تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
على هامش «الأيام»: طه حسين الذي رأى أكثر من الجميع

على هامش «الأيام»: طه حسين الذي رأى أكثر من الجميع

الحلقة الثالثة من برنامج قراءة «شهود عيان»

كتابة: محمود الورداني 12 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.

راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضا أهم الأحداث.

راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى. 

في الحلقة الأولى تناولت «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية. وفي الحلقة الثانية مذكرات هدى شعراوي، وهنا «الأيام» لطه حسين التي لا يمكن تجنبها، مهما كانت مشهورة، فتجربة الرجل كانت أسطورية ومذهلة.

caption

نالت سيرة طه حسين الذاتية «الأيام» شهرة وذيوعًا ربما لم يتحققا لنص آخر، حتى إن الجزء الأول منها تقرر على المدارس الثانوية لدراسته في مصر. وكانت نسختي تاهت مني في الزحام، وكنت قد قرأتها بالطبع أكثر من مرة من باب الاستمتاع، واحتجت إليها لأكتب هذه السطور، فتوجهت لمكتبة «دار المعارف» -ناشر طه حسين منذ أربعينيات القرن الماضي- ولشدّ ما أدهشني وأبهجني أيضًا أن أجد نسخة للأجزاء الثلاثة معًا، تاريخ نشرها هو عام 2021، بل ونسخة من الكتاب الساحر لسوزان طه حسين «معك» ترجمة بدر الدين عرودكي ومراجعة محمود أمين العالم، وتاريخ نشرها هو عام 2021 أيضًا.

 طه حسين إذن ما زال مقروءًا، وما زال كتابه الذي مضى عليه نحو 80 عامًا مطلوبًا من القراء، وتصدر «دار المعارف» طبعة جديدة منه، دون أن تذكر رقم هذه الطبعة الأخيرة، ويبدو أنه من الصعوبة حصر عدد الطبعات.

إشارات ضرورية

أود أن أشير في البداية إلى أن قراءة كتاب «معك» لسوزان طه حسين، إلى جانب «الأيام» ستضيف كثيرًا، فسوزان ليست فقط العينين اللتين رأى بهما طه حسين، بل هي قبل كل شيء حبيبته ورفيقته في رحلة لا مثيل لها.

كما أود أن أشير أيضًا إلى أن التاريخ الدقيق لكتابة أو نشر الأيام بأجزائها الثلاثة لم يرد في أي مصدر من المصادر، فقد اعتادت «دار المعارف» الناشر لكل كتبه تقريبًا، أن تورد قائمة بأعماله دون أن تُعنى بتاريخ النشر، وترتيب «الأيام» بين قائمة أعماله. هو الكتاب السابع بين 47 كتابًا بعضها أكثر من جزء مثل «الأيام» و«الفتنة الكبرى» و«حديث الأربعاء» وغيرها. ومع ذلك فالجزء الثاني يحمل في الصفحة الأخيرة تاريخ انتهاء الكتابة وهو يوليو- أغسطس سنة 1939 (وقد أكدّت سوزان في كتابها «معك» إن طه أنهى الكتاب في شهر واحد). وهكذا فإن الأقرب للاحتمال أنه كتب الجزء الأول في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، والثالث في أوائل أربعينيات القرن نفسه.

تحديد تاريخ الكتابة مهم هنا، فالكاتب يُعرف بعصره، وفي ذلك العصر كانت السير الذاتية للكتاب والمفكرين بالغة النُدرة، فهي تحتاج للجسارة والشجاعة، كما أن اللغُة التي كُتبت بها هي لغة طه حسين التي تطورت بعد ذلك، إلا أن لها سماتها الخاصة، التي تزخر بها «الأيام». لُغة تخلّصت منذ وقت مبكر من الحشو والمحسنات، قائمة على استبعاد الكثير من العبارات لصالح التكثيف والإبقاء على الجوهر وتجنب أي زيادة، مع الحفاظ على رصانة وجزالة تخص طه حسين وحده.

أود أن أشير أيضًا إلى أنه يتوجب على القارئ أن  يستبدل في كل مايتعلق بطه حسين كلمة «كتب» بكلمة«أملى» وكذلك كلمة «قرأ» ب«قُرئ» عليه. وحسبما ورد في «الأيام» كان هناك طوال الوقت من يقرأ له، ومن بينهم سوزان نفسها، التي تعرّف عليها أثناء طلبه العلم في فرنسا، ولطالما ساعدته بالقراءة سواء الفرنسية أو اللاتينية، وفي المستقبل كان هناك أيضًا طوال الوقت سكرتير يُملي أو يقرأ عليه، وفي وقت من الأوقات عندما تزايدت الأعباء كان هناك سكرتيران يقتسمان الساعات الطويلة التي كان يخصصها للكتابة والقراءة.

سجن الأيام

على أي حال، يبدأ الجزء الأول من «الأيام» على نحو صادم. يبدأ بالسجن الذي يعيش فيه الطفل الأعمى. هو يشعر بالظلام الذي يعيش فيه ويمنعه من تجاوز المساحة القليلة التي يتحرك فيها أمام البيت، حتى تحمله أخته دون إرادته إلى الداخل، ويضطر للامتثال  للرقاد على حِجر أمه، التي تضع في عينيه سائلًا يؤلمه بشدة لكنه لا يفصح عن ألمه.

فَقَد طه حسين بصره في سن لا يكاد يتذكره، وما يتذكره هو السائل الذي يُقطّر في عينيه ليقضي عليهما تمامًا، شأنه شأن الكثيرين من أبناء الفلاحين الفقراء. أما بيت أبيه فمن البيوت شبه المستورة. الأب يعمل موظفًا صغيرًا، ومن الأتباع القريبين لأحد مشايخ الطرق الصوفية، ونذر بيته ورزقه للطريقة التي انتسب إليها، كما نذر أولاده للأزهر. والصبي الصغير ختم القرآن في كُتّاب على يد شيخ جاهل وهو في التاسعة ونسيه، ثم أعاد حفظه، كما حفظ ألفية بن مالك، بعد أن علم أنه من المقرر أن يجاور في الأزهر برفقة شقيقه الأكبر.

طه حسين حريص على أن يذكر أن أحد مصادر ثقافته الأساسية أخبار الفتوح والغزوات، وشمس المعارف في السحر، وقصص المولد النبوي، ومجموعات الشعر الصوفي، وقصص الأبطال من الهلاليين والزناتيين، وعنترة، والظاهر بيبرس.. «وقد قُرئ لصاحبنا من هذا كله فحفظ منه الشيء الكثير، ولكنه عُني بشيئين عناية خاصة: عُني بالسحر، وعُني بالتصوف». حسبما كتب في الجزء الأول.. وينتهي ذلك الجزء بتحقيق الحلم الذي تمّناه، وهو السماح له برفقة أخيه إلى القاهرة حيث الأزهر و«حيث يعيش على خبز الأزهر، يُنفق الأسبوع والشهر والأشهر لا يغمس هذا الخبز إلا في العسل الأسود».

من جانب آخر، تكشف قراءة الأجزاء الثلاثة من الأيام معا من بين ما تكشف، عن تفاوت عدد صفحات كل جزء، فالأول بلغ عدد صفحاته 124 صفحة، والثاني 179 والثالث 213، ففي كل جزء كان يزداد احتياجه للكتابة والتعبير. في الجزء الأول مثلًا، لا يعبر إلا عن عالم القرية المحدود، بينما في الجزء الثاني ينتقل إلى القاهرة لـ«يجاور» في الأزهر.

سجن يشبه سجن القرية

في الجزء الأول يكتب عن الروائح والأصوات، كأنه يراها ويرى الدنيا من خلاله، وهو ملقى في حجرة لا يغادرها، ولا يشغل إلا مكانًا ضيقًا منها، داخل ربع يمتد وتتفرع منه حارات وأزقة تصل حتى أروقة الجامع الأزهر.  يسكن مع أخيه المجاور في الأزهر ومع طلاب آخرين. يدخلون ويخرجون أو يتناولون طعامهم أو يستذكرون دروسهم دون أدنى التفات له. أما هو فيستخدم المكان للانتظار والجلوس، وعندما يأتي وقت النوم، ينام في المكان نفسه. سجن يشبه سجن القرية، وعندما يُخصص له صبي لاصطحابه للأزهر، تتسع الدنيا قليلًا، لكنه مُجبر على انتظار الصبي الذي يغادره ويعود إليه كيفما اتفق.

يتبين الصبي ما حوله رويدًا، ويتلمس الطريق إلى الأزهر بعد أمتار قليلة من الغرفة التي يسكنها مع أخيه، ثم يتلمس الطريق إلى الأروقة داخل الأزهر، ويبدأ في حضور دروس المشايخ. كتب بعد أن حضر درس النحو: «وظل الصبي- طه بالطبع- في مكانه حتى يعود أخوه فيجذبه في غير رفق، ويمضي به حتى يخرجه من الأزهر.. وحتى يلقيه في مكانه من الغرفة على ذلك البساط القديم قد بُسط على حصير بالعتيق، ومنذ ذلك الوقت يتهيأ الصبي لاستقبال حظه من العذاب»، ويضيف: «وكانت الوحدة المتصلة مصدر ذلك العذاب، فقد كان الصبي يستقر في مجلسه من الغرفة»، ويضيف أيضًا: «..ويزيد في بؤسه وحزنه أنه لا يستطيع حتى إن يتحرك من مجلسه، وأن يخطو هذه الخطوات القليلة التي تمكنّه من أن يبلغ باب الغرفة»، وبعد صفحات قليلة يكتب: «والغريب أنه كان يجد للظلمة صوتًا يبلغ أذنيه، صوتًا متصلًا يشبه طنين البعوض لولا أنه غليظ فيؤذيهما، ويبلغ قلبه فيملؤه روعًا، وإذا هو مضطر إلى أن يغيّر جلسته فيجلس القرفصاء، ويعتمد بمرفقيه على ركبتيه ويُخفي رأسه بين يديه».

هذه العبارات القليلة التي اخترتها هنا -وهناك الكثير والكثير غيرها في النص المفعم بالألم، وإن كان لا يسقط في فخاخ الميلودراما وذرف الدموع- ربما توضح كم كان الطريق شاقًا ومؤلمًا للصبي الكفيف الفقير الذي كان يعتمد أساسًا على خبز الأزهر المجاني، ويُصرف للمجاورين وفق قواعد صارمة.

ومع كل ذلك عُرف الصبي بين المشايخ الذين يتولون التدريس، بحبه للمناقشة وكثرة الأسئلة، والنقد والاعتراض، وربما لم يُكتب في العربية نص عن الأزهر والربع الملاصق له، يماثل نص هذا الصبي الكفيف الذي رأى بمشاعره وأحاسيسه، واندفع في تحصيل العلم والاعتراض على المشايخ ومناقشتهم وتلقي السخرية والسبّ منهم، حتى انقضت السنة الأولى، ثم الثانية وها هو يستقبل الثالثة. وفي الاختبار رسب في الأزهر، لكنه كان قد تعرّف على بيئة الأفندية من العاملين بالصحافة، وعندما أنشئت الجامعة أنقذته من الضياع، كان متعينا عليه بصحبة خادم صغير خصصته الأسرة له أن يواصل دراسته بالأزهر في الصباح، وإلى دروس الجامعة في المساء، ثم ضعفت صلته بالأزهر، ولم يعد يذهب إليه إلا مرة أو اثنتين، وكان قد أنفق في الأزهر أربع سنوات وباقي له ثماني.

الطريق إلى الجامعة

الجزء الثالث من الأيام يبدأ هنا تحديدًا وهو في مفترق طرق. لقد كره الدراسة في الأزهر ومنهجه وجموده وقيامه على الحفظ والتلقين، ولم يعد بوسعه الاستمرار، كما كان مهددًا بالرسوب وضياع مستقبله تمامًا، إلا أنه سمع بإنشاء الجامعة المصرية، وكانت أمرًا غامضًا يفوق مستوى تفكييره، فالتعليم يكون إما في الأزهر أو المدرسة، وبصعوبة فهم المقصود وتشجع للتقدم إليها إلا أنه خاف ألا تقبله لأنه كفيف. المفاجأة أنه تم قبوله، والمفاجأة الأكبر المناهج وطرق التدريس لمنهج يُدعى الحضارة الإسلامية، أو منهج أدبيات الجغرافيا والتاريخ الذي يدرسّه أستاذ إيطالي يتحدث العربية أو الحضارة المصرية القديمة.. شعر الفتى بانقلاب يطويه، وانفتحت الدنيا أمامه، حتى إنه تلقى خبر رسوبه في امتحان العالمية الأزهرية ببرود، على الرغم من أن رسوبه لم يكن بسبب ضعف مستواه العلمي، بل صدر قرار من الشيخ الأكبر بإسقاطه مهما كانت الظروف بسبب مناقشاته وجداله وهجومه المستمر على المناهج.

يذكر طه حسين عددًا من الأسماء التي أعجب بأصحابها مثل الشيخ المرصفي والشيخ عبد العزيز جاويش والشيخ رشيد رضا، ومن الأفندية لطفي السيد، وعرف طريقه لبعض دور الصحف وبدأ في نشر بعض مقالاته، وتطاول في بعضها على قامات كانت مشهورة آنذاك مثل المنفلوطي، وللمرة الأولى في حياته يغشى ندوة أدبية تقيمها سيدة في بيتها وتجلس بين الرجال وهي الآنسة مي زيادة، والكارثة أنها رحبّت به وتبادلت معه حديًثا ليس قصيرًا!

ذكاء الفتى ونبوغه قاده لتعلم الفرنسية من خلال عدد من الأساتذة الأجانب والمصريين، ولحُسن الحظ أن إحدى الصحف نشرت إعلانًا من الجامعة عن إرسال بعثتين من بعثاتها إلى السوربون، وكان من الجسارة بحيث كتب على الفور إلى رئيس الجامعة يطلب أن توافق الجامعة على أن يكون أحد المبتعثين لدراسة التاريخ، ولم ينس أن يذكر أن هناك شرطين لا ينطبقان عليه وهما الحصول على شهادة الثانوية، كما أنه مكفوف البصر.

كان ذلك عام 1913 وبعد أخذ ورد لأن الجامعة كانت ستتكلف نفقات إضافية بإرساله مع مرافق، لم تستطع الأخيرة أن تتملص عندما أعلن أنه سيتقدم هذا العام لنيل شهادة الدكتوراه في الآداب، ورضخت الجامعة بعد إرجاء الموافقة لحين حصوله على الدكتوراه في آثار شاعر كبير وكفيف مثله هو أبو العلاء المعري، وكان أول طالب يحصل على هذه الدرجة في الجامعة المصرية.

وهكذا بدأت مرحلة جديدة في حياته. نال أولًا 20 جنيهًا جائزة له، وهو مبلغ يزيد عن راتب أبيه عن شهر كامل، كما دُعي لمقابلة الخديو عباس لتهنئته، والأهم أنه قبل أن يمر العام وبعد عدة رسائل للجامعة من جانبه تمت الموافقة على سفره لفرنسا، وبينما هو يستعد للسفر بالفعل، أعلنت الجامعة عن استرداد طلابها المبتعثين في أوروبا ووقف إرسال طلاب جدد بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى.

 ماذا يفعل صاحبنا أمام ما اعتبره كارثة؟!

فعل أغرب ما يمكن فعله: تقدم للجامعة بطلب ليُقبل مدرسًا بالجامعة وهو في نهاية الأمر حاصل على الدكتوراه. المثير للدهشة أن الجامعة وافقت بل وتقرر له مبلغ خمسة جنيهات كل شهر مكافأة له على عمله، وبدأ بالفعل في إعداد محاضراته، لكنه ما لبث أن تلقى بعد كل ذلك أمرًا بالاستعداد للسفر، إلا أن الجامعة أعلنت أنها لن تتكلف الإنفاق على مرافق له، وكان الحل أن يسافر معه شقيقه ويقتسمان المبلغ الذي قررته الجامعة لطه حسين وحده.

الفتى في فرنسا

أخيرًا تحقق الحلم وبدأ دراسته في مدينة مونبلييه. لا يمكن تصور حجم الصعوبات التي واجهها. فعلى سبيل المثال كانت الدراسة بالفرنسية التي لم يكن يجيدها وباللاتينية التي لم يكن يعلم عنها شيئًا. بادر بتعلم القراءة بأصابعه وهو ما كان متوافرًا بالفرنسية أما اللاتينية فلم يكن ممكنًا تعلمها بتلك الطريقة.

 من جانب آخر، سرعان مابدأت الخلافات بينه وبين شقيقه حتى افترقا وسكن كل منهما وحده، مما زاد من تكاليف الحياة عليهما، لكن ما عصف به تمامًا هو وقوعه في الحب. تعرّف على زميلته سوزان التي كانت تساعده بأن تقرأ له. كتب يصف صوتها «كأنه تلك الشمس التي أقبلت في ذلك اليوم من أيام الربيع، فجلت عن المدينة ما كان قد أطبق عليها من السحاب الذي كان بعضه يركب بعضًا، والذي كان يقصف ويعصف حتى ملأ المدينة أو كاد يملؤها أشفاقًا وروعًا. وإذا المدينة كلها تصبح إشراقًا ونورًا، ويضيف: «سمع الفتى ذلك الصوت يقرأ عليه شيئًا من شعر راسين ذات يوم، فأحس كأنه خلق خلقًا جديدًا، ومنذ تلك الساعة التي سمع فيها ذلك الصوت لم يعرف اليأس إلى نفسه سبيلًا. ولم يعرف الفتى أنه أحب الحياة قط كما أحبها في الثامن عشر من شهر مايو من ذلك العام».

وهنا أود أن أشير إلى أن كتاب «معك» لرفيقته سوزان ضروري، فكلاهما يشترك في رواية قصة حبهما والسنوات التي تلتها، وإذا كان طه حسين يتوقف -في الأيام- عندما عاد من فرنسا في أعقاب ثورة 1919 وحصوله على الإجازة العلمية التي عُيّن بموجبها أستاذَا بالجامعة، فإن سوزان تبدأ وتنهي كتابها بيوم محدد هو التاسع من يوليو 1975 «بعد مضي ثمانية وخمسين يومَا على اليوم الذي وحدّنا فيه حياتينا، وبعد مُضّي ما يقرب من العامين على رحيلك عني» حسبما كتبتْ.

caption

يذكر كلا منهما الرواية نفسها حول ارتباطهما، فقد صارحها بحبه ذات مرة عندما كانت تقرأ له، فأجابته بفظاظة أنها لا تحبه. ولم يكن ذلك نهاية المطاف فقد عاد كل منهما للآخر، وأسهم عم لها كان قسا وكانت تحبه وتثق فيه في حسم ترددها، بعد أن التقى بطه وانفردا معًا يتجاذبان أطراف الحديث بعض الوقت، وأخبرها عمها أنه يرشحه لها زوجًا، على الرغم من معارضة الأسرة.

وفي النهاية يختتم طه حسين أيامه بعد عودته من فرنسا مصطحبا زوجته ورفيقته سوزان إلى الوطن ليبدأ مرحلة جديدة خاض فيها معاركه وتقلّد العديد من المناصب، ومن بينها توليه الوزارة، وبعد أن أرسى دعائم الحرية والعقل والعداء للاستبداد ومقاومته عبر 47 كتابًا مؤلفًا وتسعة كتب مترجمة ما زالت جميعها حتى الآن مؤثرة ومقروءة، كما سبق أن أشرت للطبعة الأخيرة من «الأيام» التي نشرت عام 2021.  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن