س وج مع محمد الطاهر حول التوجيهات الأمريكية لمقاومة تشريعات حماية البيانات حول العالم
وجهت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الدبلوماسيين الأمريكيين بالضغط ضد محاولات إصدار تشريعات لتنظيم وحماية بيانات المواطنين في البلاد التي يعملون بها، بحسب برقية دبلوماسية كشفت عنها وكالة رويترز أمس.
البرقية التي أُرسلت بتاريخ 18 فبراير الجاري وحملت توقيع وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، اعتبرت أن مثل هذه التشريعات، والتي تأتي ضمن مبادرات لحماية خصوصية البيانات وتُعرف باسم «السيادة البيانية»، قد «تُعطل تدفق البيانات العالمي، وترفع التكلفة ومخاطر الأمن الرقمي، وتحد من الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة».
تمثل مسألة تدفق البيانات عبر الحدود نقطة خلاف كبيرة وتشكل محور الضغوط الأمريكية، وهي مسألة تنتقص كثيرًا من السيادة البيانية وتفتح الباب أمام إساءة استخدام هذه البيانات دون رقابة قانونية وتشريعية حقيقية طالما كانت تتم خارج حدود الدول.
ركزت البرقية بشكل أساسي على النظام الأوروبي العام لحماية البيانات GDPR؛ التشريع الأوروبي الذي بدأ تطبيقه في 2018 بهدف حماية بيانات وخصوصية جميع الأفراد داخل الاتحاد الأوروبي، ويركز بشكل كبير أيضًا على تصدير البيانات الشخصية خارج الاتحاد، وهي نقطة خلاف أساسية مع الشركات الأمريكية خصوصًا، والتي تعتمد في أغلبها على حصد وتقسيم هائل لكل أنواع البيانات التي يمكن جمعها. وبموجب هذا القانون، تلقى عدد من الشركات الأمريكية غرامات هائلة خلال الأعوام الماضية.
بحسب «رويترز»، اعتبر روبيو أن القانون الأوروبي يعد أحد الأمثلة على التشريعات التي تفرض «عبء قيود غير ضرورية لمعالجة البيانات ومتطلبات تدفقها عبر الحدود».
كما أشارت البرقية كذلك إلى قلق أمريكي من الصين، والتي «تجمع مشاريع بنية تحتية تقنية مغرية مع سياسات بيانات تقييدية تُزيد من نفوذها الدولي وولوجها إلى بيانات عالمية».
وعلى الرغم من التركيز الأمريكي على الاتحاد الأوروبي والصين، إلا أن من الضروري فهم موقعنا من معركة البيانات هذه، والتي أصبحت أحد أهم السلع في هذا العصر، خصوصًا مع الاحتياج المستمر لنماذج الذكاء الاصطناعي لقدر غير محدود من البيانات لتدريبها. على سبيل المثال، لدى مصر قانون لحماية البيانات، ويستند إلى القانون الأوروبي بشكل أساسي.
قابل «مدى مصر» محمد الطاهر، الباحث والتقني في «مسار»، المؤسسة الحقوقية المهتمة بالدفاع عن الحقوق الرقمية في مصر، لفهم أبعاد معركة هذه البيانات وموقعنا منها. تم تحرير هذا الحوار لأغراض التوضيح.
«مدى مصر»: في البداية، اشرح لنا تفاصيل الخلاف الحالي.
محمد الطاهر: الخلاف بشكل أساسي: هل البيانات ستظل داخل الدول أم تخرج منها؟ يعني أنا دلوقتي مثلًا موجود في مصر، وعندنا بيانات لمستخدمين أو لمؤسسات، سواء خاصة أو حكومية، هل هتطلع برا ولا سيتم تخزينها ومعالجتها في مصر. ده الخلاف الأساسي، وهناك شوية تفاصيل حواليه.
التفصيلة الأولى عن ماهية هذه البيانات أصلًا. مش هينفع نعامل بيانات كُتب مثلًا كما نعامل قاعدة بيانات فيها معلومات صحية عن مواطنين. في العالم كله، هناك محاولات لتنظيم التعامل مع هذه البيانات، أشهرها النظام الأوروبي العام لحماية البيانات GDPR في الاتحاد الأوروبي. عندنا في مصر هناك قانون لحماية البيانات صدرت لائحته التنفيذية مؤخرًا تقريبًا في نوفمبر الماضي، وبالتالي أصبح ساريًا. مؤخرًا الخناقة أصبحت: البيانات دي هتروح فين وهيتم التعامل معاها إزاي؟ بعض الناس شايفين إنه والله البيانات لازم تكون موجودة داخل البلد ما تخرجش. بعض الناس يحددون تصنيفات مختلفة للتفرقة بين أنواع البيانات. البيانات الحساسة مثل البيانات الصحية أو البيانات المالية أو البيانات اللي فيها تعريفات شخصية واضحة، بالنسبة لهم تظل داخل البلد، لكن هناك تساهل في خروج أنواع أخرى من البيانات.
«مدى»: البرقية التي ذكرتها «رويترز» تركز بالذات على نقل البيانات. بعض الناس يطلقون عليها السيادة البيانية أو Data sovereignty. ما هي السيادة البيانية؟
الطاهر: ببساطة شديدة، سيادة بيانية تعني التحكم الكامل في بياناتي. لكن السؤال هنا من أنا؟
ممكن كفرد أسيطر على بياناتي. أسيطر عليها بمعني أني أصبح قادر على حذفها أو الوصول إليها أو أخذ نسخة منها وهكذا. الأمر ذاته على مستوى الدول والمؤسسات: السيطرة التامة على البيانات الموجودة داخل البلد، والتي تخضع للوائح والمعايير. السيادة على البيانات بشكل بسيط تعني السيطرة على هذه البيانات.
«مدى»: لكن هناك فرق بين سيطرة الأفراد وسيطرة الدولة. البرقية مثلًا تشير إلى دولة مثل الصين، والحديث المستمر عن استخدامها للبيانات في أغراض القمع وتقييد الحريات، في محاولة لتصوير الموضوع على أنه حملة لحقوق وحريات الإنسان. لكن في الحقيقة هناك سؤال مشروع حول هذه السيادة، وحصرها بين الدول أو الشركات، وكأنه لا يوجد خيار ثالث اسمه المستخدم.
الطاهر: معظم الناس يستخدمون تعبير السيادة الرقمية والسيادة على البيانات بما يعني الدول. لا أحد يتحدث عن سيادة المستخدم إلا بعض المنظمات الحقوقية المهتمة بموضوع حماية البيانات، وبعض المبرمجين والتقنيين.
إذا انتقل الكلام لسيطرة المستخدم على بياناته، سيتحول الحديث تمامًا إلى مساحات مختلفة كحلول لا مركزية لتخزين البيانات، أو الحلول التقنية المحلية الممكنة على سبيل المثال.
«مدى»: لكن لماذا كل هذه المعارك على البيانات أصلًا؟
الطاهر: البيانات لها أهمية كبيرة الآن لنماذج الذكاء الاصطناعي. كل ما البيانات تزيد كمًا وتنوعًا، سيكون له أثر إيجابي على مدى ذكاء النموذج نفسه.
حين ظهرت فكرة تحليل البيانات الضخمة واستخراج معلومات منها وما إلى ذلك، أصبحت هناك أهمية كبيرة للبيانات. لكن بعد موضوع الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية، أصبحت البيانات المحرك الأساسي للتطور. هذه الخناقة تتعلق بالاقتصاد بشكل كبير. البيانات تساوي أموالًا، لأنني أستطيع استخدامها في تدريب نماذج الذكاء الصناعي وتدوير مراكز بيانات data centers مهولة. اعتماد الناس على مراكز البيانات الموجودة لديّ يعني قوة مهمة.
«مدى»: ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لمصر؟
الطاهر: مؤخرًا أصبح عندنا طريق جيد في الحقيقة، وتتعلق بتشجيع القطاع الخاص على بناء مراكز بيانات data center في مصر. هناك مبادرة لطيفة تتعلق بمواقع مستضافة داخل مصر تركز على البيانات الحساسة، كما يحددها قانون حماية البيانات ولائحته، والذي يشمل بعض المعايير المتعلقة بنقل البيانات عبر الحدود بشكل يشبه القانون الأوروبي. يعني مثلًا ما ينفعش تنقل البيانات من الدولة إلا لما تاخد تصريح مسبق. وهناك بعض المعايير في التصاريح. الدولة التي تُنقل إليها البيانات لازم تتمتع هي الأخرى بقوانين حماية خصوصية.
بالنسبة لي، هناك مشكلة كبيرة طبعًا لها علاقة بالبيانات الحساسة مثل البنوك والصحة. كل ما هو حكومي يجب أن يكون بالضرورة موجودًا في مصر. الدولة لا بد أن يكون لديها سيطرة على هذه البيانات حتى لو عندنا ملاحظات ضخمة على الخصوصية وما إلى ذلك.
هذا هو محور الصدام كما يظهر في توجيهات الخارجية الأمريكية. الأمريكيون يريدون تسهيلًا كبيرًا للغاية. ومصر مثل كل الدول الأخرى فيما يخص الضغط الأمريكي. احنا أضعف سياسيًا وتقنيًا، وبالتالي يبقى فيه استجابة أعلى وأسرع من ناحيتنا. يحدث هذا بالفعل في الفترة الأخيرة كما يظهر في الرغبة في بناء مراكز بيانات أو تفعيل القانون وخلافه.
هناك أيضًا بعض المحاولات في مساحات أخرى. منذ أيام أعلنت مصر عن نموذج لغوي اسمه كرنك. هناك أيضًا استراتيجيات مثل استراتيجية مصر الرقمية، ومقترحات بإصدار قانون جديد لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
لكن في النهاية لا شك أن ما يحدث في العالم يؤثر فينا، وهو ما يظهر بوضوح في تأثيرات التكنولوجيا وقطاع الإنترنت والاتصالات، وحتى قرارات الحوكمة والتطور الذي تشهده، والذي ينتقل تأثيره إلى مصر. أبرزها مثلًا تأثيرات GDPR، والذي يوفر حماية مهولة أوسع حتى بالنسبة لي وأنا هنا في القاهرة. التأثيرات من هذا النوع تجاوزت الجزء المحلي.
تقارير ذات صلة
بودكاست| عالم جديد يصنعه الغباء الاصطناعي
هل من الممكن بالفعل أن تستبدل الإنسان في العمل، أو أن تستبدل الإنسان في الحياة؟
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
ما تحتاجه المفاوضات ويفتقر إليه ترامب: تقييم الجولة الأولى للمباحثات مع إيران
حتى وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد ثارت شكوك حول إمكانية انعقاد المحادثات من الأساس،
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن