شعبان لن يغادر «ماسبيرو»
كيف تتفاوض؟ أو صراع السكان للبقاء في وسط المدينة
خلال سبع سنوات، بَنَت الحكومة في منطقة مثلث ماسبيرو، صاحبة الإطلالة النيلية في وسط البلد، خمسة أبراج متصلة على شكل قوس، شاهقة الارتفاع عن ما حولها. أخرجت السكان من المثلث وهدمت بيوتهم القديمة وخططته بالكامل، ثم سلّمت 30% من السكان القدامى شققًا في الأبراج بعد أن اختاروا العودة إلى الحي، من ضمن خيارات أخرى. لكن محمود شعبان، مؤسس «رابطة أهالي ماسبيرو»، والذي خاض معركة للبقاء في المنطقة، لم تنته معركته مع الحكومة بعد.
يعمل شعبان مدرس عربي في مدرسة الاتحاد القومي الابتدائية المشتركة، وفي أوقات فراغه يبيع العطور المُركبة التي يشتري زيوتها ويصنعها في بيته. وحين يتعلق الأمر بحي ماسبيرو الذي يسكن به، يعرف نفسه بـ«ممثل المستأجرين بمثلث ماسبيرو وقت التفاوض».
رغم عدم إعجابه بالطريقة التي نُفذ بها مشروع «تطوير مثلث ماسبيرو» سواء من حيث بناء أبراج ضخمة لا تناسب الطراز المعماري داخل نطاق القاهرة الإسماعيلية، أو عدم مراعاة الظروف الاقتصادية لسكان المنطقة وبيع الوحدات لهم بطريقة استثمارية، وتجاوز تنفيذ المشروع لتخيلاته المبكرة منذ بداية الألفية لإحلال وتجديد المنطقة، إلا أنه يشعر براحة بال.
نجح شعبان على الأقل في العودة مع عدد من الأهالي إلى المثلث، بعد سبع سنوات من مغادرته. وهو الآن يقطن في الطابق الثامن من برج شاهق في منطقة لطالما كانت مقصدًا محوريًا للاستثمار من قبل الدولة والقطاع الخاص. ولا تزال تجربة محاولته إشراك الأهالي في خطة التطوير، التي خاض معركتها منذ عام 2008، ترافقه.
على مدى عام ونصف بعد استلام شقته في الأبراج، لم يمل من تكرار مطالبة العاملين في جهاز مثلث ماسبيرو بتركيب الإضاءة داخل ممرات الأبراج، وتشغيل غرف القمامة المركزية، بالإضافة إلى صيانة خزانات المياه.


مثلث ماسبيرو
تبلغ مساحة مثلث ماسبيرو *75 فدانًا، وقدَّر مثمِّنو الأراضي قيمتها بثمانية مليارات جنيه في أكتوبر 2016، أي ما يعادل مليار دولار في ذلك الوقت.
يتبع المثلث حي بولاق أبو العلا المطل على الجانب الغربي من نيل القاهرة، والذي كان ميناءً محوريًا في التجارة الداخلية حتى أواخر القرن التاسع عشر، ومع ذلك لا يوجد تاريخ رسمي للمثلث، بحسب الباحث العمراني، أحمد زعزع. يقول زعزع لـ«مدى مصر» إنه «وفقًا للتاريخ الشفهي في المنطقة، كانت أراضي المثلث جناين ملكًا لشركس باشا، أحد الأعيان العثمانيين الذين امتلكوا مساحات كبيرة من الأراضي في المنطقة، وقد خصص جزءًا منها لبناء منازل العاملين لديه، وقبل أن يُغادر البلاد مع جلاء الإنجليز عن مصر في عام 1952، أوقف الأرض لصالح من يعيشون عليها لمدة 20 عامًا، على أمل أن يعود لاحقًا».
تُوفي شركس باشا قبل أن يعود. وبعد انتهاء فترة الوقف، انتزعت الحكومة ملكية أجزاء من الأراضي لصالح بناء مبنى وزارة الخارجية ومقر الإذاعة والتليفزيون وجراج ماسبيرو ثم حديقة وزارة الخارجية، ثم تواصلت مع أحفاد شركس باشا لبيع 40% من أراضي المثلث لصالح كل من الشركة السعودية والشركة الكويتية، حسب تصريحات رئيس الوزراء الحالي، مصطفى مدبولي، لصحيفة أخبار اليوم القومية، في التاسع من أكتوبر عام 2010، عندما كان رئيسًا لهيئة التخطيط العمراني.
اشترت الشركتان الأراضي من مالكيها أحفاد شركس على أمل هدمها وإعادة بنائها، لكن لأن البيوت كانت مؤجرة بنظام الإيجار القديم، لم تتمكن الشركتان من تنفيذ مشاريعهما، واكتفت بتحصيل الإيجارات التي فقدت قيمتها إثر التضخمات المتتالية على مدى عشرات السنين. وبقيت أرض المثلث دائمًا محل اهتمام من الحكومة في الاستثمار باعتبارها أكثر الواجهات النيلية للقاهرة تميزًا لوجودها في وسط المدينة، إلا أن السكان كانوا العقبة.
محمود شعبان أحد هؤلاء السكان. ولد في المثلث لأب أتى إلى القاهرة في الخمسينيات من محافظة أسيوط. عمل موظفًا في مؤسسة الأهرام، أكبر المؤسسات الصحفية التي تملكها الدولة، وسكن في مثلث ماسبيرو كونه أقرب مربع سكني من شارع الجلاء حيث تقع «الأهرام». استأجر الوالد بنظام قانون الإيجار القديم الدور الأرضي في منزل من طابقين لعائلة تنتمي للجيل الثاني ممن أوقف لهم شركس باشا تلك البيوت. عاش بالمثلث وأنجب خمسة أبناء. في الثمانينيات، هاجرت العائلة المالكة للبيت، واستأجر والد محمود شقتي الطابق الثاني، وأصبحت أسرة شعبان المستأجر الوحيد للبيت. وبعد سنوات، عندما توفي والد محمود، غادر أخوته المنطقة واحدًا بعد واحد ولم يبق سواه في البيت.
مساكن زينهم
على بُعد كيلومترين شرقًا من نيل وسط القاهرة، كان مشروع تطوير مساكن زينهم في السيدة زينب قد اكتمل في عام 2003. قبل التطوير، خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، جذبت التلة الصغيرة الوافدين للعمل في القاهرة بأجور متدنية، بنوا لأنفسهم مساكن بدائية دون أي إشراف من الحكومة أو المحافظة أو الحي، وبعد إحدى زياراتها لمقر جمعية الهلال الأحمر بالقرب من مساكن زينهم، قررت سوزان مبارك، زوجة الرئيس السابق، تطوير المنطقة.
أُوكلت إدارة المشروع للجمعية كمشروع غير هادف للربح في 1998، وبلغت التكلفة الإجمالية 200 مليون جنيه، ساهمت محافظة القاهرة بـ50 مليون جنيه، وجمعت «الهلال الأحمر» باقي المبلغ تبرعات من رجال الأعمال. وقد ساعد ارتباط اسم سوزان مبارك بالمشروع على الاهتمام بالمساهمة من جانب الحكومة ورجال الأعمال والمقاولين.
نُقل وقتها السكان إلى إسكان حكومي مؤقت، في مدينة السلام شمال القاهرة وحلوان أقصى جنوبها، وانتهت الجمعية من هدم المنازل والحفر ومد البنية التحتية وبناء منازل جديدة.
عندما سمع شعبان عن عودة سكان زينهم بعد تطوير منطقتهم، ذهب لاكتشافها في عام 2003. وجد مجموعة بنايات صغيرة ذات أربعة أدوار وسط مساحات كبيرة من الحدائق. قابل السكان الجالسين في الحدائق الممتدة أمام منازلهم، وسمع منهم كيف جرت عملية إعادة إحلال وتجديد المنطقة.
«تطوير زينهم كان حالة فريدة في التعامل مع العشوائيات»، يقول شعبان، وبسبب المساحات الخضراء التي توافرت في المشروع، وعدم تحميل السكان أي أعباء مالية من الحكومة نظير قيامها بالمشروع، رأى سكان الأحياء الأخرى أن مساكن زينهم هي النموذج المثالي لمفهوم التطوير الذي يرغبون في تطبيقه على أحيائهم.
بعد عودته من زيارة مساكن زينهم، التقى جيرانه في مثلث ماسبيرو وحاول إقناعهم بفكرة الإحلال والتجديد. نجح في إقناع 12 شخصًا، ورأى باقي الجيران أنه من المستحيل أن تطور الحكومة حيًا تسعى لبيعه. يقول «كنا نسمع من ساعة ما اتولدنا إن الحكومة باعت المثلث. باعوه لمين؟ لشركة سعودية وكويتية. إمتى؟ وبكام؟ والدولة باعته ليه؟». سيطرت عليه الأسئلة، لكن «زينهم» جعلته يشعر أن فكرته لها بُعد منطقي.
تواصل مع جمعية الرعاية المتكاملة، وأرسل لها فاكسات موجهة لرئيسة مجلس إدارة الجمعية وقتها سوزان مبارك. استخدم في الخطابات لغة مديح وإشادة بتجربة «زينهم»، متعمدًا، كي يلفت انتباه الموظفين إلى رسالته، وطلب منها تطبيقها في «ماسبيرو».
صخرة الدويقة
في سبتمبر عام 2008، انهارت صخرة من هضبة المقطم على مجموعة بيوت بحي الدويقة شرق القاهرة. تسبب الحادث في تدمير أكثر من 166 منزلاً ومقتل أكثر من 119 مواطنًا، وبدأ الخوف ينتقل إلى سكان أحياء القاهرة القديمة من سهولة أن تتأثر بيوتهم بأي ظواهر طبيعية كالسيول والزلازل. كان زلزال 1992 الذي ضرب القاهرة عالقًا في أذهانهم.


عندما حاول شعبان صيانة بيت عائلته، اكتشف أن سكان «ماسبيرو» ممنوعون بصورة غير رسمية من تنكيس منازلهم. اشترطت محافظة القاهرة على من يرغب في صيانة منزله الحصول على ترخيص يؤخذ من رئاسة الحي. ذهب إلى رئاسة حي بولاق، «وكان الحي يرفض دائمًا بدعوى أن المنطقة يجرى لها دراسة لتطويرها»، بحسب شعبان.
وبحسب تصريحات رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي، لصحيفة أخبار اليوم، في أكتوبر 2010، عندما كان رئيسًا للهيئة العامة للتخطيط العمراني، وضعت الهيئة العامة للتخطيط العمراني مخططًا لتحويل المنطقة إلى حي إداري ومالي، ضمن مشروع القاهرة 2050.
كان المشروع الذي وضعته الهيئة يهدف إلى تحويل المثلث بالكامل إلى مبانٍ إدارية، ومولات تجارية، وفنادق، مع قناة تتخللها متصلة بنهر النيل. واختفى السكان تمامًا من المخطط الذي كان يرى ضرورة تهجيرهم لتنفيذه، مع تعويضهم إما بوحدات سكنية على أطراف القاهرة أو في المدن الجديدة، أو بمبالغ مالية.
لذلك، «أصبح طلب التنكيس بلاغًا ضد البيوت وساكنيها»، يقول شعبان. «إذا فكرت تقدم طلب تنكيس، تنزل لجنة للبيت، وتكتب تقرير بخطورة وضعه، ويصدر له قرار إزالة فورًا. ولو قررنا تنكيس البيت من غير ترخيص، نواجه الحبس».
سباحة ضد التيار
قرر شعبان السعي في طريقين لمحاولة أن يكون الأهالي طرفًا في خطة التطوير: «طريق إعلامي وطريق شعبي». يقول «أصعّد المسألة إعلاميًا والناس تعرف إن فيه حاجة اسمها مثلث ماسبيرو وسكان لهم مطالب. وفي نفس الوقت أكوّن ظهير شعبي معايا بحيث إن المزاج العام للسكان يكون مصدّق فكرة الإحلال والتجديد».
استهدف أصحاب البقالة والحلاقين والمحال التي يتردد عليها لإقناعهم أولًا، وبدورهم يقنعون السكان. خارج الحي، كوّن شبكة تواصل مع مجموعة من الصحفيين، يبلغهم بأي أخبار تحدث في المثلث.
عمله كمدرس عربي أكسبه مهارة التواصل معهم، يرسل نداءات استغاثة إلى بريد القراء في الصحف القومية مثل الأهرام والأخبار، ويرسل للصحفيين معلومات عن أي أحداث تقع داخل الحي أو يتعرض لها السكان. ومن حين لآخر، كان يسعى من أجل استضافته في برامج التوك شو على القنوات التليفزيونية بصفته ممثلًا لسكان ماسبيرو. استمد بتلك الطريقة قوة إعلامية للضغط من أجل أهدافه للحي.
«نتيجة لعدم سماح الحكومة للسكان بتنكيس بيوتهم، انهار بيتان على السكان في مايو 2008» يقول شعبان. بعد هدم البيتين، ذهب موظفو الحي وضباط قسم الشرطة لتنفيذ قرارات إزالة صادرة لبعض المنازل بدعوى خطورتها على السكان دون توفير بديل لهم، وأمام رفض السكان مغادرة المنازل لتنفيذ الإزالة، «أخذت الجلالة» شعبان، بحسب تعبيره، وطلب من رئيس الحي ومأمور قسم الشرطة توفير سكن بديل للسكان قبل تنفيذ الإزالة، ووعدهم في حالة تنفيذ ذلك، سيتولى إقناع السكان بمغادرة منازلهم، أو أن يأخذ منهم إقرارًا ببقائهم في المنازل على مسؤوليتهم الشخصية، هذان الخياران جعلا السكان يلتفون وراء شعبان. ولم يستطع موظفو الحي ومأمور القسم مجادلته أمام الجمع.
بسبب ذلك الموقف، بحسب قوله، «بدأت الناس تثق فيّا. كانوا يتصلوا بيا وأنا في المدرسة لو أي لجنة من الحي دخلت المثلث، كنت وقتها أسيب المدرسة وأجري على المنطقة. وفي المدرسة كانوا عارفين إني متولي القضية فالمدير كان بيتغاضى عن إني أغيب أو استأذن قبل انتهاء اليوم الدراسي».
ما فعله كان «سباحة ضد التيار» بحسب تعبيره. أعتقد وقتها أن «فكرة إن الحكومة تنفذ ما يريده سكان الحي هي معادلة صفرية. حتى أعضاء البرلمان كانوا ضد مطالب السكان. وفي نفس الوقت، كانت الحكومة تملك القانون».
في 2009 صدر لمنزل شعبان قرار إزالة. كان ذلك بعد أن عرف ضباط الشرطة أن شعبان هو من ينسق اجتماعات السكان في الحي للنقاش حول قضية التطوير، ويبلغ الصحفيين بالأخبار ويصطحبهم إلى الحي، بحسب شعبان. أقام دعوى في مجلس الدولة ضد محافظ القاهرة ومأمور قسم بولاق ورئيس حي بولاق لإبطال قرار الهدم بحجة أنه قرار كيدي، وحصل على تقارير من مكاتب استشارية أقرت عدم خطورة بيته.
«على فكرة القضية شغالة لغاية دلوقتي، حتى بعد ما المنطقة هُدمت واستلمنا الوحدات الجديدة»، يقول شعبان ضاحكًا. «كنت حاسس إني في حرب مع الحكومة كلها، لكن كنت مؤمن بقضية وماشي فيها، فالمعركة أصبحت إني عاوز أكسب وقت». حصل شعبان على قرار من المحكمة في 2010 بوقف قرار الهدم لحين البت في الدعوى.
أثر ذلك الصراع عليه نفسيًا. «كنت أسهر لـ6 صباحًا وأروح المدرسة. مفيش نوم، مفيش أكل». انتابه الخوف من غياب المعلومات المقدمة من الحكومة عن المثلث، ورأى أن عينها على الأرض فقط. وتراه لا يستحق العيش فيها.
وقعت مواجهة أخرى بين شعبان والحكومة في آخر يوم من نوفمبر 2010، بعد يومين من انتخابات مجلس الشعب. جاءت قوات من الشرطة في الظهيرة وفرضت كردونًا أمنيًا على الحارة لتنفيذ قرارات الإزالة لبعض بيوت المثلث. تلقى شعبان مكالمة من أحد جيرانه أخبره فيها أن مأمور قسم الشرطة متواجد ويطلب من سكان المنازل الصادر لها قرار إزالة إخلاء بيوتهم.
ترك شعبان المدرسة وركض باتجاه المثلث. عبَر شارع رمسيس المزدحم، وتمكن الخوف منه. اعترضته مظاهرة أمام نقابة المحامين تنديدًا بوقائع التزوير التي وقعت في انتخابات مجلس الشعب قبلها بيومين، ولاحظ تواجد مجموعة من الصحفيين جاؤوا لتغطية المظاهرة، وعندما وصل إلى الكردون الذي حاوط المثلث، منعه العساكر من الدخول، لكنه نجح في تخطيهم من الشوارع الجانبية، ووقف أمام مأمور القسم.
دخل أحد البيوت واتصل بالصحفيين ممن كانوا يتواصلون معهم. كان أغلبهم موجودًا بجانبه في مظاهرة نقابة المحامين. أخبرهم أن الشرطة تحاول إخراج السكان من بيوتهم، ووصف لهم طريق الدخول من البيوت المهجورة. رآه أحد أمناء الشرطة المشرفين على عملية إخلاء البيوت، وأبلغ المأمور أن شعبان اتصل بالصحفيين، وأعطى أمر للعساكر بعدم دخول أي شخص، لكن المكان امتلأ بالصحفيين بشكل مفاجئ. بدأوا يجرون لقاءات صحفية مع السكان أمام المأمور، ويلتقطون صورًا للكردون الأمني. وقف شعبان أمام المأمور ورئيس الحي، وقرر المأمور التراجع حتى لا تقع مشاحنات بين قواته والأهالي في حضور الصحفيين.
يرى شعبان أن لولا هذا اليوم لقضي على فكرة الإحلال والتجديد. «كنا خارجين إجباري رايحين لمساكن تبعد عنا 40 كيلو متر».
استمرت المظاهرات بعد ذلك على مدار شهرين، حتى قامت ثورة يناير وتوقفت المشاريع الحكومية. «غيّرت الثورة كل شيء في حياة سكان ماسبيرو» يقول شعبان.
العصر الذهبي
إحدى نتاجات سنوات الثورة زيادة المبادرات الاجتماعية وانفتاح المجال العام. في مارس 2011 أسس الباحث العمراني، أحمد زعزع، مع مجموعة من الباحثين العمرانيين، مبادرة باسم «مَدْ»، عملت على «مشروع تشاركي لتطوير مثلث ماسبيرو». كانت الفكرة وراء المبادرة عمل مجموعة من العمرانيين والحقوقيين مع السكان لتقديم مشروعًا لتطوير المثلث يوازي مشروع الحكومة. يصف زعزع تلك الفترة بالعصر الذهبي للعمل العام، كانت تلك الفترة التي سبقت الانغلاق التدريجي وغير المسبوق. استأجر الفريق مقرًا داخل المثلث، وعلى مدار ستة أشهر، عملوا على إعداد بحث تشاركي مفصل يغطي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية للحي وموقعهم، بمعاونة «رابطة أبناء مثلث ماسبيرو»، التي أسسها شعبان.
«لم يكن السكان مرحبين بأعضاء المبادرة في البداية، بسبب موجة الاستقطاب الكبيرة التي شهدها عام 2013 بعد الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين، وتصاعد خطاب الكراهية» بحسب شعبان، لكن تواجده مع أعضاء الفريق أكسبه دورًا كلاعب وسط بين الأهالي وفريق المبادرة. نظمت المبادرة مؤتمرات شعبية في المثلث لعرض فكرة المشروع التي وضعت السكان كمعطى أساسي في معادلة التطوير. قامت «مدّ» بمجموعة من الاستبيانات لمعرفة من يريد البقاء ومن يريد مغادرة المنطقة، ويقول زعزع إن النتائج أظهرت رغبة أكثر من 60% في البقاء، أي ضعف من عادوا من السكان الآن.
تلا الاستبيان ستة أشهر أخرى من البحث والتصميم بهدف ترجمة طموحات سكان المثلث إلى مخطط عام، دون إغفال حقوق المستثمرين والدولة في أملاكهم واستثماراتهم. وسُمّي المشروع «مشروع ماسبيرو التشاركي الموازي» لأنه كان موازيًا لمشاريع الحكومة التي قُدمت قبل الثورة وكانت أولويتها إخلاء المثلث.
بشكل عام، اعتمد مشروع «مثلث ماسبيرو التشاركي» على أن يتجمع الأهالي في الجهة الممتدة بطول شارع 26 يوليو، ليظل السكان قريبين من أماكن عملهم ومن خطوط المواصلات العامة والمترو، بينما تأخذ الحكومة والمستثمرين المنطقة المطلة على النيل.

عقدت مجموعة «مَدْ» مؤتمرًا شعبيًا آخر لعرض البحث وتصميم المشروع على السكان. حضر حوالي 1200 يمثلون 250 أسرة، وحضرت وزيرة التطوير الحضري وقتها، ليلى إسكندر، ونائب محافظ القاهرة اللواء محمد أيمن، الذي أثار غضب السكان بإعلانه أن مشروع محافظة القاهرة هو المشروع المعتمد، مما دفع إسكندر للاعتراض، مشيرةً إلى أن مثلث ماسبيرو هو حي ضمن مسؤوليات وزارة التطوير الحضري وهي الجهة التي تقرر أي المشاريع ستنفذ.
عرضت إسكندر مشروع «مَدْ» على رئيس الوزراء، إبراهيم محلب وقتها، وتمت دعوته لحضور مؤتمر شعبي في المثلث للإعلان عن مشروع التطوير، وأعلن خلال المؤتمر عن حق سكان «ماسبيرو» في التواجد في المثلث ولاقت الفكرة استحسان ممثلي الشركات الخليجية التي كانت حاضرة لامتلاكها حصة بالأرض.
تعاقدت الوزارة مع مجموعة «مَدْ» وأقيمت عدة اجتماعات أسبوعية مع ممثلي جميع أطراف الدولة المسؤولة عن منطقة ماسبيرو، مثل هيئة التخطيط العمراني ومستشار رئيس الوزراء ومحافظة القاهرة والجهاز القومي للتنسيق الحضاري ووزارة الإسكان ووزارة التطوير الحضري.
يقول زعزع إن الاجتماعات لم تكن إيجابية في البداية، ولكن من خلال عملية تفاوض طويلة وصعبة، تم الاتفاق على المبادئ الأساسية، وانتهى إعداد الخطة النهائية للمشروع في ديسمبر 2014، بعد أن أجرت المجموعة 14 اجتماعًا مع الحكومة، خلال ثلاثة أشهر، كانت تتفاوض فيها على أحقية السكان في المشاركة في تطوير منطقتهم. انتهت الاجتماعات بموافقة مجلس الوزراء على تخصيص 11 فدانًا من أرض المثلث لصالح السكان، على أن يبنى فيها مجموعة بيوت مكونة من خمسة أدوار كحد أقصى لمراعاة الطراز المعماري لمنطقة وسط البلد.
في ديسمبر 2014، وبعد الانتهاء من المخطط العام لتطوير المنطقة الذي وضعته مجموعة «مَدْ»، وقّع مجلس الوزراء من جانب و1500 أسرة من جانب «وثيقة توافق شركاء التنمية لمنطقة مثلث ماسبيرو». احتوت الوثيقة على المبادئ الأساسية لفكرة مشروع التطوير، والتي تضمنت الاتفاق على عدم إخلاء المثلث من السكان، وإعادة تخطيط المنطقة عن طريق الإحلال الجزئي، بمعنى بناء بعض المباني السكنية على الأراضي الخالية، ونقل مجموعة من السكان في المباني الجديدة، ثم يتم بناء أو ترميم منازل السكان الذين تم نقلهم للمباني الجديدة، ثم نقل مجموعة أخرى لتلك المباني السكنية، ويتم تكرار تلك العملية إلى أن يتم تسكين كل الأهالي الذين يريدون البقاء في المنطقة.
يقول زعزع إن ذلك الاقتراح كان نابعًا أولًا من اتباع أسلوب الإحلال الجزئي في مشروع عشش شارع السودان، الذي قام به صندوق تطوير المناطق العشوائية، بالإضافة إلى ضمان عودة السكان إذ أن هناك سوابق عديدة لسكان تم ترحيلهم من أحيائهم بشكل مؤقت، ولم يستطيعوا الرجوع، لأسباب عديدة.
في ديسمبر 2015، صدر قرار من المجلس الأعلى للتخطيط العمراني ومحافظ القاهرة باعتبار مثلث ماسبيرو منطقة إعادة تخطيط، ونُظمت مسابقة رسمية للمكاتب الاستشارية لتحويل المخطط العام للتطوير إلى مخطط تفصيلي.
لكن عقب خروج إسكندر من وزارة التطوير الحضري والعشوائيات، وتحول الوزارة لجزء من حقيبة وزارة الإسكان، تولت محافظة القاهرة والمجلس الأعلى للتخطيط ملف «ماسبيرو» مجددًا. اعتُمد مشروع مكتب المهندسة الاستشارية سحر عطية الذي قدمته في عام 2010، عندما كُلفت من قِبل المحافظة والمجلس الأعلى للتخطيط العمراني بوضع مخطط لمنطقة وسط البلد ثم مثلث ماسبيرو، وتشابه المخطط مع ما جاء في المشروعين السابقين. وفي عام 2016 أعلنت الحكومة أن المشروع الفائز هو مشروع عطية، ليتم عمل مناقصة لتنفيذ المشروع مباشرةً.

وفي مارس 2017، عرضت الحكومة على السكان ثلاث خيارات بديلة لإخلاء منازلهم. اختار ثلثي السكان التعويض المادي عن مساكنهم (100 ألف جنيه مقابل كل شقة تتكون من غرفة واحدة، و40 ألف جنيه عن ترك المسكن، و60 ألف جنيه عن كل غرفة)، والبعض اختار استلام وحدات بديلة في مدينة الأسمرات، الحي المبني حديثًا على أرض كانت خالية إلى وقت قريب في أحد امتدادات هضبة المقطم، والتي بنتها الدولة في محاولة منها «لمواجهة العشوائيات». أما شعبان، فكان ضمن 930 أسرة اختاروا العودة إلى المثلث بعد تطويره، وخصصت الحكومة لهم برجين سكنيين.
حصلت عائلة شعبان على 200 ألف جنيه تعويضًا عن شقتي الطابق الثاني، أما شقة الطابق الأول فاختارت الأسرة التعويض عنها بالإيجار البديل لحين استلام شقة في الأبراج الجديدة. أعطت المحافظة شعبان 40 ألف جنيه بدل إيجار لمدة ثلاث سنوات، وعدت خلالها بانتهاء تطوير المثلث، واعتبرت الـ60 ألف الباقية من قيمة التعويض عن الشقة القديمة دفعة مقدمة لامتلاك الشقة الجديدة، على أن يسدد شعبان باقي ثمنها بدفع 2850 جنيهًا شهريًا لمدة 30 عامًا.
في 2018 انتقل شعبان للسكن مؤقتًا في شقة مستأجرة بحي أرض اللواء في محافظة الجيزة بعد أن هدمت محافظة القاهرة المثلث وأعادت تخطيطه بالكامل، ووعدت بانتهاء التطوير خلال ثلاث سنوات تنتهي في 2021. لكن المشروع تأخر عامين آخرين.
يعيش أغلب أصدقائه القدامى الآن في حي الأسمرات، وبسبب بعد المسافة، انقطع التواصل معهم. صار يسمع عن زواج أو وفاة جيرانه بعد أسابيع.
مثلث ماسبيرو الآن
في مطلع صيف 2023، استلمت 930 أسرة شققها بالأبراج السكنية الجديدة. في مدخل أحد الأبراج، تجمع عدد من السكان، يتساءلون كيف ينقلون أثاثهم إلى الطوابق المرتفعة. يبلغ ارتفاع البرج الواحد 30 طابقًا، ولا تسمح الشركة المنفذة للمشروع باستخدام المصاعد الثلاثة الموجودة في البرج إلا للأشخاص فقط. اقترح بعضهم استئجار ونش لإدخال العفش من نوافذ البرج المطلة على النيل. وآخر ذهب لمحاولة التأثير على موظفي الأمن الذين عينتهم شركة المصاعد لحمايتها.

صعد شعبان إلى شقته الجديدة بالدور الثامن لمتابعة أعمال التشطيبات الأخيرة في شبابيك الالوميتال للنوافذ، ولوحة الكهرباء، وبعد أن انتهى، غادر المكان باتجاه ميدان عبد المنعم رياض، حيث تُرى بوضوح الأبراج المصفوفة بجانب بعضها. ألقى نظرة عليها والتقط صورة لها، وأرسلها على جروب واتساب جمع فيه الأسر التي اختارت العودة إلى مثلث ماسبيرو بعد تخطيطه. ذهب للجلوس في مقهى بشارع شامبليون بوسط البلد لإضاعة وقت الظهيرة.
ورغم حرارة الصيف، إلا أن شعبان بدى أكثر المتحمسين من أصدقائه الذين يجلسون حوله في المقهى، يتبادل الإفيهات مع النادل، ويسلم بحرارة على كل الموجودين من حوله.
يقول لي إنه يشعر الآن أن «الكابوس الذي استمر خمس سنوات انتهى بعودته إلى مثلث ماسبيرو».
* قمنا بتصحيح مساحة المثلث بعد تدقيقها من المصادر [الأربعاء 20 نوفمبر - 3:20 م]
تقارير ذات صلة
«النيل» في مزاد الجيش
مع بداية التحول للنيوليبرالية في بدايات الألفينيات، تغيرت فلسفة الدولة في التعامل مع الفراغ العام.
شقة أصبحت كنيسة.. حتى لا تتكرر مأساة «أبو سيفين»
لماذا استمر تحويل المنازل إلى كنائس في إمبابة؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن