى أين ستسير الأمور، بسبب التغيّرات المتلاحقة لدور أجهزة الدولة والفرق الإعلامية في صياغة الرسالة بل المحتوى الإعلامي، فضلًا عن الحاجة لتوسيع دائرة التمويل لأن ميزانية «المتحدة» التي جاءت لخلافة «إعلام المصريين» لم تحصل على الامدادات السخية الكافية.

في ربيع 2022، ذهب أحد صحفي «سي بي سي»، الذين يعملون في إعداد البرامج الإخبارية، للقاء صحفي أربعيني معروف بعلاقته المقربة من السلطة. لم يكن صحفي «سي بي سي»، الذي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، يعرف سبب استدعائه: «كنت أخشى أن أكون قمت بما يُسيء دون قصد، مثل اقتراح اسم ضيف غير معروف عنه الولاء الكامل للنظام أو ما شبه ذلك» يقول الصحفي. لكنه لم يخمن أن اللقاء لاختياره ضمن فريق إعداد إطلاق قناة إخبارية جديدة قررت الدولة، بعد طول تشاور العمل على إطلاقها، في محاولة جديدة لكسب الرأي العام المصري.
في أكتوبر من العام الماضي، بدأت قناة القاهرة الإخبارية بثها، لتكون محاولة جديدة لجعل الإعلام أحد أدوات الحكم، وذلك في ظل تحديات عملية السيطرة على الإعلام خلال الأعوام العشرة الماضية.
لم يتحمس الصحفي عند سماعه التكليف، ولكنه اضطر للرد على الابتسامة الكبيرة المرسومة على وجه الصحفي الأربعيني بمثلها، مع هزّ رأسه مرحبًا في صمت «لا اختيار في الأمر. نحن لا نختار، بل نُكلف لأن لو رفضت سأذهب للشارع مع غيري ممَن فقدوا أعمالهم في الصحف والقنوات عبر سنوات متتالية» يقول الصحفي، موضحًا أنه في النهاية معني بـ«الحفاظ على أكل عيشه في وقت سوق الإعلام فيه بقي صعب جدًا»، واضطر للعمل في القناتين، التي يعمل بها بالفعل والأخرى الجاري الإعداد لإطلاقها، دون مردود مالي مناسب تحت إدارة صحفي صعد خلال سنوات الحكم الحالي، من عمله بقسم الأخبار إلى منصب قيادي في إحدى الصحف اليومية، بلا أي موهبة أو خبرة صحفية مميزة.
ذلك «الصحفي الأربعيني»، كما يقول عدد من الصحفيين والإعلاميين الذين عملوا معه منذ بدايته حتى صعوده السريع، هو الشخص المطلوب منه أن يكون هيكل عبد الناصر.
بدأت «القاهرة الإخبارية» بوعد أن تكون عنوان الخبر في مصر. استُقطبت بعض الأسماء القديمة مثل عادل حمودة وجمال عنايت مع طرح بعض الوجوه الجديدة. لكن لم يختلف محتوى القناة عن محتوى «النيل الإخبارية» التي أطلقها صفوت الشريف، وزير إعلام حسني مبارك في أكتوبر 1998.
وفي فبراير 2023 أُلحق ذراع إضافي لـ«القاهرة الإخبارية»، قناة الوثائقية المصرية التي أثارت الكثير من التوقعات بمحتوى قوي، لكنها ظلت دون المتوقع، بحسب إعلاميين على درجات مختلفة من القرب للقناة. لم تقدم القناتان جديدًا يُذكر عما قُدم سابقًا عن جماعات الإسلام السياسي سواء في مصر، أو تونس، أو غيرهما من البلدان العربية.
وبحسب أحد المصادر في «الإخبارية» فإن إدارة «المتحدة» تعلم أن مستوى مشاهدة القناة ضعيف، وعليها السعي لتطويرها أو قبول أن تكون قناتها الجديدة نسخة من «النيل». ويضيف المصدر نفسه أن مناقشة مغلقة بين الصحفي الأبرز في القناة واثنين من كبار معاوني الرئيس، أفضت إلى قرار التطوير ومحاولة الإنقاذ من خلال برامج جاذبة وأسماء مذيعين أكثر جذبًا من الحاليين. ويقول المصدر: «يجري التحضير الآن لعدد من البرامج الجديدة التي ستُطلقها القناة بعد إجازات الصيف، وستتناول البرامج الجديدة الشأن المصري والإقليم،ي من جوانبه السياسية والاقتصادية بهامش حرية أكبر، مع انفرادات ستُختص القناة بها من وقت لآخر».
وفي ظل فشل العديد من القنوات والمواقع في تقديم الوقائع برواية حكومية جاذبة، قررت الهيئة الوطنية للإعلام، إطلاق موقع جديد يكون بوابة للأخبار هو «سبوت إيجي» الذي أُطلق بثه التجريبي على مراحل منذ 2022، إلى أن عُيّن سامح عبد الله، الصحفي السابق بمؤسسة «الأهرام»، رئيسًا لتحريره. سعى عبد الله، الذي يتمتع بخبرة صحفية جيدة، لطرح خطة إعلامية تجمع بين الخبر الذي تريد الهيئة الوطنية للإعلام تمريره، والقصة الخبرية اللا سياسية الجاذبة. ويقول أحد العاملين بالموقع: «بعيدًا عن موضوع السياسة فنحن نقدم محتوىً جيدًا، ولكن للأسف اتصال موقعنا بالحكومة بيخلّي الناس مش عايزة تتابعنا لأنها بتعتبرنا مجرد موقع ترويجي، ولو كنّا بنحطّ الشغل ده في موقع تاني كان الوضع هيختلف في المتابعة طبعًا. الناس مش بتتابع قنوات معروف أنها تبع الحكومة».
منذ عودتهما، انتقد عيسى والحديدي السياسات المالية والاقتصادية، مع الإشارة إلى مستوى حرية الصحافة، الذي وصفه عيسى في واحدة من آخر حلقات الموسم الذي انتهى مباشرة قبل عيد الأضحى بأن «السقف قارب من ملامسة البلاط».
تقارير ذات صلة
بعد أول زيادة في وحدات «الإيجار القديم»، المستأجرون يتخوفون من الزيادة القادمة
من المتوقع أن تشعل الموجة المقبلة من الزيادات الإيجارية مزيدًا من التوتر
المالك والمستأجر والإيجار القديم.. عقود من التوتر من التنظيم إلى التحرير
عدالة غائبة حتى الفصل الأخير.
حجب «القاهرة 24».. ومصادر: تغييرات في إدارة ملف الإعلام
مراجعات مالية للرواتب والنفقات والمكافآت داخل القنوات والإصدارات الصحفية المملوكة لـ«المتحدة»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن