عاشت عائشة السيد (40 عامًا) في شقاء على مدار سنوات. كانت تعاني بشكل منتظم من آلام حادة بالرأس والمعدة. كما كانت تتعذب أثناء نومها بكوابيس تبدو حقيقية للغاية، بينما تسمع وهي مستيقظة أصواتا وتنتابها هلاوس مخيفة.
يقول شقيقها أحمد السيد: "جربنا كل حاجة. الأول رُحنا لدكتور لكن ما عرفش يعمل حاجة. وصف لها حبوب خلتها تتدهور أكتر. بعد فترة وصلنا لقناعة بأن مشكلتها أكيد روحانية، عشان كده أخدناها الجامع".
طلبت عائشة وعائلتها المساعدة من أحد الشيوخ، وعندما وجدوا أنه غير قادر على مساعدتهم زاروا شيخًا آخر، لكنه لم ينفعهم أيضًا. يضيف الشقيق: "قررنا إن كل الشيوخ دجالين. خدناها لكذا واحد وكلهم قالوا نفس الشيء. كلهم أخدوا فلوسنا وما عملوش حاجة".
بعد استنفاد كل الخيارات لجأت العائلة إلى أكثر الخيارات تطرفا: أخذوا عائشة إلى كنيسة القديس سمعان الخراز القبطية على أمل الانتفاع بما تقدمه من علاج روحاني.
فالأب سمعان وفريقه يقدمون كل خميس خدمة طرد الأرواح للمصلين الحاضرين.
بنى الأب سمعان كنيسته في السبعينيات، واستمرت الكنيسة في التوسع حتى التسعينيات. ومع مرور الوقت أصبحت أكبر كنيسة بالعالم تقع داخل كهف، وعلى مدار عقود قدمت خدمة طرد الأرواح لكل من يطلبها.
حين زرنا الكنيسة الشهيرة بالمقطم كانت حشود متزايدة تتجمع في انتظار قداس مساء الخميس. معظمهم من سكان المنطقة المعروفة بـ"الزبالين"، المركز غير الرسمي لتدوير نفايات القاهرة. يلعب الأطفال في ساحة الانتظار المصفوفة بالمقاعد أمام الكنيسة، بينما يتبادل الكبار الحديث في مرح.
يبدو واضحًا على أفراد عائلة سعيد من زيهم الإسلامي أنهم دخلاء، ويشي بذلك أيضًا قلقهم الواضح. لكنهم ليسوا الوحيدين، ففي المكان أيضا مجموعات متفرقة من الزائرين المسلمين يجلسون بعيدًا عن الحشد المألوف. معظمهم مثل عائشة وعائلتها لم يزر كنيسة من قبل، وإنما جاؤوا اليوم من شدة اليأس. يعانون من مشكلات متنوعة، من المشاكل الذهنية إلى العقم، ويأملون جميعًا أن يجدوا العلاج في الخدمة المقدمة مجانًا كل يوم خميس.
هاني، زائر آخر ينتظر مع زوجته. مضت سبع سنوات على زواجهما دون أن يتمكنا من الإنجاب. في البداية زاروا طبيبًا أجرى بعض الفحوص للتأكد من قدرة هاني على الإنجاب، وبعدها اتجه هاني إلى أحد الشيوخ عندما أدرك أن الطبيب غير قادر على مساعدته أكثر من ذلك. يقول: "الشيخ ما عرفش يعمل حاجة. قال لي فيه وحد عامل لك عمل ومراتك الرحم عندها ملبوس وعشان تحمل لازم تطرد الجن".
بينما تغرب الشمس فوق أبراج الحمام والمآذن، يقاد حاضرو جلسة طرد الأرواح إلى داخل كنيسة بها 20 ألف مقعد، ليجلسوا في قسم خاص بالمقدمة. أما المصلون العاديون فيتوجهون إلى المدرج أعلاهم ليبدأ القداس. تستمر الجلسة ما يزيد قليلا على الساعة، وتنتظر عائشة وعائلتها طوال ذلك الوقت. مع انتهاء القداس يبدأ المصلون في مغادرة الكنيسة، ويحول الأب سمعان انتباهه إلى الزائرين الذين حضروا طالبين طرد الأرواح والمصطفين للصعود على المنصة لتلقي العلاج.
يقف أحمد سعيد وحده في المقصورة العلوية، يراقب في دهشة أخته وهي تنتظر دورها. يحيي فريق الأب سمعان الحاضرين تباعًا، ويقودونهم إلى القس الملتحي الذي وقف وفي يديه صليب مزخرف وزجاجة من المياه المقدسة. كلما رفع الأب الصليب أمام وجه أحدهم ورش المياه بعنف على وجهه جاء رد فعل المتلقي غير متوقع. يطلق معظمهم صرخات ألم، ويبكي العديد منهم، حتى إن بعضهم يغيب عن الوعي.
عندما يقترب دورها تبدأ عائشة في الارتعاد. تؤخذ إلى القس وتجلس على المقعد المقابل له. عندما يلقي القس المياه المقدسة عليها تطلق صرخة معذبة. تنسال الدموع على وجهها بينما يستكمل الأب سمعان الشعائر.
بعد هذه التجربة القاسية تؤخذ عائشة إلى مقصورة هادئة ويوجه لها الفريق بعض النصائح بلهجة رصينة، وتلاحقها نظرات أخيها القلقة من بين الصفوف. عندما تتمكن أخيرًا من استجماع قواها للوقوف تظل ترتجف لكن يبدو عليها الهدوء. وعندما تُسأل عن شعورها تجيب: "بخير، دلوقتي حاسّة أني بخير".
مع انتهاء جلسة طرد الأرواح يُصطحب الأب سمعان، 74 عامًا، إلى خارج الكنيسة ليركب سيارة تنتظره في النفق المؤدي إلى خارج الكهف. سرعان ما يمتلئ النفق بأصداء صرخات تأتي من إحدى الحاضرات التي لم تشعر بجدوى العلاج كما كانت تأمل. تتوسل السيدة إلى القس ليفعل شيئًا لها، ويضطر طاقم عمل القس إلى التدخل لحمايته. يقدم لها الأب سمعان ما يستطيعه من إرشاد روحي من مقعد الراكب بسيارته، لكنه بعد قضاء 15 دقيقة مع السيدة يضطر في النهاية إلى تركها باكية في الممر. أما عائشة وعائلتها فيغادرون في هدوء، على ثقة من أن معاناتهم الطويلة قد انتهت.
غير أن الدكتورة بسمة عبد العزيز، من الأمانة العامة للصحة النفسية بوزارة الصحة، تشير بقلق إلى أن هذه قد لا تكون النهاية.
"حالة عائشة تشير إلى أعراض الذهان. كثيرًا ما يصادفنا ذلك. يفضل الناس لأسباب مختلفة عدم المجيء إلى المستشفى، فما زال ذلك مرتبطًا بوصمة عار، ولهذا السبب لا يوجد وعي كافٍ بمشاكل الصحة النفسية في مصر".
ما يثير قلق د. بسمة هو أن مثل هذه الممارسات الروحانية قد تأتي بنتائج عكسية. تقول: "أحيانًا لا تكون هناك مشكلة جسدية بالمريض، وفي تلك الحالات قد يجدون بعض الراحة أو الاطمئنان في زيارة الشيخ أو القس. لكن في أحيانٍ كثيرة تكون هناك مشكلة نفسية خطيرة ومستترة، وقد تتطور على مدار الوقت الذي يمر قبل أن يأتوا إلينا. كثيرًا ما يلجأ الناس إلينا كملاذٍ أخير، وكثيرًا جدًا ما يكون ذلك بعد فوات الأوان".
وترى د. بسمة أن بعض جذور تلك المشكلات يكمن في المنظومة الصحية الحكومية نفسها. "ليست لدينا مرافق كافية. القطاع الخاص لديه مرافق أكثر بكثير ومع ذلك لا يوجد ما يكفي من المستشفيات والعيادات حتى في القطاع الخاص. نحتاج إلى مرافق أكثر وإلى دمجنا بشكل أكبر في المجتمع. هناك العديد من النقاط التي يمكن العمل على تحسينها، لكن هناك أيضًا أمور لا يسعنا فعل أي شيء حيالها".
بعد أسبوع من الجلسة ما زالت الحالة المعنوية لعائلة عائشة مرتفعة. تقول عائشة: "لأول مرة من سنين بقيت بأنام بشكل منتظم. كان عندي آلام بشعة في رأسي ومعدتي، غير أحلام كأنها حقيقية عن الاغتصاب والعنف، لكن دلوقتي سعيدة جدا.. كل ده راح. أتمنى ما أعديش بالتجربة دي تاني أبدا".
ما زالت عائشة وعائلتها متمسكين بأمل أن محنتها قد انتهت. لكن لن يفصل في حالتها، وحالات العديدين مثلها، سوى الزمن.
تقارير ذات صلة
الضريبة على «المشروبات المُحلاة».. بحثًا عن صحة أفضل أم موارد أكثر؟
مصدر: وزارة المالية متحفظة على إقرارها تجنبًا لأية إجراءات قد تغذي صعود التضخم الذي بدأ في التحسن
تطوير مستشفى هرمل لم يصل إلى المرضى بعد
تستمر معاناة المرضى بشكل يومي، في انتظار إجراءات «التطوير»
«التصرف السياسي» يحكم مصير إمبراطورية «بلبن»
إمبراطورية «بلبن» من «آسفين عشان جامدين» إلى «لو في غلط متقتلنيش».. فلم يقتلوا
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن